«العتبة» تزدحم بالمصريين الباحثين عن ملابس العيد الرخيصة

ملاذ الطبقة المتوسطة والسوق الأشهر في القاهرة

الباعة الجائلون والمارة يتكدسون في ميدان العتبة (تصوير عبد الفتاح فرج)
الباعة الجائلون والمارة يتكدسون في ميدان العتبة (تصوير عبد الفتاح فرج)
TT

«العتبة» تزدحم بالمصريين الباحثين عن ملابس العيد الرخيصة

الباعة الجائلون والمارة يتكدسون في ميدان العتبة (تصوير عبد الفتاح فرج)
الباعة الجائلون والمارة يتكدسون في ميدان العتبة (تصوير عبد الفتاح فرج)

«من الإبرة للصاروخ»... ربما يكون هذا هو الشعار المثالي الذي يعبّر عن منطقة العتبة، وسط القاهرة، حيث تضم باعة جائلين ومحلات لكل شيء قد تحتاجه الأسرة المصرية، ويؤكد ذلك الشعار الزحام الكبير الذي تشهده في الأيام الأخيرة قبل عيد الفطر. وأصبحت العتبة، التي تعدّ أشهر سوق شعبية في مصر، ملاذاً للطبقة المتوسطة بسبب الظروف الاقتصادية وموجات الغلاء المتلاحقة، ومن المعروف أن بائعي ومحلات تلك المنطقة تبيع الملابس والأحذية وجميع المستلزمات الأخرى المشهورة بـ«لبس العيد» بأسعار تنافسية أقل بكثير من المحلات في المناطق الأخرى بالقاهرة.

ولمجرد أن تقطع ميدان العتبة، بدءاً من الجراج الحكومي المقابل للمسرح القومي، مروراً بالموسكي وسور الأزبكية، وصولاً إلى المجمع التجاري «صيدناوي» الحديث، لا بد أن تشق الطريق وسط حشود بشرية لا يمكن تفاديها بسهولة، بالإضافة إلى الباعة الجائلين ومفترشي الأرصفة ببضائعهم زهيدة الثمن.

شوارع العتبة تشهد زحاماً شديداً قبل عيد الفطر (تصوير - عبد الفتاح فرج)

وسط الزخم المعماري الشديد من طراز «الروكوكو» إلى «الإنجليزي»، و«الفلورنسي»، تمور حركة الشارع والباعة وتتحول المباني القديمة إلى مخازن للأقمشة والملابس والأحذية، وتخصص الأسر المصرية يوماً كاملاً على الأقل للتجول في هذه السوق الشعبية الكبيرة للحصول على احتياجاتها، وفق ما يؤكد حسن مصطفى، الذي قال إنه «لجأ للعتبة كي يشترى ملابس العيد لأبنائه الثلاثة، نظراً لملائمة الأسعار لراتبه البسيط كموظف في إحدى شركات القطاع العام». حسن استطاع أن يشتري لأبنائه أحذيةً جديدةً وملابس وألعاباً بسيطة بمبلغ لا يتجاوز ألفي جنيه (الدولار يساوي 47.55 جنيه)، حسب قوله.

ويعدُّ العيد فرصةً كبيرةً وموسماً لبائعي العتبة التي تشتهر بصنوف مختلفة من البضائع، أشهرها الملابس والمصنوعات الجلدية من أحذية وحقائب وأحزمة وخلافه. يقول صابر محروس، صاحب محل لبيع الأحذية بالعتبة: «ننتظر هذا الموسم كل عام، لأن الكثير من الأسر تأتي لشراء أحذية لأطفالهم، ونستعين بعمالة إضافية للبيع خلال هذه الأيام بسبب الزحام الشديد».

وبينما تتراوح الأسعار لدى صابر من 130 جنيهاً إلى 600 جنيه للحذاء الرياضي، تبدأ الأحذية في محلات أخرى خارج منطقة العتبة من 250 جنيهاً وتصل إلى عدة آلاف في محلات الماركات الراقية.

مبنى البريد المصري من المعالم التاريخية العتيقة في ميدان العتبة (تصوير- عبد الفتاح فرج)

تتميز العتبة بأنها تقريباً في «قلب القاهرة»، فمبنى البريد الموجود وسط ميدان العتبة، توجد بداخله نقطة الصفر التي تحدد المسافة على الطرق السريعة بين القاهرة العاصمة وأي مكان آخر في مصر. ربما لهذا السبب اختارها الخواجة فيكتور ترينج ليبني عليها مبناه الشهير عمارة «ترينج» عام 1913، لتصبح أول مول تجاري كبير يضم ماركات العطور الفرنسية والأزياء الراقية التي تحمل الطابع الأوروبي على نمط محلات «سيزار ريتز» في أوروبا، وكانت قبلة للباشوات والأفندية والهوانم.

هذه العمارة التي ما زالت موجودة بملامحها المطموسة، وتصميمها الفريد الذي وضعه المعماري النمساوي أوسكار هورويتز، تعدُّ مركز الميدان الذي يضج بالباعة الجائلين والمحلات، وقد تحول الميدان بدءاً من الانفتاح إلى ملاذ للطبقة المتوسطة. «بعد ذلك أصبحت العتبة مرتبطةً بالطبقة الشعبية من الكادحين والبسطاء»، حسب ما يقول رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء» محمود العسقلاني، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الطبقة المتوسطة تتآكل، وعادت لتبحث عن سبل الحياة في المناطق والأسواق الشعبية بعد أن كانت تشترى ملابسها واحتياجاتها من الماركات أو على الأقل من محلات معروفة، أصبحت بفعل إجراءات الإصلاح الاقتصادي منذ عام 2018 تشترى احتياجاتها من الأسواق الشعبية مثل العتبة».

