«بريسيلا»... امرأة طفلة كبرت في سجن إلفيس المذهَّب

فيلم صوفيا كوبولا يروي سيرة الزوجة السابقة لأسطورة «الروك أند رول»

كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
TT

«بريسيلا»... امرأة طفلة كبرت في سجن إلفيس المذهَّب

كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)

غالباً ما تُروى حكايات المشاهير من وجهة نظرهم، أما أن تُروى قصة إلفيس بريسلي من خلال عينَي زوجته السابقة وأمّ ابنته بريسيلا بريسلي، فهذا يعني الدخول إلى كواليس سيرة «ملك الروك أند رول»، بعيداً عن بهرجة المسارح وبريق الشهرة. كما يشي عنوان الفيلم، إنها قصة «بريسيلا» التي جلست 13 عاماً في ظلّ إلفيس، قبل أن تخترقه وتخرج إلى ضوئها.

استندت المخرجة الأميركية صوفيا كوبولا إلى السيرة الشخصية لبريسيلا «Elvis and Me» (إلفيس وأنا) الصادرة عام 1985، لبناء السيناريو. لا يجب توقّعُ سيرة كاملة؛ بل جزء من حكاية إلفيس، إذ يبدأ قوس السرد في الفيلم من لقاء الثنائي عام 1959 وينتهي سنة انفصالهما 1972.

في الـ14 من عمرها، تمضي بريسيلا بوليو أياماً وشهوراً مملّة في القاعدة العسكرية الأميركية في ألمانيا؛ حيث مقرّ عمل زوج أمّها الضابط في سلاح الجوّ الأميركي. تجمعها سهرة بشابٍ يؤدّي خدمته العسكرية هناك ويكبرها بـ10 أعوام. شاء القدر أن يُدعى إلفيس بريسلي، وأن يقع في حب بريسيلا من النظرة الأولى.

لم يكن إلفيس قد وصل حينذاك إلى ذروة مجده، إلا أن الإجماع الأنثوي حوله كان كبيراً. من بين كل النساء اختار بريسيلا التي عرفت كيف تواسيه بعد فقدان والدته، وتملأ فراغ أيام خدمته العسكرية.

صورة نشرتها المخرجة صوفيا كوبولا خلال إعدادها سيناريو الفيلم (إنستغرام)

ما بدأ صداقة بريئة بين الاثنين، سرعان ما تحوّل إلى حبٍّ جارف، لم ينتصر عليه البُعد مع مغادرة إلفيس ألمانيا وعودته إلى الديار في ممفيس الأميركية. فبعد مرور أكثر من سنة على رحيله وصمته، ظنّت المراهقة العاشقة أنّ محبوبها قد نسيها، هو الغارق في أمجاده الموسيقية والسينمائية وفي أحضان نجمات هوليوود. إلا أنه أطلّ على حياة بريسيلا من جديد، داعياً إياها إلى مملكته الخاصة «غريسلاند»، رغم اعتراض ذويها.

كل ما في ملامح بريسيلا -التي تؤدي شخصيتها بإبهار الممثلة كايلي سبيني- يوحي ببراءة الطفولة. لكن كل ما في تصرّفاتها يعكس إصرارها على عيش قصة حبها مع إلفيس بكامل تفاصيلها، وكأنها امرأة ناضجة تعرف ما تريد.

تقدّم كايلي سبيني أداءً مميزاً لا سيما في تجسيدها مرحلة المراهقة في حياة بريسيلا (أ.ب)

كوبولا، ذات النفَس النسوي، والتي لا توفّر فرصة سينمائية للإضاءة على شخصياتٍ نسائية أذابتهنّ الوحدة وأحرقهنّ الضوء، تعلّق على تجربة الفيلم، قائلة إن قصة بريسيلا أثارت اهتمامها بشدّة. أما أكثر ما ألهمَ المخرجة فهو، وفق قولها: «وجهة نظر بريسيلا المراهِقة التي كبرت في غريسلاند. لقد عبرت الأنوثة بمختلف مراحلها وسط عالم مضخّم للغاية».

في غريسلاند، عاشت بريسيلا تلميذة في مدرسة الراهبات نهاراً، وشابة مكتملة الأنوثة ليلاً. تبتلع حبوب إلفيس المنوّمة لتغفو، ثم تستعين بعقاقيره لتستيقظ صباحاً وتذهب إلى الصفّ.

في الـ17 من عمرها تركت بريسيلا عائلتها وسافرت للعيش مع إلفيس في غريسلاند (إنستغرام)

خلف قضبانٍ من ذهب، أسرَ إلفيس بريسيلا. ممنوع عليها أن تلهو مع كلبها في الحديقة، لئلّا يلمحها الصحافيون والمعجبون المتحلّقون قرب البوّابة. وإن دخلت إلى مكتب الموظفات لتكسر بعضاً من وحدتها، طردها والده القاسي ومنعها من إلهائهنّ.

