الليدو... أشهر سوق لبيع الكتب المستعملة في المغرب وزوّارها طلبة وأساتذة وباحثون

رجل يتصفح كتاباً بسوق الليدو في فاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)
رجل يتصفح كتاباً بسوق الليدو في فاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)
TT

الليدو... أشهر سوق لبيع الكتب المستعملة في المغرب وزوّارها طلبة وأساتذة وباحثون

رجل يتصفح كتاباً بسوق الليدو في فاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)
رجل يتصفح كتاباً بسوق الليدو في فاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)

في قلب مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب، توجد سوق لبيع الكتب المستعملة، ذاع صيتها داخل المدن المغربية وأيضاً في بعض الدول العربية، ويُطلق عليها اسم «سوق الليدو» أو «الحُفرة».

أنشئت السوق على منحدر شبيه بحفرة؛ وتبدو من الخارج وعن بعد كأحد الأحياء المهمشة، ذلك لأن جميع محالها أُنشئت من صفائح القصدير وبعشوائية كبيرة، وفقاً لما ذكرته وكالة أنباء العالم العربي.

لا يمكن للزائر أن يتخيل أن هذا المكان تُباع فيه أندر الكتب وأثمنها، وأن في تلك المحال توجد كتب في الفلسفة والطب والأدب والعلوم والرياضيات وأشهر الروايات العالمية.

توجد سوق الليدو في مكان غير بعيد عن جامعة محمد بن عبد الله، وهي من أشهر الجامعات المغربية؛ وتعد السوق ملاذ الطلاب والأساتذة والباحثين من جميع المدن المغربية، حيث توفر مقررات جميع المستويات الدراسية، فضلاً عن الكتب المتخصصة في العلوم والفلسفة والأدب والدين والقانون وبجميع اللغات الحية.

نشأة السوق

وعن نشأة السوق، يقول حسن بن عدادة، وهو صاحب مكتبة بمدينة فاس لديه إلمام جيد بمجال بيع الكتب في المدينة، إن سوق الليدو أُنشئت في بداية ثمانينات القرن الماضي عندما كان بعض بائعي الكتب المستعملة يفترشون الساحات المجاورة لجامعة محمد بن عبد الله بالمدينة ويبيعون الكتب القديمة للطلبة.

جانب من المعروضات في سوق الليدو بالمغرب (وكالة أنباء العالم العربي)

وذكر أنه في تلك الفترة كان أكثر بائع كتب متميز وشهير يُسمى محمد الحلوي، وكان يملك محلاً على شكل كرفان أو عربة متنقلة، وكان يوفر الكتب للطلاب بشتى تخصصاتهم. وفي أحد الأيام، فوجئ الحلوي ومعه الطلبة كافة باحتراق محله دون معرفة سبب الحريق أو المتسبب فيه.

وقال بن عدادة إن الطلبة والعارفين بالشأن الجامعي في تلك الفترة رجّحوا أن يكون الحريق بفعل فاعل، بحكم أن الجامعات المغربية، وعلى وجه الخصوص جامعة محمد بن عبد الله، كانت تعيش على وقع توترات سياسية، وكان هناك بعض الكتب المحظور تداولها بين الطلاب، بينما كان الحلوي يتميز بتوفير جميع الكتب للطلاب وبأسعار مناسبة.

وأكد بن عدادة في حوار مع وكالة أنباء العالم العربي، أنه بعد حادث احتراق عربة الحلوي، قامت السلطات الأمنية في المدينة بمنح جميع باعة الكتب الموجودين على مقربة من الجامعة مساحة طولية بحي اسمه الليدو غير بعيد عن الجامعة ليبيعوا كتبهم.

وقال بن عدادة: «البائعون أنشأوا براريك (أكشاك) من القصدير في المساحة المخصصة لهم، حتى يتمكنوا من مواصلة تجارتهم؛ وكان الليدو غير بعيد عن الجامعة؛ حيث يمر طلبة جامعة محمد بن عبد الله بجواره وهم في طريقهم إلى الجامعة أو منها». وأوضح أنه، بالإضافة إلى الكتب المستعملة والبالية، تُباع في سوق الليدو أيضاً الكتب ذات الإصدار أو الطبعة الجديدة.

