طوني خليفة مقيّماً عاماً على «المشهد»: اشتعال المنطقة غيَّر المعادلات

يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه جرَّ ملعبه إلى مشروعه الأكبر

طوني خليفة يقيّم عاماً على انطلاق القناة ومنصّاتها (المشهد)
طوني خليفة يقيّم عاماً على انطلاق القناة ومنصّاتها (المشهد)
TT

طوني خليفة مقيّماً عاماً على «المشهد»: اشتعال المنطقة غيَّر المعادلات

طوني خليفة يقيّم عاماً على انطلاق القناة ومنصّاتها (المشهد)
طوني خليفة يقيّم عاماً على انطلاق القناة ومنصّاتها (المشهد)

يتراءى شيءٌ من تطابُق بيت شعر المتنبي «مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ» مع مرور عام على ولادة فضائية «المشهد» من دبي. يوافق مديرها العام الإعلامي اللبناني طوني خليفة على أنّ اشتعال المنطقة ثبّت حضور المحطة بين زميلاتها المُنافِسات، ويعود بالتاريخ مستعيداً تفوّق مؤسّسات إعلامية ضخمة اشتدّت الأزمات لتؤكد مكانتها. عامٌ على انطلاق القناة، فيجيب خليفة على أسئلة «الشرق الأوسط» عما تحقّق ولم يتحقّق.

الجمهور يدرك المزايا حين يجيد الإعلام دوره (المشهد)

لكان على القناة مضاعفة الجهد لفرض موقع في المنافسة، لو أنّ السكينة تعمّ، فلا اشتعالات تُحتّم التغطية المستمرة، ولا أخبار عاجلة تشترط مطاردتها. يقول مُراكِم نحو 3 عقود أمام أضواء الشاشات: «وُلد الإعلام لمواكبة النار. هذا واقع مؤسف، لكنه حقيقي. من الصعب إبراز القدرات في جوّ هادئ وأعصاب باردة. الجمهور يدرك مزاياك حين تُحشَر في الزاوية وتجيد دورك تحت الضغط».

يُذكّر بشعار «المشهد معنا يكتمل»، ويتابع: «نستضيفُ الجميع، وعلى الجمهور اختيار وجهة النظر الأقرب إليه. لكلٍّ زاوية من الحكاية، يرويها للرأي العام، فيحدّد موقفه منها». بالنسبة إلى خليفة، «ليست القناة الأكبر على مستوى الفريق والميزانية، لكنها حجزت مكانها في المنافسة، وباتت تُنتَظر».

التحسين مطلوب للتقدُّم والاستمرار (المشهد)

أُخذ على المحطة افتقارها للهوية، فبعضٌ يتوه ما بين وصفها بالقناة الإخبارية وما بين عدِّها قناة منوّعات، فيوضح: «على الطريقة اللبنانية، هي الاثنان. لسنا نعاني ضياع الهوية. فكما المحطات اللبنانية تتجنّد للتغطية وتصبح إخبارية في الأزمات، كذلك (المشهد). نتحوّل خبراً عاجلاً حين تتوجّه الأنظار إلى حدث يفرض متابعته وتجنيد الفريق لنقله بالكامل. وأمام الهدوء النسبي وبعض الاستقرار، نوجّه المحتوى ليكون منوّعاً، فيحاكي الشباب وهواجس العصر السريع».

يُشبّه ذلك بسيارة «هايبرد»، تُدار تارة بالوقود وأخرى بالكهرباء؛ ويرى أنّ «المسألة دارجة في لبنان، وبنسبة أقل عربياً، فالشارع العربي لم يعتد تماماً تبدُّل الثوب وفق المناخ الخارجي».

لا مفرّ من سؤال عن التعثّر والارتباك. يجيب أنّ «المشهد» أخطأت وتعلّمت من أخطائها. وقعت ثم أعادت لملمة نفسها. يشبّهها بطفل يحبو: «سيتعثّر قبل أن يجيد المشي. وحين يُمكّن قدمَيْه، يصبح عدّاءً ويحجز مكانه في السباقات». مِن اعترافه بأنّ ذلك الطفل لن يركض لمجرّد ولادته، يقول: «حين لم يكن الديكور مناسباً، غيّرناه على الهواء. وعلى الهواء أيضاً تغيّر مذيعون، ومفاهيم (كونسبت)، وغرافيكس. التحسين مطلوب. الأهم هي القناعة بأنّ ثمة أخطاء تُرتَكب وينبغي تصحيحها. فرضُ الخطأ على المُشاهد مرفوض».

