المشاهدون في السعودية ومصر يريدون حكايات وشخصيات تلفزيونية «تشبهُهم»

دراسة جامعية أميركية تكشف ما يفضّل الجمهور العربي متابعته على الشاشة

دراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا ترصد السلوكيات التلفزيونية لدى المشاهدين السعوديين والمصريين (جامعة جنوب كاليفورنيا)
دراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا ترصد السلوكيات التلفزيونية لدى المشاهدين السعوديين والمصريين (جامعة جنوب كاليفورنيا)
TT

المشاهدون في السعودية ومصر يريدون حكايات وشخصيات تلفزيونية «تشبهُهم»

دراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا ترصد السلوكيات التلفزيونية لدى المشاهدين السعوديين والمصريين (جامعة جنوب كاليفورنيا)
دراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا ترصد السلوكيات التلفزيونية لدى المشاهدين السعوديين والمصريين (جامعة جنوب كاليفورنيا)

يفتقد صنّاع المحتوى في المنطقة العربية، خريطة طريق تقودهم في اتّجاه ما يحبّ المشاهدون استهلاكه تلفزيونياً. بهدفِ مساعدتهم على التعرّف إلى أذواق الجمهور وابتكار برامج يتوق إليها، ارتأى معهد العلوم السينمائية في جامعة جنوب كاليفورنيا الأميركية USC، وبدَعمٍ من «مبادرة الشرق الأوسط للإعلام (MEMI)»، أن يُعدَّ دراسةً حول البرامج التلفزيونية والمحتوى الترفيهي المفضّل لدى المشاهدين في كلٍ من المملكة العربية السعوديّة ومصر.

توضح جوهانا بليكلي، وهي الباحثة الرئيسية في الدراسة، في حديث مع «الشرق الأوسط» أنّ الهدف الأساسي من المشروع هو «تقديم معلومات للكتّاب التلفزيونيين العرب، قد تساعدهم على فهم متطلّبات مشاهديهم، بما في ذلك أنواع البرامج المفضّلة لديهم، وعناصر السرد التي يحبّذون». وتركّز دراسة «MEMI»، البرنامج المدعوم من السفارة الأميركية في الرياض ووزارة الخارجية الأميركية، على ما يبحث عنه المشاهدون على الشاشات العربية ولا يجدونه.

تهدف الدراسة إلى تقديم معلومات لصنّاع المحتوى العرب حول سلوكيّات المشاهدين التلفزيونية (أ.ف.ب.)

الضحك و«الأكشن» في الصدارة

توصّلت الدراسة، التي استطلعت آراء مئات السعوديين والمصريين من الإناث والذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً، إلى أنّ أوّل ما يتوقّعه المُشاهد من المسلسل الذي يتابعه، أن يجد فيه قصصاً وشخصياتٍ تشبهه ويستطيع التماهي معها. يتّفق المستَطلعون على عبارة «أريد حكاياتٍ عن أشخاص يشبهونني». واللافت أنّ المشاهدين الأصغر سناً (18 - 26 سنة) غير راضين بوجهٍ عام عن المحتوى العربي، فيتّجهون إلى الإنتاجات الغربية أكثر من الفئة الأكبر سناً (27 - 40 سنة).

أما أبرز الاستنتاجات التي توصّل إليها الاستطلاع، فهو أنّ أعمال الإثارة والحركة والمغامرة والكوميديا هي أكثر ما يحب المُشاهدان السعودي والمصري متابعته على الشاشة. كما يتّفق الجمهور في كلا البلدَين على أنّ الأحداث والشخصيات هي أهمّ عناصر البرنامج، وليس طاقم التمثيل والأبطال الذين يشكّلون القسم الأكبر من التكلفة الإنتاجيّة.

