هادي يزبك يضمّد جراح بيروت بالريشة والألوان

معرض عن العاصمة هو الأول في مسيرة الرسّام اللبناني الممتدّة 4 عقود

لوحة العصفور وتمثال المغترب اللبناني بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)
لوحة العصفور وتمثال المغترب اللبناني بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)
TT

هادي يزبك يضمّد جراح بيروت بالريشة والألوان

لوحة العصفور وتمثال المغترب اللبناني بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)
لوحة العصفور وتمثال المغترب اللبناني بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)

يستريح طيرٌ على زجاج شبّاكٍ بيروتيّ مكسور، يراقب «تمثال المغترب» المواجه للمرفأ. يتساءل: «هل أفعل مثله وأحلّق خلف أسوار المدينة؟ أم أبقى هنا واقفاً فوق الحطام؟». هكذا يحاكي هادي يزبك عاصمته التي لم يَزُرها رسماً طوال 38 عاماً أمضاها في المجال.

تخصّص الفنان اللبناني في رسم القرية اللبنانية، وبعد 4 عقود قرّر النزول بريشتِه إلى المدينة. جال في أقضية البلد كلّها، حفظ جغرافيا القرى اللبنانية ببيوتها الحجريّة القديمة وقرميدها حيث أعشاش السنونو. «رسمتُ لبنان كلّه، بحفافيه، والطيّون، وقنّ الدجاج، وقطف الزيتون»، يخبر يزبك «الشرق الأوسط». أما اليوم فقد حان موعد أداء التحيّة لبيروت، ليس لأنها جريحة فحسب، بل لأنها قبل أي شيء، جميلة وتستحقّ أن تُرسَم لوحة.

الرسّام اللبناني هادي يزبك في مرسمه (الشرق الأوسط)

صحيح أنّ تفجير المرفأ في 4 أغسطس (آب) 2020 كان المحرّض الأساسيّ على تخصيص معرض هو الأوّل لبيروت في مسيرة الفنان، إلّا أنّ المناسبة لم تتحوّل إلى مَرثيّة واللوحات ليست بكائيّات. عشيّة افتتاح معرض «بيروت ثمّ بيروت» في متحف «بيت بيروت»، يسترجع يزبك الألم الذي أصابه بعد التفجير؛ «الظلم الذي تعرّضت له العاصمة آلمني، لكنه حفّزني على مداواة جراحها على طريقتي، بالريشة والألوان».

تطلّب اختمارُ الفكرة في رأسه 4 سنوات، وبين مَرسَم البيت والمرسَم الذي استحدثه في مكتب العمل، حضّر 20 لوحة خلال الأشهر الـ9 المنصرمة. فالرسّام «مختار» في بلدته، يتولّى متابعة معاملات السكّان الرسميّة. «تأخذ المخترة كثيراً من وقت الرسم، خصوصاً أنها التزامٌ معنويّ فقد ورثتُ خدمة الناس عن أبي وأجدادي. أنا أمثّل الجيل الرابع من سلالة مخاتير عمرُها 130 سنة»، يشرح يزبك.

معرض «بيروت ثم بيروت» في متحف «بيت بيروت» في 21 و22 يونيو

وبما أن الناس هي روحُ البلاد، فقد اختار يزبك من بيروت روحَها وليس الخراب، ولا ناطحات السحاب، ولا الأحياء الجديدة. هنا بائع الكعك وعربته الخشبيّة الخضراء أمام سينما «ريفولي» الأسطورية في ساحة الشهداء. وهناك الدكاكين الصغيرة في الأحياء المَنسيّة... «هذه هي بيروت التي أردتُ أن آخذ زوّار المعرض إليها. أدعوهم إلى ذكرياتي عن مدينةٍ أليفة لطالما قصدتُها طفلاً برفقة أمّي».

لوحة تجسّد بائع الكعك أمام سينما «ريفولي» في ساحة الشهداء (الشرق الأوسط)

رغم لوحات الحنين إلى بيروت «الزمن الجميل»، لا يغيّب يزبك ندوب المدينة عن المعرض. يستوقف الزائر بيانو محطّم على شرفةٍ مشلّعة، مطلّة على أهراءات القمح في مرفأ بيروت. هذه اللوحة هي الأقرب إلى توثيق تراجيديا الرابع من أغسطس. ثم تطلّ غيمةٌ محمّلةٌ بالغضب، تشبه كثيراً السحابة الثقيلة التي خلّفها التفجير. يوضح يزبك أنه مرّرَ بعض الرسائل عن الحادث الأليم، لكنه لم يحصر المعرض كلّه به.

