مهرجان «البحر الأحمر» إطلالة العالم على مواهب جديدة

أفلام تطرح قضايا عائلية آنية

 الممثل التونسي ظافر العابدين مخرج فيلم «إلى ابني» (أ.ف.ب)
الممثل التونسي ظافر العابدين مخرج فيلم «إلى ابني» (أ.ف.ب)
TT

مهرجان «البحر الأحمر» إطلالة العالم على مواهب جديدة

 الممثل التونسي ظافر العابدين مخرج فيلم «إلى ابني» (أ.ف.ب)
الممثل التونسي ظافر العابدين مخرج فيلم «إلى ابني» (أ.ف.ب)

في اليوم الرابع من «مهرجان البحر الأحمر» تتبدّى طموحات المؤسسات السينمائية السعودية وقدرتها على توظيف الإمكانيات الحالية للانتقال من النطاق المحلّي إلى العالمي.

يختصر المهرجان المسافة على نحو كبير. عوض أن تنتقل تلك المحاولات والطموحات إلى العالم ها هو العالم يأتي إليها. هنا في مهرجان «البحر الأحمر» سوق تجارية نشطة وعقود جاهزة تُبرم كل يوم وعروض متوالية يحضرها المعنيون باكتشاف ما يمكن أن يثري التوزيع الخارجي ويثير فضول المشاهدين حول العالم.

العيون مفتوحة بانتباه على ما يمكن لشركات التوزيع الأجنبية تحويله إلى منتج دولي. والاهتمام الأول منصبٌ على الأفلام السعودية التي تحوّلت إلى منجم ينهل منه الحاضرون ما استطاعوا.

أفق جديد

هذا لم يكن ليحدث من دون المهرجان نفسه، الذي يلعب في الأساس دور الحافز القوي للمؤسسات والشركات السعودية لتصبح شريكاً دولياً في الحركة التسويقية، ما يُتيح للسينما السعودية انتشاراً غير مسبوق.

لكن المستفيد الأول هو تلك المواهب التي يتيح لها المهرجان الشاشة الكبيرة لتقديم أعمالها، لأنها من دونه كان من الصعب على سينما وُلدت بهذا الحجم قبل أربع سنوات (وُلدت قبل ذلك بحجم مختلف)، أن تشق طريقها صوب أي عروض، محلية كانت أو عالمية. النقلة التي نمت بفضل طموحات وقرارات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي حملت رؤى الانتقال بالمملكة، في كل صناعاتها وإنجازاتها إلى مرحلة جديدة بكل ما تحمله من متطلبات بلورة وتطوير المجتمع السعودي إلى أفق جديد لم يكن مطروقاً من قبل.

الأمر الآخر الذي يتيحه المهرجان الكبير هو توطيد العلاقة بين مختلف الفرقاء. بين المهرجان بصفته مؤسسة تسمح بكل تلك النشاطات الفنية والإعلامية، وبين المؤسسات الإنتاجية السعودية الطموحة وأيضاً بين حاجات السوق الدولية لعروض تعكس لا التقدم الصناعي للسينما السعودية فحسب، بل الموضوعات المحلية التي تفتح العين على ثراء المجتمع ككل. ومن ثمّ هناك ذلك الجيل الشاب الطامح اليوم أكثر مما كانت الظروف تسمح له سابقاً. دمٌ جديد سعودي وعربي ينضم إلى هذا التنوّع الكثيف ويزيده ثراءً بأعماله ويزداد في الوقت نفسه، خبرة.

مشهد من فيلم «إلى ابني» (مهرجان البحر الأحمر)

نسيج عائلي

إذ تتوالى العروض بين المحلي والعربي والعالمي يُتاح للناقد الوقوف عند الجديد، مما يمكن لمخرجي الأفلام طرحه مما لم يُطرح من قبل. بالأمس كان هناك «أغنية الغراب»، و«سطّار»، و«بين الرمال»، و«عبد»، وقبله «بركة بن بركة»، و«وجدة»، والآن هناك «ناقة»، و«مندوب»، و«حوجن»، و«إلى ابني»، وأفلام أخرى تتوالى وكل واحد منها يترك بصمة مختلفة على الشاشة وما وراءها.

