هل تنجح مساعٍ مصرية في استعادة رأس نفرتيتي؟

بعد إطلاق وثيقة لاستردادها من ألمانيا

رأس نفرتيتي في متحف برلين (أ.ف.ب)
رأس نفرتيتي في متحف برلين (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح مساعٍ مصرية في استعادة رأس نفرتيتي؟

رأس نفرتيتي في متحف برلين (أ.ف.ب)
رأس نفرتيتي في متحف برلين (أ.ف.ب)

قبل نحو 111 عاماً، خرج من مصر متجهاً إلى ألمانيا صندوق يضم قطعة آثار تعدّ اليوم رمزاً للجمال الأنثوي على مستوى العالم، إنها رأس الملكة نفرتيتي، زوجة أخناتون، حاكم مصر خلال الأسرة الفرعونية الـ18، ما بين عامي 1353 و1336 قبل الميلاد.

ويذكر أن هذا التمثال النصفي المصنوع من الحجر الجيري الملون، وجدته البعثة الألمانية برئاسة لودفيج بورشاردت أثناء أعمال الحفائر التي كانت تقوم بها في تل العمارنة (محافظة المنيا بصعيد مصر حالياً) عام 1912، وتحديداً في ورشة النحات تحتمس، ويعود تاريخه إلى عام 1345 قبل الميلاد.

ويعود التمثال لنحو 3500 سنة مضت، ويبلغ ارتفاعه 47 سنتيمتراً، ووزنه نحو 20 كيلوجراماً، ويُظهر رأس الملكة نفرتيتي والرقبة وجزءاً من الكتفين.

وأعلن العالم الآثاري المصري الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، عن إطلاق وثيقة تستهدف جمع توقيعات شعبية لاستعادة رأس نفرتيتي من ألمانيا.

وشرح خلال ندوة عامة بقصر الأمير طاز (وسط القاهرة)، السبت، رحلة الرأس الفريدة من نوعها، وكيفية خروجها من مصر، وتفاصيل الوثيقة التي أطلقها.

وقال حواس لـ«الشرق الأوسط»: «أطالب مليون مصري بالتوقيع على هذه الوثيقة حتى أبدأ الإجراءات الخاصة باستعادة رأس نفرتيتي»،

وخرج التمثال من مصر في سبتمبر (أيلول) عام 1913، وتنقل بين أكثر من مكان حتى استقر في متحف برلين، وأوردت الوثيقة، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، أكثر من محاولة مصرية لاستعادة هذا الرأس، واستندت الوثيقة إلى «المادة 13ب من اتفاقية اليونسكو بشأن وسائل حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، التي صدقت عليها ألمانيا في عام 2007 وقبلتها مصر في عام 1973، والتي تنص على تسهيل إعادة الممتلكات الثقافية المصدرة بشكل غير مشروع إلى مالكها الشرعي في أقرب وقت ممكن».

وأوضح حواس أن «الإجراءات التي سيتخذها سترتكز على الجهود المجتمعية للضغط الجماهيري على الحكومة الألمانية لتعيد رأس نفرتيتي، ومناشدة المجتمع الدولي لإعادة التمثال إلينا، وطلب من وزير الثقافة الألماني، ومؤسسة التراث الثقافي البروسي، وإدارة متحف نيويس، الاهتمام بهذه العريضة والاستجابة للطلب».

وتابع: «أعتقد أن العالم الآن لديه صحوة ورغبة في رد الآثار المسروقة، حتى إن الرئيس الفرنسي ماكرون أعلن أن بلاده اغتصبت آثار أفريقيا، ويجب إعادتها».

وأضاف: «لذلك أطالب باستعادة القطع الأثرية المصرية الفريدة مثل حجر رشيد في المتحف البريطاني والزودياك في اللوفر ورأس نفرتيتي في متحف برلين، لا بد أن تعود وتُعرض في المتحف المصري الكبير».

