متحف لندن للمياه والبخار: الروائي الإنجليزي «تشارلز ديكنز» وصف محركاته بـ«الوحش»

المحطة كانت تستخدم لضخ المياه العذبة إلى لندن لمدة 98 عاماً

محركات البخار الدوارة (الشرق الأوسط)
محركات البخار الدوارة (الشرق الأوسط)
TT

متحف لندن للمياه والبخار: الروائي الإنجليزي «تشارلز ديكنز» وصف محركاته بـ«الوحش»

محركات البخار الدوارة (الشرق الأوسط)
محركات البخار الدوارة (الشرق الأوسط)

على بعد خطوات من مقر صحيفة «الشرق الأوسط» في جنوب غربي لندن، يقع متحف لندن للمياه والبخار. هو متحف مستقل تأسس عام 1975 باسم متحف «كيو بريدج للبخار». وأعيد تسميته أوائل عام 2014 بعد مشروع استثماري كبير.

بيت المحرك العظيم ويضم محركات 90 بوصة و100 بوصة (الشرق الأوسط)

ويقع المتحف في موقع محطة ضخ «كيو بريدج» القديمة في منطقة «برينتفورد»، بالقرب من جسر كيو على نهر التايمز في غرب لندن، ويحتوي المتحف على مجموعة من محركات ضخ المياه البخارية الثابتة التي تعود إلى الفترة من 1820 إلى 1910. ويضم المتحف أكبر مجموعة في العالم من المحركات المتأرجحة، بما في ذلك أكبر محرك يعمل بذراع متأرجحة، الذي يبلغ قطر أسطوانته 90 بوصة، وارتفاعه يزيد على 40 قدماً، ويزن نحو 250 طناً. وقد وصف هذه المحركات الكاتب والروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز بأنها «وحش». ويُعدّ ديكنز بإجماع النُّقّاد أعظم الروائيين الإنجليز في العصر الفيكتوري. تميَّز أسلوبه بالدُّعابة البارعة، والسخرية اللاذعة.

أندر محركات البخار العاملة (الشرق الأوسط)

وتشارلز ديكنز، الذي زار الموقع في عام 1850، يمكن أيضاً الاستماع إليه وهو يتحدث عن محرك شعاع كورنيش 90 بوصة، الذي سماه «الوحش». أنا لست متفاجئاً؛ لأن هذا المحرك يبلغ ارتفاعه أكثر من 5 طوابق، ويصادف أنه أكبر محرك في العالم لا يزال يعمل في موقعه الأصلي. ويمكن رؤية هذا المحرك يعمل بالبخار في عطلة نهاية الأسبوع في الشهر، وخلال فعاليات «ستيم أب» الخاصة ينطلق أيضاً محرك الإطفاء البخاري الفيكتوري.

جانب من الماكينات في الطابق الأول (الشرق الأوسط)

كما يحتوي المتحف على العديد من الماكينات العملاقة التي تعمل، إضافة إلى محرك الديزل ثلاثي الأسطوانات الذي يُعرض أيضاً بشكل عام ويُدار بصورة متكررة. ويدير المتحف خط سكة حديد ضيقة ذات قياس صغير 2 قدم (610 ملم)، شهد عام 2009 إدخال قاطرة بخارية من طراز «رين»، سُميت باسم المهندس توماس ويكستيد. وكان الخط الحديدي يعمل في السابق بواسطة القاطرات الزائرة المُعارة. يمتد الخط لمسافة 400 ياردة حول موقع جسر كيو، ويتم تشغيل قطارات الركاب في نهايات الأسبوع، وفي أيام المناسبات الخاصة الأخرى. ورغم أنها ليست سمة أصلية من محطات المياه في جسر كيو، فإن السكك الحديدية كانت مستوحاة من التسهيلات المماثلة المقدمة في محطات المياه الرئيسية في المملكة المتحدة، لا سيما سكة حديد «متروبوليتان ووتر بورد»، التي كانت في الأصل بين هامبتون ومحطة مياه كيمبتون بارك. وجزء صغير من هذه السكة الحديدية يعمل الآن باسم خط سكة حديد كيمبتون البخارية، وهو الموقع الوحيد في لندن الذي يمكن فيه ركوب القطارات البخارية بهذا الحجم الكبير، وقد استفاد من بعض المساعدة السخية للغاية في ترميمه من متحف لندن للمياه والبخار.