تتصدّر الكوميديا ومسلسلات التشويق الأنواع التلفزيونية المفضّلة لدى المشاهد السعودي (جامعة جنوب كاليفورنيا)

الواقع بديلاً عن الخيال

تلفت بليكلي في هذا الإطار إلى أنّ أكثر ما فاجأها خلال إعداد الدراسة، «تفضيل الجمهور السعودي الحكايات المرتبطة بأحداث آنيّة، على القصص الخياليّة التي تكون بمثابة هروب من الواقع». وتضيف أن «السعوديين يتطلّعون إلى محتوى عربي ذي جودة عالية، يركّز على تجارب معاصرة لشخصيات حقيقية من المنطقة». ووفق الدراسة، فإنّ المُشاهد السعودي يستهلك كثيراً من المحتوى التلفزيوني غير العربي عبر المنصات العالمية، معدّداً «Friends (أصدقاء)»، و«Game of Thrones (صراع العروش)»، و«Squid Game (لعبة الحبّار)» من بين مسلسلاته المفضّلة. في المقابل، يتّجه المصريّون صوب الإنتاجات المحلّيّة، وهم يضعون «الحكاية مع عمرو أديب»، و«معكم منى الشاذلي»، و«صاحبة السعادة» في طليعة برامجهم المفضّلة.

توصّلت الدراسة كذلك إلى أنّ النساء يشاهدن التلفزيون ومنصات البثّ أكثر من الرجال في كلٍ من السعوديّة ومصر. أما خلال شهر رمضان، فترتفع نسبة المشاهدين من الرجال، ما يعني أنّ على صنّاع المحتوى الأخذ في الاعتبار ابتكار مسلسلات منبثقة من الواقع والأحداث الجارية، وهو صنفٌ تلفزيونيّ يحبّذه المشاهدون الذكور.

مجموعة من البرامج العربية المفضّلة في السعودية ومصر (جامعة جنوب كاليفورنيا)

ألعاب الفيديو مصدر وحي

يتلاقى الجمهوران السعودي والمصري عند أفضليّة المُشاهَدة المتواصلة للمسلسلات أو الـ«binge watching» بدل انتظار الحلقات اليوميّة أو الأسبوعيّة. وبينما تتّجه الإناث إلى المحتوى الرومانسي والدراما، يفضّل الرجال كل ما يرتبط بالرياضة، إضافةً إلى مسلسلات المغامرة والحركة والبرامج الكوميديّة الساخرة. أما المشترَك بين الجنسَين، فهو الاهتمام بألعاب الفيديو، الأمر الذي من المفترض أن يحفّز المنتجين وصنّاع المحتوى العرب على ابتكار مسلسلات مستوحاة من هذه الألعاب أو مبنيّة عليها.

وبما أنّ وسائل التواصل الاجتماعي هي منصّات الترفيه والإعلام الأولى بالنسبة إلى الجماهير العربية، تشدّد الدراسة على أهمّية إنتاج محتوى خاص بالسوشيال ميديا يكون امتداداً للمحتوى التلفزيوني. وتوضح بليكلي، في هذا السياق، أنّ المقصود هنا هو «محتوى إضافي مُرافق للبرامج والمسلسلات يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي، ويكون مكمّلاً للمادّة التلفزيونية؛ مثل مَشاهد حصريّة من خلف الكواليس، ومعلومات خاصة عن فريق الممثلين، وخفايا عن تطوّر الأحداث». وقد استنتج البحث أن «80 في المائة من المستطلَعين السعوديين يرغبون بمحتوى إضافي يتيح لهم التفاعل بشكلٍ أكبر مع القصة ويجعلهم أوفياء أكثر للمسلسل».

تفضّل شريحة كبرى من الجمهور السعودي متابعة المسلسلات الغربية على تلك العربية (جامعة جنوب كاليفورنيا)

أبرز التوصيات

أما أبرز التوصيات التي تخرج بها الدراسة لتضعها بين أيدي المنتجين وصنّاع المحتوى العرب، لا سيّما في السعوديّة ومصر فهي:

مَنح الأولويّة للأحداث وتركيبة الشخصيات وأسلوب السرد بدل التركيز على ثقل أسماء الممثلين المشاركين في العمل.

إنتاج مزيد من مسلسلات الإثارة والتشويق والمغامرة؛ لأنّ هذه الأنواع التلفزيونية هي المفضلّة في كل من مصر والسعوديّة.

