بعد صدمة التوترات الجيوسياسية… هل تستعيد السندات دورها التقليدي؟

ترقب واسع لدى المستثمرين لنقطة تحول في أسواق الدين

أوراق نقدية من العملات العالمية (رويترز)
أوراق نقدية من العملات العالمية (رويترز)
TT

بعد صدمة التوترات الجيوسياسية… هل تستعيد السندات دورها التقليدي؟

أوراق نقدية من العملات العالمية (رويترز)
أوراق نقدية من العملات العالمية (رويترز)

أخفقت السندات حتى الآن في أداء دورها التقليدي كملاذ آمن يحمي المستثمرين خلال الحرب مع إيران. إلا أن بعض مديري الصناديق يرون أن هذا الواقع قد يكون على وشك التغير، مع استعداد أدوات الدين لاستعادة مكانتها الدفاعية إذا بدأ التضخم في إبطاء النمو الاقتصادي.

فعلى الرغم من تراجع الأسهم العالمية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، فإنها عادت لتقترب من مستوياتها القياسية مدعومةً بزخم الذكاء الاصطناعي وقوة أرباح الشركات، في حين تعرضت السندات الحكومية لضغوط حادة بفعل المخاوف من استمرار التضخم لفترة أطول، مما دفع تكاليف الاقتراض الحكومي إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات عديدة، بل إلى مستويات قياسية في بعض الحالات، وفق «رويترز».

ومع ذلك، لم يُحجم المستثمرون عن شراء السندات. إذ تُظهر بيانات «ليبر» أن صناديق السندات الحكومية في الأسواق المتقدمة استقطبت تدفقات صافية بلغت 12 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، وهو ما يمثل إجمالي التدفقات الداخلة إلى هذه الصناديق منذ بداية العام.

غير أن الضغوط المستمرة على أسواق الدين تعني أن سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، التي تُعد ملاذاً آمناً تقليدياً، سجلت عائداً سلبياً بنسبة 1.5 في المائة منذ أواخر فبراير (شباط)، وهو ما يعادل خسارة سنوية تبلغ 5.4 في المائة.

كما حققت السندات الحكومية الألمانية لأجل عشر سنوات (البوند) عائداً سلبياً بنسبة 2.4 في المائة، أو ما يعادل خسارة سنوية قدرها 8.7 في المائة، مقارنةً بمكاسب بلغت 9 في المائة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» منذ اندلاع الحرب، أي ما يعادل نحو 39 في المائة على أساس سنوي، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية.

وأظهر أحدث استطلاع لمديري الصناديق العالمية أجراه «بنك أوف أميركا» أن المستثمرين يحتفظون بأدنى وزن نسبي للسندات منذ يونيو (حزيران) 2022، مما يجعل تغطية مراكز البيع المكشوف في أدوات الدخل الثابت حالياً بمنزلة رهان معاكس لاتجاه السوق.

ورغم التراجع الأخير في أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لا تزال الأسهم مرتفعة التقييم. ومع احتمال ظهور مجموعة جديدة من الشركات العملاقة عالية النمو، مثل «سبيس إكس» و«أوبن إيه آي»، قد تصبح التقييمات أكثر ارتفاعاً، في حين أن صعود عوائد السندات جعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية من أي وقت خلال السنوات الأخيرة.

وتتداول الأسهم في أسواق تمتد من سيول إلى فرانكفورت ونيويورك بالقرب من مستويات قياسية، فيما بلغت تقييماتها مستويات لم تشهدها منذ أشهر، بل منذ سنوات في بعض الحالات.

لوحة إلكترونية عليها أسعار مؤشر «نيكي 225» في بورصة طوكيو للأوراق المالية (أ.ف.ب)

جاذبية الدخل الثابت عالمياً

وقال كونستانتين فايت، مدير المحافظ الاستثمارية لدى «بيمكو»، أكبر مستثمر في السندات عالمياً: «إذا نظرت إلى مختلف أنحاء العالم، ستجد أن أسواق الدخل الثابت تبدو جذابة للغاية، وينطبق ذلك حتى على الأسواق التي لم تكن تاريخياً من الوجهات المفضلة للمستثمرين، مثل أوروبا واليابان».

وأضاف: «من الصعب بناء حجة مقنعة بأن الأسهم لا تزال تتمتع بجاذبية استثمارية كبيرة عند هذه المستويات».

