من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

تجربة إنسانية تضع التواصل في صدارة الأولويات

لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
TT

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)

يدرس بن أورايلي، البالغ 7 سنوات، وهو أصمّ ولديه حاجات خاصة أخرى، في الصف الأول الابتدائي بمدرسة كامبتون الابتدائية في كامبتون، نيو هامبشاير الأميركية. وقالت مساعدته شيريل أوليكني، إنه لطالما شعر بالعزلة داخل المدرسة.

وأضافت: «لم تكن لديه علاقات مع أقرانه أو معلميه. كان وحيداً جداً، ويتصرَّف وفق تبعات هذه الوحدة».

يُذكر أنّ نيو هامبشاير من الولايات القليلة في الولايات المتحدة التي لا توجد بها مدرسة مخصَّصة للصم. ويُعدّ بن الطالب الأصمّ الوحيد في منطقته التعليمية بأكملها. وعليه، فإنه باستثناء أوليكني، لم يكن هناك تقريباً أيّ شخص في مجتمع المدرسة يمكنه التواصل معه، على الأقل في البداية.

وبدأ التغيير عندما شرع بعض زملاء بن في الفصل، من بينهم ريد سبرينغ، في تعلّم بعض الإشارات. وقال ريد عن بن: «إذا كان صديقك، فينبغي أن تكون قادراً على اللعب معه، وهو صديقي».

بعد ذلك، قرَّر باقي طلاب الصف تعلُّم لغة الإشارة. ومع الوقت، بدأ معلّمون في صفوف أخرى تلقّي دروس في لغة الإشارة واستخدامها، حتى في غياب بن.

وعن ذلك، قال ريد: «من الممتع التواصل مع بن واللعب معه».

من جهتهما، أُصيبت والدتا بن بالتبني، إيتا ومارلاينا أورايلي، بالذهول عندما علمتا بمدى حُسن معاملته في المدرسة.

وقالت إيتا أورايلي لشبكة «سي بي إس نيوز»: «إنه لأمرٌ لا يُصدَّق. كدتُ أختنق من شدّة الدهشة».

واليوم، يعرف كل طالب وموظّف في كامبتون تقريباً قدراً من لغة الإشارة، وتؤكد والدتا بن أنّ لذلك أثراً عميقاً على ابنهما.

وقالت إيتا أورايلي: «أدرك بن حينها قيمة لغة الإشارة». أما أوليكني، فأكدت أنه «يمكنك أن ترى كيف انفتح عالمه على مصراعيه بفضل التواصل. كان الأمر مذهلاً».


مقالات ذات صلة

«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

يوميات الشرق جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

قبل عقود طويلة، كان مشروب «مصر كولا» رائجاً على أرفف المتاجر، قبل أن يتوارى من الأسواق، ويُصبح عبوة نادرة يتعقَّبها هواة جمع المقتنيات.

منى أبو النصر (القاهرة)
صحتك قد تساعدنا الدموع على التعامل مع المشاعر القوية بصورة أكثر هدوءاً (بيكسلز)

لماذا نشعر بالراحة بعد البكاء؟

قد تمنحنا الدموع لحظة من الراحة وتساعدنا على التعامل مع المشاعر القوية بصورة أكثر هدوءاً

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول (شركة نو أسولاشن)

بلديات بريطانية توفر آلاف الروبوتات لتمثيل التلاميذ القلِقين داخل الفصول الدراسية

بدأت مجالس محلية بريطانية الاستعانة بروبوتات متطورة تبلغ تكلفة الواحد منها نحو 3500 جنيه إسترليني، لتمثيل أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول الدراسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الطريقة التي يدرك بها الإنسان مرور الزمن تتغير مع تقدمه في العمر (أ.ف.ب)

لماذا تبدو الأيام أقصر كلما تقدمنا في العمر؟

مع مرور السنوات، قد تبدو الأيام المتشابهة أقصر في ذاكرتنا، فيما تمنحنا التجارب الجديدة لحظات أكثر وضوحاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الدبّ الذي أكل أكثر... ينام مطمئناً أكثر (أ.ب)

ألاسكا تنتخب أسمن دببة العام... والسلمون يدفع الثمن

عادت الدببة إلى النهر لتكديس الدهون، مع انطلاق نسخة جديدة من «أسبوع الدبّ السمين» في حديقة «كاتماي» الوطنية...

