الاحتراق بنار الوظيفة... تشخيص الأسباب ومداواة النتائج

الاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنيّة بلغت ذروتها وتهدّد الصحة النفسية للموظفين (أ.ف.ب)
الاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنيّة بلغت ذروتها وتهدّد الصحة النفسية للموظفين (أ.ف.ب)
TT

الاحتراق بنار الوظيفة... تشخيص الأسباب ومداواة النتائج

الاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنيّة بلغت ذروتها وتهدّد الصحة النفسية للموظفين (أ.ف.ب)
الاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنيّة بلغت ذروتها وتهدّد الصحة النفسية للموظفين (أ.ف.ب)

فتحت فرح نعمة -وهي مسؤولة قسم التسويق في إحدى الشركات- حاسوبها الشخصي كما تفعل كل صباح. لكن ما إن تدفّق البريد الإلكتروني أمام عينَيها حتى شعرت بضيق، فأقفلت الحاسوب على الفور. ليس هذا التصرّف من عاداتها، هي المعروفة بحبّها لعملها وبشخصيّتها المنظّمة، وبالتزامها المواعيد والواجبات، وفق ما تحكي لـ«الشرق الأوسط».

«لم أستوعب ما جرى؛ خصوصاً عندما حاولتُ مرة أخرى وتكرّر ردّ فعلي». في تلك اللحظة، اتّصلتْ فرح بإحدى صديقاتها -وهي معالجة نفسية- فوصّفت لها الحالة بالـ«burnout»، أو «الاحتراق الوظيفي».

يُعرف الاحتراق الوظيفي بالـ«burnout» وهو منتشر في أوساط الموظفين بشكل كبير (رويترز)

ذنْبُ «كورونا»

وفق إحصائيات عام 2023، فإنّ 65 في المائة من الموظّفين حول العالم اختبروا الاحتراق الوظيفي. وتُظهر دراسة نشرتها «الجمعية الأميركية للصحة النفسية»، أنّ أرقام هذه الحالة في ازدياد مطّرد، وقد بلغتْ ذروتها مؤخراً داخل قطاعاتٍ عدّة، وذلك بتأثير مباشر من ظروف العمل التي فرضتها جائحة «كورونا». هذا الواقع المهني المستجدّ، دفع بالكاتب والباحث الأميركي كال نيوبورت، إلى توصيف ما يجري بـ«عصر الإرهاق الكبير».

تتلاقى الاختصاصية في علم النفس العيادي، باسكال نخلة، ونظريّة نيوبورت، فهي تلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «مفهوم الاحتراق الوظيفي ظهر في سبعينات القرن الماضي؛ إلا أنه لم ينتشر سوى في السنوات القليلة الماضية؛ حيث بلغ أقصاه في ظلّ الجائحة بسبب العمل عن بُعد الذي زعزع الضوابط». وتعرّف باسكال نخلة الاحتراق الوظيفي بأنه «ظاهرة مهنيّة، وليس اضطراباً نفسياً أو عارضاً صحياً»، موضحة أنه يترافق مع شعور بالإرهاق، وتراجع في منسوب الطاقة وفي الإنتاجيّة المهنيّة. ليس الأمر مجرّد تعب عابر من الوظيفة؛ بل يبلغ مرحلة من «الابتعاد الذهني التدريجي عن العمل، بالتوازي مع شعور بالسلبيّة وبعدم الفائدة».

يترافق الاحتراق الوظيفي مع شعور بالإرهاق يليه ابتعاد تدريجي عن العمل وشعور بعدم الفائدة (رويترز)

ما هي المسبّبات؟

لكن ما الذي يجعل الموظّف يحترق بنار وظيفته؟ ولماذا أقفلت فرح المثابِرة حاسوبَها ما إن رأت أمامها كمية كبيرة من البريد والمهام المستعجلة؟

تُعدّد باسكال نخلة مراحل الاحتراق الوظيفي التي قد تكون عبَرَتها فرح ومَن اختبروا تجربة مماثلة: «في البداية، يرغب الموظف في إثبات نفسه والتميّز، ويترافق ذلك مع خوفٍ من ألا يكون في الطليعة. للغاية، يعمل أكثر وأكثر، فيبدأ في إهمال احتياجاته الخاصة من مأكل ونوم واستراحة وإجازة، ما ينعكس أخطاء ومشكلات في الوظيفة، وهنا يدخل التعب والمرارة والغضب على الخط، فيبدأ في الانسحاب التدريجي من مهامّه، وبالتعامل معها بازدراء».