يرفض طوني خليفة افتقار القناة للهوية (المشهد)

يشدّد على أنه يصغي للنقد ويأخذه في الحسبان: «أمام الثغرات، نعقد اجتماعات ونصوِّب. لمجرّد الاقتناع بأنّ الأمور لا تبلغ الذروة منذ المحاولة الأولى، تصبح النتيجة أفضل».

أي عقبات اعترضت «المشهد» في عامها الأول، وبأي تحدّيات تواجه عامها الثاني؟ يعود مجدداً إلى مسألة الهوية: «شكّل إثباتها التحدّي الأول والعرقلة الأولى أيضاً. لكنّ الرأي العام العربي بدأ يتقبّل. إشكالية التحدّيات تتصل بما يجري حولنا. قبل انطلاق القناة، وضعنا استراتيجية للسنوات الثلاث المقبلة. تزاحُم الأحداث والتهاب المنطقة، جعلانا نتخطاها بعام فقط. اليوم، نضع أخرى. واقع المنطقة يُكبِّر المسؤولية ويُغيّر المعادلات. الرهان هو الاستمرار والتقدُّم، وسط ظرف أشدّ صعوبة تشترط مواكبته جهوداً أكبر. عموماً، إنني ممَن لا ينجحون كلياً إلا تحت الضغط».

القناة أخطأت وتعلّمت من أخطائها (المشهد)

اعتاد الإعلامي اللبناني خلْق أفكار وخطط ورؤى إعلامية لما يخصّه شخصياً لتطوير برامجه بين لبنان والأردن ومصر. للمرة الأولى، يقود قناة عربية، جمهورها لا يقتصر على المحلّي. «التجربة مضنية»، يقول. ولكن، هل كان تقديم البرامج ملعبه، فانتقل إلى ملعب آخر قلَّص إتاحة تسديد الأهداف؟ يردّ: «لا، بل أتيتُ بملعبي معي، ووظّفتُ 30 عاماً من الخبرة الإعلامية في خدمة مشروعي الأكبر. حين بدأتُ، لم أعرف أنواع الكاميرات، ولا كيفية تشغيلها. تعلّمتُ وأثبتُ نفسي في عالم لم أعلم عنه شيئاً. اليوم، تضعنا التكنولوجيا، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهندسة الاتصالات أمام رؤية مغايرة للبناء والتأسيس. كان تحدّي ولادة (المشهد) أشبه بـ(ضرب جنون). لم أُعيَّن مديراً على مؤسّسة جاهزة، بل بدأتُ من الصفر. عملتُ في البلاط والإضاءة والشبابيك و(الماكيت)، وساعدتُ في انتقاء الكاميرات. حين انطلقنا، شعرتُ أنني متعَب وأشاء الاستراحة. ثم تبيّن لي أنّ الاستمرار هو ما ينبغي فعله فقط».

تضعنا التكنولوجيا، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهندسة الاتصالات أمام رؤية مغايرة للبناء والتأسيس. كان تحدّي ولادة «المشهد» أشبه بـ«ضرب جنون»

الإعلامي اللبناني طوني خليفة

برامجه في مصر توجّهت إلى المصريين، فنجحت. وبرامجه في لبنان، خاطبت اللبنانيين، فشكّلت حالة، وإنْ اعترى النقد جانباً منها. عبر «المشهد»، يقدّم «توتّر عالي»، ويتداور على تقديم «استوديو العرب». جمهورهما أشمل، ومفهوم نجاحهما مختلف. يعلم طوني خليفة أنّ العصر يفرض صناعة «الترند»، وتصدُّر اهتمام متابعي المنصّات. تشغله هواجس الجيل الجديد، ويخصّص لها برامج. إنما يصرُّ على المخضرمين: «لئلا تغدو المحطة شيئاً من (تيك توك). الإعلاميون الكبار يمنحون الصدقية. أُنتج للشاشة على طريقة مواقع التواصل، لكنني أحرص على الضوابط».

تؤلمه خسارة الكاتب السعودي هاني نقشبندي، ويصنّفها «شخصيةً ومهنية»: «راهنتُ على الإضافة التي سيشكّلها. إيجاد البديل في حالته صعب جداً».


مقالات ذات صلة

الدوريان الإنجليزي والاسكوتلندي يتحركان لوقف البث غير القانوني للمباريات في روسيا

رياضة عالمية الدوري الإنجليزي لكرة القدم (البريميرليغ)

الدوريان الإنجليزي والاسكوتلندي يتحركان لوقف البث غير القانوني للمباريات في روسيا

بدأت رابطة دوري كرة القدم الإنجليزية ورابطة الدوري الاسكوتلندي للمحترفين تحقيقات، وتدرسان اتخاذ إجراءات قانونية، بعد اكتشاف بث مباريات من مسابقاتهما في روسيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
إعلام عمرو الليثي: عصر التلفزيون التقليدي انتهى

عمرو الليثي: عصر التلفزيون التقليدي انتهى

بعد نصف قرن من تأسيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي»، يرى رئيسه الدكتور عمرو الليثي أن التحدّي لم يعد في استمرار مؤسسة إعلامية تجمع هيئات..