«الشرق الأوسط» (ألاسكا)

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.


«50/ 50»... دراما اجتماعية عن تحمُّل المرأة غياب الرجل

كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)
كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)
TT

«50/ 50»... دراما اجتماعية عن تحمُّل المرأة غياب الرجل

كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)
كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)

يقدم المسلسل المصري الجديد «50/ 50» تجربة درامية تجمع بين الكوميديا والدراما والتشويق، من خلال حكاية اجتماعية تتتبع التحولات التي تطرأ على حياة امرأة تجد نفسها أمام ظروف استثنائية تقلب شكل حياتها، وتدفعها إلى اتخاذ قرارات لم تكن تتخيل يوماً أنها ستُقدم عليها.

المسلسل الذي انطلق عرضه الخميس على منصة «يانغو بلاي» تدور أحداثه في 15 حلقة، حول «رانيا»، خريجة الحقوق التي اختارت التوقف عن العمل والتفرغ لأسرتها، لتصبح حياتها محصورة بين زوجها وابنها واحتياجات المنزل. ومع تصاعد الضغوط المالية وتغيُّر الظروف من حولها، تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن حلول جديدة، فتدخل تدريجياً في عالم مختلف تماماً عن الحياة التي اعتادتها.

تضطر «رانيا» المعروفة بنظامها الشديد وتخطيطها لكل خطوة في حياتها إلى مواجهة أعباء الحياة بمفردها بعد اختفاء زوجها، لتخرج من عالمها الخاص الذي اختارته سنوات طويلة، لتتقاطع حياتها مع شخصيات جديدة تفتح أمامها أبواباً لم تكن تتوقعها.

كندة علوش على الملصق الترويجي للمسلسل (حسابها على فيسبوك)

المسلسل الذي كتبه الثنائي عمرو أبو زيد وأحمد هشام، من بطولة كندة علوش، وياسمينا العبد، ومعتز هشام، وحمزة دياب، وحازم إيهاب، بينما يطل عدد من ضيوف الشرف، منهم: أحمد فهمي، وعمرو يوسف، وحاتم صلاح، ومن إخراج أحمد عبد الوهاب، وإنتاج سالي والي.

وقال مؤلف المسلسل عمرو أبو زيد لـ«الشرق الأوسط»، إن فكرة العمل بدأت من قصص متكررة لنساء يجدن أنفسهن فجأة أمام مسؤوليات كبيرة، سواء بسبب غياب الزوج أو تركه الأسرة لأسباب مختلفة، موضحاً أن بعض هذه الحالات قد يقود إلى ظروف عنيفة أو جرائم.

وأضاف أن السؤال الذي انطلقت منه الكتابة كان: «ماذا لو قررت امرأة أن تأخذ حقها وتنقذ حياتها وحياة نساء أخريات، ولكن بطريقة مختلفة وغير مألوفة؟» مشيراً إلى أن الهدف لم يكن منذ البداية الجمع بين الدراما والكوميديا والأكشن، وإنما فرضت الحكاية هذه العناصر.

وأوضح أن «وجود نشاط غير قانوني ضمن الأحداث جعل مشاهد الحركة جزءاً من تطور القصة، بينما كان الاتجاه منذ البداية إلى تقديم العمل بنغمة خفيفة، بعيداً عن الأجواء القاتمة أو المأساوية الثقيلة، لافتاً إلى أن العمل ليس كوميدياً بالمعنى التقليدي، ولكن الدراما هي الأساس الذي يحرك الأحداث، بينما تأتي الكوميديا من طبيعة المواقف والشخصيات، ويظهر الأكشن بوصفه نتيجة للمسار الذي تدخل فيه (رانيا)».