ويحتوي موقع المتحف على عدد من المباني المدرجة من الدرجة الأولى والثانية. تم بناء بيت المحرك الأصلي، وهو موطن محركات «بول» و«بولتون أند وات» و«مودسلي» عام 1837، وهو مدرج في الدرجة الأولى، كما هو الحال مع بيت المحرك العظيم، ويضم محركات 90 بوصة و100 بوصة، التي تم بناؤها على جزأين في عامي 1845 و1869. وتم بناء «بيت المرجل»، الذي يضم الآن محركات البخار الدوارة، في عام 1837، جنباً إلى جنب مع المباني الملحقة و«البوابة» و«الجدار الحدودي»، في الدرجة الثانية. ويستعمل عدد من الفنانين والمبدعين المستقلين المباني الملحقة، والتي تتضمن ورشة عمل كاملة لأعمال الصهر والتشكيل والأحزمة.

البرج الفيكتوري العمودي:

أكثر ميزات المتحف إثارة للانتباه هو البرج الفيكتوري العمودي الذي يبلغ ارتفاعه 200 قدم. وهو ليس عموداً للمدخنة، بل إنه يحتوي على نظامين من الأنابيب العمودية التي تم ضخ المياه عبرها قبل دخولها إلى إمدادات المياه الرئيسية. تم بناء برج الطوب، ذي التصميم الإيطالي، في عام 1867 ليحل محل هيكل الشبكة المعدنية المفتوحة في وقت سابق. وهو مبنى من الدرجة الأولى، ونادراً ما يكون البرج مفتوحاً للجمهور.

البرج الفيكتوري العمودي الذي يبلغ ارتفاعه 200 قدم (الشرق الأوسط)

ويذكر أن، متحف لندن للمياه والبخار هو واحد من أهم معالم الجذب السياحية الفيكتورية في لندن. وهو يضم بعضاً من أندر محركات البخار العاملة في العالم التي لا تزال في موقعها الأصلي، وتروي قصة مذهلة عن كيفية قيام الفيكتوريين بتنظيف إمدادات المياه في لندن. وللقيام بذلك، تم إنشاء المخطط الأصلي لمدينة لندن الحديثة كما نعرفها اليوم. ويأخذك معرض «ووترووركس الجديد» داخل المتحف في رحلة عبر الزمن، تنزل عميقاً تحت مدينة لندن العائمة، حيث يمكنك مشاهدة كل الأنابيب وأعمال الأنفاق اللازمة للحفاظ على المدينة الحديثة. يحتوي المتحف على أربعة منازل نموذجية رائعة تظهر لكم كيفية استخدام المياه في المنزل منذ القرن السابع عشر حتى يومنا هذا، وكذلك أنفاق الزحف والسير عبر المجاري. يمكن العثور على «سبلاش» قطة المتحف في جميع أنحاء المتحف، وهي تُخفي حقائق مسلية لزوارنا الصغار.

نموذج مصغر للمتحف (الشرق الأوسط)

وأثبتت منطقة «سبلاش» في الهواء الطلق، التي تزود فرصة للمرح المائي التفاعلي الحقيقي، أنها مفضلة بقوة لدى العائلات، بالإضافة إلى الراشدين الذين يتمتعون بقلوب شابة، إضافة إلى 3 محركات بخارية تعمل في نهاية كل أسبوع، كما يوجد أيضا قاطرة سكة حديد بخارية ضيقة يمكن أن تركبها، والكثير من الأحداث الممتعة على مدار السنة.