وهناك حتى نُسخ بعض الكتب الجديدة، خاصة بعض الكتب التي تباع بأثمان باهظة في طبعتها الأصلية، كمقررات كليات الطب وكتب الأقسام التحضيرية التي قد يبلغ ثمن بعض الكتب فيها 800 درهم (نحو 204.6 دولار أميركي)؛ «فباعة الكتب بالليدو ينسخون الكتاب ويبيعونه مقابل 100 درهم فقط... ومع أنها قرصنة، فإنها أمر يساعد الطلبة نسبياً»، وفق بن عدادة.

مصدر الكتب البالية

وحول مصدر الكتب البالية التي تباع في سوق الليدو، قال بن عدادة: «هي في الغالب لأناس توفوا، وأراد أبناؤهم التخلص من مكتباتهم، وكذلك كتب بعض الطلاب الذين استغنوا عنها، في حين أن الكتب الجديدة تُقتنى من دور النشر بالدار البيضاء وأحياناً قد يصادف الزائر ذخائر الكتب وكتباً ذات طبعات قديمة جداً أو انتهت طبعتها قبل سنوات عدة».

كتب تعرض في سوق الليدو للكتب المستعملة في المغرب (وكالة أنباء العالم العربي)

ومعظم بائعي الكتب في سوق الليدو مثقفون؛ فقد اكتسبوا العديد من المعرفة خلال تعاملهم اليومي مع الكتب والطلاب والأساتذة. فكل واحد من هؤلاء يعرف على الأقل ما يحتويه محله من كتب ومراجع وروايات، وغالباً ما يقدمون النصح والتوجيه للطلبة والباحثين.

نور الدين الحساني، وهو أحد بائعي الكتب في سوق الليدو، قال في حوار مع وكالة أنباء العالم العربي، إن السوق كانت تضم نحو 180 محلاً صفيحياً «غير أن أغلبها أغلق أبوابه لعدم نجاح تجربة التجارة فيها، التي كانت في الغالب تجارة أخرى غير الكتب، بينما بقيت محال الكتب صامدة منذ ذلك الوقت إلى اليوم ويبلغ عددها بالتقريب 20 محلاً، تبلغ مساحة كل محل منها متراً ونصف المتر المربع».

وقال إن مهنة بيع الكتب كانت في البداية جيدة؛ حيث كانت جميع الكتب متوفرة، سواء الثقافية أو الفلسفية أو الأدبية أو العلمية، بالإضافة إلى الكتاب المدرسي؛ لكن مهنة بيع الكتب أخيراً بدأت في التراجع، حتى إن بعض مكتبات المدينة أغلقت أبوابها أمام اجتياح الكتاب الرقمي والتطور التكنولوجي الذي طال حتى الصحف الورقية والمجلات، ما أدى إلى إغلاق معظم الأكشاك أبوابها.

واستطرد قائلاً: «بالنسبة للمكتبات المتبقية بالمدينة، فهي مختصة فقط ببيع الكتب المدرسية وبعض الروايات التي طغت على السوق، خاصة الروايات المزورة التي تدخل إلى المغرب بطرق غير شرعية وكتب التنمية الذاتية».

صفوف من الكتب المستعملة في سوق الليدو بفاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)

وأكد الحساني أن سوق الليدو اكتسب شهرة محلية وعالمية، حيث إن زوّاره ليسوا فقط مغاربة من جميع المدن المغربية، بل له بعض الزوار أيضا من دول عدة كالجزائر وتونس وتركيا والعراق وبعض دول الخليج.

وقال: «أنا متخصص في بيع الكتب ذات الإصدارات الجديدة، خاصة كتب التراث والمجلدات وكتب تفسير القرآن والكتب الفلسفية والأدبية ومعظم زبائني طلبة التعليم العتيق والشريعة والأساتذة الجامعيون وأساتذة السلك الثانوي».