تُمضي أياماً طويلة والنجم غائب عن المنزل. تستيقظ على صوره في الصحف وهو يقبّل زميلاته الممثلات. أما حين يعود، فيجعل منها دميته، ويرسم بنفسه صورتها الجديدة منتقياً ملابسها، وأسلوب تبرّجها، ولون شعرها. لكن تسلّطه لا يقف عند حدّ هندام بريسيلا؛ بل ينعكس عنفاً عليها كلّما غلبته نوبات غضبه.

رسم إلفيس بنفسه صورة بريسيلا الجديدة من ملابسها إلى تسريحتها وتبرّجها (إنستغرام)

تحاول كوبولا أن تبقى على الحياد قدر المستطاع، فتلتزم بنسخة بطلة الحكاية. يكتشف المُشاهدون بالتالي إلفيس الحساس والعاطفي والرومانسيّ؛ لكنهم يتعرفون في المقابل على وجهه الآخر؛ النرجسيّ، والمقامر، والمهووس بالسيطرة، والمدمن على الأدوية، وصاحب الاهتمامات الروحانيّة الغريبة... قد لا تروق هذه الصورة المجرّدة من اللمعان لعشّاق الأسطورة. لن يجدوا في فيلم كوبولا ما يذكّرهم بسيمفونيّة باز لورمان اللمّاعة (فيلم «إلفيس» 2022).

تكبر بريسيلا في قفص إلفيس المذهّب، وتكاد أن تفقد الأمل بأن يتزوّجها. ثم بعد 4 سنوات من الانتظار خلف أسوار غريسلاند، تصير الطفلة عروساً، وتحمل بدورها بطفلة سيسمّيانها «ليزا ماري».

من كواليس تصوير فيلم «بريسيلا» في تورونتو - كندا (إنستغرام)

يقدّم الممثل جاكوب إيلوردي أداءً أكثر من مقنع، متسلّحاً بكاريزما لافتة، وبنبرة صوت مخمليّة تنسخ أسلوب إلفيس في الكلام. رغم تَميّزه، فهو لا يسرق الضوء لحظة من بريسيلا. يدرك إيلوردي ويحترم واقع أن الفيلم لها وعنها، يدور حولها وحول تحوّلاتها كافة؛ من مراهقة مطيعة وصامتة في معظم الأحيان، إلى شابّة تعيش مع إلفيس، ثم ترفض التعايش معه.

ببصمتها الخاصة المعروفة بالمونتاج السريع، تقدّم كوبولا تجربة بريسيلا إلى جانب إلفيس. ليست المشاهد القصيرة مترابطة دائماً، ما قد يُشعر الجمهور بالضياع وبالحاجة للعودة إلى المراجع التاريخية، من أجل الاطّلاع على مراحل العلاقة بين إلفيس وبريسيلا. كما أن تفاصيل كثيرة تضيع داخل الفيلم، فلا تتّضح معالم الخدمة العسكرية التي أدّاها الفنان الأميركي في ألمانيا على سبيل المثال، ولا نتعرّف إلى مدير أعماله الكولونيل توم باركر الذي يبقى شخصية غامضة حاضرة عبر الحوار حصراً.

إلفيس وبريسيلا خلال آخر سنوات زواجهما الذي استمر 6 أعوام (إنستغرام)

من أبرز الغائبين عن فيلم «بريسيلا» كذلك، موسيقى إلفيس بريسلي، إذ تستبدل كوبولا بها ألحاناً وأغاني لفنانين آخرين. يبدو الأمر متعمّداً، وذلك بهدف التأكيد مرة جديدة أنّ الفيلم ليس عن مسيرة إلفيس؛ بل عن مذكّرات المرأة التي عاشت معه 13 عاماً. مع العلم بأنّ بريسيلا بريسلي (78 عاماً)، هي المنتجة المنفذة للفيلم، كما أنها كانت منخرطة في إعداده.

رغم هذا الانخراط الشخصي لبريسيلا، ورغم الأداء المُبهر لكايلي سبيني الذي استحقت عنه جائزة في مهرجان البندقية، وترشيحاً إلى «غولدن غلوب»، فإنّ ثمة ما يبدو ناقصاً في بناء الشخصية.

لا تبدو اللحظة التي تحطّم فيها بريسيلا قضبان سجنها الذهبي وتتحرّر من سطوة إلفيس، مبنية على أساساتٍ صلبة، ولا على تمهيدٍ واضح. من الطبيعي نتيجة لذلك أن يخرج المُشاهد من الفيلم محمّلاً بعلامات استفهام كثيرة، ومشحوناً في الوقت عينه بتأثّر كبير بقصة الحب الصادقة التي جمعت بريسيلا وإلفيس.


مقالات ذات صلة

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

يوميات الشرق أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».