وبدأت مطالبة مصر بإعادة التمثال منذ عرضه رسمياً في برلين عام 1924، ووصل الأمر إلى أن هددت مصر عام 1925 بحظر التنقيب الألماني عن الآثار، وبعد 4 أعوام عرضت مبادلة التمثال بقطع أخرى، لكن ألمانيا رفضت.

وتوالت المطالبات بعودة التمثال الذي يحظى بشعبية كبيرة في ألمانيا، وتنتشر صور وملصقات له في العديد من الأماكن، لدرجة أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك حين زار برلين نهاية الثمانينات من القرن الماضي وصف التمثال بأنه «سفير لمصر في برلين»، وفق تقارير إعلامية وقتها.

وذكر حواس أنه عند توليه الأمانة العامة للمجلس الأعلى للآثار بمصر في 2011 «أرسلت خطاباً إلى الحكومة الألمانية - حصلت (الشرق الأوسط) على نسخة منه - للمطالبة بإعادة الرأس، وردوا عليّ وقتها بأنهم يريدون توقيع الوزير على هذا الخطاب رغم أنني كنت حاصلاً على موافقة رئيس الوزراء».

وجاء في الخطاب: «أكتب لكم نيابة عن حكومة مصر لتقديم طلب رسمي لاستعادة تمثال نفرتيتي المصنوع من الحجر الجيري والمسجل في المتحف المصري الجديد تحت رقم AM 21300».

وعلى المستوى الرسمي، سبق أن صرح السفير الألماني في القاهرة عام 2017، على هامش لقائه بوزير الآثار المصري وقتها خالد العناني، بأن «الوزير لم يستطع إقناعه بوجهة نظره حول إعادة رأس نفرتيتي»، مضيفاً أن «رأس نفرتيتي تمتلك شعبية كبيرة في ألمانيا».

وسافر وزير السياحة والآثار المصري الأسبق الدكتور خالد العناني إلى ألمانيا عام 2020، وأعلن عن استرداد قطع أثرية، وقال في تصريحات متلفزة وقتها: «إن رأس نفرتيتي خرجت من مصر بطريقة مثيرة للجدل، وإن الألمان متمسكون بها لأنها قطعة فريدة في النحت».

وبينما أثنى الأمين العام للآثار الأسبق، الدكتور محمد عبد المقصود، على فكرة «التحرك الشعبي لاستعادة رأس نفرتيتي»، قائلاً: «هذا جهد مشكور»، استدرك: «لكن من الصعب جداً استعادة الرأس بهذه الطريقة، يجب أن تتدخل الدولة بعلاقاتها الدبلوماسية وبشكل رسمي، فأرى أن ذلك سيكون مفيداً وأكثر جدوى»، واقترح عبد المقصود أن «تعمل القنوات الدبلوماسية المصرية عن طريق وزارة الخارجية، وليس وزارة الآثار، على استعادة القطع المهمة من الخارج، ولو لفترة قصيرة، لتعطي زخماً لافتتاح المتحف المصري، ولكن بالتفاهم والتنسيق الدبلوماسي».


مقالات ذات صلة

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
يوميات الشرق دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)

مصر تحسّن الصورة البصرية لمحيط قلعة صلاح الدين بجداريات ملوّنة

تعمل محافظة القاهرة على تحسين الصورة البصرية بمحيط قلعة صلاح الدين التاريخية بتدشين عدد من الجداريات واللوحات الفسيفسائية لأشهر معالم القاهرة التاريخية.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)

سور تحت مستشفى في باريس قد يحسم سرّ نشأة المدينة!

قد يُعيد سور قديم اكتُشف في باريس رسم خريطة البدايات الأولى للعاصمة الفرنسية، بعدما أعلنت السلطات أنّ العثور عليه يمثّل «إنجازاً كبيراً»...

