بعد اكتساحه جوائز «إيمي»... هل يستحق Succession اهتمام المُشاهد العربي؟

عُرض مسلسل Succession الأميركي بمواسمه الـ4 ما بين عامَي 2018 و2023 (HBO)
عُرض مسلسل Succession الأميركي بمواسمه الـ4 ما بين عامَي 2018 و2023 (HBO)
TT

بعد اكتساحه جوائز «إيمي»... هل يستحق Succession اهتمام المُشاهد العربي؟

عُرض مسلسل Succession الأميركي بمواسمه الـ4 ما بين عامَي 2018 و2023 (HBO)
عُرض مسلسل Succession الأميركي بمواسمه الـ4 ما بين عامَي 2018 و2023 (HBO)

ما هذا المسلسل الذي يحلف النقّاد والجمهور باسمِه، الذي حصدَ عشرات الجوائز العالمية من بينها 19 «إيمي» و9 «غولدن غلوب»؟ لماذا يحضر اسم «Succession» (الخِلافة) فوراً، كلّما سأل المُشاهد من حوله عن عملٍ تلفزيونيّ يستحقّ وقتَه؟ وبعد، لماذا صُنّفت رباعيّة الكاتب البريطاني جيسي أرمسترونغ كأحد أهمّ المسلسلات في تاريخ الدراما التلفزيونية؟

داخل العائلة السامّة

تدور الحكاية حول «لوغان روي» وأولاده الأربعة، أصحاب «وايستار رويكو»، أضخم مجموعة إعلامية وترفيهية في الولايات المتحدة الأميركية، وحول صراع الأبناء على إرث الوالد بعد أن تتدهور صحّته.

لكن ليس هذا كل ما في الأمر، فالقصة التي عُرضت وما زالت على منصة HBO، متعدّدةُ الأبعاد وتتفرّع عنها ثيماتٌ كثيرة ومعقّدة؛ من العلاقات العائلية الملتبسة، إلى السلطة والمال، وصولاً إلى التشعّبات النفسية، وليس انتهاءً بالسياسة والإعلام.

أبطال مسلسل Succession، لوغان روي وأولاده الأربعة (HBO)

Succession هو من دون شكّ مسلسل عن العائلة، لكنه ليس حتماً عن العائلة بصيغتها المتعارف عليها. أمام حلقاته الـ39، يكتشف المُشاهد إلى أي درجة يمكن للروابط العائلية أن تكون سامّة. على امتداد المسلسل، يتسابق أولاد «الإمبراطور لوغان» على عرش أبيهم وعلى قلبِه. لكنّ ذاك القلب ليس مريضاً فحسب، بل هو الأقسى على الإطلاق؛ فغالباً ما يتساءل المتفرّج ما إذا كان هذا الأب يحمل ولو قليلاً من الحب لأبنائه.

إنه الوالد الديكتاتور الذي لم يورث «كيندال»، و«شيف»، و«رومان»، و«كونور» عزاً ومالاً، بقدر ما أورثَهم عقداً نفسيةً عميقة. كمَن يسير في ظلّ طاغية، تتحرّك شخصيات الأولاد. لكن رغم تحطيم الوالد لطموحهم، وإشعارهم الدائم بالفشل، والتفضيل المزاجيّ فيما بينهم، فإنّ هذا لا يثنيهم عن السعي للوصول، وإن اضطرّوا إلى زرع الخناجر في ظهور بعضهم بعضاً.

الإخوة روي والصراع الدائم على عرش الوالد (HBO)

بطاقة عبور إلى القصور التعيسة

من بين عناصر تَميُّز Succession أنه يقول الأمور كما هي ولا يوارب. يشكّل هذا الأسلوب المباشر ورقةً رابحة بالنسبة إلى المسلسل، وهو يتحصّن بنصٍ ذكيّ ولاذع، وبلهجةٍ تهكّمية ساخرة لا تخلو من الكوميديا السوداء. لكن في المقابل، قد تنحو اللغة العنيفة باتّجاه الشتيمة الكفيلة ببَتر الروابط العائلية. فحتى العواطف الأبويّة يعبّر عنها لوغان بالشتائم، وكذلك الأمر عندما يتبادل الإخوة المزاح.