في الوقت نفسه، تحوم عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات قرب أعلى مستوياتها في 15 عاماً عند 3.1 في المائة، بينما يبلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات 2.6 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ نحو ثلاثة عقود.

وإذا أُعيد فتح مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفقات النفط العالمية وتعطلت حركة الملاحة فيه فعلياً خلال النزاع، فقد تتراجع رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة، وهو ما من شأنه أن يدعم السندات. وفي المقابل، إذا استمر إغلاقه لفترة كافية لتهديد النمو العالمي، فقد تستفيد السندات أيضاً من تنامي المخاوف الاقتصادية.

وقال استراتيجيو «إتش إس بي سي برايفت بنك» في تقريرهم لتوقعات منتصف العام الصادر في نهاية مايو (أيار): «بدأ التضخم بالفعل في الظهور في البيانات الاقتصادية العالمية، مع ازدياد مخاطر انتقال الضغوط السعرية عبر سلاسل الإمداد وتكاليف المدخلات. في المقابل، لا يبدو أن الأسواق قد استوعبت بالكامل مخاطر تباطؤ النمو، مما يعني أن عوائد السندات قد تتراجع مجدداً بمجرد بلوغ مخاوف التضخم ذروتها».

تتبدل المعادلة عندما تشتد الأزمات

قد يؤدي أي تصعيد إضافي للصراع أو استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة مطولة إلى دفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل بفارق كبير، مما سيعزز المخاوف من الآثار الاقتصادية السلبية لصدمة جديدة في أسعار الطاقة.

ويعبر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المائة من احتياجات العالم اليومية من الوقود.

وقال أندرو شيتس، الرئيس العالمي لأبحاث الدخل الثابت في «مورغان ستانلي»: «رغم أن أداء السندات، بوصفها أداة لتنويع المحافظ الاستثمارية، كان مخيباً للآمال حتى الآن، فإننا نعتقد أن هذه الخاصية ستتحسن وستظهر قيمتها الحقيقية عندما تصبح الحاجة إليها أكبر».

وأضاف: «إذا ارتفع سعر النفط إلى السيناريو المتشائم الذي يتوقعه فريق السلع لدينا، بين 130 و150 دولاراً للبرميل، فإننا نتوقع أن تبدأ العوائد في التراجع، لأن الأسواق ستصبح أكثر قلقاً بشأن تأثير ذلك على النمو الاقتصادي».

السندات تحتفظ بجاذبيتها في حال صدمات سلاسل الإمداد

ولا تقتصر المخاطر على النفط وحده. فإذا أدت التوترات المتصاعدة حول تايوان أو تجدد الخلافات بين الولايات المتحدة والصين إلى تعطيل تدفقات المدخلات الاستراتيجية، مثل المعادن الأرضية النادرة أو أشباه الموصلات، فإن ذلك سيؤثر مباشرةً في ربحية الشركات ويضغط على أسواق الأسهم.

وقال يورام لوستيغ، رئيس حلول الاستثمار العالمية لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى «تي. رو برايس»: «إذا وقع حدث جيوسياسي يؤثر على إنتاج أشباه الموصلات، فإن انعكاساته على الأسواق المالية ستكون هائلة»، مشيراً إلى أن قطاع التكنولوجيا سيكون في مقدمة المتضررين.

ويبقى مسار أسعار الفائدة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأسواق. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي يبدو أكثر ميلاً إلى تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة، وهو سيناريو أخذته أسواق السندات في الحسبان إلى حد كبير، بينما قد لا تكون أسواق الأسهم قد استوعبت تداعياته بالكامل بعد.

وقال فايت: «إذا شهدنا بالفعل دورة قوية من رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي، فإن الأصول عالية المخاطر، بما فيها الأسهم، لن تكون في بيئة مواتية لتحقيق أداء جيد».