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي من موقع تدمر الأثري في وسط سوريا (أ.ف.ب)

بقيمة 5 ملايين دولار... أميركا تعيد 36 قطعة أثرية إلى سوريا

أعلن مسؤولون أميركيون، الأربعاء، إعادة 36 قطعة أثرية مسروقة إلى سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

اللبناني إيلي أبو خليل «يتحدَّى» الذكاء الاصطناعي بالفكر الإنساني

بيروت أيام العزّ بالذكاء الاصطناعي (إيلي أبو خليل)
بيروت أيام العزّ بالذكاء الاصطناعي (إيلي أبو خليل)
TT

اللبناني إيلي أبو خليل «يتحدَّى» الذكاء الاصطناعي بالفكر الإنساني

بيروت أيام العزّ بالذكاء الاصطناعي (إيلي أبو خليل)
بيروت أيام العزّ بالذكاء الاصطناعي (إيلي أبو خليل)

انتشرت في الأيام الأخيرة مقاطع مولَّدة بالذكاء الاصطناعي من مسلسل «باب الحارة»، متصدّرةً المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي. من بينها ما يُظهر أبطال العمل وهم يعزفون على الغيتار والأرغن أو يرقصون الفالس، وأخرى تُعيد تقديم مشاهد منه بأسلوب متجدّد، من خلال قَصّات شَعر وأزياء حديثة. وسرعان ما انتشرت هذه المقاطع، محققةً ملايين المشاهدات، ووصلت أصداؤها أبعد من العالم العربي.

كان اللبناني إيلي أبو خليل أول مَن أطلق هذا النوع من المقاطع، إذ قدّم مشهداً من المسلسل بلغات عدّة. وسرعان ما لحق به آخرون، مستوحين من محتواه أفكاراً لمقاطعهم، فولَّد، من دون أن يدري، ظاهرة راحت تكبر يوماً بعد يوم لتغزو وسائل التواصل.

واختار أبو خليل مشهداً حوارياً يجري بين بطلَي العمل في جزئه الأول، أبو عصام (عباس النوري) وأم عصام (صباح الجزائري)، ودبلجه بلغات مختلفة، مركزاً على حوار تتخلّله كلمة «فشرت» التي تقولها أم عصام لزوجها، وتتسبب، وفق سياق العمل، في طلاقهما. وحقّق المقطع تفاعلاً كبيراً، متجاوزاً 10 ملايين مشاهدة خلال أيام.

ولفت أبو خليل، بمحتواه، وسائل إعلام عربية وعالمية. فمنذ يونيو (حزيران) الفائت، بدأ رحلة تحدٍّ مع الذكاء الاصطناعي تحت عنوان «أنا من يحاول الذكاء الاصطناعي استبداله»، يعمل من خلالها على تأكيد أن هذا الاختراع لا يمكنه إلغاء الفكر الإنساني.

ونشر مقاطع قصيرة افتراضية نفّذها بأسلوبه بهدف الترفيه، محقّقاً ملايين المشاهدات. وفي معظم هذه المقاطع، يطلّ إيلي بطلاً للفيلم، فيما يشبه توقيعاً دائماً لأعماله. ويأخذنا في جولات تتمحور تارةً حول بيروت أيام العزّ، وتارةً أخرى حول موضوعات تصدّرت وسائل التواصل، فيعيد تقديمها بقالب جديد وإطار ترفيهي مضحك.

وبلغ نجاح إيلي ذروته مع المقطع المصوَّر من مسلسل «باب الحارة». وخرجت كلمة «فشرت» من إطارها الشامي المعروف، لتصل إلى جمهور من جنسيات مختلفة، وتعيد المسلسل إلى الواجهة بعدما تحوّلت اللقطة إلى ظاهرة يتبادلها الناس في بلدان عدة. وأضاف إيلي لمساته إلى المشهد، فأطلّ فيه وهو يوجّه صفعة إلى أبو عصام، لأنه، برأيه، ظلم زوجته.

ويُعلّق لـ«الشرق الأوسط»: «هذا المقطع لا يزال متداولاً بنسخته الأصلية على وسائل التواصل منذ سنتين وحتى اليوم، رغم إنتاجه قبل 20 عاماً. راودتني فكرة إعادة تركيبه بنكهة كوميدية، بصوت البطلَيْن السوريَّيْن وصورتهما، فأعدت تقديم اللقطة بلغات مختلفة، ووصلت إلى الصين والهند، ولا سيما فرنسا. ولاقت النسخة الفرنسية أعلى نسبة مشاهدة، متجاوزةً 6 ملايين مشاهدة». ويضيف: «مجرّد تخيّل صباح الجزائري وعباس النوري يتحدّثان بالصينية والإسبانية كان كافياً ليرسم الابتسامة، لاشعورياً، على ثغر مشاهديهما».

