«حملة إحسان السعودية»... تكاتف اجتماعي يصل إلى الملايين

عطاء مستمر يتوج النسخة الرابعة من تمكين الأعمال الخيرية والتنموية

دُشنت النسخة الرابعة بتبرعين سخيين من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)
دُشنت النسخة الرابعة بتبرعين سخيين من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

«حملة إحسان السعودية»... تكاتف اجتماعي يصل إلى الملايين

دُشنت النسخة الرابعة بتبرعين سخيين من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)
دُشنت النسخة الرابعة بتبرعين سخيين من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

مع حلول شهر رمضان، ترقّ القلوب وتنشط النفوس لفعل الخير ومضاعفة العطاء، لإعانة المحتاجين، وسد حاجات المعوزين، وتمثّل الحملة السعودية للعمل الخيري في نسختها الرابعة صورة جلية لهذا التنافس في العطاء والمسابقة إلى الجود في وجوه البذل، التي يتسابق إليها أفراد، ومؤسسات سعودية، تواظب للعام الرابع على التوالي على التبرع عن طريق المنصة. وتستمر الحملة طوال أيام شهر رمضان، وتشهد خلالها صوراً ملهمة من العطاء؛ إذ تتقاطر التبرعات من الأفراد والأسر والشركات، للمساهمة في دعم وتمويل العديد من وجوه العطاء، وسد احتياجات الكثير من الأسر المعوزة وإسعاد المحتاجين والتخفيف من معاناة المساجين وذوي الظروف الصعبة.‏

ودُشنت النسخة الرابعة من الحملة، بتبرعين سخيين من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ إذ مثّل التبرعان دفعة وانطلاقة للحملة الوطنية، عبر ⁧‫منصة «إحسان‬⁩» لدعم العمل الخيري وتعزيز قيم البذل والعطاء في المملكة.‏ وفي الساعات الأولى من انطلاقها يوم (الجمعة) الماضية، تجاوز مجموع تبرعات المحسنين مليار ريال، في حين تستمر المنصة في استقبال بذل المتبرعين حتى نهاية الشهر الفضيل، في صورة من التعاضد والتكاتف والإحسان الذي لا ينقطع عبر المنصة.

وجوه العطاء في «إحسان»

وتتيح منصة «إحسان» فرصاً متنوعة للتبرع في مختلف المجالات الخيرية والتنموية، وتسد حاجات متنوعة، بين أسرة فقدت عائلها، ومريض يكابد الفقر والمرض معاً، وأبناء يحنون لرؤية والدهم الذي أرهقه الدين والسجن، وعائلة حاصرها العوز وهدد استقرارها، وغيرها من الحاجات التي تبحث عن فرص لسدها ومحسن يتكفل بها. ويتيح التبرع من خلال «إحسان»، دعم المشاريع المستدامة، وصناعة أثر لا ينقطع وتحقيق أثر اجتماعي طويل الأجل، كما يتيح إعانة وتفريج كرب المعسرين والمستحقين عبر توجيه التبرعات إلى خدمة «تيسرت» بمساريها لمن صدرت بحقهم أحكام تنفيذ قضائي، أو التيسير في سداد فواتير الكهرباء للمحتاجين.

ومن فرص التبرع التي تتيحها «إحسان»، منصة «فرجت» لإعانة من صدر بحقهم أمر قضائي بسبب الحقوق المالية عليهم، والتبرع لقضاء الكفارات لمستحقيها في جميع مدن المملكة، بالإضافة إلى الفرص الإغاثية التي تمنح للحالات الطارئة والمشاريع الإغاثية والإنسانية في شتى دول العالم وفي مختلف المجالات، ويتم ذلك بالتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

في مقر منصة «إحسان» بمدينة الرياض يعمل الفريق كنقطة اتصال حيوية وتفاعلية لا تهدأ طوال أيام الحملة (واس)