لكنه أشار إلى أن هذا السيناريو لا يمثل التوقع الأساسي لشركة «بيمكو» بشأن مسار أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

استقرار عوائد سندات اليورو... والأسواق تترقب خطوة «المركزي الأوروبي»

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

استقرار عوائد سندات اليورو... والأسواق تترقب خطوة «المركزي الأوروبي»

استقرت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو يوم الثلاثاء، في ظل مساهمة انحسار التوترات بين إسرائيل وإيران في تهدئة المخاوف مؤقتاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو ترتفع إلى ذروة أسابيع مع تسعير 3 زيادات للفائدة

سجَّلت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو أعلى مستوياتها في عدة أسابيع مع تسعير المتداولين لاحتمال تنفيذ البنك المركزي الأوروبي ثلاث زيادات في الفائدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يسير بين المباني في مركز تجاري بنيودلهي (رويترز)

من الذهب إلى السندات... الهند تتخذ إجراءات استثنائية لحماية اقتصادها الخارجي

هبطت العملة الهندية إلى مستويات قياسية متدنية، هذا العام، نتيجة الضغوط التي يتعرض لها ميزان المدفوعات في الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

الأسواق العالمية تترقب بيانات التضخم الأميركية وقرار «المركزي الأوروبي»

تدخل الأسواق العالمية أسبوعاً حاسماً ابتداءً من 8 يونيو (حزيران) الحالي، حيث تتجه الأنظار إلى عواصم القرار المالي لرصد ملامح التوجهات النقدية المقبلة...

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

ثورة الذكاء الاصطناعي تقود الأسهم العالمية لأعلى مستوى في 3 أسابيع

ارتفعت تدفقات صناديق الأسهم العالمية إلى أعلى مستوى لها في ثلاثة أسابيع خلال الأسبوع المنتهي في 3 يونيو.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن )

بنوك أوروبا تطالب بقواعد أبسط مع اتساع فجوة الاستثمار السنوية إلى 1.4 تريليون يورو

أفق فرانكفورت الشهير... بما في ذلك الحي المصرفي (رويترز)
أفق فرانكفورت الشهير... بما في ذلك الحي المصرفي (رويترز)
TT

بنوك أوروبا تطالب بقواعد أبسط مع اتساع فجوة الاستثمار السنوية إلى 1.4 تريليون يورو

أفق فرانكفورت الشهير... بما في ذلك الحي المصرفي (رويترز)
أفق فرانكفورت الشهير... بما في ذلك الحي المصرفي (رويترز)

تواجه القارة الأوروبية فجوة استثمارية سنوية آخذة في الاتساع بلغت قيمتها 1.4 تريليون يورو (1.62 تريليون دولار)، مما يهدد بتعطيل أهدافها الاقتصادية الاستراتيجية وفي مقدمتها تحول الطاقة، والدفاع، والتحول الرقمي، والقدرات الصناعية. ووجه اتحاد المصارف الأوروبية (EBF)، اليوم (الثلاثاء)، نداءً عاجلاً للمشرعين يطالب فيه بتبسيط القواعد والأنظمة الرقابية لتمكين البنوك من تمويل النمو الاقتصادي بمرونة أكبر.

وجاء هذا الرقم الصادم، الذي تمت مراجعته صعوداً من تقديرات سابقة كانت تبلغ 800 مليار يورو في عام 2024 و1.2 تريليون يورو في عام 2025، بناءً على دراسة تحليلية حديثة ومستقلة أجرتها شركة الاستشارات العالمية «أوليفير وايمان» بتكليف من اتحاد المصارف. وتعكس هذه الفجوة المتنامية الاحتياجات التمويلية المتزايدة لأوروبا وسط التوترات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما أن القطاع المصرفي في أوروبا يمثل الشريان الأساسي للاقتصاد، حيث يوفر وحده نحو 65 في المائة من التمويل الموجه للاقتصاد الحقيقي، وهي نسبة تتجاوز بكثير ما تقدمه البنوك في الولايات المتحدة.

قيود رقابية تكبل النمو

وتقود البنوك الأوروبية ضغوطاً مكثفة لإدخال تعديلات جوهرية على الأطر التنظيمية الحالية، مؤكدة أن القوانين الصارمة باتت تشكل عائقاً أمام حركة الإقراض. وفي هذا السياق، تترقب الأسواق تقييماً شاملاً من المفوضية الأوروبية بشأن تنافسية القطاع المصرفي في يوليو (تموز) المقبل، تمهيداً لطرح مقترحات تشريعية مرتقبة بحلول عام 2027.

