زكي ناصيف... 20 عاماً على الغياب وأغنيتُه ما زالت «تعمّر»

القيّمون على إرث الموسيقار اللبناني يتحدّثون لـ«الشرق الأوسط» عن رحلة الحفاظ على فنّه وإحيائه

الفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف على شرفة منزله في بيروت (أرشيف أ.ف.ب)
الفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف على شرفة منزله في بيروت (أرشيف أ.ف.ب)
TT

زكي ناصيف... 20 عاماً على الغياب وأغنيتُه ما زالت «تعمّر»

الفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف على شرفة منزله في بيروت (أرشيف أ.ف.ب)
الفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف على شرفة منزله في بيروت (أرشيف أ.ف.ب)

بعض الغياب لا يقوى عليه الزمن، كما أغاني زكي ناصيف التي، وبعد 20 سنة على رحيله، ما زالت تنبعث فراشاتٍ وأزهاراً، وتحلمُ بلبنان الراجع من كبوته.

حتى الرمق الأخير ومن على سرير المستشفى، ظلّ الفنان اللبنانيّ يؤلّف الكلام والألحان. كان الوداع في 10 مارس (آذار) 2004 مظلّلاً بالموسيقى، على ما يخبر ابن شقيقه د. نبيل ناصيف «الشرق الأوسط». لم يكن الموسيقار يعرف حينها أنّ بيت الطفولة في مشغرة البقاعيّة سيصير متحفاً، ولا أنّ مكتبته الموسيقيّة ستنتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت تحت رعاية «برنامج زكي ناصيف للموسيقى»، ولا أنّ الأجيال الآتية بعده ستردّد أغانيه.

غرفة زكي ناصيف في منزله في مشغرة البقاعيّة (أرشيف العائلة)

بدرُ مشغرة في «البستان»

لم يُعثَر على وصيّةٍ بين نوتاته وخواطره المبعثرة، غير أنّ مبادرة «برنامج زكي ناصيف» تكفّلت بالحفاظ على الإرث. منذ ديسمبر (كانون الأول) 2004، والمواعيد تتلاحق للاحتفاء بموسيقاه. أما هذه السنة والتي تصادف ذكرى غيابه العشرين، فسيحضر طيف ناصيف في «مهرجان البستان» مساء 12 مارس. ضمن أمسية بعنوان «طلع البدر علينا»، تقدّم جوقة البرنامج مجموعة من الترانيم والأناشيد بمناسبة الصوم لدى المسيحيين والمسلمين، إلى جانب عدد من أغاني ناصيف وزملائه من زمن النهضة الموسيقية.

استحضار فنّ زكي ناصيف بمثابة عرضٍ متواصل تتفرّع عنه أنشطة موسيقية عدّة. ووفق المستشارة الثقافية للبرنامج سوسن مكتبي، فإنّ مهرجان «لنتذكّر ونكتشف» المنبثق عن البرنامج لا يأخذ استراحةً من الموسيقى، بل يتجدّد مع كل فصل محتفياً بالزمن الجميل وليس بزكي ناصيف حصراً، كما أنه يشكّل منبراً لاكتشاف المواهب الجديدة.

منذ 20 سنة يواظب برنامج زكي ناصيف للموسيقى في الجامعة الأميركية على إحياء ذكرى الفنان (أرشيف العائلة)

سرّ «راجع يتعمّر»

يوم غادر زكي ناصيف الحياة، كان في الـ88 من عمره. كانت أغانيه حينذاك في قمّة الرواج، والمفارقة أنها وبعد عقدَين ما زالت تتصدّر الإذاعات ووسائل التواصل الاجتماعي كذلك. «طلّوا أحبابنا»، «نقّيلي أحلى زهرة»، «اشتقنا كتير»... وليس انتهاءً بـ«راجع يتعمّر لبنان»؛ عن هذه الأغنية التي تحوّلت نشيداً، تقول رئيسة «نادي أصدقاء برنامج زكي ناصيف للموسيقى» ليلى بساط، إنها «لعبت دوراً كبيراً في تعريف الجيل الجديد إلى ناصيف وفنّه»، لا سيّما أنها ارتبطت بأحداث كثيرة في تاريخ لبنان الحديث.