الروايات وكتب التنمية الذاتية

وأشار إلى أن من بين زبائن سوق الليدو شباباً يأتون من أجل شراء الروايات وكتب التنمية الذاتية من قبيل «أنتيخريستوس» لمؤلفه أحمد خالد مصطفى و«في قلبي أنثى عبرية» لكاتبته خولة حمدي، و«كن خائناً تكن أجمل» لمؤلفه عبد الرحمن مروان حمدان، وهي الروايات الشائعة بين الشباب اليوم.

وبحسب الحساني، فإن هناك نخبة من المثقفين لهم نوعية خاصة من الكتب، إذ يقول إن أعمال الروائي السوري حنا مينا والروائي السعودي عبد الرحمن منيف مثلاً «لا يشتريها الشباب، لأنها في اعتقاده تفوق مستوى وعيهم وثقافتهم».

ومضى يقول إنه على الرغم من التطور التكنولوجي، فإن هناك فئة من القراء ممن لا يستطيعون مفارقة الكتاب الورقي ويفضلون القراءة فيه بدلاً من القراءة على الهاتف، خاصة كبار السن لعلاقتهم الوطيدة بالكتاب. هؤلاء، بحسب قوله، يأتون إلى السوق.

سوق الليدو «الحفرة» في المغرب (وكالة أنباء العالم العربي)

وتتراوح أسعار الكتب، حسب الحساني، بين 5 دراهم و200 درهم، حسب نوعية الكتاب ومدى توفره في السوق وتاريخ طبعته وغير ذلك من المعايير التي تحدد ثمن البيع. وذكر أن هناك كتباً قد تباع حتى بأكثر من ثمنها الأصلي لندرتها أو أهميتها.

وتحدث الحساني عن أحد الكتب الذي كان ضمن المقررات الدراسية في التعليم الابتدائي الأولي خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهو كتاب (القراءة) ذو الغلاف الأزرق؛ حيث كان ثمنه لا يتعدى 12 درهماً، وهو اليوم يباع على بعض الصفحات الإلكترونية مقابل 200 درهم. ومع أنه لم يعد ضمن المقررات الدراسية، فإن هناك من يشترونه للذكرى.


مقالات ذات صلة

المغرب: حكم جديد بالسجن خمسة أعوام على وزير سابق

شمال افريقيا المعارض والوزير السابق محمد زيان (متداولة)

المغرب: حكم جديد بالسجن خمسة أعوام على وزير سابق

قضت محكمة الاستئناف في العاصمة المغربية الرباط، في حكم ثان، بالسجن خمسة أعوام بحق المعارض والوزير السابق محمد زيان، بتهمة «اختلاس وتبديد أموال عمومية».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (أ.ف.ب)

الأمن المغربي يفكّك خلية إرهابية في 4 مدن

تمكّنت قوات الأمن المغربي، خلال الـ24 ساعة الماضية، من تفكيك خلية إرهابية تتكون من ستة أشخاص في أربع مدن مغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا جانب من اجتماع الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة بين مصر والمغرب في القاهرة الاثنين (مجلس الوزراء المصري)

مصر والمغرب لفتح صفحة جديدة من العلاقات في أول اجتماع لـ«لجنة التنسيق»

دشنت مصر مع المغرب مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، بانعقاد الجولة الأولى لـ«لجنة التنسيق والمتابعة» المشتركة في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
رياضة عالمية السنغال فازت بلقب أمم أفريقيا ثم سحب منها (أ.ف.ب)

«لوموند» تكشف عن كواليس منح «كاف» لقب أمم أفريقيا للمغرب

كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية عن العديد من الأحداث التي رافقت المباراة النهائية لبطولة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم 2025.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا مهاجر أفريقي يحاول تسلق الجدار الفاصل بين مليلية المحتلة وإسبانيا (رويترز)

المغرب ينجح في إحباط ⁠73640 محاولة ​للهجرة غير ⁠الشرعية

ذكرت وزارة الداخلية المغربية، أمس الخميس، أن السلطات أحبطت في عام 2025 عدداً يقل بنسبة 6.4 في المائة من محاولات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