لقطة من مسلسل «50/50» (منصة يانغو بلاي)

ولفت إلى أن الكتابة سعت إلى تقديم حكاية عن امرأة تمر بظروف يمكن أن يواجهها كثيرون، ولكنها تختار طريقاً مختلفاً لإنقاذ نفسها ومن حولها؛ مشيراً إلى أن شخصية «رانيا» التي تجسدها كندة علوش، كانت واضحة منذ بداية الفكرة؛ فهي أم وزوجة كرست حياتها بالكامل لأسرتها، وتخلت عن عملها وحياتها الاجتماعية وعلاقاتها الخاصة من أجل بيتها وزوجها وابنها، ولم يكن لديها حلم شخصي واضح خارج إطار الأسرة؛ إذ انحصر طموحها في أن ينجح ابنها في رياضته، وأن يكون زوجها بخير.

وتبدأ نقطة التحول في حياة «رانيا» عندما تدرك أن الدور الذي كرَّست حياتها له كأم وزوجة لن يكون كافياً لإنقاذها ولا لإنقاذ ابنها، فتجد نفسها أمام عالم جديد من المال والتجارب والأشخاص الذين لم تكن تتوقع التعامل معهم؛ حيث تُقدِم على أفعال تراها خاطئة أو غير قانونية، ولكنها تفعل ذلك من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهو ما يفتح أمام الشخصية مساحات مختلفة من التناقض والتحول.

صُنَّاع المسلسل خلال الاحتفال بعرض العمل (يانغو بلاي)

من جانبه، قال شريكه في التأليف أحمد هشام، لـ«الشرق الأوسط» إن «الكتابة تعمدت ألا تُقدِّم (رانيا) بوصفها امرأة جيدة تتحول ببساطة إلى شخصية سيئة؛ لأنها تظل ترى نفسها إنسانة جيدة، حتى وهي ترتكب أفعالاً خاطئة، ولا تستطيع التخلي عن هذه الصورة أمام نفسها أو أمام ابنها، معتبراً أن هذا التناقض يمثل جانباً أساسياً في الشخصية؛ لأنها تجد نفسها مضطرة إلى خوض تجارب جديدة من دون أن تتخلى عن الصورة التي كوَّنتها عن نفسها طوال حياتها».

وحول اختيار أبطال العمل، أوضح أن المخرج أحمد عبد الوهاب كان له دور أساسي في اختيار الممثلين، بينما كانت بعض الشخصيات حاضرة في ذهن فريق الكتابة منذ ظهور الفكرة؛ مشيراً إلى أن «ياسمينا العبد كانت من الأسماء التي جرى التفكير فيها مبكراً لتقديم إحدى الشخصيات، إلى جانب مجموعة من الممثلين الشباب الذين رأى فريق العمل أنهم مناسبون للأدوار».

المسلسل لفت الأنظار في مصر (يانغو بلاي)

وأضاف أحمد هشام أن وجود عدد كبير من الممثلين الشباب وضيوف الشرف أضاف تنوعاً إلى الشخصيات والمواقف، وأسهم في خلق حيوية داخل الأحداث؛ خصوصاً أن رحلة «رانيا» تدفعها إلى التعرف على أشخاص كثيرين، والدخول في دوائر اجتماعية لم تكن جزءاً من حياتها قبل التحوُّل الذي تمر به.

ولفت إلى أن «تفاصيل كثيرة في المسلسل لها جذور في مواقف موجودة بالفعل في الحياة»، موضحاً أنه «من الصعب أن يخلو محيط أي شخص من قصة امرأة وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن كل شيء من دون دعم كافٍ، حتى في احتياجات بسيطة قد تعجز عن توفيرها، وهو ما جعل هذه القصص المتكررة بأشكال مختلفة تشكل جزءاً من الخلفية التي تحرك الفكرة، ولكن من خلال معالجة درامية خفيفة».