الاختصاصية في علم النفس العيادي ومؤسِسة «PEN Consultancy» لخدمات الصحة النفسية باسكال نخلة (الشرق الأوسط)

من مسببات تحوّل الاحتراق الوظيفي إلى حالة شائعة، الأهمية التي اكتسبها العمل في حياة الأفراد مؤخراً. يضعون المهنة في الطليعة؛ إذ يجدون فيها شرعيّتهم وهويّتهم، كما أنها تسمح لهم بتحقيق ذواتهم وأهدافهم؛ لكن كل ذلك وسط بيئة تنافسية تفتقر إلى الثبات والأمان في معظم الأحيان، ما ينعكس سلباً على الموظّفين.

إلا أن الواقع الجديد الذي فرضته الجائحة له اليد الطولى في تكريس الاحتراق الوظيفيّ. تشرح باسكال نخلة في هذا الإطار كيف أنّ العمل من المنزل أفقدَ الموظّفين حسّهم بالوقت، فتخلّوا عن مفهوم الدوام: «من لم يستطع حماية حدوده وبقي جاهزاً لأداء أي مهمة في أي وقت، ليس مستغرباً أن يكون قد أصيب بالـ(burnout)»، كما تقول الاختصاصية النفسية.

وما زاد الأمر سوءاً، سطوة التكنولوجيا التي تضع المرء على اتصال دائم مع العالم الخارجيّ، فلا يستطيع غضّ الطرف عمّا يصله من رسائل خاصة بالعمل، حتى خارج ساعات الدوام.

سطوة التكنولوجيا وضعت الموظفين على اتصال دائم بعملهم حتى خارج ساعات الدوام (رويترز)

مخاطر «البيئة السامّة»

من العوامل التي قد تُضاعف مخاطر الإصابة بالاحتراق الوظيفي، إلى جانب الفشل في التحكّم بساعات العمل، تَراكُم الواجبات، وغياب المكافآت والتقدير، والبيئة الوظيفية السامّة وغير المساندة. من هنا، تلفت باسكال نخلة إلى الدور الجوهري الذي يجب أن تلعبه المؤسسات في تصويب علاقتها بموظّفيها، كي تقيَهم من مخاطر كهذه. «في معظم الحالات، سبب المشكلة ليس الموظّف؛ بل النظام وأسلوب التعامل الذي تعتمده المؤسسة».

انطلاقاً من ذلك، فإنّ المصارحة بين الموظّف ومديره ضروريّة، وتَلقُّف المسؤولين معاناة الموظّفين بشكلٍ حضاري ومتفهّم يفتح باباً باتّجاه الحلّ.

تتحمّل المؤسسات المسؤولية الكبرى في وصول الموظف إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي (أ.ف.ب)

إشارات يجب التقاطها

تتنوّع الإشارات التي يجب أن يلتقطها الموظّف قبل تفاقم حالته ما بين أعراض نفسية وجسدية، لا سيما أنّ «الاحتراق الوظيفي يستغرق وقتاً كي يتظهّر، فلا يستوعب المرء ما يحصل له في البداية»، وفق ما تشرح باسكال نخلة.

أما أبرز الأعراض فهو الشعور الدائم بالتعب، والعصبيّة، والقلق، وفقدان التركيز، وضعف الذاكرة، واضطرابات النوم، وتَراجع القدرات الذهنيّة، والرغبة في العزلة، وتبدّل في سلوكيّات الطعام. ينعكس الأمر كذلك أعراضاً جسديّة، تتراوح ما بين آلام في الرأس وفي المعدة والعضلات؛ لكنها قد تتطوّر إلى ما هو أخطر من ذلك إن لم يجرِ تَدارُك الأمر. تتحدّث باسكال نخلة هنا عن خطر الإصابة بالسكّري، وبارتفاع ضغط الدم. وتلفتُ إلى دراساتٍ أثبتت أن الأشخاص الذين يعانون من الاحتراق الوظيفي ترتفع أيام غيابهم عن العمل بداعي المرض بنسبة 57 في المائة، كما يتضاعف خطر إصابتهم بالاكتئاب بنسبة 180 في المائة.