جورج كلوني ينتقد البيت الأبيض لوصف تمثيله بـ«جريمة حرب»

الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)
الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)
TT

جورج كلوني ينتقد البيت الأبيض لوصف تمثيله بـ«جريمة حرب»

الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)
الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)

في خضم تصاعد التوترات السياسية والإعلامية، دخل النجم الأميركي جورج كلوني في سجال حاد مع البيت الأبيض، بعدما وُصف أداؤه التمثيلي بأنه «جريمة حرب». وقد ردّ كلوني على هذه التصريحات بنبرة ناقدة، داعياً إلى الارتقاء بمستوى الخطاب العام والابتعاد عن المهاترات، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب «نقاشاً جاداً» بدلاً من «تبادل الشتائم الصبيانية»، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا الجدل في سياق أوسع من التوتر، إذ واجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الانتقادات بعد تهديده بتدمير إيران، وذلك قبل ساعات من التوصل إلى اتفاق هشّ لوقف الحرب الأميركية - الإسرائيلية على البلاد يوم الثلاثاء.

وكان ترمب قد صرّح عبر منصته «تروث سوشيال»، قبل ساعات من انتهاء مهلة لإيران، قائلاً: «ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبداً»، وهو تصريح أثار استنكاراً واسعاً.

انتقاد كلوني وتصعيد السجال

أدان كلوني هذه التصريحات خلال كلمة ألقاها أمام طلاب مدرسة ثانوية في فعالية أقيمت بمدينة كونيو الإيطالية، حيث قال: «يقول البعض إن دونالد ترمب لا بأس به، لكن إذا قال أي شخص إنه يريد إنهاء حضارة، فهذه جريمة حرب».

وأضاف الممثل البالغ من العمر 64 عاماً أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتجاوز حدود الأخلاق، مؤكداً أنه «لا يزال بإمكانك دعم وجهة النظر المحافظة، ولكن يجب أن يكون هناك حدٌّ أخلاقي لا يجوز تجاوزه».

رد البيت الأبيض

في المقابل، جاء رد البيت الأبيض حاداً، إذ صرّح ستيفن تشيونغ، مدير الاتصالات، بأن «الشخص الوحيد الذي يرتكب جرائم حرب هو جورج كلوني بسبب أفلامه الرديئة وموهبته التمثيلية المتراجعة»، في تصريح أثار مزيداً من الجدل.

وردّ كلوني على هذه الانتقادات، مؤكداً أن القضايا المطروحة أخطر بكثير من أن تُختزل في تبادل الإهانات، وقال: «العائلات تفقد أحباءها، وأطفال يُحرقون، والاقتصاد العالمي على حافة الهاوية. هذا وقت لنقاش جاد على أعلى المستويات، لا وقت للشتائم الصبيانية».

وأضاف موضحاً موقفه القانوني: «تُعرَّف جريمة الحرب، وفقاً لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ونظام روما الأساسي، بأنها وجود نية لتدمير دولة تدميراً مادياً». ثم تساءل بنبرة ساخرة: «ما هو دفاع الإدارة؟ بخلاف وصفهم لي بالممثل الفاشل—وهو وصف أوافق عليه بكل سرور بعد مشاركتي في فيلم (باتمان وروبن)؟».

يأتي هذا السجال في وقت أعلنت فيه الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، في محاولة لاحتواء الصراع الذي هزّ استقرار الشرق الأوسط وأثّر على إمدادات الطاقة العالمية. ومع ذلك، لا تزال التوترات قائمة، إذ سُجّلت انتهاكات متفرقة للاتفاق.

ويُعرف جورج كلوني بمواقفه السياسية الصريحة ودعمه للحزب الديمقراطي، كما أنه سبق أن دخل في مواجهات لفظية مع ترمب، الذي وصفه في وقت سابق بأنه «نجم سينمائي فاشل» و«من أسوأ المتنبئين السياسيين». كما انتقد الرئيس حصول كلوني على الجنسية الفرنسية، موجّهاً انتقادات لسياسات الهجرة في فرنسا.