أما هدفه من تقديم هذه المقاطع القصيرة، فيختصره بالقول: «رغبت في التأكيد أن الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة في يد الإنسان، يستطيع من خلالها توليد أفكار كثيرة. ومن دون الإنسان وإدارته لهذه الأداة، يتوه الذكاء الاصطناعي ويفشل في مَهمّته».

فادي رعيدي ونعيم حلاوي نالا حصّتهما من الذكاء الاصطناعي (إيلي أبو خليل)

ويرى أبو خليل أن هذا الاختراع يُقلق اليوم أصحاب مهن كثيرة، لا سيما العاملين في مجال التصميم الغرافيكي. ويتابع: «لكنني أؤكد أنّ فكر الإنسان لا يمكن إلغاؤه. وهذا أمر لمسته في طبيعة عملي مخرجاً منفّذاً في شركة تسويق. إذا لم يزوّد الإنسان الذكاء الاصطناعي بالمهمة والخطة المراد تنفيذها، فسيفشل من دون شكّ».

ومن المقاطع التي نشرها إيلي أبو خليل على صفحته الإلكترونية، التي لا يتجاوز عمرها أشهراً، جولة يسير فيها في بيروت القديمة، فيعود بنا إلى زمن الخمسينات والستينات، عندما كانت العاصمة اللبنانية خالية من زحمة السير والهواتف المحمولة والنفايات على الطرقات. وعلى وقع صوت فيروز في أغنية «كيفك إنت»، يرافق المشاهد إيلي في جولته، ويستكشف بيروت أيام العزّ، بأزقتها ودكاكينها ومقاهيها وحافلاتها الشهيرة باللونين الأبيض والأحمر.

ويتابع: «هذا المقطع ركّبته من صور حقيقية لبيروت في تلك الحقبة، فأذكّر الناس بها، وأحقّق لهم حلم رؤية عاصمتهم بالصورة التي كان أهاليهم وأجدادهم يُخبرونهم عنها».

ويبحث إيلي أبو خليل دائماً عن الموضوع الرائج على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك، جمع مقاطع عن قصة طلاق المؤثرَين «دكتور فود» وزوجته «شروق». وفي مقطع آخر، استعاد أغنية «بتغيب بتروح» التي اشتهر بها الممثلان نعيم حلاوي وفادي رعيدي في التسعينات، وقدّمهما في مشهد مختلف حول مائدة طعام لبنانية. كما اختار، من مكتبة الإعلانات التجارية الشهيرة في الحقبة عينها، الإعلان التلفزيوني «فادي ما سقط».

وعن خطواته التالية، يوضح: «تركيبة جديدة لمقطع من مسلسل (مريانا)، الذي لاقى شهرة واسعة عام 2002. كما سأطوّر موضوعات رائجة أخرى كلّما سنحت لي الفرصة».

ويشير إيلي أبو خليل إلى أنّ ما يُنجزه قد يُجيده أيّ شخص آخر، لكن الأهم أن يدرك كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة صحيحة. ويختم: «إضافة إلى الطابع الكوميدي الذي يرافق منشوراتي، يبقى هدفي الأساسي التأكيد للناس ألا يخافوا من الذكاء الاصطناعي. فقلقهم منه وخوفهم من أن يكون بديلاً عنهم في أداء مَهمّاتهم ومهنهم ليس في محلّه. فهو مجرّد آلة يلقّنها الإنسان مهام معيّنة كي تنجزها، ليس أكثر».


