زكي ناصيف... 20 عاماً على الغياب وأغنيتُه ما زالت «تعمّر»

القيّمون على إرث الموسيقار اللبناني يتحدّثون لـ«الشرق الأوسط» عن رحلة الحفاظ على فنّه وإحيائه

الفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف على شرفة منزله في بيروت (أرشيف أ.ف.ب)
الفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف على شرفة منزله في بيروت (أرشيف أ.ف.ب)
TT

زكي ناصيف... 20 عاماً على الغياب وأغنيتُه ما زالت «تعمّر»

الفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف على شرفة منزله في بيروت (أرشيف أ.ف.ب)
الفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف على شرفة منزله في بيروت (أرشيف أ.ف.ب)

بعض الغياب لا يقوى عليه الزمن، كما أغاني زكي ناصيف التي، وبعد 20 سنة على رحيله، ما زالت تنبعث فراشاتٍ وأزهاراً، وتحلمُ بلبنان الراجع من كبوته.

حتى الرمق الأخير ومن على سرير المستشفى، ظلّ الفنان اللبنانيّ يؤلّف الكلام والألحان. كان الوداع في 10 مارس (آذار) 2004 مظلّلاً بالموسيقى، على ما يخبر ابن شقيقه د. نبيل ناصيف «الشرق الأوسط». لم يكن الموسيقار يعرف حينها أنّ بيت الطفولة في مشغرة البقاعيّة سيصير متحفاً، ولا أنّ مكتبته الموسيقيّة ستنتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت تحت رعاية «برنامج زكي ناصيف للموسيقى»، ولا أنّ الأجيال الآتية بعده ستردّد أغانيه.

غرفة زكي ناصيف في منزله في مشغرة البقاعيّة (أرشيف العائلة)

بدرُ مشغرة في «البستان»

لم يُعثَر على وصيّةٍ بين نوتاته وخواطره المبعثرة، غير أنّ مبادرة «برنامج زكي ناصيف» تكفّلت بالحفاظ على الإرث. منذ ديسمبر (كانون الأول) 2004، والمواعيد تتلاحق للاحتفاء بموسيقاه. أما هذه السنة والتي تصادف ذكرى غيابه العشرين، فسيحضر طيف ناصيف في «مهرجان البستان» مساء 12 مارس. ضمن أمسية بعنوان «طلع البدر علينا»، تقدّم جوقة البرنامج مجموعة من الترانيم والأناشيد بمناسبة الصوم لدى المسيحيين والمسلمين، إلى جانب عدد من أغاني ناصيف وزملائه من زمن النهضة الموسيقية.

استحضار فنّ زكي ناصيف بمثابة عرضٍ متواصل تتفرّع عنه أنشطة موسيقية عدّة. ووفق المستشارة الثقافية للبرنامج سوسن مكتبي، فإنّ مهرجان «لنتذكّر ونكتشف» المنبثق عن البرنامج لا يأخذ استراحةً من الموسيقى، بل يتجدّد مع كل فصل محتفياً بالزمن الجميل وليس بزكي ناصيف حصراً، كما أنه يشكّل منبراً لاكتشاف المواهب الجديدة.

منذ 20 سنة يواظب برنامج زكي ناصيف للموسيقى في الجامعة الأميركية على إحياء ذكرى الفنان (أرشيف العائلة)

سرّ «راجع يتعمّر»

يوم غادر زكي ناصيف الحياة، كان في الـ88 من عمره. كانت أغانيه حينذاك في قمّة الرواج، والمفارقة أنها وبعد عقدَين ما زالت تتصدّر الإذاعات ووسائل التواصل الاجتماعي كذلك. «طلّوا أحبابنا»، «نقّيلي أحلى زهرة»، «اشتقنا كتير»... وليس انتهاءً بـ«راجع يتعمّر لبنان»؛ عن هذه الأغنية التي تحوّلت نشيداً، تقول رئيسة «نادي أصدقاء برنامج زكي ناصيف للموسيقى» ليلى بساط، إنها «لعبت دوراً كبيراً في تعريف الجيل الجديد إلى ناصيف وفنّه»، لا سيّما أنها ارتبطت بأحداث كثيرة في تاريخ لبنان الحديث.

غير أنّ انتشار أغاني زكي ناصيف في أوساط الشباب لم يأتِ من دون مجهودٍ بذله البرنامج. تقول بساط في هذا السياق: «استغرق تعريف الجيل الجديد إلى تراث زكي ناصيف وقتاً، وقد نجحنا في ذلك من خلال الحفلات التي نظّمها البرنامج في لبنان وخارجه». ولم تقتصر هذه «التوعية الثقافية» على الحفلات، بل تعدّتها إلى البرامج التعليمية الخاصة بطلّاب الموسيقى الشرقية الناشئين، والذين يتتلمذون على مدرسة زكي ناصيف.

تلفت سوسن مكتبي من جانبها إلى إحدى أهمّ ركائز البرنامج في نقل إرث ناصيف إلى الجيل الصاعد، وهي مسابقة «من كل مدرسة كورال» التي تتبارى فيها مجموعة كبيرة من مدارس لبنان، على تقديم أفضل جوقة تؤدّي مجموعة من أغاني ناصيف. على اختلاف أعمارهم، يتهافت الطلّاب إلى غناء أعماله، ولعلّ تفاعلَهم الحماسيّ معها سببُه الأساسيّ أنها أغانٍ بسيطة وزاخرة بمعاني الفرح وإيقاعاته.