وأرجع العسقلاني الزحام الشديد في منطقة العتبة قبل العيد إلى «حرص أبناء الطبقة المتوسطة على (الستر)، أي يحافظون على عاداتهم ويشترون ملابس جديدة للعيد لأبنائهم، ولكن بأقل مبالغ ممكنة، لذلك يتجهون إلى العتبة، في حين اتجه الفقراء والكادحون من العتبة إلى أسواق أخرى أرخص مثل وكالة البلح». وتقف العتبة على مشارف حضارتين أو عصرين كبيرين، فهي جزء من القاهرة التاريخية أو الفاطمية، كما أنها تلامس القاهرة الخديوية عند ميدان الأوبرا، ويوجد بها المسرح القومي وسور الأزبكية أشهر الأسواق الشعبية لبيع الكتب، بالإضافة إلى حديقة الأزبكية ذات الطابع الفرنسي الذي يتم تجديدها لإعادة افتتاحها قريباً.

الزحام في ميدان العتبة بقلب القاهرة (تصوير عبد الفتاح فرج)

وقد أصبح كل شارع في العتبة تقريباً متخصصاً في تجارة معينة، فمثلاً شارع جوهر مقابل محطة الأتوبيس يبيع جميع أنواع الملابس الجاهزة، ويتخصص الشارع الأيسر المتفرع منه في بيع الأحذية والحقائب، أما منطقة الرويعي، وتقبع في إحدى زوايا العتبة المزدحمة، فتشتهر ببيع مستلزمات وإكسسوار المنزل. وبينما تختص منطقة درب البرابرة ببيع لوازم حفلات السبوع والولادة، توجد المناصرة لبيع الأثاث، ومحمد علي لبيع الآلات الموسيقية، وشارع عبد العزيز لبيع أجهزة المحمول والأدوات الكهربية، وشارع الجمهورية للأدوات والأجهزة الثقيلة مثل مستلزمات المحاريث وحفار الخرسانة المعروف شعبياً بـ«الصاروخ».

«هانو، شيكوريل، بنزيون، عدس، ريفولي، صيدناوي...»، كلها أسماء لعائلات تجارية كبرى استوطنت العتبة وقت مجدها، وما زالت آثارهم واضحة في المكان، إلا أن بضاعتهم التي كانت تأتي من أوروبا عفا عليها الزمن، وأصبح السائد لدى الباعة في هذا المكان «مخرجات مصانع بئر السلم» أو السلع الرخيصة عموماً، حسب ما يؤكد رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء».

وكان لتأثير إجراءات الإصلاح الاقتصادي دورٌ كبيرٌ في اقتراب الكثير من أبناء الطبقة المتوسطة من سور الطبقة الكادحة أو الفقراء، ليتشكل هذا المشهد من الزحام في قلب القاهرة، على بضائع ربما ليست بالجودة العالية لكنها بالسعر المناسب.


مقالات ذات صلة

قطاع الرقائق ينعش العقود الآجلة الأميركية في ختام أسبوع متقلب

الاقتصاد الواجهة الخارجية لبورصة نيويورك (رويترز)

قطاع الرقائق ينعش العقود الآجلة الأميركية في ختام أسبوع متقلب

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، الجمعة، مع عودة شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية إلى صدارة المكاسب في ختام أسبوع اتسم بالتقلبات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك بنيويورك (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجّل أقوى تدفقات أسبوعية في 15 أسبوعاً

سجَّلت صناديق الأسهم العالمية أكبر صافي تدفقات أسبوعية منذ 15 أسبوعاً خلال الفترة المنتهية في 14 يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يتم عرض خطاب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول على شاشة في بورصة نيويورك (أ.ب)

المستثمرون يترقبون تحركات السندات بعد صدمة التحقيق الجنائي مع باول

تخيم حالة من الترقب المشوب بالحذر على أسواق السندات الأميركية، حيث يتأهب المستثمرون لموجة صعود في العوائد طويلة الأجل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مناسبة سابقة بمقر البورصة اليابانية في العاصمة طوكيو (رويترز)

اليابان تفتح باب «التدخل المشترك» مع أميركا لـ«ضبط الين»

قالت وزيرة المالية اليابانية إن طوكيو لن تستبعد أي خيارات لمواجهة التقلبات المفرطة في أسعار صرف العملات الأجنبية، بما في ذلك التدخل المنسق مع أميركا.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شخص يراقب لوحة أسعار الأسهم في بورصة طوكيو (رويترز)

أسهم آسيا تسجل صافي مبيعات أجنبية «محدودة» في ديسمبر

سجلت أسواق الأسهم الآسيوية في ديسمبر (كانون الأول) صافي مبيعات من قبل المستثمرين الأجانب، وسط استمرار المخاوف بشأن ارتفاع تقييمات أسهم قطاع التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».