امرأة تضع مولودها خلال رحلة جوية إلى نيويورك… هل يصبح أميركياً؟

طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
TT

امرأة تضع مولودها خلال رحلة جوية إلى نيويورك… هل يصبح أميركياً؟

طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)

في واقعة نادرة ولافتة، شهدت رحلة جوية متجهة إلى الولايات المتحدة حدثاً استثنائياً تمثّل في ولادة طفل على متن الطائرة قبل لحظات من هبوطها. هذا الحدث لم يثر الاهتمام فقط لندرته، بل فتح أيضاً باب التساؤلات حول الوضع القانوني للمولود، وما إذا كان سيحصل على الجنسية الأميركية تلقائياً أم لا، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقعت الحادثة في الرابع من أبريل (نيسان) على متن رحلة الخطوط الجوية الكاريبية رقم BW005، التي كانت في طريقها من كينغستون، عاصمة جامايكا، إلى مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك. وبحسب تسجيل صوتي بثته شبكة «سي بي إس نيوز»، أبلغ الطيار مراقبة الحركة الجوية بحدوث الولادة أثناء اقتراب الطائرة من المدرج.

وفي لحظة لافتة، سأل مراقب الحركة الجوية الطيار: «هل خرج؟»، ليأتي الرد سريعاً: «نعم، سيدي». بل إن المراقب اقترح، على سبيل الدعابة، تسمية المولود «كينيدي» تيمّناً باسم المطار الذي كانت الطائرة تستعد للهبوط فيه.

هل يحصل المولود على الجنسية الأميركية؟

تنص القوانين الأميركية على منح الجنسية تلقائياً لأي طفل يُولد داخل أراضي الولايات المتحدة، ويشمل ذلك المجال الجوي التابع لها. غير أن العامل الحاسم في هذه الحالة هو تحديد الموقع الدقيق للطائرة لحظة الولادة، وهو أمر لم يُحسم بعد بشكل رسمي.

وعقب هبوط الطائرة، كان الطاقم الطبي بانتظار الأم وطفلها عند بوابة الوصول، حيث تلقّيا الرعاية اللازمة. ولم تُكشف هوية الأم أو المولود، اللذين انضما إلى فئة نادرة للغاية، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد الولادات على متن الطائرات التجارية لا يتجاوز 100 حالة حول العالم.

وفي بيان رسمي، أكدت الخطوط الجوية الكاريبية وقوع حالة طبية طارئة على متن الرحلة، موضحة أن إحدى الراكبات وضعت مولودها خلال الرحلة من جامايكا إلى نيويورك، وأن الأم وطفلها حصلا على الرعاية الطبية فور الوصول. كما أشادت الشركة بكفاءة طاقمها في التعامل مع الموقف وفق الإجراءات المعتمدة، بما يضمن سلامة جميع الركاب.

التفاصيل القانونية للحالة

أوضح خوان كارلوس ريفيرا، وهو محامي هجرة مقيم في ميامي، أن الأساس القانوني في هذه القضية يقوم على مبدأ «حق الأرض»، المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي.

وبيّن أن المجال الجوي الأميركي يُعد جزءاً من أراضي الولايات المتحدة، وبالتالي، إذا وُلد الطفل أثناء وجود الطائرة ضمن نطاق 12 ميلاً بحرياً من الساحل الأميركي، فإنه يُمنح الجنسية الأميركية تلقائياً بحكم الميلاد، دون الحاجة إلى تقديم طلب رسمي.

لكن إثبات هذا الحق يتطلب توثيق موقع الطائرة بدقة وقت الولادة، وهو ما يستدعي الرجوع إلى بيانات الرحلة، مثل إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) المسجلة على متن الطائرة، لتحديد ما إذا كانت الولادة قد حدثت داخل المجال الجوي الأميركي أم خارجه.

وفي حال تأكدت الولادة داخل هذا النطاق، يمكن للعائلة التقدّم بطلب للحصول على جواز سفر أميركي أو شهادة ميلاد من الولاية المعنية —وغالباً ما تكون نيويورك في هذه الحالة— مع تقديم الوثائق اللازمة، مثل سجلات الرحلة، والتقارير الطبية الخاصة بالولادة، وأي مستندات صادرة عن شركة الطيران تؤكد موقع الطائرة.