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق «ماسبيرو» يتجه للتطوير بدعم الدولة (الهيئة الوطنية للإعلام)

مصر لتسوية مديونيات «ماسبيرو» المتراكمة

في إطار دعم تطوير التلفزيون الرسمي المصري، بحث وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام، آليات تسوية مديونيات «ماسبيرو» المتراكمة.

داليا ماهر (القاهرة )
خاص الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

خاص محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، يعود الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي إلى مسيرةٍ فنية اتّسمت بالتحوّلات؛ من الكوميديا، إلى الدراما، مروراً بالأكشن والجريمة.

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق تغيّرت وظيفة المسرح لليلة واحدة... من رواية حكايات الآخرين إلى إنصاف أصحابه (المونو)

أولى «جوائز المونو»... تحية للمسرح واختبار للمستقبل

انتهت الدورة الأولى وقد أسَّست «جوائز المونو» لِما يتجاوز الليلة الناجحة، وهو أن يصبح وجودها ضرورياً...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)

كشفت دراسة أميركية عن أن تطبيق «تيك توك» لعرض مقاطع الفيديو يُسهم في تشكيل شهية المراهقين.

وحسب الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية «Journal of Nutrition Education and Behavior»، المتخصصة في التغذية والعلوم السلوكية، فقد لُوحظ أن مشاهدة مقاطع الفيديو على «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين وتثير اهتمامهم من أجل تجربة أنواع جديدة من المأكولات.

وذكرت الباحثة من جامعة مينيسوتا، أدريانا بيل، أن «المراهقين يصفون (تيك توك) باعتباره بيئة جاذبة للغاية حيث تستحوذ مقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات على اهتمامهم بسرعة، وتثير رغبتهم في تجربة أصناف جديدة من الأطعمة»، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتؤكد الدراسة أن الآباء يمكنهم توفير الحماية للمراهقين من مخاطر هذه التطبيقات عن طريق متابعة المحتوى الذي يشاهده الأبناء، ومدى تأثير هذا المحتوى على سلوكياتهم.

وشملت الدراسة مجموعة من المتطوعين في سن المراهقة، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و16 عاماً من إحدى المدارس الثانوية من الغرب الأوسط الأميركي. وكشف المتطوعون في التجربة عن أنهم يشاهدون عدداً كبيراً من المقاطع التي تتناول تقييمات للمطاعم ووصفات للمأكولات، فضلاً عن نصائح وإعلانات بشأن الوجبات اليومية، وأكدوا أن هذه المقاطع تثير شهيتهم نحو تناول بعض الأطعمة والمأكولات.

وبالنسبة إلى المؤثرين على شبكة الإنترنت، ذكر بعض المراهقين في التجربة أنهم قد يرغبون في تناول بعض الأطعمة إذا كان المؤثر الذي يعرضها على الإنترنت يتسم بمظهر جيد.

ونقل الموقع الإلكتروني «هيلث داي»، المتخصص في الأبحاث الطبية، عن الباحثة أدريانا بيل قولها إن «الآباء يلعبون دوراً مهماً في منع التعرض لمقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات، وفتح نقاشات نقدية مع الأبناء بشأن هذا المحتوى».


رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
TT

رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)

رحل سليمان منصور عن 79 عاماً من حبِّ فلسطين وسَردِ حكايتها ألواناً وخطوطاً ووجوهاً. وُلدَ والنكبة بفارق سنة، هو يكبرها ببضعة أشهر. وكأنَّه أتى إلى الدنيا في تلك اللحظة تحديداً، كي يوثّق أحمال البلاد وجراحَها الكثيرة وذاكرتَها المعرّضة للتشويه والطمس.

قبل شهرٍ من موعد الرحيل، كان الرسام والفنان التشكيليّ يحتفل بعيد ميلاده. قال لمتابعيه الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه كلّما أطفأَ شمعةً شعر بأنه صغُرَ سنة. كان يحاول ممازحة المرض وتأجيل الموت؛ لأنه ومن قلب تعبِه كان يشدُّ على الريشة ويعزّ عليه أن تفلتَ منه.