تتراوح الأعراض الجسدية للاحتراق الوظيفي ما بين آلام في الرأس والمعدة والعضلات وقد تصل إلى الإصابة بالسكّري وارتفاع ضغط الدم (أ.ف.ب)

كيف نطفئ الحريق؟

إذ تؤكّد الاختصاصية النفسية أن الاحتراق الوظيفي ليس اكتئاباً، تُطمئن إلى أنّ باستطاعة ضحاياه مداواة أنفسهم بمفردهم، من دون اللجوء إلى معالجين نفسيين، إن لم تكن حالتهم متطوّرة. تنصح باسكال نخلة الموظفين بمصارحة مديريهم أو مسؤوليهم المباشرين، على أن يترافق ذلك مع الاعتناء بالنفس. ولا يتوقف ذلك عند ممارسة الرياضة، أو التأمّل، أو الخروج مع الأصدقاء، أو أخذ إجازات من العمل.

ثمّة ما هو أهمّ، والمقصود هنا الدروس النفسية والسلوكيّة التي يجب أن يخرج بها الموظّف من تجربته القاسية. «يجب أن يعتاد على قول كلمة لا لبعض المهام المطلوبة منه إذا كانت تفوق طاقته»، فلا داعي للخجل أو الخوف من تخييب ظنّ أحد؛ وفق باسكال نخلة. وهي تشدّد هنا على أهمية معرفة الموظف لحقوقه والدفاع عنها، وألا يقتصر عالمه على مكان عمله وزملائه والإنجازات المهنيّة المتوقّعة منه.


مقالات ذات صلة

«قوة خارقة نادرة» تزداد أهميتها بزمن الذكاء الاصطناعي... هل تمتلكها؟

يوميات الشرق الأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عاطفي عالٍ قادرون على خلق بيئة يشعر فيها الآخرون بالأمان النفسي (بيكسلز)

«قوة خارقة نادرة» تزداد أهميتها بزمن الذكاء الاصطناعي... هل تمتلكها؟

 لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن أداء جوانب إنسانية أساسية مثل بناء الثقة وإدارة التوتر وفهم المشاعر وجعل الآخرين يشعرون بالتقدير والاهتمام

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

أظهرت دراسة شملت 38 دولة أن معدل الخصوبة الفعلي والمخطط له يرتفع بمقدار 0.32 طفل لكل امرأة عندما يعمل كلا الزوجين من المنزل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب) p-circle

استحمام مرة بالسنة ومعاناة «تفوق الماشية»... ظروف قاسية لعمال كوريين شماليين في روسيا

أُرسل عامل كوري شمالي إلى روسيا ضمن برنامج أطلقه الزعيم كيم جونغ أون لتصدير العمالة ولم يكن يتوقع أن ينتهي به المطاف إلى العيش داخل حاوية شحن.

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ- موسكو)
يوميات الشرق النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)

دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

يشير هذا البحث إلى نتائج لافتة رغم أن كثيراً من الأميركيين يرون أن بلادهم تعيش حالة انقسام غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1861 و1865

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق توقيت إلقاء النكات في العمل يلعب دورًا حاسمًا في جعل أجواء العمل أكثر ودية (رويترز)

ما أفضل توقيت لإلقاء النكات في العمل؟

كشفت دراسة حديثة أن توقيت إلقاء النكات في العمل يلعب دوراً حاسماً في إثارة تفاعل الزملاء وجعل أجواء العمل أكثر ودية وإيجابية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

علاج جديد يعيد الأمل للأطفال والشباب المصابين بالسرطان

يعتمد العلاج على تقنية تُعرف باسم «الأجسام المضادة المرتبطة بالأدوية» (جامعة كولومبيا البريطانية)
يعتمد العلاج على تقنية تُعرف باسم «الأجسام المضادة المرتبطة بالأدوية» (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

علاج جديد يعيد الأمل للأطفال والشباب المصابين بالسرطان

يعتمد العلاج على تقنية تُعرف باسم «الأجسام المضادة المرتبطة بالأدوية» (جامعة كولومبيا البريطانية)
يعتمد العلاج على تقنية تُعرف باسم «الأجسام المضادة المرتبطة بالأدوية» (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة كولومبيا البريطانية بكندا عن تطوير علاج جديد موجَّه للسرطان، أظهر نتائج مشجعة في نماذج تجريبية ما قبل السريرية، لا سيما في سرطانات الأطفال والشباب.