تقديم برامج كوميديّة تتناول قضايا مهمّة، فالجمهوران يتطلّعان ليس إلى ما يُضحكهما فحسب بل إلى ما يدفعهما للتفكير ويتعلّمان منه.

كتابة قصص مستوحاة من الأحداث الآنيّة، بدل التمسّك بالسرديّات الخياليّة والهادفة إلى الهروب من الواقع.

إنشاء محتوى إضافي مرتبط بالمسلسل للاستخدام على وسائل التواصل الاجتماعي.

تأتي دراسة جامعة جنوب كاليفورنيا و«مبادرة الشرق الأوسط للإعلام» جزءاً من مشروع التبادل الدبلوماسي الثقافي بين الولايات المتحدة الأميركية والمنطقة العربية. وتلفت بليكلي إلى أنّ «أفضل تجلّيات التبادل الثقافي هو أن يتحصّن المستفيدون من ذلك البحث، أي صنّاع المحتوى التلفزيوني العرب، بمعلومات جديدة وبمهاراتٍ أقوى وبشبكات أوسع تساعدهم على النجاح». وتضيف أن الدراسة ستعود بالفائدة على الكتّاب التلفزيونيين والمنتجين والأطقم التنفيذية؛ لأنه ستصبح بمتناولهم معلومات عن سلوكيّات جمهور التلفزيون ومنصات البث، وهي معلومات حصريّة وغير متوفرة في أي مكان آخر. كل ذلك كفيل بتحضيرهم للنجاح بمجرّد أن يطوّروا قصصاً تجد صدى لدى المشاهدين المحلّيين.


مقالات ذات صلة

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

يوميات الشرق تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

ترى تيما زلزلي أنّ الحوارات الحادّة والجريئة تتطلَّب جهداً كبيراً قد لا ينعكس إيجاباً على مقدّمها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»... وتدشّن مرحلة تطوير شاملة

أعلنت «SRMG» فوزها بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة، في خطوة تعكس تصاعد دورها في قيادة المشهد الإعلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان أحمد العوضي خلال حملة «بيتكم منور بيكم» (فيديو الحملة)

إعلان متخم بالنجوم لـ«ترشيد الكهرباء» يثير تفاعلاً في مصر

«لو سمحتوا أي حد سايب نور في أي أوضة مش قاعد فيها... بعد إذنك قوم اطفيه»، بهذا المضمون؛ أطلقت وزارة الكهرباء المصرية حملة إعلانية توعوية.

محمد عجم (القاهرة )

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
TT

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون، من بينها إبريق استقر بجوار حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن السادس عشر.

وأوضح الضابط في البحرية الفرنسية، سبستيان، الذي لم يفصح عن هويته الكاملة لأسباب أمنية، أنّ التعامل مع الموقع يتطلب دقة فائقة؛ لتفادي إلحاق أي ضرر بالحطام أو إثارة الرواسب التي قد تعوق الرؤية.

ووفق «سي بي إس نيوز»، يُشرف سبستيان على المهمة الأولى ضمن بعثات استكشافية أثرية في أعمق حطام داخل المياه الإقليمية الفرنسية، التي تُجرى على بُعد نحو ساعتين من الريفييرا الفرنسية.

كان اكتشاف السفينة قد حدث مصادفةً خلال مسح عسكري روتيني لقاع البحر العام الماضي في منطقة قبالة ساحل راماتويل بالقرب من بلدة سان تروبيه.

ويرجّح علماء الآثار أنّ السفينة كانت في طريقها من شمال إيطاليا، محمّلةً بالآنية الخزفية وسبائك معدنية، قبل أن تلقى مصيرها في الأعماق.

بين الإنسان والعمق... وسيط من معدن (أ.ف.ب)

وقد عادت البحرية الفرنسية حالياً، بالتعاون مع قسم الآثار الغارقة تحت الماء بوزارة الثقافة، لمعاينة القطع الأثرية التي بقيت محفوظة على عمق يزيد على ميل ونصف تحت سطح البحر.

مدافع وأباريق خزفية تحت الأعماق

وتحافظ البحرية على سرّية موقع الحطام، الذي أطلقت عليه اسم «كامارا 4»، رغم أنّ الوصول إليه يتطلَّب إمكانات تقنية متقدّمة نظراً إلى عمقه الكبير.