وعلى الصعيد السياسي، حثت فرنسا وألمانيا المفوضية الأوروبية على تسريع تقديم حزمة طموحة لـ«تبسيط الخدمات المالية» لجعل القواعد التنظيمية للاتحاد الأوروبي أقل عبئاً وأسهل في التعامل. وفي المقابل، بدأت الجهات الرقابية بإرسال إشارات مرنة؛ إذ حددت الهيئة المصرفية الأوروبية (EBA) إجراءات لتبسيط التقارير الإشرافية وتقليل العبء البيروقراطي على البنوك، كما اقترح البنك المركزي الأوروبي في وقت سابق تبسيط القواعد ولكن دون المساس بمتطلبات رأس المال الإجمالية، وهو ما أثار انتقادات المقرضين.

مقارنة دولية

وتشتكي المصارف الأوروبية منذ فترة طويلة من أن العمليات الإشرافية باتت مرهقة وتضعف تنافسيتها أمام الكيانات الدولية، خاصة في وقت تتحرك فيه دول أخرى، وتحديداً الولايات المتحدة، نحو تقليص الرقابة وتخفيف قواعد رأس المال لتحفيز النمو الاقتصادي.

وأكد اتحاد المصارف الأوروبية أن ضخ 150 مليار يورو إضافية كفيل بتمكين البنوك من تغطية نحو 20 في المائة من الاحتياجات التمويلية المتزايدة للقارة. وأضاف الاتحاد أن خفض متطلبات رأس المال الأساسي من فئة (CET1) بنسبة 1 في المائة فقط، سيسهم في تحرير سيولة نقدية فورية بقيمة 95 مليار يورو يمكن توجيهها للاستثمار برياً وصناعياً. كما جدد الاتحاد دعوته إلى تسريع وتيرة تعزيز أسواق رأس المال واستكمال «الاتحاد المصرفي» الأوروبي، بما في ذلك إقرار المخطط الموحد للتأمين على الودائع لضمان استقرار ومستقبل الثروة المالية في المنطقة.


مصر تستعين بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه»

وزير الري المصري خلال اجتماعه مع وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)
وزير الري المصري خلال اجتماعه مع وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)
TT

مصر تستعين بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه»

وزير الري المصري خلال اجتماعه مع وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)
وزير الري المصري خلال اجتماعه مع وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

وسط شكوى من تراجع نصيب الفرد إلى ما دون خط الفقر المائي، تتجه مصر إلى الاستعانة بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه» التي تثير مخاوف في ظل استمرار نزاع «سد النهضة» الإثيوبي.

وزار القاهرة، الثلاثاء، وفدٌ من البنك الدولي، ترأسته المديرة الإقليمية لقطاع التنمية المستدامة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، مسكريم برهان. وعقد الوفد اجتماعين منفصلين مع كل من وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم، ووزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، بهدف تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجالات المياه والتكيف مع تغير المناخ والتنمية المستدامة.

وأعرب وزير الري عن تقدير مصر للشراكة الممتدة مع البنك الدولي والدور الذي يضطلع به في دعم جهود التنمية، مؤكداً في إفادة رسمية أن الزيارة تأتي في توقيت «بالغ الأهمية» في ظل «التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه عالمياً، والحاجة إلى تعزيز التعاون العملي القائم على التنفيذ والتمويل والدعم الفني».

وأكد خلال استعراضه الوضع المائي أن بلاده «تعتمد بأكثر من 98 في المائة على مياه نهر النيل، مع محدودية شديدة في معدلات سقوط الأمطار، وانخفاض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 490 متراً مكعباً سنوياً، في الوقت الذي تبلغ فيه الاحتياجات المائية السنوية نحو 120 مليار متر مكعب».

ويضع هذا البلاد تحت خط الفقر المائي العالمي المحدد بألف متر مكعب للفرد سنوياً.

وتتخوف مصر من تأثر مواردها المائية بـ«سد النهضة» الذي بدأت إثيوبيا بناءه عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي؛ وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني مُلزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

أحد مشروعات وزارة الري في مصر (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

وأظهر تحديث لـ«ميزان مصر المائي» أعلنته وزارة الري في يناير (كانون الثاني) الماضي «وجود فجوة بين الموارد والاستهلاك تزيد على 23 مليار متر مكعب سنوياً».