غير أنّ انتشار أغاني زكي ناصيف في أوساط الشباب لم يأتِ من دون مجهودٍ بذله البرنامج. تقول بساط في هذا السياق: «استغرق تعريف الجيل الجديد إلى تراث زكي ناصيف وقتاً، وقد نجحنا في ذلك من خلال الحفلات التي نظّمها البرنامج في لبنان وخارجه». ولم تقتصر هذه «التوعية الثقافية» على الحفلات، بل تعدّتها إلى البرامج التعليمية الخاصة بطلّاب الموسيقى الشرقية الناشئين، والذين يتتلمذون على مدرسة زكي ناصيف.

تلفت سوسن مكتبي من جانبها إلى إحدى أهمّ ركائز البرنامج في نقل إرث ناصيف إلى الجيل الصاعد، وهي مسابقة «من كل مدرسة كورال» التي تتبارى فيها مجموعة كبيرة من مدارس لبنان، على تقديم أفضل جوقة تؤدّي مجموعة من أغاني ناصيف. على اختلاف أعمارهم، يتهافت الطلّاب إلى غناء أعماله، ولعلّ تفاعلَهم الحماسيّ معها سببُه الأساسيّ أنها أغانٍ بسيطة وزاخرة بمعاني الفرح وإيقاعاته.

بيتٌ بمدارسَ كثيرة

يشبّه مدير «برنامج زكي ناصيف للموسيقى في الجامعة الأميركية» د. نبيل ناصيف أغاني عمّه «بالمياه التي تنساب بسلاسة»، موضحاً أنه كان يحرص على «الانسجام ما بين اللحن والمشهد»، أكان في الدبكات أم في كلاسيكيّاته أم في الأغاني الوطنية الحيويّة.

ألّف زكي ناصيف أكثر من ألف مقطوعة ما بين أغنية ومعزوفة، عُرف منها نحو 300 بصوته وأصوات فنانين آخرين. أما الـ700 المتبقية، فالعمل جارٍ على تجميعها والتعرّف عليها وأرشفتها رقمياً. لكنّ السؤال العالق الذي يردّده ابنُ شقيقه هو: «كيف سنتعامل في المستقبل مع هذه المادّة الضخمة غير المنشورة؟».

قدّمت صباح مجموعة من ألحان زكي ناصيف من بينها «أهلا بهالطلّة» (أرشيف العائلة)

وإلى حين اتّضاح الجواب، وُضع منزل زكي ناصيف في مسقط رأسه مشغرة بين أيادٍ أمينة. فمنذ عام 2012، تتولّى «جمعيّة حماية المواقع والمنازل الأثريّة في لبنان – أبساد» إعادة تأهيل البيت وتحويله إلى مركز ثقافيّ ومتحف. ولعلّ أجمل ما في هذا الإنجاز، أنّ غرف منزل زكي ناصيف تحوّلت مع مرور السنوات إلى قاعات تدريس وإلى معهد موسيقيّ مصغّر، يستضيف نحو 30 تلميذاً من كافّة بلدات البقاع الغربي، ليتعلّموا العزف على البيانو والغيتار. أما سطح البيت، فمساحةٌ لحفلاتٍ تحييها خلال ليالي الصيف، تحت ضوء قمر مشغرة، جوقات عدّة يجري اختيارها بالتعاون مع «برنامج زكي ناصيف».

تحوّل منزل زكي ناصيف في مشغرة إلى متحف ومركز ثقافي (أرشيف العائلة)

وديع الصافي صديق العمر

تحت سماء مشغرة وبين حجارة البيت الذي صار اليوم أثرياً، تعرّف زكي ناصيف إلى الدلعونا، والميجانا، والعتابا وأبو الزلف، وغيرها من أصول الفولكلور الموسيقي اللبناني. هناك أيضاً، سمع الشجن في صوت أمّه فبكى. تأثّر كذلك بالشيخ سلامة حجازي وبمحمد عبد الوهاب، فقرّر منذ الصغر أن يصعد إلى أعلى السلّم الموسيقي.

ناصيف متوسطاً أبويه وإخوته في مطلع عشرينات القرن الماضي (أرشيف العائلة)

لم تَحُل إصابته خلال الطفولة بإعاقة في رجله دون تحقيق الحلم. يؤكّد ابن شقيقه أنّها كانت «معاناة شخصية كبيرة وجلجلة أُضيفت إلى المحاربة الفنية التي تعرّض لها»، غير أن المِحَن لم تنعكس كآبةً على أعماله الموسيقية؛ فهو تمسّك بإيقاعات الفرح والأمل والإقدام. زرع زهراً في أغانيه وفي الأغاني التي ألّفها لسواه من فنانين، كفيروز ووديع الصافي وصباح وماجدة الرومي.