«إلى ابني» دراما عائلية تنطلق في لندن، ولكن بعد ربع ساعة من بدء الفيلم، تقع معظم المشاهد في منطقة أبها. يبدأ المخرج التونسي ظافر العابدين فيلمه بمشهد لزوجين سعيدين يحتفلان بعيد ميلاد الزوجة. في الطريق إلى سيارتهما يستوقفهما مشرد شاب ويطلب مالاً. يعطيه الزوج بعض ما لديه، لكن الشاب يستدير صوب الزوجة للمزيد. عندما يحاول الزوج دفعه بعيداً عنهما يستلّ سكيناً ويطعن الزوجة بها فتموت بين يدي الزوج.

أصابته الحادثة هذه بحزن وقنوط شديدين دفعاه للاستقالة من عمله في مؤسسة إعلانات والعودة إلى منزل العائلة مع ابنه آدم (7 سنوات). الجميع فرح به ما عدا والده (إبراهيم الحساوي)، الذي ما زال غاضباً منه لأنه هاجر إلى الغرب وتزوّج من أجنبية على عكس إرادته.

من هنا تنسج الدراما خيوطاً عاطفية مكتوبة بدراية حول وضع الزوج فيصل (يؤديه المخرج بنفسه)، وابنه في البيئة الجديدة. يُحسب للمخرج عدم تحويل المكان إلى دعاية سياحية بسبب جمال المنطقة المعروف، كما معالجة الهدف من الفيلم وهو إظهار ضرورة اللُحمة العائلية بعيداً عن امتلاك القرار في شخص واحد.

لكن يُحسب عليه أنه يتحوّل تدريجياً من طرح وضع مثير للاهتمام إلى سلسلة من المشاهد التي تتوالى من دون عمق بل على نحو أفقي. هناك كشف اللثام عن أن فيصل مُصاب بالسرطان، الذي وصل إلى مرحلة حرجة وحلول شهر رمضان الذي يلعب دوره في تذليل المواقف بين فيصل وأبيه. المشهد الذي يتعانق فيه الاثنان، هو المشهد الذي تعلم يقيناً، وقبل حدوثه بنحو ساعة، ما سيؤول إليه، والمشهد الذي سيصفّق له الجمهور الذي يعتبره، وعلى نحو مفهوم، الذروة العاطفية المنتظرة.

على نحو مثير للجدل، فإن سقوط فيصل على أرض المنزل ونقله إلى المستشفى هو الأداة التي حرّكت عاطفة أبيه، وأزالت غشاوة العلاقة بينه وبين باقي أفراد العائلة. كان المرء يتمنّى لو أن النقاش بينهما ساهم في هذا التحوّل عوض انتظار حدوث فاجعة تذلّل العقبات.

لقطة من فيلم «إن شاء الله ولد» (مهرجان البحر الأحمر)

قانون ضد المرأة

«إن شاء الله ولد» لأمجد الرشيد فيلم أردني يسير في درب الدراما العائلية أيضاً. بطلته نوال (مُنى حوا) فقدت زوجها مؤخراً وتعيش مع ابنتها الصغيرة نورا (سلينا ربابعة)، وتنتقل ما بين البيت والمنزل الكبير حيث تعمل خادمة. الانتقال من وإلى منهك فزوجها الراحل لم يترك أي مدّخرات لها بل ترك ديوناً. وتكتشف نوال أنه توقف عن العمل منذ أربعة أشهر من دون أن يخبرها.

شقيق زوجها (هيثم عمري) يطالبها ببيع البيت لاسترداد دينه، وفي ذلك يستند إلى الفتوى التي تفرض على الزوجة التي لم تُنجب ولداً أن يشاركها أقارب الزوج في الإرث. لكن هذا البيت هو كل ما تملكه وهي لا تملكه قانونياً لأن الزوج كتبه باسمه قبل رحليه.

المسألة تتطور إلى خلاف بين فريقين كل منهما يحتاج إلى الفكاك من أزماته المادية. يعبّر المخرج أمجد الرشيد عن الوضع المتأزم بالحكاية التي تنتقد تحيّز القانون ضد المرأة من ناحية، وببعض المشاهد الرمزية مثل تلك الشاحنة التي امتلكها الزوج، لكنها لا تزال متوقفة في مكانها لأن الزوجة لا تعرف القيادة (ولا تريد بيعها أيضاً).

من الدلالات الأخرى ذلك الزحام الذي تعيشه الشوارع حيث الطرق تشبه مرآب سيارات كبير. على صعيد آخر، هناك المقارنة بين نوال وبين منزل العائلة الثرية حيث تعمل. وهناك مشاغل أخرى ومعاملة متوترة رغم التواصل بين نوال والزوجة التي تشكو من خيانة زوجها.