وأشار وزير الري خلال لقائه المديرة الإقليمية بالبنك الدولي، الثلاثاء، إلى الجهود التي تبذلها بلاده لسد الفجوة بين الموارد والاحتياجات المائية من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل «التوسع في إعادة استخدام المياه ومعالجة مياه الصرف الزراعي، والاعتماد على مفهوم المياه الافتراضية من خلال استيراد جزء من الاحتياجات الغذائية، بما يسهم في تحقيق الأمن المائي والغذائي وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات المستقبلية».

وبحث الجانبان عدداً من المجالات المقترحة للتعاون المستقبلي، منها تطوير نظم الري، والإدارة المستدامة للمياه الجوفية، والتوسع في الموارد المائية غير التقليدية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، ودعم مشروعات معالجة وإعادة استخدام المياه، والتحول الرقمي في إدارة المياه، وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وتطوير البنية التحتية المائية، بما يدعم جهود الدولة المصرية لتحقيق الأمن المائي والتنمية المستدامة.

وزير الري المصري هاني سويلم يتفقد أحد المشروعات المائية بمحافظة المنيا بصعيد مصر الأسبوع الماضي (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

ويرى أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، أن التعاون مع البنك الدولي بصفته «جهة تمويل» يساهم في مساعدة مصر على مواجهة «الشح المائي».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المشروعات التي يمولها البنك تعزز تنمية المنظومة المائية في مصر ورفع كفاءتها، سواء بتحديث البنية التحتية، وتجديد القناطر، وتطوير قنوات الري، وتبطين الترع، أو بأجهزة التنبؤ الحديثة بالأمطار، وماكينات ضخ المياه، وعمليات تطوير نهر النيل والصيانة الدورية للسد العالي».

ويعتقد شراقي أن «العجز المائي يؤثر أكثر على قطاع الزراعة؛ وتراجع نصيب الفرد إلى أقل من معدل الفقر المائي العالمي لا يعني وجود مشكلة في مياه الشرب».

كما ناقشت مسكريم برهان مع وزير الزراعة، الثلاثاء، سبل رفع مستوى التعاونيات الزراعية، وتوفير الخدمات الاستشارية الرقمية المتقدمة ونظم البنية التحتية الرقمية العامة، بالإضافة إلى تحديث البنية التحتية للري والصرف، ودعم البحث والتطوير في سلاسل القيمة الزراعية، بجانب الاستثمار في سد فجوة المهارات الحرجة بقطاعي الزراعة والأعمال الزراعية عن طريق برامج الإرشاد والبحث والتدريب، وتفعيل النظام المالي للمزارعين، فضلاً عن تسريع الإصلاحات الهيكلية الجاذبة والمحفزة للاستثمار الخاص في قطاع الأغذية والزراعة، حسب بيان وزارة الزراعة.

وزير الزراعة المصري يلتقي وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الزراعة على «فيسبوك»)

وأكدت برهان أن البنك الدولي «يعقد سلسلة من الاجتماعات المكثفة مع الوزارات المعنية في مصر، وفي مقدمتها الزراعة والري، باعتبارهما الركيزة الأساسية والشريك الجوهري في إنفاذ استراتيجيات تحقيق الأمن الغذائي».

فيما قال وزير الزراعة المصري إن بلاده «تضع ملف الأمن الغذائي والمائي على رأس أولوياتها التنموية»، مشيراً إلى أن «الشراكة الاستراتيجية مع البنك الدولي تمثل حجر زاوية في دعم صغار المزارعين وتطوير الريف المصري».

ويرى أستاذ الاقتصاد الزراعي، خيري حامد العشماوي، أن مشروعات البنك الدولي تحمل أهمية كبيرة للقطاع الزراعي المصري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مشروعات البنك تعزز كفاءة المنظومة المائية ووسائل الري، فمشروعات تبطين الترع والمراوي الزراعية تقلل الفاقد من المياه وتعزز إنتاجية الفدان، كما تمنع تسرب المياه إلى باطن الأرض الذي يؤدي إلى تبوير بعض المساحات الزراعية».


بروكسل تُلزم «ميتا» بإتاحة «واتساب» مجاناً لروبوتات الذكاء الاصطناعي المنافِسة

شعارا «واتساب» و«ميتا» (أ.ف.ب)
شعارا «واتساب» و«ميتا» (أ.ف.ب)
TT

بروكسل تُلزم «ميتا» بإتاحة «واتساب» مجاناً لروبوتات الذكاء الاصطناعي المنافِسة

شعارا «واتساب» و«ميتا» (أ.ف.ب)
شعارا «واتساب» و«ميتا» (أ.ف.ب)

في قرار تاريخي يعكس صرامة القوانين الأوروبية تجاه عمالقة التكنولوجيا، أمرت سلطات مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي، يوم الثلاثاء، شركة «ميتا بلاتفورمز» بمنح روبوتات ومساعدي الذكاء الاصطناعي المنافِسة إمكانية الوصول المجاني إلى تطبيق المراسلة الشهير «واتساب».

