التأثير السلبي للتكنولوجيا الحديثة، لا سيما فيما يتعلق بالتطبيقات الرقمية التي تعد الإنسان البسيط بتحقيق أحلامه في غمضة عين دون أن يبذل أي مجهود يشكل الإطار العام الذي تقوم عليه حبكة فيلم «كارت شحن»، الذي يعرض حالياً بدور العرض المصرية. الفيلم يحكي قصة موظف يدعى «شريف»، يجسد شخصيته الفنان محمد ثروت، الذي يعبر عن نموذج شائع في المجتمع المصري للمواطن حسن النية، تواجهه صعوبات معيشية لكنه يتغلب عليها بالاجتهاد في العمل وروح الفكاهة ومحاولة تحسين أوضاع أسرته الصغيرة قدر المستطاع. تنقلب أحوال تلك الشخصية رأساً على عقب حين يظهر في حياته شخص غامض، جسد شخصيته الفنان بيومي فؤاد، يعده بتحقيق أحلامه ونقله إلى عالم الرفاهية من خلال اشتراكه في تطبيقات رقمية وبطاقات شحن تؤدي إلى استنزافه مادياً.

يبرز العمل من خلال أجواء كوميدية ذات مسحة فانتازية خطورة تلك التطبيقات، وكيف توغلت في الحياة الاجتماعية المعاصرة حتى أن الطعام والشراب والنوم بل وتقديم الأعلاف إلى الماشية لا يتم إلا من خلال الاشتراك المسبق في دوامة لا نهائية من التطبيقات. وقد استعان صناع العمل بالمطرب الشعبي أحمد شيبة ليقدم الأغنية الترويجية للفيلم التي حملت عنوان «أبلكيشن» وتعبر كلماتها عن مضمون الشريط السينمائي ومدى تحكم التكنولوجيا في حياة البشر حتى أنها باتت شرطاً للمشاعر العاطفية والصعود الاجتماعي.
الفيلم الذي ألّفه محمود صابر وأخرجه شادي علي، وتدور أحداثه خلال عام وباء «كورونا» 2020 يعتمد على سلسلة من المفارقات الدرامية والمواقف المختلفة التي تحدث بين (بيومي) و(ثروت) كما يحمل العمل مفاجأة تتمثل في قيام الأول بتجسيد 12 شخصية مختلفة أبرزها الموظفة الحكومية خفيفة الظل التي تعتبر نفسها مطمعاً للجنس الآخر، رغم أنها لا تتمتع بمقومات الجمال. ويتطرق الفيلم كذلك إلى التأثير السلبي للتطبيقات الجديدة على الجيل الجديد والنشء، لا سيما في مجال التعليم وكيف تغري الطلبة بالاستغناء عن الجد والاجتهاد في المذاكرة، والاعتماد على حلول رقمية تجعلهم قادرين على الغش في الامتحانات.

ولا ينجو التماسك الأسري والحياة الزوجية من تلك «الفخاخ التكنولوجية»، حيث تبدو في جانب منها وكأنها تحرّض الأزواج على عمل علاقات خارج إطار الحياة الزوجية أو على الأقل تدعوهم إلى التعرف على نماذج نسائية أكثر إغراءً مثل الراقصات وغيرهن. ورغم تمتع بطلي العمل بحضور قوي على الشاشة وقدرة على إضحاك الجمهور فإنهما اتجها إلى تقديم أعمال تعتمد على الإفيهات، بحسب الناقد الفني محمد عبد الخالق، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط»: «أن الثنائي اتجه مؤخراً إلى تقديم أعمال تعتمد على (إفيهات) مستهلكة، وتعبيرات منقولة من (كوميكس) مواقع التواصل الاجتماعي لمجرد الإضحاك»، عادّاً أن «هذه الأفلام لن تضيف إلى تاريخهما ولن تعيش طويلاً، لذا أتمنى أن يعودا سريعاً لتقديم كوميديا حقيقية نابعة من الموقف الدرامي نفسه».

ويرى عبد الخالق أن «مشكلات صناعة الكوميديا في مصر هي نفسها مشكلات صناعة السينما بشكل عام من حيث التعجل والاستسهال والنظر إلى الجانب التجاري دون غيره، فالأزمة ليست مقتصرة على الجانب الفكاهي فقط». وتذيل الفيلم الإيرادات في الموسم السينمائي الحالي بعائدات تتراوح ما بين 90 إلى 150 ألف جنيه في اليوم الواحد، (الدولار الأميركي يعادل نحو 31 جنيهاً مصرياً) بحسب تصريحات للموزع السينمائي محمود الدفراوي. وقال مؤلف ومنتج الفيلم محمود صابر إن «رسالة العمل الأساسية تتمحور حول استعادة دفء الحياة الإنسانية المفقود بعيداً عن توحش التكنولوجيا»، لافتاً في تصريحات إعلامية إلى أن «إنسان العصر بات يعيش في جحيم بسبب استعباد التكنولوجيا له».

من جانبه، يؤكد الناقد الفني أحمد سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن «بيومي فؤاد يتمتع بحضور لافت على الشاشة وقدرة على تقديم جميع أنواع الكوميديا يساعده في ذلك تكوينه الجسماني وخفة ظله التلقائية»، لافتاً إلى أنه «تزداد جرعة الضحك التي يمنحها للجمهور كلما كان السيناريو جيداً ويعتمد على كوميديا الموقف والمفارقات الدرامية».





