«بريسيلا»... امرأة طفلة كبرت في سجن إلفيس المذهَّب

فيلم صوفيا كوبولا يروي سيرة الزوجة السابقة لأسطورة «الروك أند رول»

كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
TT

«بريسيلا»... امرأة طفلة كبرت في سجن إلفيس المذهَّب

كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)

غالباً ما تُروى حكايات المشاهير من وجهة نظرهم، أما أن تُروى قصة إلفيس بريسلي من خلال عينَي زوجته السابقة وأمّ ابنته بريسيلا بريسلي، فهذا يعني الدخول إلى كواليس سيرة «ملك الروك أند رول»، بعيداً عن بهرجة المسارح وبريق الشهرة. كما يشي عنوان الفيلم، إنها قصة «بريسيلا» التي جلست 13 عاماً في ظلّ إلفيس، قبل أن تخترقه وتخرج إلى ضوئها.

استندت المخرجة الأميركية صوفيا كوبولا إلى السيرة الشخصية لبريسيلا «Elvis and Me» (إلفيس وأنا) الصادرة عام 1985، لبناء السيناريو. لا يجب توقّعُ سيرة كاملة؛ بل جزء من حكاية إلفيس، إذ يبدأ قوس السرد في الفيلم من لقاء الثنائي عام 1959 وينتهي سنة انفصالهما 1972.

في الـ14 من عمرها، تمضي بريسيلا بوليو أياماً وشهوراً مملّة في القاعدة العسكرية الأميركية في ألمانيا؛ حيث مقرّ عمل زوج أمّها الضابط في سلاح الجوّ الأميركي. تجمعها سهرة بشابٍ يؤدّي خدمته العسكرية هناك ويكبرها بـ10 أعوام. شاء القدر أن يُدعى إلفيس بريسلي، وأن يقع في حب بريسيلا من النظرة الأولى.

لم يكن إلفيس قد وصل حينذاك إلى ذروة مجده، إلا أن الإجماع الأنثوي حوله كان كبيراً. من بين كل النساء اختار بريسيلا التي عرفت كيف تواسيه بعد فقدان والدته، وتملأ فراغ أيام خدمته العسكرية.

صورة نشرتها المخرجة صوفيا كوبولا خلال إعدادها سيناريو الفيلم (إنستغرام)

ما بدأ صداقة بريئة بين الاثنين، سرعان ما تحوّل إلى حبٍّ جارف، لم ينتصر عليه البُعد مع مغادرة إلفيس ألمانيا وعودته إلى الديار في ممفيس الأميركية. فبعد مرور أكثر من سنة على رحيله وصمته، ظنّت المراهقة العاشقة أنّ محبوبها قد نسيها، هو الغارق في أمجاده الموسيقية والسينمائية وفي أحضان نجمات هوليوود. إلا أنه أطلّ على حياة بريسيلا من جديد، داعياً إياها إلى مملكته الخاصة «غريسلاند»، رغم اعتراض ذويها.

كل ما في ملامح بريسيلا -التي تؤدي شخصيتها بإبهار الممثلة كايلي سبيني- يوحي ببراءة الطفولة. لكن كل ما في تصرّفاتها يعكس إصرارها على عيش قصة حبها مع إلفيس بكامل تفاصيلها، وكأنها امرأة ناضجة تعرف ما تريد.

تقدّم كايلي سبيني أداءً مميزاً لا سيما في تجسيدها مرحلة المراهقة في حياة بريسيلا (أ.ب)

كوبولا، ذات النفَس النسوي، والتي لا توفّر فرصة سينمائية للإضاءة على شخصياتٍ نسائية أذابتهنّ الوحدة وأحرقهنّ الضوء، تعلّق على تجربة الفيلم، قائلة إن قصة بريسيلا أثارت اهتمامها بشدّة. أما أكثر ما ألهمَ المخرجة فهو، وفق قولها: «وجهة نظر بريسيلا المراهِقة التي كبرت في غريسلاند. لقد عبرت الأنوثة بمختلف مراحلها وسط عالم مضخّم للغاية».

في غريسلاند، عاشت بريسيلا تلميذة في مدرسة الراهبات نهاراً، وشابة مكتملة الأنوثة ليلاً. تبتلع حبوب إلفيس المنوّمة لتغفو، ثم تستعين بعقاقيره لتستيقظ صباحاً وتذهب إلى الصفّ.