لوحة تحاكي تفجير مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 (الشرق الأوسط)

تتلاقى تدرّجات الألوان وتدرّجات المشاعر، من رماديّ الحزن وأحمر الغضب، إلى أزرق الأمل وأبيض السكينة. يحكي المعرض قصة صغيرة مترابطة عن بيروت بكل أمزجتها، وحالاتها، وأزمنتِها. يقول يزبك إنها «وجهة نظر جديدة وخاصة جداً عن المدينة. وثّقتُها بأسلوبي، ألَماً وفرحاً وذكريات».

تتنوّع اللوحات ما بين زيتيّة و«أكريليك»، أما الأسلوب فواقعيّ وليس تجريدياً، إذ ينتمي هادي يزبك إلى المدرسة الانطباعيّة. وحتى عندما تُلاعب ريشته التفاصيل، فهي تحافظ على هذا الهامش الواقعيّ الذي لا تستغربه العين.

صخرة الروشة التاريخية بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)

يأخذ من صخرة الروشة الشهيرة جزءاً، فيُفرد ما تبقّى من مساحة على اللوحة للأفق الأزرق الممتدّ في الخلفيّة وللمياه التي تحتضن الصخرة منذ آلاف السنين. أما كورنيش المنارة، فيصوّره تحت المطر، من خلف زجاج سيّارة بلّلته القطرات. يُبقي هامشاً للمتلقّي كي يسرح في خياله. يستذكر ما قاله له مرةً الأديب اللبناني الراحل توفيق يوسف عوّاد: «أنت ترسم كما أكتب... تُبقي النافذة مواربة حتى يشغّل المتفرّج مخيّلته».

كورنيش المنارة تحت المطر (الشرق الأوسط)

تخصّص يزبك (67 عاماً) بالرسم في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية في بيروت، ثم انتقل إلى كندا حيث درس النحت. نال نصيبَه من الغربة، فأمضى سنوات في كندا. فيها أقام أبرز معارضه، ثم حمل القرية اللبنانية إلى بلادٍ كثيرة من بينها فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، والإمارات، وقطر، ومصر. لكن لم يجد بديلاً للمستقَرّ عن لبنان؛ «يكفي أن تنظري إلى لوحاتي حتى تُدركي كم أنا مسكون بالبلد».

نموذج عن البيوت اللبنانية التقليدية التي أمضى يزبك 4 عقود في رسمها (الشرق الأوسط)

يتابع نشاطه في الخارج وهو يحاول أن ينقل هذا الحب إلى الجالية اللبنانية في الاغتراب. غالباً ما كانت النتيجة لحظاتٍ مؤثّرة لا يستطيع محوَها من ذاكرته. كما في ذاك المعرض في مدينة هاليفاكس الكنَديّة، حين تفاجأ مغتربٌ لبنانيّ بمنزل والده مرسوماً في إحدى اللوحات. يخبر يزبك كيف انهمرت الدموع من عينَي الرجل، وبدأ يشرح لأولاده عن البيت الحجريّ القديم الذي احتضنه طفلاً في إحدى قرى شمالي لبنان. ولا يقتصر الاهتمام بلوحات يزبك على أصحاب الجنسية اللبنانية، فالزوّار العرب يتفاعلون معها كذلك كما أنهم يسارعون إلى اقتنائها.

فور انتهائه من معرض «بيروت ثم بيروت»، يعود يزبك إلى مرسمه ليُعدّ مجموعة جديدة عن القرية اللبنانية. يحملُها إلى كندا في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، حيث يعرضها هناك بدعوة من السفير اللبناني. أما المواعيد مع بيروت فستتجدّد، إذ يؤكّد أنه يخطط لسلسلة معارض خاصة بالعاصمة.


مقالات ذات صلة

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

يوميات الشرق وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

يصف هذه التجربة بأنها أضافت إلى مسيرته، مشيراً إلى أنه حظي بمساحة للعمل وفق رؤيته الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق...

فاطمة عبد الله (بيروت)
المشرق العربي مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)

فنان لبناني يقاضي إسرائيل بفرنسا بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» في بيروت

لجأ الفنان الفرنسي اللبناني علي شرّي، الذي فقد والديه في غارة إسرائيلية على مبنى سكني في بيروت، أواخر عام 2024، إلى النظام القضائي الفرنسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

الطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ كالأيام العادية.