أبعد من النص الحادّ، لعلّ أبرز أسباب نجاح المسلسل وجماهيريّته، أنه يأخذ مُشاهديه إلى المقلب الآخر من عالم المال والسلطة، ليكتشفوا التصدّعات النفسية والتعاسة المختبئة خلف الثراء. ففيما تراقب عينٌ القصور واليخوت والشركات العملاقة، تُبصر العين الأخرى النفوس المحطّمة، وعقَد النقص لدى أصحاب المال.

تتّسم متابعة يوميات عائلة «روي»، المتأرجحة بين الجاه والأسى، بكثيرٍ من الجاذبية. صحيحٌ أن الشخصيات بغيضة وتسكنها الضغينة والوصولية، إلا أنه من الصعب مقاومة التعلّق بها. ثمّة ما هو آسرٌ ومُرضٍ في التلصّص على أشخاصٍ يبدو وكأنّهم يملكون كل شيء، إلا أنهم في الواقع لا يملكون شيئاً.

هم الأغنياء التعساء، والأقوياء التائهون. يتحصّنون بطائرات خاصة وبسيارات فارهة وبملابس باهظة، فيما حياتهم مجرّدة من أي معنى أو أخلاقيات أو مشاعر إنسانية صافية. كلّها شخصياتٌ مثيرة للإعجاب والشفقة في آنٍ معاً. لكن مهما بلغت التراجيديا ذروتها، فإنّ ما يميّز Succession كذلك هي تلك المساحة الدائمة للخفّة والابتسامة.

شيف روي تتوسط والدها وزوجها في حفل زفافها (HBO)

تقمّص آسر للشخصيات

حصدَ ممثّلو Succession جوائز عدّة، تكريماً لأدائهم الاستثنائي الذي طبعه الكثير من الارتجال المحترف. كبيرُهم الفنان الأسكوتلندي براين كوكس، بدور لوغان روي، الذي قدّم شخصيةً أبويّة توحي لوهلةٍ بأنها طالعة من مسرحية شكسبيريّة. يزرع الفتنة بين أولاده ليبقى في الريادة، متمسّكاً برئاسة مجلس إدارة «وايستار» حتى النفس الأخير. يوهمُ أحدَهم بالعطف والثقة، ليعود ويصفعه بفائضٍ من الأذى.

أكثر الصفعات إيلاماً يتلقّاها كيندال، الموعود بالمنصب والمنقلب فجأةً على والده في إحدى أبرز انعطافات الحبكة الدرامية. تضاعفت شعبية الممثل الأميركي جيرمي سترونغ بعد الدور الذي قدّمه، إذ شكّل كيندال إحدى أقرب الشخصيات إلى قلوب المشاهدين، نظراً لهشاشته. هو المدمن التائب، والوالد المهمِل، ورجل الأعمال التائه بين إرث أبيه وطموحاته التكنولوجية وتلك الموسيقية. ولعلّ قبّعات البيسبول التي ينسّقها مع بزّاته الرسمية خيرُ تعبيرٍ عن ذاك الضياع.

شيف، الأخت الوحيدة بين 3 شبّان، أكثر تشدُّداً من شقيقها عندما يتعلّق الأمر بأناقة بزّاتها الرسمية التي لا تبارحها. هي امرأةٌ تصارع وحيدةً وسط مجتمع ذكوريّ، لكنها سرعان ما تدخل في لعبة الرجال، فتتقن فنّ الأذيّة كوالدها، وتحترف التسلّق كإخوتها، لا بل تسبقهم. تقمّصت الممثلة الأسترالية ساره سنوك شخصية شيف، فجعلت منها قضيّتها على مدى 5 سنوات من تصوير المسلسل وعرضه (2018 – 2023). وفي طليعة مَن يتلقّى الضربات والخيبات من شيف، زوجها طوم (ماثيو ماك فايدن) الذي يستأسر بالأحداث في الموسم الرابع والأخير من المسلسل.