وديع الصافي وزكي ناصيف في مهرجان الأنوار (أرشيف العائلة)

من بين الزملاء، كان وديع الصافي من أقرب رفقاء الدربَين الفنّي والشخصي. لم يُكثر زكي ناصيف من العلاقات والنشاطات الاجتماعية، بل فضّل العزلة والانكباب على التأليف والتدريس. وفق قريبه، «كان ذلك انسجاماً مع طبعه الخجول».

أمضى ناصيف 5 سنوات على مقاعد الجامعة الأميركية في بيروت حيث تعلّم الموسيقى (أرشيف العائلة)

من مقاعد الجامعة الأميركية في بيروت، انطلقَ زكي ناصيف إلى عالم الموسيقى. درسَ فيها العزف على الفيولونسيل والبيانو ما بين عامَي 1936 و1941. وبعد 63 عاماً، عاد إليها علَماً مكرّماً على مدار الفصول. وللمواعيد تتمّة، إذ يجري التحضير لأمسية بعنوان «من أمّي لبَني أمّي»، ستحييها جوقة «برنامج زكي ناصيف» ويستضيفها متحف سرسق في العاصمة اللبنانية نهاية شهر مايو (أيار).


مقالات ذات صلة

من تنظيم الانفعالات إلى استدعاء الذكريات... كيف تؤثر الموسيقى في مشاعرنا؟

يوميات الشرق الموسيقى قادرة على التأثير في المشاعر وتغيير طريقة تعامل الإنسان مع المواقف المزعجة (رويترز)

من تنظيم الانفعالات إلى استدعاء الذكريات... كيف تؤثر الموسيقى في مشاعرنا؟

لا تقتصر الموسيقى على كونها وسيلة للترفيه؛ إذ تشير دراسات ونظريات نفسية إلى قدرتها على التأثير في المشاعر وتغيير طريقة تعامل الإنسان مع المواقف المزعجة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق كلّما عاد إلى لبنان... عاد الفلوت معه مُحمَّلاً بما حدث في الغياب (الشرق الأوسط)

دانيال الهيبي يبحث عن «لغة ثالثة» للفلوت

قد تكون مغامرة الهيبي الحقيقية أن يجعل الفلوت يتذكّر من أين جاء دانيال، من دون أن يعرف إلى أين سيأخذه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق المغنية والممثلة الأميركية الراحلة دولي بارتون (أ.ف.ب)

غياب المغنية والممثلة الأميركية دولي بارتون عن 80 عاماً

توفيت المغنية والممثلة ومؤلفة الأغاني الأميركية الشهيرة دولي بارتون، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 80 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق صورة تم التقاطها في 28 يناير 2020 تُظهر شعار النسخة 65 من مسابقة الأغنية الأوروبية التي نُظمت في روتردام بهولندا (أ.ف.ب) p-circle

هولندا لن تشارك في «يوروفيجن» لأن المسابقة فقدت «طابعها الحيادي»

تمتنع هولندا عن المشاركة السنة المقبلة بمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن»، لاعتبارها أن تصنيف هذا الحدث محايداً «لم يعد ممكناً» في ظل الانقسامات حول حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
الوتر السادس محمد الحلو لـ«الشرق الأوسط»: أخشى على مستقبل الغناء العربي

محمد الحلو لـ«الشرق الأوسط»: أخشى على مستقبل الغناء العربي

قال المطرب المصري محمد الحلو إنه لا يعرف أسباب عدم دعوته للمشاركة بمهرجانَي «القلعة» و«الموسيقى العربية»، اللذين تنظمهما دار الأوبرا المصرية، هذا العام.

انتصار دردير (القاهرة)

شيفرة أطلنطس المفقودة: هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟

لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)
لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)
TT

شيفرة أطلنطس المفقودة: هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟

لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)
لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)

لم تكن مجرد سحابة سوداء، بل كانت نهاية العالم كما عرفه البشر في العصر البرونزي. في عام 1613 قبل الميلاد، كانت اللوحة الزرقاء لبحر إيجة على موعد مع فصل جنائزي مرعب غير مجرى التاريخ الإنساني إلى الأبد.