مقالات ذات صلة

«انعكاسات فنية»... جسور من اللون بين السعودية والبوسنة

يوميات الشرق الفنانتان السعودية والبوسنية في افتتاح المعرض بالقاهرة (الشرق الأوسط)

«انعكاسات فنية»... جسور من اللون بين السعودية والبوسنة

يضمّ المعرض نحو 40 عملاً تتنوّع بين التعبيرية والتجريد والسريالية والرمزية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق معرض لمستنسخات المتحف المصري الكبير في مؤتمر الطيران بالعلمين (وزارة السياحة والآثار)

مصر تروّج لمقاصدها السياحية بمعرض لمستنسخات المتحف الكبير في العلمين

شاركت وزارة السياحة والآثار المصرية بمعرض «العلمين الدولي للطيران والفضاء» (EIAS 2026) في نسخته الثانية الذي افتتح الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الفنانة المصرية الراحلة عطية حلمي في مرسمها (الشرق الأوسط)

«أثر من ندا» يوثق لبدايات الفنانة الراحلة عطية حلمي

يقدم معرض «أثر من ندا» مجموعة نادرة من أعمال فنانة لم تستكمل مشوارها الإبداعي، رغم أن بداياتها كانت تحمل ملامح مشروع فني واضح ومبشر.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)

«كنوز المتاحف المصرية» تودّع هونغ كونغ بحصيلة 600 ألف زائر

ودّع المعرض الأثري المصري المؤقت «مصر القديمة تكشف أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية»، هونغ كونغ، بعد أن استقبل أكثر من 600 ألف زائر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)

«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

جميع عناصر المعرض جُمعت من أرض الواقع، لتصبح شاهدةً على حكايات أصحابها.

فيفيان حداد (بيروت)

رودولف هلال: مَن ينسحب من برنامجي أكون قد كشفتُ كذبه

يعود قريباً بموسم جديد من «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي» (فيسبوك)
يعود قريباً بموسم جديد من «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي» (فيسبوك)
TT

رودولف هلال: مَن ينسحب من برنامجي أكون قد كشفتُ كذبه

يعود قريباً بموسم جديد من «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي» (فيسبوك)
يعود قريباً بموسم جديد من «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي» (فيسبوك)

بجائزة «موركس دور» للإعلامي المتميّز التي حصدها مؤخراً، يتوّج رودولف هلال مسيرة مهنية تتجاوز 20 عاماً. وبالنسبة إليه، تُشكل الجائزة حافزاً للاستمرار، ويقول: «تعني لي: أكمل مشوارك ولا تدع شيئاً يثنيك عن ذلك. أتمتّع بصداقات مع الجميع، مع الإعلاميين أو ضيوفي، لكنها تقتصر على العمل. بالكاد لديّ صديقان مقرّبان من الفنانين». ويرى أنّ هذا التكريم يصبّ في تكريم الذات: «من الضروري أن نقف أمام المرآة ونصفّق لأنفسنا، شرط أن نُبقي أهدافنا قائمة للتقدّم والتطوّر بشكل دائم؛ مصوّبين على هدف جديد».

عادةً ما يترك الإعلامي أثراً لدى ضيوفه، وقد يضطر أحياناً إلى مجاراتهم للحفاظ على علاقة جيدة معهم. وعن أثر هذه العلاقة في عمله، يردّ: «لا أحد يتأثّر بالآخر، فالحلقة تُعرض وننتقل بعدها إلى حلقة أخرى. والأهم هو إدارة الحلقة ومحاورة الضيف. أقدّم المحتوى الذي يشبهني وآخذه دائماً بهذا الاتجاه».

ويشير إلى أنّ أسلوبه لا ينبع من الحذر، وإنما من قناعاته. فما يهمّه هو أداء عمله بعيداً عن التفكير في إقامة صداقات أو ترك أثر لدى ضيفه. ويُخبر «الشرق الأوسط» أنه لم يحاور يوماً شخصاً لا يعني له شيئاً: «مهما بلغ هذا الضيف من أهمية، فإذا كان لا يعني لي شيئاً لا أستقبله. وبذلك أتفادى ممارسة الكذب والنفاق في مهنتي».

تُوّج بجائزة «موركس دور» عن فئة الإعلامي المتميّز (فيسبوك)

وعمّا يُشكل له تحدّياً أمام الكاميرا، يجيب: «لدي علاقة جيدة مع الكاميرا، والساحة واسعة وتتّسع للجميع. وإنما لا أحبّذ أن يكذب عليَّ أحد، وأفضّل أن يقولها الضيف بصراحة ويرفض الإجابة عن سؤال يُحرجه». أما عن بعض الضيوف الذين استقبلهم وانسحبوا من الحلقة، فيوضح: «يكون هذا الضيف قد كذب عليّ وكشفته، فيلجأ إلى الانسحاب».

