«أحلام العصر»... فيلم يتماهى فيه الخيال مع الواقع

حكيم جمعة لـ«الشرق الأوسط»: ضحّيت بالطب إيماناً بمستقبل السينما السعودية

حكيم جمعة في مشهد بالفيلم (إنستغرام الفنان)
حكيم جمعة في مشهد بالفيلم (إنستغرام الفنان)
TT

«أحلام العصر»... فيلم يتماهى فيه الخيال مع الواقع

حكيم جمعة في مشهد بالفيلم (إنستغرام الفنان)
حكيم جمعة في مشهد بالفيلم (إنستغرام الفنان)

«أحلام العصر»، عبارة كثيراً ما استخدمها السعوديون للتعبير عمّا هو عبثي وغريب، ويصعب على المنطق تفسيره، وهي تنطبق بامتياز على الفيلم السعودي «أحلام العصر»، وتتماشى مع أحداثه السريالية التي تتذبذب ما بين الواقع والخيال، لتدخل عوالم خفيّة يسكنها الجمهور المهووس بتتبع مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي.

ويأتي هذا الفيلم للأخوين صهيب وفارس قدس بعد تجربتهما الأولى في فيلم «شمس المعارف» عام 2020، الذي ترك بصمة كبيرة في مسيرة الأفلام السعودية، وينتمي إلى سينما الشباب، وقد استطاع إظهار خبايا مدارس الأولاد، ما جعله يحقق نجاحاً تجارياً لدى عرضه في دور السينما السعودية آنذاك. والأمر نفسه ينطبق حالياً على فيلم «أحلام العصر»، الذي يُعرض الآن في دور السينما السعودية، وينتمي هو الآخر لعوالم الشباب والمراهقين الحالمين بالشهرة وكسب الأموال من خلال استخدامهم تطبيقات الهاتف المحمول بطريقة أكثر جنوناً وعبثية.

يُقدّم «أحلام العصر» بفصوله الستة، رؤية سينمائية زاخرة بالقصص والأحداث المتسارعة، مستخدماً تقنية «الفلاش باك» والتحليل النفسي لكلّ شخصية في العمل، ليدرك المشاهد دوافعها جيداً، وذلك على مدى 3 ساعات تجمع بين الكوميديا والأكشن والرومانسية العابرة. كما تنوّعت شخصيات الفيلم بشكل كبير؛ ما جعله غزيراً بالأحداث التي تتطلب تركيزاً من المُشاهد للربط بينها، خصوصاً تلك التي تحاول الغوص عميقاً داخل جمجمة الأبطال لرؤية مخاوفهم، والتعرف على كوابيسهم بوضوح.

مشهد من فيلم «أحلام العصر» (الشرق الأوسط)

الشرير حكيم

يُقدّم الممثل حكيم جمعة في الفيلم الذي يجمع عدداً من الوجوه السعودية الشابة، دور (حكيم)... الشخصية الشريرة في الفيلم، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يصف دوره بأنه نقطة انطلاقته الحقيقية، مضيفاً: «(أحلام العصر) هو فيلم دسمٌ وملحميٌّ، يرى فيه المُشاهد تطوّر شخصية (حكيم)، من حالة إلى أخرى تختلف في بداية الفيلم عن نهايته. ولأول مرّة أُعْطَى هذه المساحة الواسعة، وسعدت جداً بالتجربة».

كثيراً ما ارتبطت أعمال حكيم جمعة بأدوار الشّر، لماذا؟

يوضح قائلاً إنها «مصادفة، حين شاركت في مسلسل (رشاش) قدّمت دور (سلطان) الشاب المتمرد الذي يرتكب جرائم كثيرة، ليحصرني بعد ذلك المنتجون والمخرجون والكُتّاب في هذه النوعية من الأدوار»، ويتابع: «أميل بطبعي لأنسنة كل شخصية أجسدها، فمن المستحيل أن يستيقظ أحدهم من النوم فجأة، ويقرر أن يصبح شريراً؛ لذا أحاول فهم الدوافع والمبادئ التي بُنيت عليها حياة الشخصية».

ويؤكد جمعة أن حصره في قالب أدوار الشّر لم يكُن اختياره. ويتابع قائلاً: «العامل المشترك بين هذه الأدوار هو أنها تنتمي لنصوص جيّدة؛ ولهذا السبب أنا على استعداد لقبول أي دور يُقدَّم لي مهما كانت مساحته، وسواء كانت الشخصية طيبة أم شريرة، وسواء كان الدّور ثانوياً أم أساسياً».

حكيم جمعة (إنستغرام الفنان)

أطول فيلم سعودي

ينقل «أحلام العصر» الأفلام السعودية إلى مرحلة جديدة بوصفه أطول فيلمٍ سعودي حتى الآن، فمدته تتجاوز 3 ساعات، وهذا الأمر شكّل تحدياً لدى صُناعه، ودفع بالتالي، دُور السينما لتخصيص استراحة مدتها 10 دقائق تنتصف الفيلم، وهنا يرى حكيم جمعة أن الجمهور السعودي يتمتّع بثقافة سينمائية عالية تؤهله لمشاهدة الأعمال الجيدة مهما كانت مدتها؛ ويردف: «من غير المعقول أن يتمكّن المخرجان الأميركي مارتن سكورسيزي، والبريطاني الأميركي كريستوفر نولان، من صنع فيلم مدته 3 ساعات ونحن لا نستطيع. لا بدّ من ذكر هذا الحراك السينمائي المتسارع في السعودية، ومن ثم تجب علينا الاستفادة منه».