خلال أيامه الأخيرة، كان لا يزال ينشر لوحاتٍ من أرشيفه على «إنستغرام». ثم تدهورت حالته الصحية ما دفع بابنه إلى التمنّي على مُحبّيه أن يذكروه في صلواتهم، قبل أن يعلن خبر الوفاة ناعياً والده بالقول إنه «ترك خلفه حياةً ملؤها الجمال، وإرثاً محفوراً في ذاكرة كل من عرف فنَّه».

أمضى سليمان منصور العمر وهو يرسم فلسطين حتى النفس الأخير (إنستغرام الفنان)

وُلد سليمان منصور في بيرزيت - فلسطين صيف 1947. أمضى جزءاً من طفولته وشبابه في الريف الفلسطيني مع أمّه التي تولّت الاعتناء به وبإخوته، بعد وفاة والده وهو في الرابعة من عمره. تأثّر بألوان الأرض، وبأيادي الفلّاحين. لعب بين أشجار الزيتون وتنشّق زهر الليمون. وبعد أن اكتنزت حواسُّه بطبيعة فلسطين، بدأ يسكبها على الورق.

في حوارٍ مع «الشرق الأوسط» سبق رحيله بسنتَين، استذكرَ كيف أن الأهل والجيران ظنّوا بدايةً أنه مجرّد طفلٍ يلهو بالأقلام والأوراق، إلى أن فاز بمسابقة رسم نظَّمتها الأمم المتحدة وهو في الـ13 من العمر.

بعثت ألوان سليمان منصور مزيداً من الحياة في صور أرض فلسطين (إنستغرام الفنان)

كَبُر سليمان منصور ليفهم أن حكاية فلسطين لا تُختصَر بأشجار الزيتون والليمون، وبمَشاهد حصاد القمح، وبالفساتين المطرّزة بخيطان الفرح. أيقنَ الشاب أنه آتٍ من أرضٍ مثقلة بالدم والظلم، أرضٍ كلّما زُرعت فيها غرسةُ حياة جاءت آلة القتل الإسرائيلية لتقتلعها.

من دون أن يتوقّف عن توثيق جمال الأرض، بدأ سليمان منصور يروي فصلاً جديداً من تاريخ فلسطين؛ فصل الثورة والكرامة والتمسّك بالجذور. ورغم قسوةِ الفصول التي توالت على البلاد، لم يغرق الفنان يوماً في السواد، ولم يبدّل الرقّة بالقسوة. «أردتُ رسمَ فلسطين بأسلوب رومانسي، ومن دون شوائب»، هكذا شرح خياره الفني لـ«الشرق الأوسط». صار منصور أحد روّاد الرمزيّة الواقعيّة بلوحاته التي تعكس مفهوم الصمود الفلسطيني.

رغم ظروف فلسطين الحالكة لطالما لمع الأمل من لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

من بين اللوحات، جاءت واحدةٌ لتشكِّل علامة فارقة ونقطة تحوّل في مسيرته. كان سليمان منصور في الـ26 يومَ رسم «جمل المحامل». مع تلك اللوحة التي تجسّد مسنّاً يحمل القدس والمسجد الأقصى على ظهره، دخل منصور كل بيتٍ فلسطينيّ حول العالم. كرّسه ذلك العمل أحد أبرز سفراء الفن الفلسطيني.

كان يعزّ على منصور أن العمر انقضى والفلسطينيّ ما زال يحمل مآسيه على كتفَيه ويجوب بها العالم. هو الذي واكبَ كل حقبةٍ من المأساة، لم يتصوَّر أن تبلغ الوحشيّة ذروتها وأن تمرّ من دون عقاب في زمن الإعلام العصريّ والتواصل الحديث. «كل فلسطيني يعرف أن الحركة الصهيونية ستسعى إلى طرده من أرضه عندما تحين الفرصة، لكني لم أتصوَّر أن تكون عملية الطرد بهذه الوحشيَّة. ظننتُ أن عصر النكبة قد ولَّى، وأن وسائل التواصل ستحمينا ولو قليلاً، لكني كنت على خطأ»، هكذا علَّق على حرب غزّة والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الغزيين.

أعاد تاريخ الحقد الإسرائيلي نفسه في لوحات سليمان منصور من النكبة إلى مجازر غزة (إنستغرام الفنان)

جال سليمان منصور بفنِّه قارات العالم. فتحت له كبرى العواصم أبواب معارضها. حاضرَ في الرسم والتشكيل ولم يبخل بخبرته وموهبته على الأجيال الصاعدة. لكنه لم يرسم يوماً سوى فلسطين. هو ريشة فلسطين التي جمعت بين الرقّة والثورة، وصنعت معجزة الفرح رغم الأحزان المتكدِّسة عبر الأجيال. كانت للرسّام الفلسطيني اليدُ الطولى في الحفاظ على هوية بلاده وتعريف الشعوب بها.