بيتٌ بمدارسَ كثيرة

يشبّه مدير «برنامج زكي ناصيف للموسيقى في الجامعة الأميركية» د. نبيل ناصيف أغاني عمّه «بالمياه التي تنساب بسلاسة»، موضحاً أنه كان يحرص على «الانسجام ما بين اللحن والمشهد»، أكان في الدبكات أم في كلاسيكيّاته أم في الأغاني الوطنية الحيويّة.

ألّف زكي ناصيف أكثر من ألف مقطوعة ما بين أغنية ومعزوفة، عُرف منها نحو 300 بصوته وأصوات فنانين آخرين. أما الـ700 المتبقية، فالعمل جارٍ على تجميعها والتعرّف عليها وأرشفتها رقمياً. لكنّ السؤال العالق الذي يردّده ابنُ شقيقه هو: «كيف سنتعامل في المستقبل مع هذه المادّة الضخمة غير المنشورة؟».

قدّمت صباح مجموعة من ألحان زكي ناصيف من بينها «أهلا بهالطلّة» (أرشيف العائلة)

وإلى حين اتّضاح الجواب، وُضع منزل زكي ناصيف في مسقط رأسه مشغرة بين أيادٍ أمينة. فمنذ عام 2012، تتولّى «جمعيّة حماية المواقع والمنازل الأثريّة في لبنان – أبساد» إعادة تأهيل البيت وتحويله إلى مركز ثقافيّ ومتحف. ولعلّ أجمل ما في هذا الإنجاز، أنّ غرف منزل زكي ناصيف تحوّلت مع مرور السنوات إلى قاعات تدريس وإلى معهد موسيقيّ مصغّر، يستضيف نحو 30 تلميذاً من كافّة بلدات البقاع الغربي، ليتعلّموا العزف على البيانو والغيتار. أما سطح البيت، فمساحةٌ لحفلاتٍ تحييها خلال ليالي الصيف، تحت ضوء قمر مشغرة، جوقات عدّة يجري اختيارها بالتعاون مع «برنامج زكي ناصيف».

تحوّل منزل زكي ناصيف في مشغرة إلى متحف ومركز ثقافي (أرشيف العائلة)

وديع الصافي صديق العمر

تحت سماء مشغرة وبين حجارة البيت الذي صار اليوم أثرياً، تعرّف زكي ناصيف إلى الدلعونا، والميجانا، والعتابا وأبو الزلف، وغيرها من أصول الفولكلور الموسيقي اللبناني. هناك أيضاً، سمع الشجن في صوت أمّه فبكى. تأثّر كذلك بالشيخ سلامة حجازي وبمحمد عبد الوهاب، فقرّر منذ الصغر أن يصعد إلى أعلى السلّم الموسيقي.

ناصيف متوسطاً أبويه وإخوته في مطلع عشرينات القرن الماضي (أرشيف العائلة)

لم تَحُل إصابته خلال الطفولة بإعاقة في رجله دون تحقيق الحلم. يؤكّد ابن شقيقه أنّها كانت «معاناة شخصية كبيرة وجلجلة أُضيفت إلى المحاربة الفنية التي تعرّض لها»، غير أن المِحَن لم تنعكس كآبةً على أعماله الموسيقية؛ فهو تمسّك بإيقاعات الفرح والأمل والإقدام. زرع زهراً في أغانيه وفي الأغاني التي ألّفها لسواه من فنانين، كفيروز ووديع الصافي وصباح وماجدة الرومي.

وديع الصافي وزكي ناصيف في مهرجان الأنوار (أرشيف العائلة)

من بين الزملاء، كان وديع الصافي من أقرب رفقاء الدربَين الفنّي والشخصي. لم يُكثر زكي ناصيف من العلاقات والنشاطات الاجتماعية، بل فضّل العزلة والانكباب على التأليف والتدريس. وفق قريبه، «كان ذلك انسجاماً مع طبعه الخجول».

أمضى ناصيف 5 سنوات على مقاعد الجامعة الأميركية في بيروت حيث تعلّم الموسيقى (أرشيف العائلة)

من مقاعد الجامعة الأميركية في بيروت، انطلقَ زكي ناصيف إلى عالم الموسيقى. درسَ فيها العزف على الفيولونسيل والبيانو ما بين عامَي 1936 و1941. وبعد 63 عاماً، عاد إليها علَماً مكرّماً على مدار الفصول. وللمواعيد تتمّة، إذ يجري التحضير لأمسية بعنوان «من أمّي لبَني أمّي»، ستحييها جوقة «برنامج زكي ناصيف» ويستضيفها متحف سرسق في العاصمة اللبنانية نهاية شهر مايو (أيار).


مقالات ذات صلة

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

يوميات الشرق باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

من خلال مشروعه، يحاول سعيد محاربة بعض الفوضى السائدة في الساحة الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم...

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
يوميات الشرق هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

مع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
الوتر السادس لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

كانت لين الحايك لا تزال في الحادية عشرة من عمرها عندما أطلّت للمرة الأولى على خشبة «ذا فويس كيدز» عام 2016، واليوم، وبعد مرور عشر سنوات على مشوارها الفني...

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس سعد رمضان: لا أُفضِّل توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالي

سعد رمضان: لا أُفضِّل توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالي

تحدث الفنان اللبناني سعد رمضان عن كواليس إحيائه للحفل الختامي لمسابقة Miss Elite، معبراً عن سعادته بالمشاركة في هذه الأمسية بمصر

داليا ماهر (القاهرة)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».