انطلاقة المسلسلات السورية تُبشِّر بمتعة المُشاهَدة

تركيبة «متكاملة» تولّد الإبداع المُنتَظر

المسلسلات السورية واعدة (البوسترات الرسمية)
المسلسلات السورية واعدة (البوسترات الرسمية)
TT

انطلاقة المسلسلات السورية تُبشِّر بمتعة المُشاهَدة

المسلسلات السورية واعدة (البوسترات الرسمية)
المسلسلات السورية واعدة (البوسترات الرسمية)

قلّما يخيب الرهان على الدراما السورية المُنتَظرة في رمضان. هذا العام، حيّزُها واسع وسمعتُها عطرة. الأسماء جاذبة، والإنتاجات بمستوى يليق. يمكن للمُشاهد اختيار ما يستميله في الحقل المشرَّع على الوفرة. فالباقة زاخرة، والانطباع الأول يثير الرغبة في مواصلة المُشاهدة. 5 مسلسلات تمرّ على هذه السطور، ويمكن العودة إلى سادس هو «أغمض عينيك» فور مُشاهدته. الأعمال هي: «تاج»، و«ولاد بديعة»، و«العربجي 2»، و«مال القبان»، و«كسر عضم - السراديب».

«تاج»: انطلاقة موفَّقة

إنتاج ضخم، وقصة وإخراج جاذبان. المسلسل حتى الآن، متكامل، يحمل إمكان انتظار أحداثه. لو حُصر بطله تيم حسن ضمن «الوظيفة الوطنية»، لظلَّ مملاً بشخصية البطل القاهر. نصُّ عمر أبو سعدة وكاميرا سامر البرقاوي، حملاه إلى جانبه «الإنساني المخطئ». الشخصية متقلّبة، مستعدّة للانزلاق. فـ«تاج» ملاكم مقامر، مديون، خاسر بقدر ما يُنكر خسائره. يتلّقى اللكمات ويظنّ أنه يسدّدها.

تيم حسن بشخصية الملاكم «تاج»

الكادرات والصورة، مع الأزياء والألوان، تُجسّد سوريا في أربعينات القرن الماضي، وغليان شوارعها وجامعاتها كمسار إجباري للاستقلال. يوفّر المسلسل (إنتاج «الصبّاح إخوان») عوامل تجعل انطلاقته آسرة؛ الحضور المُتقن لتيم حسن وبسام كوسا من أبرزها. تُطرح مسائل الوطنية والخيانة، والخلايا والمجموعات وضريبة الانتماء، وسط أداء يبدو في محلّه لفايا يونان بشخصية «نوران» المنتقلة من زوجة «تاج» إلى زوجة عدوّه «رياض» (كوسا). المال يُهين المرء ويُنزل مرتبته؛ وللمرّة الأولى منذ مواسم رمضانية، نرى تيم حسن بدور المهزوم من الداخل. عودته إلى ذاته مُحتَمل تزامنها مع تحوّلات على أكثر من جهة، فيُصفَّى أشخاص وتَحدُث المواجهة. البطولة أيضاً لجوزيف بو نصار بشخصية الضابط الفرنسي «جول».

بسام كوسا في مشهد من «تاج»

«ولاد بديعة»: حلاوة الانتظار

من الأعمال المُشجِّعة على متابعتها، لثنائي التأليف الدرامي علي وجيه ويامن الحجلي. مسلسل شيِّق، تديره كاميرا رشا شربتجي الماهرة في إضافة البصمات (إنتاج «بنتالنس»). وإنْ كان لا جديد في العنوان العريض (إخوة يتصارعون على الميراث)، فالشطارة في جرَّ هذا «اللاجديد» إلى زوايا جديدة، وخَلْق المحيط المتكامل لولادة الإبداع. ذلك يحصُل، بالحضور التمثيلي، والسياق، وجمال الصورة.

سامر إسماعيل ويامن الحجلي في مشهد من «ولاد بديعة»

فادي صبيح عطر المسلسل بفضائله وهفواته. اقتصار إطلالته على «الزمن الماضي» يرفع مقام التشويق. تُضاف أسماء تؤدّي بجدارة: سلافة معمار بشخصية «سكر»، الملوَّعة والمُفكَّكة، والتواقة إلى طفل. ومعها سامر إسماعيل ويامن الحجلي بدورَي التوأمَيْن «شاهين» و«ياسين». محمود نصر بشخصية شقيقهما «مختار»، الآتي لاستعادة ثروة أبيه المُبعثَرة، مستعدّ لفتح النار على مصراعيها. صراع الإخوة، أولاد «بديعة» (إمارات رزق بدور يُحسَب لها)، يطرح أيضاً إشكاليات الخير والشرّ، والظلم والعدالة، والدم المُتحوِّل إلى ماء. بدايته مُشجِّعة، وانتظاره في أوجه. البطولة أيضاً لنادين تحسين بيك، ونادين خوري، ورامز الأسود، ولين غرّة.