ومع بزوغ الفجر، وصلت القاطرة البحرية التابعة للمهمّة إلى الموقع، حاملةً روبوتاً مخصّصاً للعمل تحت الماء، ومعه حاويتان كبيرتان تُستخدمان مكاتبَ ميدانية بديلة لعلماء الآثار البحرية.

ويُنزل طاقم العمل الروبوت المزوّد بالكاميرات وأذرع تشبه الكماشة إلى الأعماق، حيث يوجّه أحد المسؤولين في البحرية الروبوت نحو الأسفل عبر كابل طويل، في حين يراقب الخبراء حركته عبر الشاشات.

وبعد نحو ساعة، يبدأ الروبوت، المُصمَّم للغوص حتى عمق يصل إلى 4 آلاف متر، في الانزلاق فوق أكوام من الأباريق دائرية الشكل في قاع البحر.

وتكشف اللقطات التي ترصدها الكاميرات للفريق على السطح، عن تفاصيل الحطام، حيث تظهر مدافع إلى جانب مئات الأباريق والأطباق المزخرفة بنقوش نباتية وصلبان وأشكال أسماك.

ويلتقط الروبوت 8 صور في الثانية على مدى 3 ساعات، ممّا أتاح جمع أكثر من 86 ألف صورة تُستخدم لاحقاً لإنتاج نموذج ثلاثي البُعد دقيق للموقع.

وأعربت عالمة الآثار فرانكا تشيبيكيني عن دهشتها من وضوح الرؤية في هذا العمق، قائلةً: «بدت ممتازة، ولا يمكن تخيّل ذلك على هذا العمق». وأضافت أن السفينة كانت تجارية على الأرجح، وكانت تحمل آنية خزفية مصقولة من منطقة ليغوريا في شمال غربي إيطاليا، وربما حُمِّلت في موانئ جنوة أو سافونا.

كان خبراء قد حدّدوا سابقاً وجود مرجلين ومرساة و6 مدافع في موقع الحطام، إلى جانب نفايات حديثة، مثل علبة مشروبات وعلبة زبادي فارغة، ظهرت في بعض الصور قرب المرساة.

عينٌ آلية ترى ما عجزت عنه العيون (أ.ف.ب)

استعادة إحدى أعمق القطع

وترى رئيسة فريق التنقيب، مارين سادانيا، أنّ هذه النتائج تُمثّل مصدراً مهماً لفهم طرق التجارة البحرية في القرن السادس عشر، في ظلّ محدودية المصادر التاريخية التفصيلية المتاحة.

وخلال عملية الانتشال، راقب الفريق بحذر الروبوت وهو يخفض ذراعه لالتقاط صندوق برفق، لتفادي كسره، رغم أنّ أحد الأواني الخزفية تحطم خلال العملية.

وقد نجح الفريق في استخراج عدد من الأباريق والأطباق، إذ فُحِصت في مختبرات بمدينة مرسيليا، وأظهرت التحاليل الأولية زخارف بخطوط زرقاء داكنة وأشكال هندسية ملوّنة.

وأكدت سادانيا أن هذه القطع تُعد من أعمق القطع الأثرية التي استُخرجت من حطام سفينة في فرنسا.

يأتي هذا الاكتشاف بعد العثور عام 2019 على حطام الغواصة «لا مينيرف» قبالة مدينة تولون، على عمق 1.4 ميل، والتي غرقت عام 1968 وعلى متنها 52 بحاراً.

وفي تطور موازٍ، أعلن مسؤولون اكتشاف حطام سفينة أخرى تعود إلى القرن الـ16، عُثر عليها خلال تدريبات عسكرية قبالة ساحل السويد.


هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
TT

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

من منظور علمي، يُعدّ فنجان القهوة لغزاً معقّداً، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء في تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيراً أسلوب تحضيرها. وغالباً ما تكون النتيجة فنجاناً غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضاً أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.

ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذي يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة في بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهي.

وإنما دراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم في فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة في بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.