هناك، حيث تزدهر حضارة المينويين أو (المينوسية) العريقة بأناقتها المعمارية، وأساطيلها التجارية، وقصورها التي تضج بالحياة في جزيرة كريت، والجزر المحيطة بها، كانت الأرض تخبئ غضباً لم تشهد البشرية له مثيلاً.

عندما انشقت الأرض وابتلعت الذاكرة

في ذلك اليوم البعيد، انفجر بركان جزيرة ثيرا (المعروفة اليوم باسم سانتوريني) بطاقة تعادل تفجير مئات القنابل النووية في لحظة واحدة.

لم يكن الانفجار مجرد حدث جيولوجي عابر، بل كان زلزالاً حضارياً مسح مدناً كاملة من الخريطة، وأطلق أمواج تسونامي عاتية عادلت ناطحات سحاب من المياه، لتضرب شواطئ كريت، وتغرق السفن والموانئ التي كانت عصب الإمبراطورية المينوية البحرية.

الرماد البرونزي الذي غطى السماء لسنوات لم يدفن المدن فقط، بل دفن معها الحقيقة، ليحولها بمرور القرون من حدث تاريخي واقعي إلى واحدة من أعظم الأساطير الغامضة في التاريخ: «شيفرة أطلنطس المفقودة».

فكيف تحول غضب الطبيعة في سانتوريني إلى الفردوس المفقود الذي خلده أفلاطون؟

ثيرا... قلب العصر البرونزي الذي تحول إلى رماد

قبل الكارثة لم تكن جزيرة ثيرا مجرد جبل بركاني، بل كانت مركزاً حضارياً مشعاً يعكس عبقرية المينويين. تشير الاكتشافات الأثرية في موقع «أكروتيري» بالجزيرة إلى وجود قاعات مزينة بجداريات ملونة مذهلة، وأنظمة صرف صحي متطورة، وبيوت من عدة طوابق تعكس رفاهية اجتماعية متقدمة.

صورة توثق الحفريات الأثرية في أكروتيري بسانتوريني عام 2018 حيث عُثر على قطع أثرية وتماثيل سليمة تماماً منذ 3600 عام (ويكيبيديا)

عندما بدأت الأرض تهتز، تعامل السكان بذكاء في البداية، حيث تظهر الأدلة الأثرية خلو الموقع من الجثث، مما يعني أنهم فروا قبل الانفجار الكبير.

لكن الفرار من الجزيرة لم يكن كافياً للنجاة من الجحيم القادم.

لقطة مقربة تكشف عن التصميم الإنشائي المتطور للمباني والساحات الداخلية في أكروتيري والتي هجرها سكانها قبل لحظات من ثوران البركان الكارثي تاركين أوانيهم الفخارية خلفهم (ويكيبيديا)

انهار قلب الجزيرة بالكامل داخل غرفة الصهارة الفارغة، مما أدى إلى تشكل «الكالديرا» الشهيرة التي نراها اليوم، وغرقت أجزاء واسعة من ثيرا تحت مياه البحر في غضون ساعات.

مشهد جوي يوثق لحظات الغروب الذهبي فوق كالديرا ثيرا (سانتوريني) في اليونان حيث تظهر الجزر البركانية محاطة بمياه بحر إيجة الزرقاء (ويكيبيديا)

أمواج تسونامي العاتية: الضربة القاضية لحضارة كريت

لم يكن الرماد والسخام اللذان حجبا ضوء الشمس عن سماء المتوسط هما الخطر الأوحد. كان الانهيار الهيكلي لجزيرة ثيرا بمثابة إسقاط حجر عملاق في حوض ماء، مما ولد أمواج تسونامي مرعبة اندفعت بسرعة الطائرات نحو جزيرة كريت، المركز النابض للحضارة المينوية، والتي تبعد نحو 110 كيلومترات إلى الجنوب.

اجتاحت الأمواج التي قدر علماء البحار ارتفاعها بعشرات الأمتار السواحل الشمالية لكريت.