سلافة معمار تتألق بشخصية «سكر» في «ولاد بديعة»

«العربجي 2»: انطلاقة صاخبة

يدرك أنه «مُلزَم» بالحفاظ على مستوى الجزء الأول، ويفعل. جزؤه الثاني ينطلق بصخب. حقائق تُكشَف على مرأى أهل الحارة المنقسمة بين طرفَي الصراع: «النشواتية»، ويتزعّمهم «أبو حمزة» (سلوم حداد)، و«درّية» (نادين خوري)، في وجه «عبدو العربجي» (باسم ياخور) والثائرين ضدّ الظلم. المسلسل (كتابة مؤيد النابلسي وعثمان جحى، إخراج سيف السبيعي، وإنتاج «هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية»، وتنفيذ «غولدن لاين»)، يفرض متابعته، فحالته آسرة. تكشف البداية احتدام الأحداث وتصاعُد الإيقاع. «الداية بدور» (ديما قندلفت) لم تنفث سمَّها بعد، ولا شكّ ستفعل. الشخصيات بين نارَين والساحة تشتعل، فلا تُفسح مجالاً للهدوء وضبط النَفْس. البطولة لفارس ياغي، وحلا رجب، وشادي الصفدي، وطارق مرعشلي.

باسم ياخور في كواليس «العربجي 2» (إكس)

نادين خوري بشخصية «درّية» في «العربجي»

«مال القبان»: مسار يتصاعد

الكتابة أيضاً لعلي وجيه ويامن الحجلي المؤدّي شخصية «خير» الميّال لارتكاب السوء. العمل من إخراج سيف السبيعي، وبطولة بسام كوسا وخالد القيش، الشخصيتَيْن المتضاربتَيْن. الأول تاجر، المال أولويته، والثاني قاضٍ، يتمسّك بأخلاق المهنة. مسرح الأحداث سوق خضراوات. وكما يُعرِّف مسلسل «ولاد بديعة» للكاتبَيْن نفسيهما، مُشاهدَه، على دهاليز حِرفة الدبّاغين، يُدخِل «مال القبان» (إنتاج «إيبلا») المُتابع في عالم التجارة، فنشهد على مزادات البصل، وأشكال الاحتكار، والحروب المعلنَة والمضمَرة.

البداية «من الماضي» تتيح فهم الحاضر والخلفية النفسية للشخصيات. تبرز اللبنانية ختام اللحام باللهجة السورية، مقدّمةً الحضور المُعذَّب للأم المغضوب عليها من ابن مُضلَّل. إطلالة سلاف فواخرجي يُرجَّح أن تدفع المسار نحو التصاعُد. البطولة أيضاً للراحل محمد قنوع الذي يُهدَى العمل إلى روحه.

أبطال مسلسل «مال القبان» (البوستر الرسمي)

«كسر عضم - السراديب»: الآتي أعظم؟

أبطال مسلسل «كسر عضم - السراديب»

على عكس «العربجي 2»، لا نشعر بالألفة حيال الجزء الثاني، كأننا لم نتابع جزءاً أول. فالمسلسل غيَّر مخرجه وكاتبه، وبدا أنه «آخر». يطلّ رشيد عساف مواجِهاً فايز قزق بشخصية «حكم الصياد أبو ريان» التي أدّاها بإبهار. هذه المرّة أيضاً، يتكثّف الجبروت على ملامح الرجل الطاغي. تحمل الحلقات المقبلة احتمال أن يسوء الوضع، مع دخول عبد المنعم عمايري على خطّ اللاعبين بالنار. تُطمَر ملفات وتُجمَّد إجراءات، وتُلفلَف تُهم. الكتابة لهلال أحمد ورند حديد، والإخراج لكنان إسكندراني، والإنتاج لـ«كلاكيت». انطلاقته الفعلية لم تبدأ. يُنتَظر منه التفوّق على الجزء الأول، أو أقله الحفاظ على مستواه. دون ذلك لن يُغفَر له.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.