أصعب المشاهد

ويشير جمعة عند سؤاله عن مَشاهده الأكثر صعوبة في الفيلم إلى تلك التي ظهر فيها الاضطراب العاطفي بينه وبين آلاء (فاطمة البنوي) حين انتقل من الحب إلى الكراهية والغضب، وحين كان يستشيط غضباً منها في مشهد ما ويواسيها في آخر. ويتابع: «قد يكون من الغريب أن أشعر بأنّ مشاهد الأكشن التي أدّيتها في نهاية الفيلم كانت الأسهل بالنسبة لي، سواء المواجهة التي جمعتني مع الممثل عبد العزيز الشهري، أو تلك التي جمعتني مع الممثل صهيب قدس، وربما يعود ذلك لبدايتي في مسلسل (رشاش). ربما أكون قد اعتدت هذه النوعية من المَشاهد».

حكيم جمعة في عرض فيلم «أحلام العصر» (إنستغرام الفنان)

التفرّغ للفن

حكيم جمعة هو طبيب، واليوم نراه ممثلاً بامتياز، وقليل هم من يعرفون هذه المعلومة، فبماذا تعلّق على الأمر؟

«أستطيع القول اليوم، إنني مارست مهنة الفن أكثر من الطب. فبعد تخرجي عملت طبيباً 4 سنوات، ودخلت بعدها الساحة الفنية، لأرى نفسي اليوم فناناً من الدرجة الأولى»، ويؤكد أن ما جعله يتفرّغ للفن تلك البوادرُ المشجعةُ التي طالت حراك السينما السعودية، فقرر أن يكون جزءاً منه.

«لم يكن الأمر سهلاً»

يؤكد جمعة، خصوصاً لدى عودته للنظر إلى فترة الدراسة الأكاديمية الطويلة التي قضاها، إلى جانب ما يصفه بالاستقرار المهني والمادي الذي توفره مهنة الطب مقارنة بالفن، وما يتطلبه هذا المجال من جهدٍ وتعبٍ كبيرين لضمان الدّخل، والقدرة على الاستمرارية في تقديم أعمال تُرضي الفنان، قائلاً: «ضحيت بالطّب لصالح إيماني بمستقبل السينما السعودية».

أعطاه الطّب كثيراً، وعلّمه الكثير، فبات يحترم الوقت، ويلتزم به. ومن خلال تواصله مع المرضى في مستشفى بجنوب مدينة جدة حيث كان يعمل، وحيث كان يلتقي شخصيات كثيرة، ويتعرّف إلى الاختلافات النفسية بين إنسان وآخر، بات يستطيع أن يُقدّم أي شخصية تُسْند إليه، بل يضيف إليها لمسته الخاصة.

تدور قصة فيلم «أحلام العصر» حول نجم كرة القدم معتزل عبد الصمد (صهيب قدس)، الذي يتعاون مع ابنته أحلام (نجم) للانتقام من جميع من ظلموه من بوابة شهرة شبكات التواصل الاجتماعي، ومعاً يجدان فرصة سانحة للعمل مع وكلاء أعمال مهمين للمشاهير (حكيم جمعة، وفاطمة البنوي)، إلا أنه كلّما غاص وابنته في حلم الشهرة والنجومية ازداد تورطهما في كثير من المتاعب.


مقالات ذات صلة

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

يوميات الشرق «قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر…

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ناقش الفيلم إحدى صور المعاناة الإنسانية (الشركة المنتجة)

تانفير تشاودهوري: «كفارة» تجربة ذاتية مستوحاة من شعوري بالذنب

يبدأ الفيلم البنغلاديشي «كفارة» من لحظةٍ خاطفةٍ، لكنها كفيلة بأن تعيد ترتيب حياة كاملة من الداخل؛ زلزالٍ يضرب المكان، مروحةِ سقفٍ تهوي فجأة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق دانك وإيغ تجمعهما رحلة المسلسل حيث الشاب الضخم يرافق الطفل الأصلع المتمتع بالنباهة العالية (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)

«فارس من الممالك السبع»... عودة إلى «ويستروس» بعد طول انتظار

بعد سنوات من الترقب، يعود عالم «ويستروس» إلى الشاشة عبر مسلسل «فارس من الممالك السبع» A Knight of the Seven Kingdoms، الذي انتظره الجمهور طويلاً.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق الملصق الترويجي لفيلم «الملحد» (الشركة المنتجة) ‫‬

«سينما القضية» تخسر رهان شباك التذاكر في مصر

يرى النقاد أن «سينما القضية» لها جمهور ومواسم محددة، فيما تبقى الأفلام الخفيفة أو التجارية الأكثر تحقيقاً للإيرادات.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.