«بقايا الرواق البازيليكي في مدينة ثيرا الأثرية بجزيرة سانتوريني اليونانية (ويكيبيديا)

دمرت الموانئ بالكامل، وتحطمت الأساطيل التجارية والحربية التي كانت تحمي الجزيرة، وغمرت المياه الأراضي الزراعية الخصبة بالأملاح، مما تسبب في مجاعة فورية.

ورغم أن قصر «كنوسوس» الشهير نجا جزئياً لارتفاعه عن سطح البحر، فإن البنية التحتية والاقتصادية للمينويين تلقت ضربة قاضية لم تتعافَ منها أبداً، مما جعلهم لقمة سائغة للغزو الميسيني لاحقاً.

قصر مينوس كنوسوس باليونان (ويكيبيديا)

محاكمة النص الأفلاطوني: هل كانت أطلنطس هي كريت؟

تكمن الزاوية الأكثر إثارة في هذه الكارثة في الرابط المذهل الذي يجمعه المؤرخون وعلماء الآثار اليوم بين هذا الانفجار وأسطورة أطلنطس.

بعد نحو ألف عام من الكارثة، وتحديداً في القرن الرابع قبل الميلاد، كتب الفيلسوف اليوناني أفلاطون في حواريه الشهيرين «تيمايوس» و«كريتياس» عن قارة مفقودة متطورة للغاية، وغنية، ومحاطة بدوائر من المياه، وقد غرقت في البحر «في يوم وليلة من الكوارث».

واحدة من أشهر وأقدم الخرائط التخيلية في التاريخ لقارة أطلنطس المفقودة رسمها العالم والراهب الألماني الشهير أثناسيوس كيرشر عام 1665 ونُشرت في كتابه الشهير «العالم السفلي» (ويكيبيديا)

عقود طويلة من البحث قادت العلماء إلى استنتاج مثير: الوصف الذي قدمه أفلاطون لأطلنطس يتطابق بشكل مذهل مع شكل جزيرة ثيرا المينوية قبل انفجارها، وطبيعة الحضارة المينوية المتقدمة بحرياً، ومعمارياً.

يُعتقد أن القصة انتقلت عبر الأجيال من خلال الكهنة المصريين الذين سجلوا الكارثة المناخية التي تلت الانفجار، ومنهم وصلت إلى المشرع اليوناني سولون، ثم إلى أفلاطون الذي ربما أضاف لمسته الفلسفية والدرامية عليها.

الحل الجيولوجي للغز: العلم يصدق الأسطورة

في العصر الحديث قدم العلم الحديث إجابات قاطعة حول حجم الكارثة. أكدت العينات الجليدية المستخرجة من جزيرة غرينلاند، وفحص حلقات الأشجار القديمة، أن الانفجار وقع تقريباً في عام 1613 قبل الميلاد.

العالم أولوف رودبيك يستدعي أفلاطون وأرسطو وهوميروس ليشهدوا على نظريته المثيرة للجدل التي نقلت موقع أطلنطس الأسطوري إلى الشواطئ الإسكندنافية (ويكيبيديا)

وأثبتت الفحوصات الجيولوجية لترسبات القاع في البحر الأبيض المتوسط أن حجم المواد البركانية المقذوفة كان هائلاً لدرجة غيرت مناخ نصف الكرة الأرضية الشمالي لسنوات.

هذا التطابق بين البيانات الجيولوجية الحديثة ونصوص أفلاطون القديمة يفكك «شيفرة أطلنطس».

لم تكن أطلنطس مجرد خيال فني محض، بل كانت قراءة تاريخية مشوهة عبر الزمن لحدث حقيقي جسد نهاية مأساوية لحضارة المينويين التي ابتلعها البحر إثر واحدة من أعنف ثورات الأرض.

لقطة عامة لقرية أويا في جزيرة سانتوريني اليونانية (أ.ف.ب)

بينما نرى اليوم السياح يتوافدون على جزيرة سانتوريني للاستمتاع بمنظر غروب الشمس الساحر فوق جرف «الكالديرا»، قد لا يدرك الكثيرون أنهم يقفون على حافة المقبرة الجيولوجية التي أنجبت أعظم أسطورة غامضة في تاريخ البشرية.