الممثلة الأسترالية ساره سنوك بدور شيف روي (HBO)

أما الشقيق الأصغر رومان فيؤدّي دوره الممثل الأميركي كيران كالكن، الحاصل مؤخراً على جائزة «إيمي». يأخذ كالكن الكثير من طِباعه الحقيقية إلى مواقع التصوير، فيتجلّى ذلك ارتجالاً، وشغباً، ومزاحاً من العيار الثقيل. لكن خلف شخصية المهرّج الساخر صاحب اللسان السليط، يحتفظ رومان بالحصّة الأكبر من العقد النفسية، لا سيّما تلك المرتبطة بالعلاقات العاطفية والجنسية، وبالثقة بالنفس، وبالهروب من المسؤوليات.

الممثل الأميركي كيران كالكن بدور الأخ الأصغر رومان روي (HBO)

تبقى شخصية الأخ الأكبر غير الشقيق، التي يؤدّيها الممثل الأميركي آلان راك. يقف كونور على الهامش ولا يسعى إلى السلطة كما أشقّائه، فنُصبَ عينَيه عرشٌ من نوعٍ آخر هو رئاسة الجمهورية الأميركية.

وحدَه ما يجمع بين الإخوة روي، رعبُهم الشديد من والدهم، وفشلُهم في الانتقال من المراهقة إلى النُضج. كل ما بين هؤلاء حربٌ ضروس على السلطة، تُطيح بالروابط العائلية، وتكاد أن تقضي على الإرث.

آلان راك بدور كونور الأخ غير الشقيق الطامح إلى الرئاسة الأميركية (HBO)

أسباب إضافية لمشاهدة Succession

تغيب عن Succession عناصر التشويق والإثارة المتعارف عليها؛ لا جرائم فيه ولا محاولات اغتيال ولا مطاردات. لكنّ ذلك لا يُفقد العملَ شيئاً من سطوته التلفزيونية، فالوحوش هنا ليسوا خياليّين، بل على هيئة بشرٍ حقيقيين، وصراع العروش فيه على درجة عالية من الصدق والواقعية. أما انعطافات الحبكة فأشبهُ بلعبة شطرنج، بطيئة إنما صادمة.

محبّو الدراما النفسية العميقة والنصوص اللمّاحة والحكايات العائلية العارية من أي تجميلٍ ولفٍّ ودوَران، سيجدون حتماً ضالّتهم في Succession. جرى تشبيه المسلسل بكثيرٍ من الأعمال المتمحورة حول العائلات الثرية والسياسة، مثل «The Sopranos»، و«Mad Men»، و«House of Cards»، و«White Lotus»، إلّا أن Succession غرّد وحيداً خارج هذا السرب، وعرف كيف ينسحب من الشاشة، تاركاً خلفه أثَراً تلفزيونياً سيكون من الصعب خلافتُه.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

بعد غياب طويل، يعود طارق الدسوقي بعمل درامي يعكس صراعات إنسانية معقدة، ويكشف تحولات الصناعة الفنية بين الماضي الأكثر انضباطاً والحاضر المتغير.

مصطفى ياسين (القاهرة)
يوميات الشرق ياسر السقاف يحاور أحمد حلمي في جامعة عفت (الشرق الأوسط)

أحمد حلمي: الموهبة وحدها لا تكفي... والاستمرار هو التحدّي الحقيقي

لا يخلو حديث أحمد حلمي من الصدمات، إذ يكشف أنّ أكبر موقف واجهه لم يكن في الفنّ...

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول مشاركة له.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)

رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

تشارك الممثلة رهف عبد الله في مسلسل «سر وقدر» بشخصية امرأة تبدأ من الضعف لتصل إلى القوة، حاملة رسالة تؤكِّد أن الثقة بالنفس قادرة على تغيير المصير.

فيفيان حداد (بيروت)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.