«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)
جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)
TT

«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)
جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

قبل عقود طويلة، كان مشروب «مصر كولا» رائجاً على أرفف المتاجر، قبل أن يتوارى من الأسواق، ويصبح عبوة نادرة يتعقبها هواة جمع المقتنيات، واليوم يعود المشروب، بما يختزنه من ذاكرة، ليُعرض داخل صندوق زجاجي بوصفه جزءاً من تراث مصر التجاري والثقافي، إلى جوار عشرات العلامات التجارية التي شهدتها الأسواق المصرية على امتداد قرن كامل، ويضمها معرض «تجارة الأحلام» في الجامعة الأميركية بالقاهرة، الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

ويقتفي زوار المعرض آثار هذا التاريخ البصري في جولة تستدعي الدهشة والنوستالجيا، وتفتح الباب أمام كثير من التأملات في تحولات السوق وصناعة الأحلام.

ولا تمثل منتجات مثل «مصر كولا»، وشوكولاته «كوفورتينا» ومسحوق غسيل «رابسو» سوى علامات على خريطة واسعة رسمتها الأكاديمية ومؤرخة الفن المصرية بهية شهاب في كتابها البحثي التوثيقي «تجارة الأحلام... قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»، الصادر عن دار نشر الجامعة الأميركية في القاهرة، وهو الكتاب الذي صاحبه معرض بصري متنوع يجمع بين المقتنيات النادرة والصور الأرشيفية للإعلانات.

الدكتورة بهية شهاب مؤلفة كتاب «تجارة الأحلام» (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

يأخذ الكتاب القارئ في رحلة تمتد من عام 1880 إلى عام 1980، راصداً التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال الإعلانات التي نُشرت، بصورة رئيسية، في الصحف والمجلات.

غير أن الكتاب لا ينشغل بالمنتجات المُعلَن عنها بقدر انشغاله بالأفكار والتطلعات التي كانت تُباع معها؛ فالإعلان لا يقدِّم قطعة صابون أو مشروباً أو سيارة فحسب، وإنما يروِّج صورة عن الحداثة والتحضر ومواكبة العصر، ويقترح على المتلقي كيف يبدو، وماذا يرتدي ويأكل، وكيف يصفف شعره.

ومن هنا اختارت بهية شهاب «تجارة الأحلام» عنواناً لكتابها، موضحة أن الإعلانات لم تكن تبيع السلع وحدها، وإنما تستورد معها تصورات كاملة عن الحياة الحديثة، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نستورد أفكاراً عن الحداثة والتحضر ومواكبة الزمن، وهذه أفكار بيعت لنا من خلال الإعلانات، وفي المقابل صدّرنا لغتنا البصرية».

وتشير إلى استعانة إعلانات غربية بعناصر مستمدة من الفن المصري القديم، خصوصاً في الترويج للتبغ وغيره من المنتجات، بما يكشف أن حركة الصور والتأثيرات لم تسر في اتجاه واحد، بل قامت على تبادل بصري بين مصر والغرب.

جانب من المعرض المصاحب لإطلاق الكتاب (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

وتضيف: «كان هناك تبادل للأحلام، لكننا، للأسف، اشترينا أكثر مما بعنا»، مؤكدة أن أثر هذه التجارة تجاوز مجرد قرار شراء سلعة، ليطال تفاصيل الحياة اليومية، من الطعام والملابس إلى تصفيف الشعر والصورة التي يطمح الإنسان إلى الظهور بها.

وعلى جدران المعرض، المقام في «فيوتشر غاليري» بحرم الجامعة الأميركية في ميدان التحرير، تتجاور تلك الأحلام وفق تسلسلها الزمني؛ إذ خُصِّصت جدران لعقود مختلفة، من بينها الأربعينات والخمسينات والستينات. وتتبدل لغة الإعلانات وصورها كلما انتقل الزائر من مرحلة إلى أخرى، لتكشف كيف أعاد كل عصر تعريف مفاهيم الجمال والمرأة والحداثة والهوية.