كم يمشي طفل في الثالثة؟ الرقم يُفاجئ البالغين

قدمان لا تعرفان أنهما قطعتا كلّ هذه المسافة (أ.ب)
قدمان لا تعرفان أنهما قطعتا كلّ هذه المسافة (أ.ب)
TT

كم يمشي طفل في الثالثة؟ الرقم يُفاجئ البالغين

قدمان لا تعرفان أنهما قطعتا كلّ هذه المسافة (أ.ب)
قدمان لا تعرفان أنهما قطعتا كلّ هذه المسافة (أ.ب)

يتحرَّك الأطفال الصغار أكثر بكثير مما يعتقد كثير من البالغين، إذ يقطع الأطفال في سنّ الثالثة والرابعة نحو 18 ألف خطوة يومياً في المتوسط.

خلصت إلى ذلك دراسة دولية شملت أكثر من 3500 طفل في 44 دولة، نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «لانسيت لصحة الأطفال والمراهقين». وجُمعت البيانات بين عامَي 2018 و2025، باستخدام أجهزة استشعار للحركة ارتداها الأطفال في سنّ الثالثة والرابعة حول الخصر 3 أيام على الأقل. وتتولّى جامعة ولونغونغ في أستراليا تنسيق دراسة «صن رايز».

وبلغ ما يُعرف بـ«الوسيط المرجّح» 18 ألفاً و542 خطوة يومياً، ممّا يعني أنّ نصف الأطفال سجّلوا عدداً أكبر، فيما سجّل النصف الآخر عدداً أقل. وبلغ متوسّط عدد الخطوات لدى الأطفال في الثالثة نحو 17 ألفاً و500 خطوة، في حين اقترب لدى الأطفال في الرابعة من 19 ألف خطوة.

وكانت الفروق بين الأطفال كبيرة جداً، إذ تراوحت النتائج بين نحو 1100 خطوة في الحد الأدنى و29 ألفاً و800 خطوة في الحد الأقصى. وبذلك، قد يتجاوز الفارق بين طفل قليل الحركة نسبياً وآخر شديد النشاط 25 ألف خطوة في يوم واحد.

وكتب أكثر من 30 باحثاً شاركوا في دراسة «صن رايز»، (شروق الشمس)، أنّ النشاط البدني في مرحلة الطفولة المبكرة ضروري للنمو والتطوّر الصحي. لكنّ الباحثين لم يقدّموا توصية صريحة بعدد محدد من الخطوات للأطفال في سنّ ما قبل المدرسة، نظراً إلى أن عوامل أخرى تؤثّر في سلوكهم الحركي. واقترحوا أن تربط دراسات مستقبلية هذه النتائج، من بين أمور أخرى، بمدّة الجلوس وأنماط النوم.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن يمارس الأطفال في الثالثة والرابعة نشاطاً بدنياً لمدة 180 دقيقة على الأقل، موزَّعة على مدار اليوم، على أن تكون 60 دقيقة منها على الأقل من النشاط المتوسّط إلى المرتفع الشدّة. ولا تحدّد المنظمة أيضاً عدداً موصى به من الخطوات للبالغين. واستناداً إلى توصيات النشاط البدني للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عاماً، أوصت دراسات سابقة بالمشي ما بين 7 و10 آلاف خطوة يومياً.

وخلص الباحثون إلى أنّ الأطفال في الدول منخفضة الدخل يقطعون في المتوسّط نحو 23 ألف خطوة يومياً، أي أكثر بنحو 5 آلاف خطوة من الأطفال في الدول مرتفعة الدخل. كما سجَّل الأطفال في المناطق الريفية نحو ألفَي خطوة إضافية مقارنةً بأطفال المدن.

وشملت الدراسة في أوروبا، من بين دول أخرى، دولاً اسكندنافية وبريطانيا وإسبانيا وبولندا، فيما لم تشمل ألمانيا. ومن الدول المشاركة ذات الدخل المنخفض نسبياً الهند وكينيا، على سبيل المثال.

