غبريال يمين لـ«الشرق الأوسط»: أتمنى أن أكون نجحت في قراءة رأس جبارة هذه المرة

يوقّع إخراج مسرحية «تحت رعاية زكور» من ضمن «4 لريمون»

مسرحية «4 لريمون» تحية تكريمية للراحل ريمون جبارة (مسرح «مونو»)
مسرحية «4 لريمون» تحية تكريمية للراحل ريمون جبارة (مسرح «مونو»)
TT

غبريال يمين لـ«الشرق الأوسط»: أتمنى أن أكون نجحت في قراءة رأس جبارة هذه المرة

مسرحية «4 لريمون» تحية تكريمية للراحل ريمون جبارة (مسرح «مونو»)
مسرحية «4 لريمون» تحية تكريمية للراحل ريمون جبارة (مسرح «مونو»)

ترك المسرحي الراحل ريمون جبارة بصمته على عالم الخشبة اللبنانية، فكان قلمه ساطعاً كما أسلوبه في الإخراج المسرحي. وشكّل جبارة مدرسة في مجال التمثيل وإجادته الكوميديا السوداء. كانت الخشبة امتداداً صادقاً لمعاناته من الفساد كأي لبناني آخر. كان باحثاً عن الصدق وأهله حتى اللحظة الأخيرة من حياته. استخدم جبارة الخشبة للتعبير عن هواجسه واعتمد الصراعات جوهراً لأعماله.

مضى على رحيل جبارة نحو 9 سنوات منذ عام 2015 حتى اليوم. لكن ذكراه بقيت نابضة في قلوب محبيه لا سيما الرعيل المسرحي الذي واكبه في مسيرته، ومن بين هؤلاء الممثل والمخرج والكاتب المسرحي غبريال يمين الذي حزن حزناً عميقاً على رحيل رفيق الدرب. وكان هاجسه الأكبر يكمن في كيفية إيصال فكر ريمون جبارة إلى الجيل الجديد.

غبريال يمّين خلال التمرينات على مسرحية «تحت رعاية زكور» (مسرح «مونو»)

فكّر يمّين في الأمر منذ سنوات طويلة، إلا أن إصابته بمرض السرطان أخّرته عن تحقيق حلمه هذا، وبعدها جاءت الجائحة وتوالت الأزمات على لبنان، مما زاد الأمر تعقيداً.

مؤخراً حزم يميّن أمره وقرر الانطلاق بحلمه حتى النهاية. ومن خلال تقديم استعادات لـ4 مسرحيات للراحل جبارة بدأ المشوار. وعلى هذا الأساس يستضيف «مسرح مونو» في بيروت وعلى مدى 4 أسابيع متتالية الأعمال الأربعة. وهي تتألف من «تحت رعاية زكور»، و«بيكنيك عخطوط التماس»، و«زردشت صار كلباً»، و«قندلفت يصعد إلى السماء».

ويتولى إخراج المسرحيات الأربع كل من غبريال يمين وجوليا قصار وأنطوان الأشقر ورفعت طربية. وابتداءً من 28 فبراير (شباط) لغاية 7 أبريل (نيسان) المقبل تجري عروض المسرحيات الأربع على أن يحمل كل أسبوع عرض واحدة منها.

وصف كثيرون فكرة غبريال يمين بتحية تكريمية لصديق عمره جبارة. ولكنه يبادر «الشرق الأوسط» بالقول: «لا أرى هذه العروض تكريماً له بقدر ما هي وسيلة لإيصال فكره المسرحي للجيل الجديد. فهم لا يملكون أي فكرة عن عَلَمٍ من أعلام لبنان المسرحيين. وهو أمر لا يجوز التغاضي عنه ولا الاستخفاف به. فريمون رجل مسرحي لن يتكرر، ورغبتُ في أن تبقى ذكراه حيّة ليس فقط من قِبَل مَن عرفه. ولتكون هذه الذكرى فعالة، كان لا بد من تحقيقها على الأرض وليس في كتب وأطروحات».

طلاب معهد التمثيل في الجامعة اللبنانية يشاركون فيها (مسرح «مونو»)

اختيار يمين 4 مسرحيات من مشوار الراحل ريمون جبارة، جاء على قاعدة معينة؛ «أردت تقديم عملين من مسرحه القديم الذي لم أواكبه، مقابل آخرَين شاركت بهما. ومن هنا وُلدت فكرة أسماء المسرحيات الأربع. هناك أعمال مسرحية كثيرة قدمها جبارة في مشواره. وكنت أنوي أن تكون «دكر النحل» واحدة منها. ولكنّ المخرج والممثل رفعت طربية فضّل استبدال «قندلفت يصعد إلى السماء» بها. فطربية يتذكرها جيداً، ويعرفها عن كثب، لذلك سيتولى إخراجها وعرضها على خشبة مونو».

يقول يمين إنه بحث كثيراً عمّن يستطيع أن يرافقه في هذا المشروع؛ «وبالفعل توفقت بعدد منهم وبينهم جوليا قصار وطوني الأشقر ورفعت طربية. فهم تعرفوا إلى جبارة عن قرب وواكبوه في محطات من مسيرته».