وأشار ريفيرا إلى أن مختصي جوازات السفر في وزارة الخارجية الأميركية هم الجهة المسؤولة عن البت في مثل هذه الحالات. كما شدد على نقطة مهمة، وهي أن حصول الطفل على الجنسية الأميركية لا يمنح والديه تلقائياً أي امتيازات تتعلق بالهجرة.


دانية الصبّان... عندما تغلب رقّة الصوت قسوة المرض وأحكام الناس

لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
TT

دانية الصبّان... عندما تغلب رقّة الصوت قسوة المرض وأحكام الناس

لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)

«بعدو أليف... بعدك ظريف... بعدو بيعنيلك متلي الخريف»... كثيرون ردّدوا الجملة بعد السيدة فيروز وزياد الرحباني، لكنّ قلّةً استطاعت أن تضفي عليها الرقّة والإحساس كما فعلت دانية الصبّان.

«لا شكّ في أن فيديو أغنية (بيذكّر بالخريف) هو نقطة تحوّل في مسيرتي»، تقول الفنانة السعودية الشابة في حوار مع «الشرق الأوسط». على منصة «إنستغرام» وحدها، حقّق الفيديو البسيط شكلاً والمؤثّر مضموناً وصوتاً، والذي نُشر منتصف فبراير (شباط) الماضي، أكثر من 1.5 مليون مشاهدة كما اجتذب تعليقات عددٍ كبير من المشاهير العرب وتفاعُلَهم.

تجلس دانية خلف مقود السيارة، غالباً بعد أن يهبط الليل، تُوجّه كاميرا الهاتف صوب وجهها وتغنّي. هكذا تتوجّه إلى متابعيها مؤخّراً.

«لولا أبي وأمّي لما رآني أحد ولا سمع الناس صوتي، لكنتُ على الأرجح جالسة وحدي خلف باب غرفتي»، تبوح الصبّان (22 سنة). فالفتاة تحمل فوق وجهها قصة غير اعتيادية. هي قصة طفلةٍ كبرت لتكتشف إصابتها بداءٍ مزمن وعصيٍّ على العلاج. السمَكيّة تصيب البشرة بجفافٍ حادّ وتَقشُّر، ما يتسبّب بظهور طبقات إضافية من الجِلد.

لولا دعم والدَيها لبقيَت دانية أسيرة المرض وأحكام الناس (صور الصبّان)

لم يكن التعايش مع المرض صعباً على دانية، بِقَدر ما كان التعايُش مع نظرات الناس وأحكامِهم شبه مستحيل. «بعدما تأكّد والداي من أنني شخص يهاب المجتمع ويتجنب الاختلاط بالناس لئلّا يروا مرضي، وجدا في السوشيال ميديا الحل المثالي الذي قد يجعلني أتشجّع وأواجه الأمر الواقع». وقد أثبت ذلك فائدته فعلاً، ليس في إبراز موهبة الشابة الاستثنائية ومَنحِها دعماً معنوياً فحسب، بل في تسليحها كذلك ضد قسوة الآخرين. وهل من بيئةٍ أخصَب من وسائل التواصل الاجتماعي لتفجير الأحقاد وجَلد الآخرين من دون مبرّر؟

إلا أنّ دانية الصبّان كانت أقوى من التجريح الذي تعرّضت له وما زالت. وكما كان لصوتِها العذب فعلُ البلسَم على مسامع وقلوب عشرات آلاف المتابعين، كان لإطلالتها الرقميّة أثرٌ ساحر بأن جعلَتها تعبر باب الغرفة الموصَد إلى العالم الشاسع.

وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت دانية في الشفاء من خجلها ورهاب المجتمع (إنستغرام)

تغنّي دانية الصبّان منذ الرابعة من عمرها. اقتصرت الموهبة في البداية على جدران البيت وقاعات المدرسة، إلى أن أدركَ الوالدان أنّ ما في حنجرةِ ابنتهما يستحقّ أكثر. بدأت بإعادة أغانٍ معروفة على طريقتها، ثم فاجأها الاستوديو الذي تتعاون معه بأغنيةٍ مُعَدّةٍ لها. سجّلتها وأصدرتها لتنطلق منذ ذلك الحين رحلة الأعمال الخاصة المتعددة اللهجات، من الخليجية مروراً بالمصرية وليس انتهاءً بالعراقية.

لا تُنكر الفنانة الصاعدة أنّ الفيديوهات التي تؤدّي فيها أغاني معروفة لفنانين سواها، تحقّق أرقاماً أعلى من الأغاني الخاصة. «طبعاً هذا يضايقني قليلاً لأني أضع مجهوداً كبيراً في أعمالي الخاصة»، تقول الصبّان. لكنها سرعان ما توضح بصراحةٍ جريئة: «لولا تلك الأغاني الـcovers لما كنت وصلت إلى الناس وإلى حيث أنا اليوم».

يلعب والد دانية دوراً أساسياً في اختيار الأغاني الخاصة، وهو أيضاً يملك موهبة الغناء لكنه لم يحترفه. أمّا النصيحة التي يكرّرها لها فهي أنّ الأغاني يجب أن تضع ذوق الناس أوّلاً قبل أن تروقَ لها شخصياً. وهي تصغي باقتناعٍ إلى والدها الذي يشكّل بالنسبة لها السنَد والقدوة.

أما من بين الفنانين، فالصبّان متأثّرة بكلٍ من شيرين وحسين الجسمي، كما تحلم بأن يجمعها المسرح يوماً ما بأحدهما أو بأيٍ من كبار مطربي العالم العربي. فإطلالاتها المباشرة أمام الناس لا تزال معدودة على أصابع اليد الواحدة، كانت أبرزها مشاركة في مسابقة للأغنية الوطنية فازت فيها بالمرتبة الأولى. وهي تضع تلك اللحظة في صدارة أجمل لحظات حياتها.

تحلم الشابة السعودية بأن يجمعها المسرح بكبار الفنانين العرب (إنستغرام)

لم تدرس دانية الموسيقى غير أنّ المشروع على قائمة أحلامها كذلك، وهي تتفرّغ حالياً لتخصّصها الجامعي في الإعلان والتسويق. بين الدراسة والواجبات العائلية والاجتماعية، تمضي معظم وقتها. أما ما تبقّى من ساعات فتتواصل خلالها مع متابعيها عبر الأغاني والنغمات.

ما زالت حتى اليوم، وبعد أكثر من 6 سنوات على اتّخاذها قرار الخروج إلى الضوء، تواجه التنمّر والتعليقات السلبية والهدّامة على غرار: «كيف تغنّي وأنتِ شكلك هيك». «أواجه بالصمت وعدم الاكتراث»، تعلّق الشابة التي منحتها تجربة المرض حكمة مَن يكبرونها سناً. وغالباً ما تكرّر الصبّان أنّ صوتها هو أثمن ما لديها: «صوتي هو الهِبة التي عوّضني بها الله عن مرضي».

في زمنٍ تتحوّل فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصاتٍ لإطلاق السموم والأحقاد، استطاعت دانية الصبّان أن تجعل من السوشيال ميديا منصةً لانطلاقتها الفنية المدوية. وهي جعلت منها كذلك حليفةً لها في كَسر الخجل والحواجز بينها وبين الناس.

ما تقوم به الفنانة السعودية الصاعدة أكثر من مجرّد رحلة موسيقية، وأبعد من فيديوهاتٍ غنائية تنال الإعجابات والتعليقات. تختصر رسالتها الإنسانية بعبارةٍ بسيطة: «لو أحد عنده حلم ممنوع يوقفه أي شيء عن تحقيقه». ودانية الصبّان هي في الواقع الوجه الجميل والنغم الرقيق، بمواجهة عالمٍ افتراضيّ غالباً ما تتحكّم به أصوات الكراهية والتوحّش.