يستعدّ رودولف هلال للعودة بموسم جديد من برنامجه «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي»، الذي يتناول فيه قصص حياة ضيوفه بحلوها ومرّها، منذ الطفولة حتى اليوم. ويعلّق: «أفعل اليوم ما يُشبهني ويقنعني. استهللتُ بداياتي ببرامج (الهارد توك)، وكانت موجة وانتهت، ثم انتقلت إلى الحوارات الفنّية. لكنني وجدتُ في (المسار) ما كنتُ أبحثُ عنه لحوار مختلف. فالناس لم تعد تهتم بحوارات عادية استُهلكت بكثرة على الشاشة الصغيرة. وفي عصر مواقع التواصل، أصبح الفنان متاحاً للجميع، ولا شيء يُخفيه عنهم. ومن خلال (المسار)، أطلُّ على وجه آخر له لا يعرفه كثيرون. يتحدّث الضيف عن حياته وخيباته ونجاحاته، ومرات نتطرّق إلى فكرة الموت ومشكلات الطفولة. وهي موضوعات لا يعرفها الناس عنه عادةً، وغير متاحة لهم عبر وسائل التواصل. ومن الضروري أن نبحث دائماً عمّا يجذب الناس ويفضّلونه على غيره».

ومؤخراً، بدأ هلال، إلى جانب عمله التلفزيوني، باستقدام نجوم من الزمن الجميل، يُعيدهم إلى الأضواء بعد غياب، ويقيم لهم حفلات غنائية في مركز «بيروت هول» الذي يملكه. وعن سبب العودة إلى نجوم ابتعدوا عن الساحة، يردّ: «المشروع ليس فكرتي، وإنما للصديق ميشال عويس. في إحدى المرات حدّثني عنها وأعجبت بها. فهؤلاء حققوا نجاحات واسعة وشغلوا الناس بأعمالهم المعروفة. ومن الجميل أن نستعيد نوستالجيا حضورهم بيننا من جديد».

لا يستقبل ضيفاً لا يقتنع به مهما بلغت أهميته (فيسبوك)

وبالفعل، أتى هلال وعويس بأكثر من فنان ابتعد عن الساحة أكثر من 10 أعوام لأسباب مختلفة، من بينهم ألين خلف، ودارين حدشيتي، ومايا نصري. ويضيف: «هناك لائحة جديدة نعمل عليها اليوم لنضعها تحت الأضواء».

لكن هذه الإطلالات تبقى يتيمة ولا تنتج عنها إصدارات جديدة. وعن السبب، يوضح هلال: «الأسباب كثيرة، من بينها أنّ إنتاج الأغنيات بات مكلفاً جداً، وهم لا يجدون مَن يتولاه. نحن نتيح لهم الفرصة، وبعدها نترك للفنان حرّية التصرّف. كما أنّ عامل الخوف أساسي عندهم، فهم حذرون من إقامة حفلات إضافية خوفاً من ألا تلقى النجاح نفسه».

ونسأله: كيف يرى نفسه بعد 10 أعوام؟ فيردّ: «لديّ عملي الذي أركّز عليه، وأعتقد أنني سأستمر به. في الماضي القريب، كنت أعدُّ العمل التلفزيوني أولوية، لكن الأمر اختلف الآن. ولن أبحث عن فرص في قنوات أخرى، لأنني مرتاح جداً في تعاملي مع (إل بي سي آي)».

ويختم: «أطلّ اليوم عبر حساباتي في مواقع التواصل بموضوعات مختلفة وعميقة تُلاقي انتشاراً واسعاً. أحاول استخدام جميع المنابر لإيصال محتوى جيّد. ولا أعرف أين سيصل بي الأمر في المستقبل. فهل أُصدر كتاباً أو أقدّم بودكاست؟ لا أدري».