14 جامعة سعودية ضمن أفضل ألف في تصنيف «شنغهاي»

الحضور السعودي في التصنيف يرتفع إلى 14 جامعة (واس)
الحضور السعودي في التصنيف يرتفع إلى 14 جامعة (واس)
TT

14 جامعة سعودية ضمن أفضل ألف في تصنيف «شنغهاي»

الحضور السعودي في التصنيف يرتفع إلى 14 جامعة (واس)
الحضور السعودي في التصنيف يرتفع إلى 14 جامعة (واس)

سجَّلت الجامعات السعودية حضوراً في «التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم»، المعروف بتصنيف «شنغهاي»، لعام 2026، مع إدراج 14 جامعة ضمن قائمة أفضل ألف جامعة عالمياً، مقارنة بـ13 جامعة في نسخة 2025، بعد انضمام جامعة الحدود الشمالية إلى القائمة.

وتصدَّرت جامعة الملك سعود الجامعات السعودية ضمن القائمة، وجاءت في الشريحة من 151 إلى 200 عالمياً، تلتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في المرتبة الثانية محلياً، ضمن الشريحة من 201 إلى 300، في حين حلَّت جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن ثالثة سعودياً، في الشريحة من 301 إلى 400.

أما الشرائح التالية، فقد ضمَّت الشريحة من 401 إلى 500 جامعتَي الملك خالد والطائف، اللتين تقاسمتا المركزين الرابع والخامس محلياً، في حين جاءت جامعة الملك عبد العزيز سادسة سعودياً، ضمن الشريحة من 501 إلى 600.

وفي الشريحة من 601 إلى 700، حلَّت جامعتا الإمام محمد بن سعود الإسلامية والملك فهد للبترول والمعادن في المركزين السابع والثامن سعودياً. وجاءت جامعات الملك فيصل، والأمير سطام بن عبد العزيز، والقصيم، ضمن الشريحة من 701 إلى 800، وفي المراكز من التاسع إلى الحادي عشر محلياً.

واكتملت القائمة السعودية بجامعات جازان، والحدود الشمالية، وأم القرى، التي حلَّت ضمن الشريحة من 901 إلى ألف، وتقاسمت المراكز من الثاني عشر إلى الرابع عشر محلياً.

وشهد هذا العام حضور جامعة الحدود الشمالية في التصنيف، ليرتفع عدد الجامعات السعودية إلى 14 جامعة، وتتصدَّر من حيث عدد الجامعات الحاضرة في التصنيف قائمة الدول العربية، ودولاً إقليمية أخرى.

ويُعدّ تصنيف «شنغهاي» من أبرز المقاييس العالمية لتقييم أفضل ألف جامعة سنوياً؛ إذ يرتكز على معايير أكاديمية وبحثية صارمة، تشمل جودة التعليم، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، ونوعية المخرجات البحثية وحجمها، إضافة إلى تقييم الأداء الأكاديمي الشامل مقارنة بحجم المؤسسة. ومع ذلك، فهو لا يمنح الجامعات الواقعة داخل الشريحة نفسها ترتيباً فردياً، بل يعرضها أبجدياً؛ ولذلك لا يمكن تفضيل جامعة على أخرى داخل النطاق العالمي نفسه.

وأظهرت المقارنة مع نتائج 2025 تقدُّم جامعة الطائف من الشريحة 601–700 إلى 401–500، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من 901–1000 إلى 601–700، إلى جانب تقدُّم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن من 701–800 إلى 601–700، وانتقال جامعتَي الملك فيصل والقصيم من 801–900 إلى 701–800. وفي المقابل، انتقلت جامعة الملك سعود من الشريحة 101–150 إلى 151–200، مع احتفاظها بصدارة الجامعات السعودية.

وصدر تصنيف 2026 خلال الشهر الحالي، ويقيّم سنوياً أكثر من 2500 جامعة، قبل نشر أفضل ألف منها. وترتكز منهجيته على 6 مؤشرات تتصل أساساً بالأداء البحثي، وتشمل الفائزين بجوائز «نوبل» وميداليات «فيلدز» من الخريجين وأعضاء هيئة التدريس، وأعلى الباحثين استشهاداً، والأبحاث، إلى جانب الأداء الأكاديمي قياساً إلى حجم الهيئة التدريسية.