وأوضح الباحثون أن هذا العلاج يمثل خطوة مهمة نحو تحسين خيارات علاج السرطانات التي تصيب الفئات الأصغر عمراً. ونُشرت النتائج، يوم الاثنين، في دورية «Cancer Discovery».

وتشمل سرطانات الأطفال والشباب مجموعة من الأنواع التي تختلف عن سرطانات البالغين من حيث السلوك والاستجابة للعلاج، ومن أبرزها سرطان الدم «اللوكيميا»، وهو الأكثر شيوعاً بين الأطفال، إضافة إلى أورام الدماغ والجهاز العصبي المركزي التي تُعد من أكثر الأنواع تعقيداً في العلاج، إلى جانب «ساركوما إيوينغ» و«الساركوما العظمية» اللتين تصيبان العظام والأنسجة الرخوة، فضلاً عن سرطان الغدد اللمفاوية.

وغالباً ما ترتبط هذه السرطانات بعوامل وراثية أو طفرات جينية، وتحتاج إلى علاجات دقيقة وموجَّهة، نظراً لحساسية الفئة العمرية المصابة، وتأثير العلاجات التقليدية في النمو والصحة العامة.

ويعتمد العلاج الجديد على تقنية تُعرف باسم «الأجسام المضادة المرتبطة بالأدوية»، حيث يُربط دواء قاتل للخلايا السرطانية بجسم مضاد قادر على التعرّف على بروتين محدد يُدعى (IL1RAP)، يوجد على سطح الخلايا السرطانية، بينما يكاد يكون غائباً عن الخلايا السليمة.

ويتيح هذا التصميم توجيه العلاج مباشرة إلى الخلايا المصابة وتدميرها بدقة، دون إحداث ضرر كبير في الأنسجة الطبيعية، وهو ما يُعد تقدماً مهماً مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي من حيث تقليل الآثار الجانبية.

وأظهرت نتائج الدراسة أن العلاج نجح في القضاء على أورام متقدمة في نماذج مصابة بسرطان «ساركوما إيوينغ»، وهو من أكثر سرطانات الأطفال والشباب عدوانية، كما أسهم في تقليل انتشار الخلايا السرطانية إلى أعضاء أخرى في الجسم، وهي عملية تُعد سبباً رئيسياً في تفاقم المرض وتدهور الحالة الصحية.

ولم تقتصر الفاعلية على هذا النوع؛ إذ أظهرت التجارب أيضاً نتائج إيجابية ضد أنواع أخرى من السرطان، من بينها سرطان الغدد اللمفاوية وأورام مرتبطة بتغيرات جينية محددة.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة كولومبيا البريطانية، الدكتور بول سورنسن: «هذا النوع من الأهداف مثالي للعلاج؛ لأنه موجود على الخلايا السرطانية، ويكاد يكون غائباً عن الخلايا الطبيعية، ما يسمح بتوجيه العلاج بدقة عالية».

وأضاف، عبر موقع الجامعة، أن بروتين (IL1RAP) يلعب دوراً مهماً في مساعدة الخلايا السرطانية على البقاء أثناء انتقالها في مجرى الدم وتكوين أورام جديدة، مشيراً إلى أنه يمكن عدّ ذلك «درعاً واقية» تستخدمه الخلايا السرطانية للانتشار.

وتابع: «حوَّلنا هذه الدرع إلى نقطة ضعف، ليصبح ذلك هدفاً نوصل من خلاله العلاج مباشرة إلى الخلايا السرطانية لتدميرها».

وحسب النتائج، أظهر العلاج أيضاً ملف أمان يعد جيداً في التجارب ما قبل السريرية، ما يعزز إمكانية الانتقال إلى مرحلة التجارب السريرية على البشر في المستقبل القريب، بعد استكمال الإجراءات التنظيمية اللازمة.

ووفق الفريق، فإن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تطوير علاجات أكثر دقة لسرطانات الأطفال، ما يمنح أملاً جديداً في تحسين نسب الشفاء، وتقليل المضاعفات المرتبطة بالعلاج.