يتعاون يمين مع مجموعة من ممثلين شباب لم يسبق لهم أن عرفوا جبارة. فكيف استطاع أن يقرّبهم من فكر وأسلوب جباره المسرحي؟ يرد لـ«الشرق الأوسط»: «في الصفوف الجامعية التي أعلّم فيها، لطالما تحدثت عن بصمات جبارة على المسرح. وبما أن هدفي الأول والأخير من هذا المشروع تقريب المسافات بين زمنين وجيلين اعتمدت البساطة والخبرة المباشرة على الأرض. وحالياً، أكتشف معهم (تحت رعاية زكور). فهي من أعمال جبارة القديمة التي لم أشاهدها أو أشارك فيها. لم يكن من الصعب عليّ اكتشافها خصوصاً، أنني استعنت بالرعيل القديم للمسرح أمثال كميل سلامة لأستعيد خطوطها كما يجب».

ولماذا لا يشارك سلامة في أحد الأعمال الأربعة لا سيما أنه يشكل مدماكاً أساسياً في بعض منها؟ يرد: «لأنه مع الأسف له ارتباطات أخرى لم تسمح له بذلك وسيكون خلال العروض في باريس».

التحية بمثابة تعريف جيل الشباب على فكر ريمون جبارة المسرحي (مسرح «مونو»)

عندما نفكر في استعادة 4 عروض مسرحية سبق وقُدمت في زمان ومكان مختلفين، لا بد من طرح السؤال، عمّا إذا كانت هذه المسرحيات ستُحدّث بنسخاتها الجديدة.

في رأي غبريال يمين إن لكل مسرحي طريقته وأسلوبه في تناول عمل ما. ويمكن للاختلاف أن يكون حاضراً، خصوصاً في عملية الإخراج.

لكنه تمسك بنُسخ ريمون جبارة كما هي من دون زيادة أو نقصان. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «اجتمعت ورفاقي في هذا المشروع، وتحدثنا حول هذا الأمر. وكان اتفاقنا بالإجماع على نقل العمل كما هو وعلى طريقة جبارة. فهدفنا الأساسي تعريف جيل الشباب على أسلوبه وفكره المسرحي. ورغبنا في أن نكون مخلصين له إلى آخر حد فننقلها بنزاهة. وأحجمنا عن التصرف في المسرحيات منفّذين رغبة الراحل ريمون جبارة فيما لو كان لا يزال حاضراً بيننا».

مسرحية «تحت رعاية زكور» يُخرجها غبريال يمين ويستهلّ معها موسم جبارة للمسرح «4 لريمون» في 28 فبراير الحالي. وتشارك باقة من الممثلين ومن بينهم طلاب معهد التمثيل في الجامعة اللبنانية، فيجتمع فيها كل من ماريا الدويهي ورانيا مروة وطارق يعقوب وعامر فياض وجو رميا ووسيم ريدان ومابيل طوق وغيرهم. كما يطلّ فيها الممثل كارلوس عازار، ضيف شرف في أول تجربة مسرحية له. ويشاركه في هذه الإطلالة كل من طارق تميم وجورج دياب.

أما موضوع المسرحية، كما يذكره البيان الموزّع من «مسرح مونو»، فيدور حول افتتاح مسرحية برعاية إحدى الشخصيات اللبنانية المعروفة «زكور بيك». ويطرح خلالها مؤلفها جدلية مثيرة متناولاً مواضيع قديمة من عمر أهل الكهف. فهي لطالما كانت تشكّل عبئاً عليه وتُحدث عبقة على قلبه، ومن بينها تلك المتعلقة بإبراهيم وإسحاق وهاملت وغيرهم.

«تحت رعاية زكور» تفتتح موسم «4 لريمون» على مسرح مونو (مسرح «مونو»)

كان الراحل ريمون جبارة يردّد دائماً أنه عمل في الفن لأنه لا يجيد غيره، وأن شخصين فقط يستطيعان قراءة خطه وهما غبريال يمين وعقل العويط. ويعلق يمين: «لقد كنت محظوظاً لامتلاكي هذه الموهبة تجاهه. واليوم ريمون رحل وأتمنى أن أكون قد عرفت قراءة ما يدور في رأسه».

يقول يمين إنه يتخيل جبارة دائماً حاضراً في التمرينات الخاصة بالمسرحيات الأربع: «أحياناً أسمع صوته وأشعر كأنه يجلس بقربي. وفي إحدى المرات عندما دخلت المسرح أتفرج على تمرينات الممثلين لـ(بيكنيك عخطوط التماس) خرجت فوراً. لم أستطع أن أتمالك نفسي، تذكرته وتأثرت كثيراً وسمعت ضحكته. ومخرجة العمل جوليا قصار أصابها الأمر نفسه تأثراً».

ويقول يمين لـ«الشرق الأوسط»: «كل ما أرغب به من هذه العروض هو أن أعيد إحياء ذكرى ريمون جبارة عند جيل الشباب. أردت أن يكرّم بأعماله على أرض الواقع، فتكون هناك استمرارية وامتداد لفكره المسرحي». وعن إمكانية تقديم مجموعة أعمال أخرى لجبارة في موسم آخر يرد: «بالطبع سأتمسك بهذه الاستعدادات وإلا كيف سيتعرف إليه شباب اليوم؟».


مقالات ذات صلة

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الإعلامي أحمد المسلماني خلال إلقاء كلمته (الهيئة الوطنية للإعلام)

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، أحمد المسلماني، إن تأسيس فرقة «ماسبيرو المسرحية» يهدف إلى إطلاق نهضة مسرحية بالتعاون مع مؤسسات وزارتي الثقافة والشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح.

«الشرق الأوسط» (لندن)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».