وعلى غرار دراسات سابقة عن النشاط البدني، كشفت هذه الدراسة أيضاً عن فارق بين الأولاد والبنات؛ فقد كان الأولاد في سنّ الثالثة يمشون نحو 1640 خطوة إضافية يومياً مقارنةً بالبنات من العمر عينه، في حين بلغ الفارق لدى الأطفال في الرابعة نحو 1150 خطوة. وعزا الباحثون ذلك، على الأرجح، إلى اختلافات بين الجنسين في سلوك اللعب والأنشطة الترفيهية، فضلاً عن تأثيرات اجتماعية وثقافية تظهر بالفعل في هذه السنّ المبكرة.

واقترح فريق الباحثين، عند وضع استراتيجيات لتعزيز النشاط البدني في مرحلة الطفولة المبكرة، إيلاء اهتمام خاص للبنات، وكذلك للأطفال ذوي الوزن الأعلى، الذين يسجّلون بدورهم عدداً أقل من الخطوات.


«من إيد لإيد»... الخيط الذي وَصَلَ ثلاث نساء

ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)
ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)
TT

«من إيد لإيد»... الخيط الذي وَصَلَ ثلاث نساء

ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)
ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)

هناك قضايا تدخل المسرح مُحمَّلة سلفاً بقوتها الإنسانية، وهذه القوة قد تكون فخّاً للعمل بقدر ما هي رصيده. يكفي أحياناً سرد التجربة كي تُحرّك المُتلقّي، فيما يبدأ الامتحان المسرحي عند تحويلها إلى بناء له منطقه وجمالياته، يستطيع أن ينفصل عن جاذبية القضية التي حملته. في مسرحية «من إيد لإيد»، التي كتبتها نائلة الحارس وأخرجتها وأدّتها على «مسرح المدينة» في بيروت، وجدت حكاية عائلة من الصمّ مُعادِلَها الفنّي في اليد والجسد والخيط والضوء والظلّ والصوت. هكذا لا تبقى السيرة رهينة ما حدث، إذ يُعيد المسرح تركيبها بصرياً وحسّياً، ويمنح تجربة الصمم شكلاً يمكن رؤيته والإحساس بأثره على الخشبة.

نائلة الحارس بين لغة وُلدت فيها وأخرى وُلدت معها (الشرق الأوسط)

الحارس ابنةٌ تسمع في عائلة لا تسمع. وبين السمع والصمم، تشكَّلت علاقتها المُبكِرة بالعالم وبعائلتها. فالطفلة امتلكت ما يفتقده أبواها، ثم احتاجت إليهما كي تتعلَّم لغتهما، وصارت بدورها أداةَ عبورهما إلى عالم مبنيّ في جانب كبير منه على الصوت. اختلَّ بذلك التوزيع المألوف للأدوار. الابنة تتلقّى الحماية من والديها، وتحمل قدرةً يحتاجان إليها. تكبُر بين نظامَيْن للإدراك، من دون أن تكون تجربتها مُطابِقة لأيٍّ منهما.

تحمل اليد في العرض تاريخاً يتخطَّى حركتها ووظيفتها التواصلية. في عالم الخياطة الذي تستدعيه المسرحية، اليد تقيس وتقصّ وتصل قطعةً بأخرى. وفي عالم الصمّ، اليد تحمل اللغة. تبني سينوغرافيا إيلي مهنّا منطقها البصري بين هذين العالمَيْن. الخيط مادة الحكاية. ثلاثة أجيال من النساء يصل بعضها إلى بعض بما يُشبه الغرزة. شيءٌ من الجدّة يدخل في الأم، وشيءٌ من الأم يستقرّ في الابنة، فيما تبقى لكلّ واحدة هيئة مختلفة لقماش واحد. حتى الأحلام المؤجَّلة تبدو قابلة للتوارث، فالعائلة لا تُورِّث ما حقّقته فقط. تورِّث أيضاً ما عجزت عن بلوغه.