بعد صداقة طويلة... هنديتان تكتشفان أنهما شقيقتان

مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
TT

بعد صداقة طويلة... هنديتان تكتشفان أنهما شقيقتان

مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)

اكتشفت امرأتان هنديتان في الأربعينيات من عمرهما أنهما شقيقتان بيولوجيتان، بعدما تبنتهما عائلتان مختلفتان ونشأتا بالقرب من بعضهما في هولندا.

وُلدت مينا جيلتينك ومينال تيسن في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتبنت كلاً منهما عائلةٌ مختلفة من دار أيتام في مدينة مومباي غربي الهند، بعد أشهر قليلة من ولادتهما. وتم تبني «مينا» و«مينال» من داري أيتام مختلفتين على يد زوجين هولنديين مختلفين.

والتقت المرأتان للمرة الأولى في بداية مراهقتهما خلال فعالية نظمتها وكالة التبني التي تعامل معها والداهما، ولاحظتا حينها التشابه الكبير بينهما في المظهر والتصرفات.

وتتذكر مينا، البالغة من العمر الآن 43 عاماً، ذلك اليوم بوضوح، وتقول لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «تم جمع جميع الأطفال المتبنين معاً للتعارف والتواصل وتناول العشاء»،

كانت كل من مينا ومينال برفقة أصدقاء لاحظوا مدى تشابههما، وتقول مينا: «قالوا لي: انظري إلى نفسكِ في المرآة».

اهتمامات مشتركة

وقالت مينا لـ«بي بي سي»، وهي تتحدث من منزلها في هولندا: «خلال العشاء، ظللت أنظر إليها طوال الوقت». وفي اليوم التالي، تبادلت الفتاتان أرقام الهواتف والعناوين، ووعدتا بالبقاء على تواصل.

ورغم عدم وجود أي مؤشر على وجود صلة قرابة دموية بينهما، فإن الرابط بينهما نشأ فوراً؛ ولسنوات، تبادلتا الرسائل وكثيراً ما خاطبت كل منهما الأخرى بكلمة «أختي» لأنهما «شعرتا بذلك فعلاً».

كتبتا عن المدرسة والأصدقاء والفتيان والخروج والرقص. وتحدثتا عن الرياضات التي تمارسانها وناقشتا الموسيقى، لتكتشفا حبهما المشترك لفرقة «باك ستريت بويز» (Backstreet Boys)، ثم انقطع التواصل بينهما قبل 15 عاماً؛ فقد انتقلت مينال إلى فرنسا، بينما كانت مينا قد أنجبت طفلها الأول وانشغلت بمسؤولياتها.

رسالة بـ«فيسبوك» أول الخيط

في عام 2017، حضرت «مينا» اجتماعاً آخر للمُتبنَّين من الهند، حيث سمعت عن اختبارات الحمض النووي وقررت إجراء الاختبار بنفسها. لكنها لم تعثر على أي تطابق، وفي وقت سابق من هذا العام، حذفت التطبيق لأن مساحة التخزين في هاتفها كانت ممتلئة. ثم في 20 مايو (أيار)، تلقت «مينا» رسالة من «مينال» عبر «فيسبوك». سألتها: «هل تذكرينني؟».

وكانت «مينال» قد أجرت اختبار الحمض النووي في شهر أبريل (نيسان) أثناء زيارتها لوالديها في هولندا، وأرفقت لقطة شاشة لنتيجة الاختبار. وتقول «مينا»: «أعدتُ تثبيت التطبيق. كنت متوترة للغاية لدرجة أنني أدخلت كلمات مرور خاطئة عشر مرات قبل أن أتمكن من تسجيل الدخول». وكانت النتيجة واضحة تماماً؛ فقد تبين أن المرأتين تشكلان «تطابقاً بنسبة 100 في المائة».

توضح «مينا»: «كانت لدي أخت شقيقة، مما يعني أننا نتشارك الأم والأب البيولوجيين نفسيهما. كان الأمر أشبه بتلقي جرعة من الأدرينالين. بكيتُ؛ فقد كانت مينال هي القطعة المفقودة من الأحجية التي طالما انتظرتها. لقد نادينا بعضنا البعض بلقب أخت»، و«كان تطابق الحمض النووي هذا بمثابة تأكيد على صحة كل ما شعرنا به حدسياً».