فاطمة عبد الله (بيروت)
المشرق العربي ما تبقّى من الإهراءات المدمرة في مرفأ بيروت (رويترز)

القاضي طارق البيطار يختتم تحقيقه بشأن انفجار مرفأ بيروت

اختتم المحقق العدلي طارق البيطار تحقيقه في قضية انفجار مرفأ بيروت المفتوح منذ نحو ستّ سنوات، والذي تضمّن الادعاء على نحو سبعين شخصاً بينهم سياسيون وقادة أمنيون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سمكة أفريقية صغيرة تتسلَّق شلالاً بارتفاع 15 متراً

عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
TT

سمكة أفريقية صغيرة تتسلَّق شلالاً بارتفاع 15 متراً

عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)

لأكثر من نصف قرن، تناقل سكان وسط أفريقيا حكايات عن أسماك شُوهدت وهي تتسلَّق الشلالات، لكن هذه الادّعاءات لم تُؤكَّد رسمياً قط. والآن، في خطوة غير مسبوقة، وُثِّقت أخيراً هذه الظاهرة وصُوِّرت ودُرِست من كثب، ووُصِفت بشكل كامل في بحث جديد نُشر في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس».

ووفق الدراسة، نجح الباحث باسيفيك كيويلي موتامبالا، من جامعة لوبومباشي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفريقه البحثي، في توثيق رحلة تسلق أسماك «باراكنيريا ثيسي»، المعروفة بأسماك الشيلر، للشلالات من 2018 إلى 2020.

وأفادت النتائج بأنّ سمكة الشيلر الصغيرة، التي يتراوح طولها بين 37 و48 ملليمتراً في المتوسط، ويمكن أن يصل الحد الأقصى لطولها إلى نحو 96 ملليمتراً، سُجّلت وهي تتسلَّق شلالات لوفيلومبو على نهر لوفيلومبو في حوض الكونغو العلوي، وهو شلال ارتفاعه 15 متراً (50 قدماً). وقد شُوهدت الآلاف منها وهي تُهاجر عكس التيار، متشبّثة بأسطح الصخور المبلَّلة في منطقة تناثر المياه.

مفارقات عجيبة

ووفق النتائج، تستغرق رحلة الأسماك للوصول إلى القمة نحو 10 ساعات، وتتألف في معظمها من فترات راحة.

وتشير الدراسة إلى أنّ عملية التسلق مُرهِقة، وتتطلَّب توقّفاً متكرّراً، أحياناً لثوانٍ حين تكون الأسماك مستلقية على الجرف، وأحياناً أطول عندما تستريح على حوافٍ أفقية.

وأضاف مؤلّفو الدراسة: «حُدِّدَت 9 حواف أفقية رئيسية تستريح عليها الأسماك لمدة تقارب ساعة لكلّ حافة. وبالتالي، يُقدَّر أن تستغرق السمكة الواحدة نحو 9 ساعات و45 دقيقة لقطع كامل ارتفاع الشلالات»، موضحين أنّ «ذلك يشير إلى أنها قد تحتاج إلى يوم أو ليلة كاملة تقريباً للتغلُّب على الشلالات».

ورغم هذه الفترات من الراحة، لا تنجح جميع الأسماك في إكمال الرحلة، إذ لُوحظ سقوط بعضها بسبب اندفاعات المياه المفاجئة، لا سيما عند مرورها أسفل أجزاء الجرف المتدلية.

وتُعزى قدرة هذه الأسماك على التسلُّق إلى نتوءات صغيرة تُشبه الخطافات ترتكز على وسائد متخصّصة في زعانفها الصدرية والحوضية، إلى جانب عضلات تُساعدها على حمل وزنها.

ومن الملاحظ، وفق الفريق البحثي، أنّ الأسماك التي يقلّ طولها عن 48 ملليمتراً تقريباً هي الأكثر قدرة على التسلُّق، في حين تبدو الأسماك الأكبر حجماً أثقل وأقل قدرة على ذلك؛ إذ تفقد تدريجياً القدرة اللازمة لحمل وزنها بكفاءة مع نموها.

إرادة أكبر من الشلال (ساينتيفيك ريبورتس)

عودة إلى الوطن أم هروب من المخاطر؟

ولا تُسجَّل هذه الظاهرة عادة إلا خلال مدّة الفيضانات التي تحدث في نهاية موسم الأمطار، خلال شهرَي أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من كلّ عام. ولا يزال الهدف من هذا السلوك غير واضح تماماً، رغم طرح فرضيات عدّة.