في الـ17 من عمرها تركت بريسيلا عائلتها وسافرت للعيش مع إلفيس في غريسلاند (إنستغرام)

خلف قضبانٍ من ذهب، أسرَ إلفيس بريسيلا. ممنوع عليها أن تلهو مع كلبها في الحديقة، لئلّا يلمحها الصحافيون والمعجبون المتحلّقون قرب البوّابة. وإن دخلت إلى مكتب الموظفات لتكسر بعضاً من وحدتها، طردها والده القاسي ومنعها من إلهائهنّ.

تُمضي أياماً طويلة والنجم غائب عن المنزل. تستيقظ على صوره في الصحف وهو يقبّل زميلاته الممثلات. أما حين يعود، فيجعل منها دميته، ويرسم بنفسه صورتها الجديدة منتقياً ملابسها، وأسلوب تبرّجها، ولون شعرها. لكن تسلّطه لا يقف عند حدّ هندام بريسيلا؛ بل ينعكس عنفاً عليها كلّما غلبته نوبات غضبه.

رسم إلفيس بنفسه صورة بريسيلا الجديدة من ملابسها إلى تسريحتها وتبرّجها (إنستغرام)

تحاول كوبولا أن تبقى على الحياد قدر المستطاع، فتلتزم بنسخة بطلة الحكاية. يكتشف المُشاهدون بالتالي إلفيس الحساس والعاطفي والرومانسيّ؛ لكنهم يتعرفون في المقابل على وجهه الآخر؛ النرجسيّ، والمقامر، والمهووس بالسيطرة، والمدمن على الأدوية، وصاحب الاهتمامات الروحانيّة الغريبة... قد لا تروق هذه الصورة المجرّدة من اللمعان لعشّاق الأسطورة. لن يجدوا في فيلم كوبولا ما يذكّرهم بسيمفونيّة باز لورمان اللمّاعة (فيلم «إلفيس» 2022).

تكبر بريسيلا في قفص إلفيس المذهّب، وتكاد أن تفقد الأمل بأن يتزوّجها. ثم بعد 4 سنوات من الانتظار خلف أسوار غريسلاند، تصير الطفلة عروساً، وتحمل بدورها بطفلة سيسمّيانها «ليزا ماري».

من كواليس تصوير فيلم «بريسيلا» في تورونتو - كندا (إنستغرام)

يقدّم الممثل جاكوب إيلوردي أداءً أكثر من مقنع، متسلّحاً بكاريزما لافتة، وبنبرة صوت مخمليّة تنسخ أسلوب إلفيس في الكلام. رغم تَميّزه، فهو لا يسرق الضوء لحظة من بريسيلا. يدرك إيلوردي ويحترم واقع أن الفيلم لها وعنها، يدور حولها وحول تحوّلاتها كافة؛ من مراهقة مطيعة وصامتة في معظم الأحيان، إلى شابّة تعيش مع إلفيس، ثم ترفض التعايش معه.

ببصمتها الخاصة المعروفة بالمونتاج السريع، تقدّم كوبولا تجربة بريسيلا إلى جانب إلفيس. ليست المشاهد القصيرة مترابطة دائماً، ما قد يُشعر الجمهور بالضياع وبالحاجة للعودة إلى المراجع التاريخية، من أجل الاطّلاع على مراحل العلاقة بين إلفيس وبريسيلا. كما أن تفاصيل كثيرة تضيع داخل الفيلم، فلا تتّضح معالم الخدمة العسكرية التي أدّاها الفنان الأميركي في ألمانيا على سبيل المثال، ولا نتعرّف إلى مدير أعماله الكولونيل توم باركر الذي يبقى شخصية غامضة حاضرة عبر الحوار حصراً.

إلفيس وبريسيلا خلال آخر سنوات زواجهما الذي استمر 6 أعوام (إنستغرام)

من أبرز الغائبين عن فيلم «بريسيلا» كذلك، موسيقى إلفيس بريسلي، إذ تستبدل كوبولا بها ألحاناً وأغاني لفنانين آخرين. يبدو الأمر متعمّداً، وذلك بهدف التأكيد مرة جديدة أنّ الفيلم ليس عن مسيرة إلفيس؛ بل عن مذكّرات المرأة التي عاشت معه 13 عاماً. مع العلم بأنّ بريسيلا بريسلي (78 عاماً)، هي المنتجة المنفذة للفيلم، كما أنها كانت منخرطة في إعداده.

رغم هذا الانخراط الشخصي لبريسيلا، ورغم الأداء المُبهر لكايلي سبيني الذي استحقت عنه جائزة في مهرجان البندقية، وترشيحاً إلى «غولدن غلوب»، فإنّ ثمة ما يبدو ناقصاً في بناء الشخصية.