لمار فادن لـ«الشرق الأوسط»: «هجرة» نقطة تحول... وتفاعل الجمهور فاق توقعاتي

الممثلة السعودية خلال حضورها مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)
الممثلة السعودية خلال حضورها مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)
TT

لمار فادن لـ«الشرق الأوسط»: «هجرة» نقطة تحول... وتفاعل الجمهور فاق توقعاتي

الممثلة السعودية خلال حضورها مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)
الممثلة السعودية خلال حضورها مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)

وصفت الممثلة السعودية الشابة لمار فادن لحظة إعلان فوزها بجائزة «أفضل ممثلة» في مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» بـ«الاستثنائية»، والتي اختلط فيها الذهول بفرح عميق، وشعور واضح بالفخر، مؤكدة أن كل ما مرت به من تعب وقلق ومحاولات مستمرة قد تُوّج أخيراً بنتيجة مستحقة، لتمثل هذه الجائزة نقطة انطلاق حقيقية تمنحها دافعاً قوياً للاستمرار في مسيرتها الفنية بثقة أكبر.

وأضافت لمار في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن مشاركتي في فيلم «هجرة»، وعرضه ضمن مهرجان «مالمو السينمائي» مؤخراً، ومن بعده مهرجان «أسوان الدولي لأفلام المرأة» بالأقصر، شكّلت محطة مهمة، ومنحتني إحساساً كبيراً بالفخر، كونها جزءاً من عمل سعودي يصل إلى جمهور من ثقافات متعددة، مؤكدة أن أكثر ما لفت انتباهها هو تفاعل الجمهور، وأنها لمست قدرتهم على فهم المشاعر، واستيعاب عمق الشخصيات، مما أكد لها أن الرسالة الفنية للعمل وصلت بصدق.

ولفتت إلى أن ترشيحها لبطولة الفيلم في بداية مشوارها جاء مصحوباً بحماس كبير، باعتباره فرصة كانت تحلم بها منذ البداية، لكنه في الوقت ذاته حمل قدراً من الخوف الذي دفعها إلى الاجتهاد بشكل أكبر، لافتة إلى أنها أدركت حجم المسؤولية منذ اللحظة الأولى، وسعت إلى استغلال هذه الفرصة لإثبات حضورها، لكونها تمثل نقطة تحول في مسيرتها الفنية.

وأشارت إلى أن انجذابها لشخصية «جنة» جاء من عمقها الإنساني، وتعقيدها العاطفي، فلم تكن شخصية سطحية، بل مليئة بالتفاصيل الدقيقة التي تتطلب فهماً عميقاً، مؤكدة أن تقديم الشخصية في مرحلتين مختلفتين -الطفولة، والمراهقة- شكل تحدياً إضافياً، ما دفعها إلى دراسة التحولات النفسية بعناية، والعمل على نقلها بشكل مقنع.

لمار فادن خلال مشاركتها في مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)

وأضافت لمار: «اعتمدت في تحضير الدور على بناء خلفية متكاملة للشخصية، من خلال فهم تاريخها، وظروفها، وعلاقتها بالمحيط، فكنت أناقش هذه الجوانب باستمرار مع المخرجة للوصول إلى أداء صادق يعكس حقيقة المشاعر، مع التركيز على عيش التجربة داخلياً حتى يظهر الإحساس بشكل تلقائي أمام الكاميرا، لا سيما في لحظات الارتجال».

وتابعت أن التصوير في مواقع صعبة، خصوصاً في المناطق الجبلية، كان من أبرز التحديات التي واجهتها، لكون بعض المشاهد تطلبت جهداً جسدياً ونفسياً كبيراً، معتبرة أن «من أكثر اللحظات صعوبة مشهد البكاء أثناء السير لمسافات طويلة في درجات حرارة مرتفعة، ما شكّل ضغطاً حقيقياً علي، وأسهم في تعميق تجربتي مع الشخصية».

وقالت الممثلة السعودية إن «كواليس العمل اتسمت بأجواء مريحة، وداعمة، وإن التعاون والاحترام بين جميع أفراد الفريق انعكس إيجابياً على أدائي، فهذا المناخ منحني شعوراً بالأمان، والثقة، وساعدني على التركيز في تقديم الشخصية، حتى في أصعب الظروف التي واجهتها خلال التصوير».