ومن بين هذه الفرضيات أنّ الأسماك تُجرّف من موائلها في أعالي النهر خلال الأمطار الغزيرة، وتحاول العودة إليها. وقد لُوحظت سلوكيات مشابهة لدى أنواع أخرى من الأسماك.

كما يشير الباحثون إلى احتمال سعي هذه الأسماك للوصول إلى مناطق تقلُّ فيها المنافسة على الغذاء أو أعداد المفترسات، إذ تُظهر الأدلة وجود مفترسات أكثر في أسفل النهر، إلى جانب انخفاض وفرة الغذاء عند قاعدة الشلالات.


«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
TT

«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

احتفت النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» بقطر، التي أُقيمت هذا العام بشكل افتراضي «استثنائياً»؛ بسبب الحرب التي تشهدها المنطقة، بإحياء الفلكلور، ودعم الموضوعات الإنسانية والواقعية و«السرديات» و«الأساطير».

وشارك في الدورة الجديدة التي تستمر حتى 8 أبريل (نيسان) الحالي، 49 مشروعاً من 39 دولة، من بينها 15 مشارَكة لصُنَّاع أفلام من قطر.

وتحدَّث عدد من صناع الأفلام المشاركين في «قمرة السينمائي 12»، عن مشروعاتهم الفنية. وقالت المخرجة القطرية خلود العلي مخرجة فيلم «الملكة الطاووس»، إن اختيارها هي والمخرجة القطرية عائشة الجيدة، لتقديم الفيلم في إطار خيالي بعيداً عن الواقع، يعود لكون «الأنيميشن»، أداةً فعالةً تمنح القدرة على التعبير عن الخيال بطريقة لا نهائية، فكل ما تتخيله يمكن التعبير عنه بالرسم.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «رغبنا في الخروج عن المألوف، فنحن من عشاق قصص مثل (أليس في بلاد العجائب)، وأعمال ميازاكي، وجميعها قصص تدور في عوالم خيالية، لذا فكرنا: لماذا لا نبني عالماً خيالياً خاصاً بنا؟ ويكون مميزاً عن كل العوالم التي رأيناها لأنه مبني على الشخصيات الأسطورية في ثقافتنا الخليجية، سعينا لصنع شيء خيالي ممتع، فالواقع صعب وقاسٍ جداً».

وعن الرسالة التي يودُّ طرحها عبر فيلمه «إرادة حمار»، أكد المخرج القطري ماجد الرميحي، أنَّ بداية الرسالة والارتباط بشخصية «جحا»، كانت بسؤال: «كيف يمكننا العودة لهذه الشخصية في ظلِّ الواقع الذي نعيشه اليوم في العالم العربي؟»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن علاقته بوصفه عربيّاً بشخصية «جحا» تنبع من كونها رمزاً أو نموذجاً أصيلاً نعود إليه دائماً لقراءة الواقع.

ملتقى «قمرة السينمائي 2026» تناول كثيراً من القضايا الإنسانية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

ويرى الرميحي، أن «شخصية (جحا)، ستساعد غلى النظر لواقع قد يتسم بالاضطهاد أو المشكلات الاجتماعية، ولكن من خلال الفكاهة، أو الحكمة غير المباشرة»، مشيراً إلى أنَّ الفيلم يتناول فكرة الاضطهاد، وعلاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل، عبر قصة بسيطة ورمزية وهي «فقدان جحا لصديقه»، للتعبير عن «فقدان وجداني»، وقدرة الشخص على فهم الواقع وتفسير الأوضاع المحيطة.

وعن بعض تفاصيل فيلمه «الثوار لا يموتون»، الذي يعد بمنزلة حوار أرشيفي، تواجه فيه شرائط أفلام جوسلين صعب الذاكرة والمقاومة، من خلال الترميم وإحياء الذكرى، أكد المخرج الفلسطيني مهند يعقوبي، أن اهتمامه بعمل جوسلين صعب انقسم إلى شقين، «الأرشيفي»، من خلال العمل مع «مؤسسة جوسلين صعب» على ترميم أفلامها، والتعمُّق في تقنيات الصناعة، و«الشخصي»، جاء من اهتمامه بصناعة الفيلم.