وفي شهر أغسطس (آب)، التقت الصديقتان القديمتان للمرة الأولى منذ اكتشافهما أنهما شقيقتان، وتقول مينا، التي أصبحت الآن أماً لثلاثة أطفال: «كان الأمر مذهلاً. شعرت وكأنني عدتُ إلى المنزل. لسنوات، عانيتُ أنا ومينال من فراغ كبير في قلبينا. نشعر الآن بأننا أصبحنا مكتملتين، وأن كل شيء يسير كما ينبغي أن يكون».

لقاء عاطفي و«سيلفي»

وفي تقريرها عن «اللقاء العاطفي» الذي جمعهما، ذكرت وكالة «رويترز» للأنباء أن «الدموع والعناق والضحكات تخللت اللقاء... الذي تلاه التقاط أول صورة (سيلفي) لهما معاً».

وصرحت مينال (44 عاماً) -التي تقيم في فرنسا مع شريك حياتها وابنيها- للوكالة بأنها لم تدرك في البداية، حين ظهرت نتائج فحص الحمض النووي في شهر أبريل، أن الشخص الذي تطابقت معه هو الفتاة المراهقة ذاتها التي كانت قد تعلقت بها بشدة عند لقائهما الأول قبل 30 عاماً.

ولم تستوعب مينال الأمر تماماً إلا عندما شاهدت صور تلك الفتاة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ قالت: «(مينا: الأخت). لم أستطع تصديق ذلك. لقد كنا صديقتين قبل أن نكون أختين». وأضافت: «كنا أختين طوال ذلك الوقت، لكننا لم نكن نعلم».


سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
TT

سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)

هناك لون جديد يصعد على واجهة مبنى قديم في منطقة الجعيتاوي البيروتية. وسط الأسمنت الذي راكم آثار الزمن، يستقرّ طائر ضخم بريش أزرق وأخضر وأحمر، تُحيط به أزهار كثيفة، وتنسكب فوقه درجات البرتقالي والزهري. لا تنفصل جدارية «حَمَلة الشمس» للفنان اللبناني سبازونو عن المبنى الذي يحملها. فالعلاقة بينهما جزء من العمل، خصوصاً بعدما عرف الفنان، إثر إنجازه الجدارية، بعضاً ممّا خبّأته هذه الجدران.

قبل أسابيع، كان سبازونو يرسم غياباً من نوع آخر. جدارية «المفقودين» في منطقة الحمرا، المُنجَزة ضمن مشروع بالتعاون مع «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، أعادت قضية المفقودين والمغيَّبين قسراً إلى الفضاء العام. اعتمد فيها صورة مشوَّشة تتفكّك فيها الملامح إلى مربّعات، فتبدو الوجوه عالقةً بين الظهور والاختفاء. كلّما اقترب العابر، تفتَّتت الصورة أمامه، وكلّما ابتعد استعادت شيئاً من اكتمالها.

وجوه ترفض أن يكتمل غيابها (سبازونو)

يقول سبازونو لـ«الشرق الأوسط» إنّ العمل في الشارع يضعه أمام «مسؤولية تَرْك أثر كبير في المكان»؛ لذلك يُحاول أن يجعل الجدارية متصلة بما نعيشه، من دون أن يتخلَّى عن الجمال الذي «نحتاج إليه بشدّة في مدينتنا». يُريد للغرافيتي أن يتجاوز وظيفة تجميل الواجهة. فالجدار يدخل حياة أشخاص لم يقرّروا زيارة معرض، ويضع العمل في طريقهم اليومي، وسط زحمتهم وانشغالهم وشاشات هواتفهم.

جناحان يبدّلان مزاج واجهة أنهكها الزمن (سبازونو)

في الجعيتاوي، اختار «طائر الشمس الفلسطيني»، المعروف أيضاً بالتمير الفلسطيني، ليبني حوله عملاً عن الانتماء والاختلاف. طائر من طيور المنطقة، بريشه الذي يتبدَّل إدراكُ ألوانه تبعاً للضوء وزاوية النظر، فتح أمام سبازونو باباً لفكرة أخرى. يقول إنّ «مصدر النور واحد»، بينما تختلف الصورة باختلاف موقع الناظر إليها. ومن هذه الخاصيّة الطبيعية، خرجت قراءة تمسُّ بلاد الشام وشعوبها، وما يجمع بينها تحت الانقسامات التي راكمتها السياسة والتاريخ.