وفي هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريغون جهازاً يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهداً كهربائياً متغيّراً، إذ وضعوا أقطابه في أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التي تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. في المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.

ويُمثّل هذا الاكتشاف أحدث إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء في أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالي.

تقليدياً، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالي المواد الصلبة الذائبة»، أي كمية القهوة المذابة في المشروب. وإنما النكهة تُمثّل مزيجاً من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولا يمكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.

في هذا السكون الداكن... عالم كامل (أ.ف.ب)

وقال الكيميائي في جامعة أوريغون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائي وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة في المنزل، لكنه يُمثّل تحدّياً كبيراً عند الإنتاج على نطاق واسع.

وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستي هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوي على آلاف المركّبات المختلفة».

ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة في رشفة، أو لمسات الكراميل في أخرى، ليس بالأمر السهل. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائي على جودة الطعم بيد اللسان البشري.

وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة من محمصة تُدعى «Colonna» في مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التي استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشري على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.

من جانبها، قالت هيذر سميث، وهي كيميائية متخصّصة في النكهات وعالمة في علوم الإدراك الحسي بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ولم تشارك في الدراسة، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التي تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.

وأضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعداً جديداً محتملاً، لكنها ليست حلاً متكاملاً بمفردها».

وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل في البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائي. وقالت: «هي طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائي للقهوة، وستضيف مزيداً من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأي من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّي البشري وحده قادر على ذلك».


ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
TT

ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)

تعود ماسة «كوه نور» إلى واجهة الجدل الدولي بين الحين والآخر، بوصفها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم وأكثرها إثارةً للنزاعات التاريخية والسياسية. فهذه الماسة، التي تتوسط جواهر التاج البريطاني، ليست مجرد قطعة فاخرة، بل رمزٌ معقَّد لتاريخ طويل من الاستعمار والمطالبات بالاسترداد. وقد تجدَّد النقاش حولها مؤخراً بعد دعوات جديدة لإعادتها إلى الهند، حيث استُخرجت في الأصل.

دعوة جديدة تعيد القضية إلى الواجهة

صرّح عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يوم الأربعاء، بأنه يشجِّع الملك البريطاني تشارلز على إعادة ماسة «كوه نور» - التي تزن 105.6 قيراط - إلى الهند، وذلك وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا التصريح خلال زيارة الدولة التي قام بها الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، حيث أمضيا يومهما الثالث في نيويورك. وقال ممداني للصحافيين قبل لقائه بالملك: «لو تحدثتُ إلى الملك على انفراد، لربما شجَّعته على إعادة ماسة كوه نور».

وكان ممداني، وهو أميركي من أصل هندي، يتحدث قبيل مشاركته في مراسم إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورغم لقائه لاحقاً بالملك تشارلز في المناسبة نفسها، لم يتضح ما إذا كانت هذه القضية قد طُرحت خلال حديثهما. من جهته، امتنع قصر باكنغهام عن التعليق، كما لم يؤكد مكتب العمدة حدوث أي نقاش بهذا الشأن.

وقد أعادت هذه التصريحات إحياء الجدل القديم حول الماسة، التي تطالب الهند منذ سنوات طويلة بإعادتها من بريطانيا.

موقع «كوه نور» في جواهر التاج البريطاني

تحتل ماسة «كوه نور» مكانة بارزة ضمن جواهر التاج البريطاني منذ عام 1911، عندما رُصّعت في صليب يتصدر تاج الملكة ماري. وفي عام 1937، استُبدلت بها نسخة طبق الأصل، بعد نقل الماسة الأصلية إلى تاج الملكة الأم بمناسبة تتويجها إلى جانب الملك جورج السادس.

وفي سياق متصل، اختارت الملكة كاميلا تجنُّب الجدل المرتبط بالماسة، إذ ارتدت تاج الملكة ماري بعد تعديله وإزالة النسخة المقلدة منه، لتصبح بذلك أول قرينة ملك منذ القرن الثامن عشر تعيد استخدام تاج في مراسم التتويج.