وأضاف يعقوبي لـ«الشرق الأوسط» أن نقطة التحول كانت عند مشاهدته لفيلم جوسلين «بيروت مدينتي» في بروكسل، حيث تظهر فيه أمام بيتها المهدم بعد الاجتياح الإسرائيلي، وتزامن ذلك مع تعرُّض منزل عائلته في غزة للقصف، لافتاً إلى أنَّ هذا الرابط الزمني جعله يتأمل في الثمن الذي يدفعه المخرج في سبيل أفكاره، وأثار فضوله حول دوافع جوسلين التي تنتمي لخلفية اجتماعية ودينية مريحة لترك كل ذلك والتضامن مع القضية الفلسطينية.

الأفلام المشارِكة تعرَّضت لقضايا متنوعة (مؤسسة الدوحة للأفلام)

ويشارك في الدورة الـ12 من «قمرة السينمائي»، في مراحله كافة، والتي تشمل مرحلتَي «التطوير»، و«الإنتاج» في قائمتَي النسخ «المبدئية»، و«النهائية» للأفلام «الروائية الطويلة»، و«الوثائقية الطويلة أو التعبيرية»، و«الروائية القصيرة»، و«المسلسلات التلفزيونية» أو «مسلسلات الويب»، 49 عملاً من 39 دولة، من بينها «تكلّم»، و«العسّاس»، و«الكوكب المفقود»، و«بنت الرياح»، و«بعد الأربعين»، و«قمرة»، و«أندريا»، و«مذكرة تفاهم»، و«حذاء سارا»، و«أصداء»، و«باب القيامة»، و«رؤى الغد»، و«عسل وجنون» وغيرها.

من جانبها، أكدت فاطمة حسن الرميحي، الرئيسة التنفيذية لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام»، في بيان صحافي، أن «اختيارات المهرجان لهذا العام تعكس شجاعة وطموح صُنَّاع الأفلام، وتُسلِّط الضوء على القصص الآنية من الواقع المعاصر»، مُعبِّرة عن فخرها «بالمشاركة القطرية المميزة إلى جانب الرؤى المؤثرة من مختلف أنحاء العالم»، على حد تعبيرها في البيان.


من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
TT

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)

يدرس بن أورايلي، البالغ 7 سنوات، وهو أصمّ ولديه حاجات خاصة أخرى، في الصف الأول الابتدائي بمدرسة كامبتون الابتدائية في كامبتون، نيو هامبشاير الأميركية. وقالت مساعدته شيريل أوليكني، إنه لطالما شعر بالعزلة داخل المدرسة.

وأضافت: «لم تكن لديه علاقات مع أقرانه أو معلميه. كان وحيداً جداً، ويتصرَّف وفق تبعات هذه الوحدة».

يُذكر أنّ نيو هامبشاير من الولايات القليلة في الولايات المتحدة التي لا توجد بها مدرسة مخصَّصة للصم. ويُعدّ بن الطالب الأصمّ الوحيد في منطقته التعليمية بأكملها. وعليه، فإنه باستثناء أوليكني، لم يكن هناك تقريباً أيّ شخص في مجتمع المدرسة يمكنه التواصل معه، على الأقل في البداية.

وبدأ التغيير عندما شرع بعض زملاء بن في الفصل، من بينهم ريد سبرينغ، في تعلّم بعض الإشارات. وقال ريد عن بن: «إذا كان صديقك، فينبغي أن تكون قادراً على اللعب معه، وهو صديقي».

بعد ذلك، قرَّر باقي طلاب الصف تعلُّم لغة الإشارة. ومع الوقت، بدأ معلّمون في صفوف أخرى تلقّي دروس في لغة الإشارة واستخدامها، حتى في غياب بن.

وعن ذلك، قال ريد: «من الممتع التواصل مع بن واللعب معه».

من جهتهما، أُصيبت والدتا بن بالتبني، إيتا ومارلاينا أورايلي، بالذهول عندما علمتا بمدى حُسن معاملته في المدرسة.

وقالت إيتا أورايلي لشبكة «سي بي إس نيوز»: «إنه لأمرٌ لا يُصدَّق. كدتُ أختنق من شدّة الدهشة».

واليوم، يعرف كل طالب وموظّف في كامبتون تقريباً قدراً من لغة الإشارة، وتؤكد والدتا بن أنّ لذلك أثراً عميقاً على ابنهما.

وقالت إيتا أورايلي: «أدرك بن حينها قيمة لغة الإشارة». أما أوليكني، فأكدت أنه «يمكنك أن ترى كيف انفتح عالمه على مصراعيه بفضل التواصل. كان الأمر مذهلاً».