لوحة سليمان منصور هي ابنةُ أرضها. تستعين بعناصرها الطبيعية وبرموزها بوصفها موادَّ أولية ومصادرَ وحي، فتأتي النتيجة محاكاةً للإرث الفلسطيني تاريخاً وجغرافيا.

لوحة «قطاف الزيتون» من عام 1990 بريشة سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

عام 1980، وتعبيراً عن الصمود والاكتفاء بخيرات الأرض، رسمَ سليمان منصور لوحة «إفطار فلسطيني»، وهي مائدة عليها خبز الطابون والطماطم والبصل والزيتون.

ومع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وكموقفٍ سياسيّ يترجم الاكتفاء الذاتي تزامناً مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية، راح منصور يبحث عن مواد من الطبيعة لاستعمالها في الفن. صار يخلط الطين بمكوّنات الطعام مثل السمّاق، والكمّون، والقهوة، والحنّاء. «كانت أعمالي في تلك الفترة تجريدية، ولاحقاً ركزت على الطين ودلالاته الإنسانية والسياسية ليعود فنّي إلى الواقعية».

تعدّدت المواد والتقنيات وبقيَت الرموز الفلسطينية ثابتة في لوحات سليمان منصور، كالزيِّ التقليدي المطرز، والكوفية، وطيور الحمام، وشجر الزيتون، وسنابل القمح، وقبة الأقصى، والعائلة المقدسة.

تعبِّر لوحة «إفطار فلسطيني» عن مفهوم الصمود والاكتفاء الذاتي (إنستغرام الفنان)

من أبرز الرموز التي اكتنزت لوحات سليمان منصور، المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرّز والمنديل الطويل الذي يغطّي شعرها. المرأة في لوحاته هي الأرض والأمومة والخصوبة والثمر. كان في طليعة أهدافه «تقديم الإنسان الفلسطيني بأجمل صورة، خصوصاً من خلال المرأة التي هي رمز الوطن. لا أراها سوى جميلة بعنقها الممشوق الذي يرمز إلى شموخها. كما يجب أن تكون يداها قويّتَين تجسيداً لارتباطها بالأرض والعمل، ثم يأتي الثوب التقليدي ليكمِّل هويتها الفلسطينية».

المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرَّز من أبرز رموز لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

أدرك سليمان منصور مبكراً أن أحد تكتيكات الحرب الإسرائيلية هي محاولة شيطنة الفلسطيني وتشويه صورته، فوقف بريشتِه بالمرصاد. من بين أساليب المواجهة التي اعتمدها، التذكير بأن العائلة المقدسة هي فلسطينية فألبسَ السيّد المسيح الكوفية. «تجسيد العائلة المقدّسة كعائلةٍ فلسطينية، هو جزء من جهد إعادة الإنسانية إلى الفلسطينيين، وهو تذكير بأن المسيح كان فلسطينياً بثقافتَيه المادية والمعنوية، بغضِّ النظر عن هوية إيمانه».

سليمان منصور هو الرسام الذي ألبسَ المسيح الكوفية الفلسطينية (إنستغرام الفنان)

في حواره الأخير مع «الشرق الأوسط»، والذي سُجِّل بعد أشهرٍ على اندلاع حرب غزة، سألتُ سليمان منصور عن اللوحة الحلم التي لم يرسمها بعد. أجاب: «أنا أحلم برسم فلسطين محرّرة وجميلة من دون عمليات تجميل».

أخذَ الحلم معه ورحل من دون أن يعرف ربما أنه تجاوزَ بريشته الواقع الأليم والتاريخ الدامي، فرسمَ فلسطين عروساً لا ينضب جمالُها، وأرضاً من الزهر والطيب لا تقدرُ عليها آلةُ التشويه المتوحشة.


السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
TT

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

وذكرت وزارة الثقافة السعودية أن المركز سيشكّل منصة للتعريف بالثقافة السعودية، وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته.

وسيعمل المركز على دعم حضور الممارسين الثقافيين السعوديين دولياً، وتعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، وبناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الثقافية السعودية والفرنسية، بما يتيح تبادل الخبرات، وتنفيذ المبادرات المشتركة.

ويجسّد إنشاء المركز ما تشهده علاقات البلدين من تطور مستمر، ويؤكّد حرص السعودية على تعزيز حضورها الثقافي الدولي، وتقديم صورة ثقافية أصيلة تعرّف العالم بإرثها الحضاري، وإنتاجها الإبداعي المعاصر.