وتقول بهية شهاب: «كانت الفترة الممتدة من عام 1900 إلى عام 1920 حافلة بالتجارب والاكتشافات»، موضحة أن صنّاع الإعلان كانوا لا يزالون يتعرّفون إلى الأفكار التي يمكن تقديمها، والطرائق القادرة على مخاطبة الجمهور. وفي الثلاثينات، بدأت ملامح هذه الصناعة تتضح، قبل أن تدخل، خلال الأربعينات، ما تصفه بـ«العصر الذهبي للإعلانات».

إعلان لشركة «مصر للطيران» ضمن أرشيف الكتاب (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

لكن الإعلان لم يبقَ بعيداً عن السياسة؛ فمع ثورة عام 1952، شهد المجتمع تحوّلاً جذرياً انعكس بدوره على صور الإعلان وخطابه. ومن ثَمَّ، تغيّرت لغته في ظل النظام الاشتراكي خلال الستينات، قبل أن تعيد سياسات الانفتاح، في عهد الرئيس أنور السادات، تشكيل صور الاستهلاك والرفاهية والحداثة، وفق ما يتتبعه الكتاب.

وتوضح بهية شهاب: «أثّرت جميع العوامل السياسية والاجتماعية في نظرتنا إلى الجمال والمرأة والحداثة والهوية الوطنية، وفي مدى تأثرنا بالغرب أو تأثر الغرب بنا»، مضيفة: «لكل فترة عواملها التي جعلت الإعلانات دائماً مرآة للمجتمع المصري».

وكان الجسد إحدى أبرز ساحات هذه التحولات؛ فما عُدَّ علامة من علامات الجمال في زمن، فقد مكانته في زمن آخر. ففي بعض الفترات، كان الامتلاء هدفاً تروّج له الإعلانات، وكان المطلوب ألا تبدو المرأة هزيلة، قبل أن يتحول إنقاص الوزن إلى «حلم». كما اقترن الجمال بالشباب وإخفاء التجاعيد والشعر الأبيض. وفي هذا السياق، تقول بهية شهاب: «كل هذه أفكار تأتي وتذهب مع كل زمن، ويؤثر فيها المناخان السياسي والاقتصادي».

المعرض اعتمد على عرض مجسمات ومقتنيات للمنتجات (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

ولا يكتفي المعرض بالصور الواردة في الكتاب، بل يُعيد وصل الإعلان بالمنتج الذي روَّج له؛ فتجاور الصورَ عبواتٌ ومقتنيات وبوسترات تعود إلى الفترات الزمنية نفسها، بما يمنح الزائر فرصة لمعاينة جانب من الثقافة المادية التي صنعتها الدعاية، بدلاً من الاكتفاء بصورتها المطبوعة.

وتفيد بهية شهاب بأن البحث عن مقتنيات المعرض استغرق قرابة 3 أعوام، وشمل رحلات إلى أسواق مختلفة، والتواصل مع جامعي القطع القديمة وأصحاب المجموعات الخاصة.

أما المادة الإعلانية، فجُمعت أساساً من «أرشيف مكتبة الكتب النادرة» بالجامعة الأميركية، وبدأ المشروع بمنحة من الجامعة أتاحت تكوين فريق من 3 أو 4 باحثين، عملوا داخل المكتبة على أرشيفات الصحف والمجلات والمراجع.

وتقول بهية شهاب: «بعدما جمعنا قرابة 8 آلاف إعلان، اخترنا طباعة 350 صورة داخل الكتاب».

ولعل رحلة «تجارة الأحلام» تتجاوز استعادة تاريخ الصناعات والعلامات التجارية، لتقدِّم قراءة في سيرة مجتمع تفاعل مع أحلامٍ صاغتها الإعلانات، وأسهم بدوره في إعادة تشكيلها على امتداد قرن كامل.