الرياض تطلق «الحي الرقمي» لتعزيز مكانتها مركزاً عالمياً للمواهب والابتكار

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

الرياض تطلق «الحي الرقمي» لتعزيز مكانتها مركزاً عالمياً للمواهب والابتكار

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

أعلن مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض، الخميس، إطلاق «الحي الرقمي بالرياض»، إحدى أهم مبادراتها الاستراتيجية الرامية إلى جذب الكفاءات التقنية العالمية، والجمع بين المواهب وريادة الأعمال، وبناء اقتصاد معرفي يعتمد على القيادة الرقمية والابتكار التقني، بما يعزز مكانة العاصمة مركزاً عالمياً للمواهب التقنية والإبداع الرقمي، ويضعها ضمن أفضل 10 مناطق تقنية في العالم، تحقيقاً لمستهدفات «رؤية السعودية 2030».

وقال المهندس إبراهيم السلطان، عضو مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي للهيئة، إن هذه المبادرة النوعية تحفّز على جعل الرياض وجهة عالمية للمواهب والشركات التقنية العالمية ولريادة الأعمال الرقمية، وتهدف إلى جعل المدينة ضمن أفضل 10 مناطق تقنية في العالم، موجهاً الشكر والامتنان إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير محمد بن سلمان، لدعمهما مشروعات الهيئة ورعايتهما لها.

وأضاف: «تعكس هذه الخطوة حرص القيادة الرشيدة ورعايتها للمضي بالعاصمة نحو آفاق قيادية عالميَّة في القطاعات المستقبلية الواعدة؛ تحقيقاً لمستهدفات (رؤية السعودية 2030) في بناء وتنمية اقتصاد متنوِّع ومزدهر يعتمد على القيادة الرقمية، والابتكار التقني، وتعزيزاً لدور المملكة في التحوُّل الرقمي، واحتضان المبادرات الرقمية المحفزة للإبداع، واستشراف المستقبل».

ويركز الحي على استقطاب الشركات والكفاءات التقنية المتخصِّصة في 6 مجالات أساسية، تشمل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والأمن السيبراني، والحوسبة والخدمات السحابية، وإنترنت الأشياء، وتقنية سلاسل الكتل، والروبوتات والطائرات من دون طيار. وتستحوذ هذه المجالات الستة على الحصة العظمى من إجمالي الاستثمارات العالمية في شركات الابتكار التقني، مما يؤكد أهميتها المحورية في دفع النمو والتطوُّر المستقبلي.

أطلق مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض مبادرة «الحي الرقمي بالرياض»؛ في خطوة تعزز مكانة العاصمة مركزاً عالمياً للمواهب التقنية والإبداع الرقمي، عبر استقطاب الكفاءات النوعية، وتمكين ريادة الأعمال، وبناء اقتصاد رقمي يمكّن الابتكار والقيادة الرقمية، بما يسهم في تحقيق مستهدف جعل الرياض ضمن أفضل 10 مناطق تقنية في العالم.

مفهوم تطويري للأحياء

يُعدّ «الحي الرقمي بالرياض» إحدى المبادرات التي تشرف عليها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ويقوم على مفهوم تطويري يركز على بناء بيئة أعمال رقمية متكاملة داخل المدينة، لاحتضان الشركات والمواهب والاستثمارات التقنية، وتنمية الاقتصاد الرقمي للعاصمة وتعزيز مكانتها، لتكون إحدى أفضل 10 مناطق تقنية في العالم.

ويمثِّل الحي، حسب تفاصيل المبادرة على موقع الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بيئة ممكِّنة تقنياً وتنظيمياً للشركات التقنية العالمية والإقليمية والشركات الناشئة، لتؤسس أعمالها في الرياض وتتوسَّع منها إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال مساحات مخصَّصة وقريبة من الشركات والمجتمعات التقنية، إلى جانب فرص للتعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص. وسيتوسَّع نطاق خدمات الدعم ويتطوَّر مع كل مرحلة من مراحل المبادرة.

ويسهم الحي في تطوير الكفاءات التقنية والرقمية، واستقطاب الاستثمارات، وإيجاد فرص عمل مستدامة تدعم الاقتصاد الرقمي لمدينة الرياض، من خلال مساعدة الشركات على بناء فرقها التقنية وتوسيع عملياتها في المدينة. كما يبني الحي مجتمعاً تقنياً نشطاً يجمع المؤسسين والمهندسين والباحثين والمستثمرين، عبر لقاءات وفعاليات مفتوحة تُنظَّم دورياً.