مقر «إحسان»... عطاء وأثر

وفي مقر منصة «إحسان» بمدينة الرياض، يعمل الفريق كنقطة اتصال حيوية وتفاعلية لا تهدأ طوال أيام الحملة، وتعكف فرق المنصة على أعمالها كخلية نحل لمتابعة ورصد كل التفاصيل المتعلقة بوصول التبرعات وتنظيمها، وتشجيع المحسنين على المسابقة إلى وجوه الخير. وعبر الحسابات الخاصة بالمنصة على مواقع التواصل، تظهر قصص من الإحسان والعطاء؛ إذ تحول حساب منصة «إحسان» على موقع التواصل الاجتماعي «x» إلى جدارية تشع بقصص من العطاء الذي يبادر إليه الأفراد والمؤسسات على حد سواء، وهم يجودون بالأموال ويتفاعلون باستمرار ويتشاركون الخير في دعم الأعمال الخيرية والتنموية وتعظيم أثرها والمساهمة في وجوه الحملة الوطنية للعمل الخيري‬. وفي المعرض المصاحب للحملة الوطنية للعمل الخيري بنسختها الرابعة التي انطلقت الجمعة الماضية، يجد الزائر فرصة للتعرف على آثار الحملة ونتائجها من خلال مجموعة من المشاريع المعروضة في طريق الاكتمال والانطلاق.

في ساعاتها الأولى من انطلاقها (الجمعة) الماضية تجاوز إجمالي تبرعات المحسنين مليار ريال (واس)

ويُبرز المعرض اكتمال أكثر من 95 في المائة من مشروع مستشفى «سلام» الوقفي بالمدينة المنورة الذي يعد أول مستشفى وقفي من نوعه بالمملكة، ويقع المشروع في الساحة الغربية للمسجد النبوي على امتداد طريق السلام بمساحة تقدر بنحو 750 متراً مربعاً، ويحتوي على 14 طابقاً يشمل قسم الطوارئ الذي يتسع لأكثر من 4000 حالة أسبوعياً، والعناية المركزة التي تستوعب أكثر من 300 حالة أسبوعياً، وغسل الكلى لخدمة أكثر من 400 مريض أسبوعياً.

ويضم المعرض عدداً من الأركان التي تستعرض أثر الإحسان في صور متعددة تنقلها للزوار شاشات تفاعلية تُجسّد أثر عطاءات المحسنين في مختلف المجالات الخيرية والتنموية، وأثر الإحسان في أنحاء المملكة عبر خريطة تفاعلية تجسد السخاء الذي غطى جميع مناطق المملكة في مختلف المجالات التي أعانت المستفيدين من خدمات منصة «إحسان». واشتمل المعرض على ركن مخصّص لصندوق «إحسان» الوقفي الذي تم إطلاقه خلال حفل تكريم المحسنين الثالث في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، وجاء من أجل تحقيق الاستدامة المالية للفرص الخيرية، وتمكين القطاع الخيري في المملكة عبر توفير فرص الوقف المستدام للمحسنين من الأفراد والجهات لاستثمار مبالغ التبرع للوقف وصرف العائد منها على أوجه البر المتنوعة بالتعاون مع أكثر من 1700 جمعية أهلية داخل المملكة.

مع حلول شهر رمضان ترقّ النفوس وتنشط القلوب لفعل الخير ومضاعفة العطاء لإعانة المحتاجين وسد حاجات المعوزين (تصوير: بشير صالح)

6 مليارات ومائتا مليون ريال

ونجحت المنصة في وصول نفعها خلال الحملات الثلاث السابقة إلى أكثر من 4.8 مليون شخص عادت بالأثر الإيجابي على حياتهم، وذلك وفق حوكمة منصة «إحسان»، التي تستهدف دعم وتمويل مجموعة من المجالات الخيرية والتنموية، منها التعليمي، والاجتماعي، والصحي، والإغاثي، والبيئي، والاقتصادي، والتقني، وغيرها. ‏وتواصل الحملة عبر منصة «إحسان» استقبال التبرعات على مدار الساعة خلال أيام شهر رمضان، في حين وصل الحجم الإجمالي للتبرعات في المنصة حتى الآن إلى أكثر من 6 مليارات ومائتي مليون ريال. وتهدف منصة «إحسان» إلى تعزيز ثقافة التبرع والتكاتف المجتمعي بما يتواكب مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» ودعم المشاريع المجتمعية والحالات الإنسانية، وتمكين المجتمع من التبرع من خلال قنوات رسمية آمنة.


مقالات ذات صلة

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)
الخليج من عملية رصد هلال شهر شوال في المرصد الفلكي بحوطة سدير (جامعة المجمعة)

السعودية ودول عربية: الجمعة أول أيام عيد الفطر

أعلنت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والعراق واليمن، أن يوم الخميس هو المتمم لشهر رمضان، والجمعة أول أيام عيد الفطر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.