ويأتي هذا الإجراء المؤقت والصارم بينما تواصل المفوضية الأوروبية تحقيقاتها الموسعة، لمعرفة ما إذا كانت الشركة قد أساءت استخدام قوتها السوقية عبر حظر المنافسين.

ويُعد هذا التدخل القانوني من قِبل المفوضية الأوروبية بمثابة «إجراء احترازي مؤقت»، وهو الأول من نوعه الذي تصدره بروكسل منذ 17 عاماً، وجاء مدفوعاً بشكاوى رسمية تقدم بها كل من: شركة «The Interaction Company» الكاليفورنية المطورة للمساعد الذكي «Poke.com»، والشركة الفرنسية الناشئة للذكاء الاصطناعي «Agentik»، إلى جانب منافس إسباني آخر. وكانت هذه الشكاوى قد دفعت المفوضية لفتح تحقيق رسمي في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، تلاه توجيه اتهامات لـ«ميتا» بعد شهرين بانتهاك قواعد المنافسة العادلة.

حماية الابتكار قبل فوات الأوان

وقالت رئيسة قطاع مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي، تيريزا ريبيرا، في بيان رسمي: «في الأسواق التي تتطور وتتحرك بوتيرة متسارعة، يمكن أن تضيع المنافسة العادلة تماماً قبل وقت طويل من اتخاذ قرار نهائي في التحقيقات». وأضافت ريبيرا: «هذه الإجراءات المؤقتة ستضمن حماية المنافسة في سوق مساعدي الذكاء الاصطناعي الآخذ في النمو، من خلال الحفاظ على بوابة دخول رئيسية للوصول إلى المستهلكين في أوروبا، وهي منصة (واتساب)، مما يتيح لشركات الذكاء الاصطناعي الابتكار، والتوسع، والوصول إلى إمكاناتها الكاملة برياً ورقمياً».

في المقابل، شنت شركة «ميتا» هجوماً حاداً على قرار المفوضية؛ وقال متحدث باسم الشركة في بيان عبر البريد الإلكتروني: «لقد قررت المفوضية الأوروبية أنه بإمكان شركة (أوبن إيه آي) وبعض أكبر الشركات في العالم استخدام منتج (WhatsApp Business) المدفوع مجاناً». ووصف المتحدث القرار بأنه «شطط وتجاوز تنظيمي تموله شركات أوروبية كثيرة تدفع الرسوم بانتظام»، مؤكداً أن الشركة ستستأنف القرار قانونياً فوراً.

مهلة 5 أيام وغرامات باهظة

وتعود جذور الأزمة إلى أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، عندما حظرت «ميتا» خدمات الذكاء الاصطناعي المنافسة من الوصول إلى واجهة برمجة تطبيقات «واتساب للأعمال» (API) -وهي القنوات الفنية التي تسمح للشركات بربط أنظمتها بالتطبيق- بينما استثنت مساعدها الخاص (Meta AI).

وفي مارس (آذار) الماضي، سمحت المصارف والشركات المنافسة بالعودة، ولكن مقابل رسوم مالية، وهو الإجراء الذي اعترضت عليه المفوضية الأوروبية واعتبرته التفافاً على القوانين.

وبموجب الأمر القضائي المؤقت الصادر اليوم، تلتزم «ميتا» بإعادة منح المنافسين حق الوصول إلى واجهة برمجة تطبيقات «WhatsApp for Business» بالكامل، وبالشروط والأحكام نفسها التي كانت متبعة قبل قرار الحظر، وذلك خلال مهلة لا تتجاوز 5 أيام عمل.

يذكر أن «ميتا» تواجه شبح غرامة مالية باهظة قد تصل إلى 10 في المائة من إجمالي مبيعاتها السنوية العالمية، إذا ما أدانتها التحقيقات النهائية بانتهاك قواعد مكافحة الاحتكار الأوروبية بشكل قطعي.