تدخل الظلال في هذا النسيج بذكاء. إضاءة محمد أسعد تمنح الجسد أكثر من صورته المادية، فيتحرَّك على الخشبة ومعه أثرٌ آخر، أكبر أحياناً وأقل وضوحاً دائماً. وهذا الأثر يُلامس طبيعة الحقيقة في السيرة الذاتية. الماضي الذي تستعيده الحارس مرَّ بالطفلة التي كانتها، وبالمرأة التي أصبحتها، ثم بالفنانة التي أعادت تركيبه. الظلُّ قريب من حقيقة الذاكرة، يحتفظ بالملامح ويُشوّش أطرافها. وما نُشاهده ليس الجدّة والأم كما كانتا. شاهدنا ما بقي منهما داخل الابنة.

ابنة كبرت وفي أذنها عالم لا تعرفه أمّها (الشرق الأوسط)

وللصوت بتصميم كارول أوهير وظيفة ماكرة. المتلقّي يسمع مسرحية عن أناس حُجِب عنهم هذا الجانب من العالم. لذلك تصبح الموسيقى التي تصل إلى أذنه معلومة أيضاً. العرض يجعلنا ننتبه إلى هذه الأصوات لأنّ هناك مَن يعيش من دون سماعها.

ثم تُزعزِع الأم سهولةَ التصوّرات والمفاهيم. ترفض جراحة لتحسين سمعها وتُعلن سعادتها بالصمم. بذلك تصبح كلمة «نقص» مَوْضِعَ مُراجعة. نحن الذين نسمع، نتخيَّل خسارتها انطلاقاً ممّا نملكه. نحزن نيابةً عنها على موسيقى لم تسمعها ومطر لم تعرف صوته وصراخ أطفال لم يصل إلى أذنها. لكنّ الحرمان يحتاج كي يكون حرماناً إلى وعي بما ينقص الحياة وإلى رغبة فيه. الأم بَنَت لغتها وعلاقاتها وأمومتها وإحساسها بذاتها داخل تكوين آخر. السَمَع الذي يبدو طبّياً استعادةً لوظيفة، قد يصبح وجودياً اقتراحاً بأنّ حياتها السابقة كانت تحتاج إلى تصحيح. رفضُها الجراحة دفاعٌ عن تعريفها الخاص للاكتمال، من دون أن يمحوَ ذلك الحدود العملية القاسية التي يفرضها الصمم.

هنا تمتلك «من إيد لإيد» مادتها الثرية، وهنا أيضاً يظهر ما كان ينقص النصّ. فالحكاية تحمل طبقات نفسية تفوق ما يمنحها السرد من زمن. تَعبُر الحارس أعواماً وتحوّلات بسرعة، فتصل الوقائع قبل أن تنضج آثارها على الخشبة. الاختزال يضغط الزمن أكثر ممّا يضغط المعنى، وتفلت من بين المحطّات حياة داخلية كان يمكن الحَفْر فيها طويلاً. نساء لم يسمعن أصوات أبنائهن ولا المطر ولا الموسيقى لا يحتجن إلى شحنة عاطفية إضافية. يحتجن إلى كتابة تَنْفذ أعمق في الكيفية التي أعاد بها ذلك تشكيل علاقتهن بأنفسهن والعالم.

الصوت ليس دائماً صاحب الامتياز (الشرق الأوسط)

ينطبق هذا التفاوُت على أداء الحارس. عندما تتكلّم، تميل أحياناً إلى رواية تجربة تعرف نهايتها مسبقاً، فيستوي الإيقاع وتخفت الطاقة الداخلية للمشهد. كأنَّ قربها الشديد من سيرتها منحها معرفة شاملة بها، وسلبها في بعض اللحظات دهشةَ اكتشافها أمامنا.

لهذا كانت لحظاتها الجسدية أكثر نفاذاً. في لغة الإشارة، وخصوصاً في الرقص، تتحرَّر اليد من ترجمة الكلام وتصبح لغةً. المسرحية التي جاءت لتحكي عن السمع وفقدانه تجد لغتها الأكثر اكتمالاً كلّما وثقت بالجسد، وتركت للأيدي أن تعرف أكثر ممّا تقوله الكلمات. وفي ذلك رجوعٌ إلى أبعد نقطة في الحكاية. إلى زمن سبق الصوت. فالإنسان عرف كيف يصل إلى الآخر قبل أن يعرف كيف يُسمّيه.