أما تاج الملكة الأم، فقد صُنع عام 1937 للملكة إليزابيث، قرينة الملك جورج السادس، لارتدائه خلال حفل التتويج في 12 مايو (أيار) من العام نفسه. ويتميَّز التاج بغطاء مخملي أرجواني وحواف من الفرو، وهو مرصّع بنحو 2800 ماسة مثبتة في إطار بلاتيني، تتوزع في أنماط من الصلبان والمستطيلات.

كما يضم التاج ماسات كبيرة أخرى، من بينها ماسة أهداها سلطان تركيا إلى الملكة فيكتوريا عام 1856. ومع ذلك، تبقى ماسة «كوه نور» الأكثر إثارةً للجدل، إذ تتوسط الصليب الأمامي للتاج على قاعدة بلاتينية قابلة للفصل.

أصل الماسة ورحلتها عبر الإمبراطوريات

استُخرجت ماسة «كوه نور» من الهند، وتُعد من أكبر الماسات المصقولة في العالم، إذ يبلغ وزنها 105.6 قيراط (21.12 غرام). ويعود أول ذكر مكتوب لها إلى عام 1628، خلال عهد الإمبراطورية المغولية، حين كانت مرصّعة في عرش الطاووس الخاص بالإمبراطور شاه جهان، إلى جانب ياقوتة تيمور.

لاحقاً، استولى الحاكم الفارسي نادر شاه على الماسة عندما غزا دلهي عام 1739 ونهب المدينة، حاملاً معه كنوزاً هائلة، من بينها عرش الطاووس.

ومنذ ذلك الحين، تنقلت «كوه نور» بين حكام آسيا الوسطى، إلى أن استقرّت في يد الحاكم السيخي رانجيت سينغ عام 1813، بحسب ما أورده كتاب «كوه نور: تاريخ أشهر ماسة في العالم» للمؤرخين أنيتا أناند وويليام دالريمبل. وقد أعاد سينغ الماسة إلى الهند قبل وفاته عام 1839.

كيف وصلت إلى بريطانيا؟

في تلك الفترة، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد وسَّعت نفوذها في شبه القارة الهندية، وكانت تنظر إلى «كوه نور» بوصفها رمزاً للقوة والهيمنة الاستعمارية. غير أن البريطانيين لم يحصلوا على الماسة إلا عام 1849.

خلال هذه المرحلة، سُجِنَت راني جيندان، الزوجة الصغرى لرانجيت سينغ ووالدة آخر مهراجا، وهو ابنها دوليب سينغ الذي كان يبلغ من العمر عشر سنوات. وبعد سنوات من الاضطرابات، وجدت الأم وابنها نفسيهما الوحيدين الباقيَيْن في ترتيب ولاية عرش البنجاب.

ووفقاً لأناند ودالريمبل، أُجبر دوليب سينغ على توقيع وثيقة قانونية عدّلت معاهدة لاهور، تنازل بموجبها عن ملكية الماسة للبريطانيين، إضافة إلى التخلي عن جميع مطالباته بالسيادة. وبذلك، انتقلت «كوه نور» إلى الملكة فيكتوريا.

إعادة صقل الماسة وتغيُّر شكلها

عُرضت الماسة في «المعرض الكبير» في لندن عام 1851، لكنها لم تُثر إعجاب الجمهور بسبب بساطة مظهرها. وعلى إثر ذلك، أمر الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، بإعادة صقلها وتلميعها.

وقد أدى ذلك إلى تقليص حجمها إلى نحو النصف، لكنه زاد من بريقها ولمعانها، لتأخذ الشكل الذي تُعرف به اليوم.

تُقدَّر قيمة ماسة «كوه نور» بما يتراوح بين 140 و400 مليون دولار أميركي، غير أن قيمتها الحقيقية تبقى غير محددة، إذ يُنظر إليها على أنها قطعة لا تُقدَّر بثمن، نظراً لما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية.

ومنذ استقلال الهند عام 1947، دأبت الحكومات الهندية المتعاقبة على المطالبة باستعادة الماسة. وكان آخر هذه المطالب في عام 2016، حين أعلنت نيودلهي أنها ستبذل قصارى جهدها لاسترجاعها.