وأردفت أن التشابه بينها وبين شخصية «جنة» كان محدوداً، واقتصر على بعض الصفات البسيطة في مرحلة المراهقة، مثل العناد، والتمرد، بينما تختلف الشخصية عنها في التجارب، والظروف، لافتة إلى أن هذا الاختلاف دفعها إلى العمل على الفصل بين ذاتها الحقيقية ومتطلبات الدور للحفاظ على صدق الأداء.

وأوضحت لمار فادن أنها مرت بلحظات شعرت فيها بأن الدور يفوق طاقتها، خصوصاً مع طول فترة التصوير، إلا أنها تعاملت مع ذلك من خلال محاولة الفصل بين شخصيتها الحقيقية والشخصية التي تقدمها. ومع تداخل المشاعر أحياناً، كانت تحرص على استعادة توازنها حتى تواصل الأداء بشكل سليم.

وأكدت أن تجربة الفيلم غيّرت نظرتها إلى التمثيل، وأدركت أنه يحمل مسؤولية كبيرة، وليس مجرد ظهور أمام الكاميرا، بل وسيلة لنقل رسالة إنسانية قادرة على التأثير في الجمهور، وأن هذا الإدراك جعلها أكثر حرصاً على اختيار أدوار تحمل قيمة، ومعنى. وأشادت بما تعلمته من العمل مع مخرجة الفيلم شهد أمين، خصوصاً الانتباه إلى أهمية التفاصيل الدقيقة، واكتشفت من خلالها أن لكل حركة أو تعبير دلالة خاصة، لافتة إلى أنها تعلمت الصبر، والثقة، والبحث عن الحقيقة داخل كل مشهد، مما ساعدها على تطوير أدواتها الفنية.

لمار في كواليس تصوير «هجرة» (الشرق الأوسط)

وأشارت إلى أن دعم عائلتها بعد عرض الفيلم كان من أهم العوامل التي منحتها دفعة معنوية كبيرة، حيث شعرت بفخرهم بها، وهو ما انعكس إيجابياً على ثقتها بنفسها، واستمرارها في هذا الطريق، لافتة إلى أنها لم تكن تتوقع حجم الاهتمام الذي حظيت به بعد عرض الفيلم، إذ كانت ترى التجربة في البداية أنها تحقيق لحلم شخصي، لكن ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها شكّلت مفاجأة سارة أسعدتها كثيراً.

وقالت إن «أكثر ما أثر في من تعليقات الجمهور كانت الإشادة بقدرتي على إيصال المشاعر رغم صمت الشخصية»، معتبرة أن ذلك دليلاً على نجاحها في التعبير الصادق، والوصول إلى الجمهور دون مبالغة، مشيرة إلى أنها تتعامل مع الشهرة المفاجئة بوعي، من خلال الحفاظ على التوازن بين حياتها الفنية والشخصية، مع التركيز على تطوير نفسها، والاستمرار في التعلم، إلى جانب الاهتمام بدراستها.

وترى لمار فادن أن فيلم «هجرة» يمثل نقطة تحول في مسيرتها، كونه أول عمل يعرّف الجمهور بها، ويفتح أمامها آفاقاً جديدة، كما ساعدها على فهم طبيعة التفاعل الجماهيري، والاستعداد للمراحل المقبلة، لافتة إلى أنها تطمح إلى تقديم أدوار متنوعة، ومركبة، بعيداً عن النمطية، وتسعى لخوض تجارب مختلفة تثري مسيرتها، وتكشف عن إمكاناتها الفنية، مع الحرص على اختيار شخصيات تحمل تحديات حقيقية.

وخلصت إلى أنها تفضّل التعلم من مختلف التجارب الفنية بدلاً من حصر نفسها في قدوة واحدة، لقناعتها بأن الاطلاع على تجارب فنانين محليين وعالميين يمنحها فرصة أكبر للتطور، واكتساب مهارات متعددة.

وفي الختام قالت الفنانة السعودية إن حلمها الأكبر يتمثل في تقديم أعمال تترك أثراً حقيقياً، والمشاركة في أفلام تصل إلى العالمية، مع الاستمرار في تطوير نفسها لتحقيق مكانة فنية تفتخر بها، وتترك بصمة مميزة في عالم التمثيل، لافتة إلى أنها تشعر بمسؤولية تمثيل جيل جديد من الممثلات السعوديات، مما يدفعها لتقديم صورة مشرّفة، مع طموحها لأن تكون مصدر إلهام للفتيات الصغيرات.


«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».