لا تبدو اللحظة التي تحطّم فيها بريسيلا قضبان سجنها الذهبي وتتحرّر من سطوة إلفيس، مبنية على أساساتٍ صلبة، ولا على تمهيدٍ واضح. من الطبيعي نتيجة لذلك أن يخرج المُشاهد من الفيلم محمّلاً بعلامات استفهام كثيرة، ومشحوناً في الوقت عينه بتأثّر كبير بقصة الحب الصادقة التي جمعت بريسيلا وإلفيس.


مقالات ذات صلة

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد السعدني - مهرجان مالمو

أحمد السعدني: «ولنا في الخيال حب» نجح في المعادلة الصعبة

قال الفنان المصري أحمد السعدني إن تجربته في فيلم  «ولنا في الخيال حب» تمثل محطة مميزة في مشواره.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يستثمر الفيلم في مرافق البوليفارد ليحولها إلى بيئة درامية جديدة (لقطة من الفيديو الدعائي للفيلم)

«عوو»... أول فيلم سعودي يُصوَّر بالكامل في «بوليفارد وورلد»

بدأ في الرياض، مطلع الأسبوع الحالي، تصوير الفيلم السعودي «عوو»، المعروف سابقاً باسم «البوليفارد»، في خطوة تعكس توسّع الإنتاج السينمائي المحلي

«الشرق الأوسط» ( الدمام)

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.


«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

في تجربة بصرية تبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة، مستغلاً التقنيات التفاعلية في إضفاء الحياة على مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي وثقت تفاصيل الأماكن وسردت روايتها.

المعرض، الذي افتتح مساء الأربعاء بقصر الفنون في ساحة دار الأوبرا المصرية على هامش الاحتفالات باليوم العالمي للتراث، يضم الأعمال الفائزة بمسابقة «تراثي7» التي أطلقها «جهاز التنسيق الحضاري» التابع لوزارة الثقافة المصرية في إطار مسعاه لـ«إحياء التراث والحفاظ عليه»، حسب رئيس الجهاز المهندس محمد أبو سعدة.

وقال أبو سعدة، في كلمته خلال حفل توزيع جوائز المسابقة، إن «التراث قيمة مهمة، لا سيما في مصر التي تمتلك إرثاً عميقاً تُباهي به العالم»، مؤكداً أن مسابقة «تراثي» هي «محاولة لإلقاء الضوء على التراث المصري ونشر الوعي بأهميته وبضرورة الحفاظ على المباني العمرانية التراثية».

حضور كثيف في افتتاح معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

وتقدم للمسابقة هذا العام 1108 متسابقين من 26 محافظة، شاركوا بإجمالي 7492 صورة فوتوغرافية. كما بلغ عدد الصور المشاركة ضمن المشروعات التي تضمها محاور المسابقة المختلفة 1596 صورة.

ينقل المعرضُ الزائرَ بين محاور عدة يروي كل منها حكاية المكان بطريقته، تبدأ بمحور «في طريقنا دائماً» الذي يتضمن «بورتريهات» للمباني التراثية بوصفها بطل الحكاية، ثم يتجه للتركيز على التفاصيل عبر محور «شبابيك فاكرة»، الذي يركز على النوافذ وتفاصيلها الجمالية.

وحتى لا تبقي العمارة التراثية أسيرة التاريخ، يسعى محور «لسه موجود» لإظهار الاستخدامات المعاصِرة لمبانٍ تراثية. وبينما يسعى المعرض في أحد محاوره لتجسيد علاقة الإنسان بالمكان، لا ينسى في محور آخر جماليات وفنيات الصورة التي تبرز الظلال والانعكاسات بوصفهما عنصرين أساسيين في السرد البصري.

ويعد «تصدير الجمال وقيمه» هدفاً رئيسياً لوزارة الثقافة، حسب وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي، التي أشارت في كلمتها، إلى أنه «رغم صعوبة تحقيق هذا الهدف، فإن الإقبال على المسابقة وحضور المعرض يدل على وجود قاعدة بشرية مهتمة بالجمال والثقافة»، داعيةً إلى مساندة مبادرات الوزارة الرامية لتحقيق العدالة الثقافية.

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

تتوزع قاعات العرض داخل قصر الفنون على أدوار عدة، مصطحبة الزائر في رحلة زمنية صعوداً وهبوطاً تنقله بين حقب تاريخيّة مختلفة من العصور الإسلامية إلى الحديثة، لا سيما القاهرة التاريخية، وتعيد إحياء وشخصيات ورموز ارتبطت بتلك الأماكن، من بينها الشيخ محمد رفعت، لتروي الجدران بصمت رحلة المكان مع الناس والزمان.