عند هذه الفكرة، تلتقي الجدارية بما يحدث في الجنوب اللبناني. أراد الفنان أن ينقل ما تعيشه هذه الأرض المُشتعلة إلى جدار في بيروت بصورة تستوقف المارّة، وتمنحهم في الوقت نفسه شيئاً جميلاً يتأمّلونه. وفي الجدارية أيضاً أثر للتهجير. فمَن يُغادر أرضه لا يتركها كلّها وراءه. يأخذ منها ما يبقى فيه أينما ذهب. ويعرف سبازونو حدود ما يستطيع الفنّ فعله، فالجدارية لن تُغيّر واقعاً سياسياً أو تُعيد أرضاً، لكنها قد توقظ انتباهاً لدى أحدهم أو تدفعه إلى التوقُّف أمام ما اعتاد المرور بقربه.

الواجهة ما عادت تُقرأ طابقاً طابقاً... صارت تُرى دفعةً واحدة (سبازونو)

للجدار عنده حياة تسبق وصوله إليه. يحمل الفنان تاريخ المكان وآثار مَن عاشوا حوله، ومن هذه العلاقة يبدأ العمل ويتشكَّل. سبازونو يدخل إليه محاولاً العثور على الصلة التي تجعل العمل ينتمي إلى موقعه. لهذا يتجنّب أن يفرض فكرته على أيّ جدار فقط، لأنّ مساحته تسمح بها.

فقد تقوده الجدارية إلى ذاكرة الحيّ أو ناسه أو لحظة يعيشها، وقد تولد من إحساس شخصي يلتقي بالمكان. واللافت أنّ «حَمَلة الشمس» اكتسبت بعد اكتمالها طبقةً لم يُخطّط لها صاحبها. نزلت إحدى ساكنات المبنى وأخبرته أنّ البناء تلقّى خلال الحرب نحو 10 قذائف «آر بي جي» أصابت سطحه، وسيارة مُحمَّلة بالبنزين اشتعلت أمامه بعد إصابتها بقذيفة خلال إحدى أزمات الوقود. فجأةً، صار الطائر الملوَّن مُعلَّقاً فوق تاريخ من النار.

أصبحت الجدارية بذلك جزءاً آخر من سيرة المبنى. فالعمل المُضيء لم يَمحُ ما حدث للمكان، وقد أضاف إليه أثراً إضافياً قابلاً للتذكُّر. بالنسبة إلى امرأة عاشت تاريخه، صار المبنى الذي أصابته القذائف هو نفسه المبنى الذي ارتفع عليه طائر تُحيط به الأزهار. يختصر سبازونو ذلك بقوله إنّ الفنّ يستطيع «أن يُضيف إلى ذاكرة المكان ذاكرةً جديدة».

كلّ طابق يمنح الطائر جزءاً من جسده (سبازونو)

أما الغرافيتي، فيراه فناً لا تزال روح التمرّد جزءاً من تكوينه، وإن تبدَّلت أدواتها. وللجدار اللبناني خصوصيته. خلال الحرب، حمل شعارات الميليشيات وعلاماتها التي رسمت حدود النفوذ، وفي السنوات اللاحقة أخذ الغرافيتي يكتب عليه فصلاً مختلفاً. دخول التمويل والتصاريح والمشروعات المؤسّسية لا يعني في نظر سبازونو إفراغه من قدرته على المُشاغبة. فقد يستخدم الفنان أدوات المؤسَّسة لتمرير طبقات لم تكن في حساباتها.

التمرُّد الذي يعرف طريقه مُسبقاً يفقد شيئاً من مفعوله، وسبازونو يبحث دائماً عن منفذ آخر. هذه المرّة وجده في طائر يحمل الشمس فوق مبنى نجا من القذائف. تغيَّرت ملامح الجدار، وبقيت ندوبه تحته. فالمدينة لا تختار دائماً ما يَعْلَق في ذاكرتها، لكنها تستطيع أن تمنح ما أصابها خاتمةً أخرى.