للأسف كل تلك الكتلة من المشاكل التي ترزح فوق كتفي نوال (والتي ستزول عندما تكتشف أنها حامل بذكر) مُعالجة بطموح محدود على الصعيد الفني. الحكاية مثيرة للاهتمام والتفاعل، لكن تلك المعالجة تمنحها شكلاً دراماً تلفزيونياً في الحس العام، كما في تأطير المشاهد وحدودها الإنتاجية.

من فيلم «كواليس» (مهرجان البحر الأحمر)

رقص للتعبير عن حالات

الفيلم المغربي «كواليس» (المسابقة) لمخرجيه خليل بنكيران وعفاف بن محمود، يطرح نفسه بوصفه مزيجاً فنياً متكاملاً كتابة وإخراجاً، وعلى نحو يشمل عناصر فنية أخرى وفي مقدّمتها فن الرقص التعبيري.

يبدأ، في الواقع، بفصل من مشاهد استعراض فرقة رقص حديث، تؤديه فرقة متكاملة، يستمر نحو عشر دقائق ومن دون تمهيد يدلّ على ما إذا الفيلم بأسره استعراضي على هذا النحو أم لا، وإذا ما كان سيستمر من دون حوار وبالموسيقى وحدها. ينفّذ المخرجان الفصل بمشاهد تنتقل تدريجياً من التعريف بالمكان العام إلى جموع الراقصين معاً ومن ثم إلى أفراد يؤدّون منفردين بعض تلك النُمَر الاستعراضية. عند هذا الحد ندرك أن الاستعراض الماثل هو مجرد تدريبات ولو إن ذلك لن يكشف عما سيقع لاحقاً عندما تقرر الفرقة القيام برحلتها التي كانت قررتها سابقاً رغم إصابة عايدة (عفاف بن محمود نفسها) برضوض حين يدفعها شريكها في الاستعراض (سيدي العربي الشرقاوي)، من دون قصد إلى الأرض. تصرّ على ركوب الحافلة التي ستقلّ الجميع إلى وجهتهم الأخيرة في منطقة بعيدة من البلاد.

تتوقف الحافلة في قلب الليل بعد انفجار إحدى عجلاتها. المنطقة مقطوعة والطريق الجبلية معزولة. ليس هناك من تفسير لمَ لم يحتفظ سائق الحافلة بعجلة احتياطية يستخدمها، لكن الناتج هو بدء أفراد الفرقة (نحو 10 أفراد بينهم الممثل الفلسطيني صالح بكري) المشي في قلب الليل صوب ما يعتقدون أنه البلدة القريبة.

الرحلة طويلة تصيب الجميع بالإرهاق. هناك الكثير من المناجاة في هذا المشوار الطويل. صحيح أن الفيلم يوفر حبكة يرغب المُشاهد في متابعتها، لكن الأحداث التي تقع خلال رحلة السير على الأقدام (ومنها ظهور قردة تثير الخوف في أفراد الفرقة)، متباعدة يقضيها الجميع في حوارات متواصلة مع بعض المشاهد الراقصة. الغاية المثلى هي جمالية مع تمرير حبكة من الأزمات الفردية والجماعية. كل ذلك منفّذ جيداً على نحو عام. هناك مواقف عاطفية ولو مبتورة، لكنها تدخل في صميم التركيبة الحدثية. المخرجان يدركان السبب الذي من أجله يحققان الفيلم.

الغاية هي إظهار ما قد يحدث في «كواليس» فرقة مسرحية من تجاذب علاقات، وطرح نقاشات، وتصوير وجوه وأجساد متعبة وقلقة. ما كان الفيلم بحاجة إلى بطانة سميكة تضيف إلى كل ذلك مواقف أكثر تنوّعاً وحدّة. غير ذلك، هو مجرد فيلم يحمل قصّة جديدها أنها تدور حول فرقة استعراضية في ورطة. بالتالي، كان يحتاج إلى عين ثالثة خلال كتابة السيناريو، ربما لإضافة ما يلزم.


مقالات ذات صلة

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

يوميات الشرق تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

ينفرد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في حفل افتتاح دورته الـ15 بعرض نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» ليوسف شاهين.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق  أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

تنظيم النسخة الـ12 من «قمرة السينمائي» بقطر افتراضياً بفعل الحرب

أعلنت «مؤسسة الدوحة للأفلام» عن تنظيم النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» افتراضياً بفعل الحرب، والتطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

برحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة.

فيفيان حداد (بيروت)

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»