بدوره، قال محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، إن «المحافظة تعمل على محورين؛ الأول هو الحفاظ على التراث والهوية، والآخر هو الاستدامة والخدمات مثل الطرق والتحول الرقمي»، مشيراً إلى «مشاريع تخطيط العشوائيات وتطوير وإحياء مناطق وسط البلد والقاهرة التاريخية».

وتحمل هذه الدورة من مسابقة «تراثي» رؤية جديدة للجهاز القومي للتنسيق الحضاري، من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، ممثلاً في منصة «فلوج»، التي تجمع عدداً كبيراً من المصورين الفوتوغرافيين، مما «عزَّز إشراك شريحة كبرى من الشباب والمبدعين لتقديم تجربة بصرية معاصرة تجمع بين التوثيق الفوتوغرافي والسرد البصري والتقنيات التفاعلية»، حسب أبو سعدة.

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

وأشادت وزيرة الثقافة المصرية بمشاركة القطاع الخاص في المسابقة، مشيرةً إلى عزم الوزارة على زيادة التعاون مع القطاع الخاص بوصفه السبيل لتعزيز الانتشار الثقافي، رغم «ما يكتنف التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص من صعوبات وانتقادات متبادلة»، على حد تعبيرها.

يتنقل المعرض بسلاسة بين صور فوتوغرافية معلَّقة على الجدران، إلى عروض بصرية تفاعلية على الأرضيات وبعض الجدران في مزج يمنح الصور قدراً من الحركة والحياة.

جاءت الجوائز التي تبلغ قيمتها الإجمالية 150 ألف جنيه (الدولار بـ52.35 جنيه)، موزعةً على قسمين؛ المشاركات الفردية والمشروعات.

وانقسمت المشاركات الفردية إلى أربعة محاور، هي: «في طريقنا دائماً»، وفازت بجائزته مريم أشرف شحاتة سيد، بينما حصلت غادة عبد المحسن سليمان على الجائزة التشجيعية. أما المحور الثاني بعنوان «شبابيك فاكرة»، ففازت به دينا محمد محسن، وحصل على الجائزة التشجيعية أحمد شعبان عليمي. وفازت بالمحور الثالث بعنوان «لسه موجود» هاجر عبد الحميد نور الدين، وحصلت على الجائزة التشجيعية إنجي فرحات مصطفى. وحصل مارسيليو سامي رزق على جائزة المحور الرابع تحت عنوان «الظل والانعكاس»، وفازت بالجائزة التشجيعية منى حسن أبو عبده.

عمل مشارك بالمعرض (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد المشروعات، جاء المشروع الأول تحت شعار «الناس والمكان»، وفاز بجائزته أحمد مصطفى سالم، بينما حصل على الجائزة التشجيعية عمر الشحات أحمد شلبي. أما المشروع الثاني فحمل عنوان «الحيطان سامعة»، وفازت بجائزته سمر سيد بيومي.

ولم يقتصر المعرض على أعمال المشاركين بالمسابقة، بل ضم أعمال لاثنين من الفنانين كرمهما جهاز التنسيق الحضاري؛ وهما الفنان يحيى العلايلي لمشاركته المتميزة بمعرض «ما زالت هنا»، والذي يعكس التغيّر الاجتماعي والعمراني في القاهرة، وتأثير ذلك في الحفاظ على التراث، والمعماري الفنان رمزي مكرم عبيد عن مشاركته بمعرض «ذا لوكال شو»، والذي يستعرض معالم معمارية مصرية فريدة، بُنيت بروح تعتمد على المجتمع، والاستدامة، والوظيفة، والهوية التراثية، مثل كنيسة السيدة العذراء القبطية الأرثوذكسية، ومسجد «باصونة» بمنطقة الدرب الأحمر.

وزيرة الثقافة تكرم د. محمد الكحلاوي رئيس اتحاد الآثاريين العرب (جهاز التنسيق الحضاري)

وشهد الاحتفال تكريم الدكتور محمد الكحلاوي، أستاذ الآثار الإسلامية ورئيس اتحاد الآثاريين العرب، الذي اختاره جهاز التنسيق الحضاري «شخصية العام» احتفالاً باليوم العالمي للتراث، لما له من إنجازات وإسهامات كبيرة في الحفاظ على التراث المعماري والعمراني المصري والعربي.