نامق لـ«الشرق الأوسط»: أخفيت رئيساً لـ235 يوماً والعالم جيّش 150 ألف جندي للعثور عليه

«إخفاء صدام حسين» رحلة غامضة في عالم الهروب والتخطيط السري

TT

نامق لـ«الشرق الأوسط»: أخفيت رئيساً لـ235 يوماً والعالم جيّش 150 ألف جندي للعثور عليه

بوستر فيلم «إخفاء صدام حسين»
بوستر فيلم «إخفاء صدام حسين»

تعد قصة إخفاء الرئيس العراقي السابق صدام حسين وإلقاء القبض عليه من بين الأحداث المحفورة في ذاكرة التاريخ العربي والعالمي الحديث، لما حملت هذه الفترة من تشويق وغموض، بعد تمكن الرئيس العراقي من الهرب والاختباء لفترة عن أنظار العالم قبل العثور عليه. الفيلم الوثائقي «إخفاء صدام» الذي عُرض في ثالث أيام مهرجان البحر الأحمر السينمائي يسرد تفاصيل هذه الرحلة الغامضة.

ويُعدّ الفيلم العمل الوثائقي الأول الذي يحكي على لسان «مخبئه» هذه الفترة الحاسمة في حياة الرئيس صدام حسين، فمنذ 18 عاماً، كانت القوات الأميركيّة الغازية تبحث في العراق عن رئيسه المخلوع، الّذي اختفى من دون أثرٍ كنثرةٍ في الهواء؛ ومن ثمّ أُلقي القبض عليه في مدينة الدور، مختبئاً في خندق بين الأشجار والورود. وكان علاء نامق (عمره اليوم 50 عاماً) أخفى صدّام لمدة 235 يوماً قبل أن تتعقّبه القوّات الأميركيّة في عام 2003، ويُعدم بعد 3 سنوات.

 

تنفيذ الفيلم

أقنع المخرج حلقوت مصطفى، نامق مُخبئ الرئيس الراحل، بسرد قصّته للمرّة الأولى في هذا الفيلم الوثائقيّ، الّذي استغرق صنعه 10 سنوات، وكان من الضّروريّ إحاطته بقدر كبير من السّرية؛ إذ إن طاقم العمل نفسه لم يكن يعرف بالموضوع الحقيقيّ للفيلم، الذي صوّر بين النرويج والعراق، وكتبه وأخرجه وشارك في إنتاجه حلقوت مصطفى، ومدّته 96 دقيقة.

وفي لقاء علاء نامق مع «الشرق الأوسط»، أكّد أنه لسنوات مضت، لم يكن لديه أي خطة لصنع الفيلم، على الرغم من إصرار وسائل الإعلام الغربية عليه منذ 2004 للإدلاء بقصته مع صدام، وذلك بعد خروجه من سجن أبو غريب، وعن ذلك يقول: «لم يكن وضعي يسمح بذلك، وكنا نقول انتهت القصة، وقد رحل من فعلنا ما يجب علينا فعله لإنقاذه. وبعد سنوات، انبرت الصحف، والتلفزيونات، ومواقع التواصل الاجتماعي، بالحديث عن القصة من جديد بشكل يومي، وبطريقة مغلوطة. الأمر الذي حفّزني للموافقة على صنع الفيلم».

البداية جاءت عندما ترك المخرج حلقوت خبراً مع أحد الشيوخ المقربين من نامق، الذي التقى بهم داخل العراق عام 2010، وحينها رُفض طلبه. ولكن بعد عودة الحديث عن قصة الرئيس الراحل من جديد في مواقع التواصل الاجتماعي، وافق نامق على طلب حلقوت، ليُظهر للعالم الحقيقة ولتكون روايته دليلاً قاطعاً على كل الشكوك التي تدور حول خيانته، وتسليمه للرئيس السابق صدام حسين، وطمعه في المبلغ الذي عرضته الحكومة الأميركية لمن يبلغ عن مكانه.

وفي عام 2012، التقى نامق بحلقوت وبدآ كتابة القصة، واستغرق التصوير نحو 11 عاماً، بسبب الأحداث التي عصفت خلال هذه الفترة بالمنطقة والعالم، وتسببت بتأخر خروجه للنور، بدءاً من سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي، ومروراً بأزمة فيروس «كورونا». يقول نامق: «الحمد لله الذي وفقني واستطعت أن أكمل الفيلم وأصوره وأشرح للعالم كيف أن عاداتنا العربية تكرّم الضيف وتتعهد بحمايته وتحمل مسؤوليته».

 

صدام حسين عن قرب

لطالما كان صدام حسين يقول لنامق إنه كقنبلة موقوتة وقد تنفجر في أي لحظة وتقتل من حولها. وكان نامق يرد عليه بأنه يعلم ذلك، ويؤكد له أنه تحمّل مسؤولية حمايته، ولن يتركه مهما حدث. يتابع نامق: «كان صدام كثير الأسئلة، ويحكي قصصاً وأخباراً يجس نبضنا بها. كانت لديه فراسة قوية، ويعرف الشخص أمامه، وما هي قدرته على التّحمل، وكان دائماً يحاول أن يستدرجنا بالكلام، ولم نكن نهتم، وكنا نقول له، ما يأتي من الله حياه الله، وما كتبه الله سبحانه وتعالى سوف نراه».

وحسب نامق، فقد كانت شخصية صدام حسين صعبة في بعض الأحيان، وبسيطة في أحيانٍ أخرى، مشيراً إلى أن عصبيته هذه وتوتره يعودان لكونه شخصية حيّر اختفاؤها العالم، الذي جيّشت أنظمته نحو 150 ألف جندي للبحث عنه، وترقّب لحظة القبض عليه.

وحين أعلنت الصحف أن الحكومة الأميركية رصدت مبلغ 25 مليون دولار لمن يُدلي بمعلومات عن صدام حسين أو يسلّمه، كان نامق يأتي بها لصدام ويتلاطف معه في الكلام، ويقول له: «لقد زاد سعرك سيدي»، كما كان يأتيه بصحف نشرت صوره بأكثر من شكل، ليريه كيف كان الأميركيون يبحثون عنه، ويقول: «رغم كل ذلك الحمد لله استطعنا حمايته، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى كتب له أن يُلقى القبض عليه ويُسلم».

 

مكان تصوير الفيلم

صُوّر الفيلم في الموقع الأصلي حيث اختبأ صدام حسين. وأوضح نامق أن الخندق لم يعد كما كان منذ 20 سنة، فقد هُدم أكثر من مرة، ولكنّهم أعادوا إصلاح ما خرّبه الجنود الأميركيون في المزرعة، لحين تمثيل الفيلم. وقال إن المزرعة باتت مهجورة، وجميع منازل عائلته دُمرت وسوّيت بالأرض، ويستطرد: «ضحينا بأنفسنا وبأملاكنا».

 

لماذا علاء النامق؟

قضية الاختيار كتبها صدام حسين في مذكراته، يقول نامق إنه «لم يخترني، ولكنه حين أُخرج من بغداد، ذهب لمشايخ وبقي في استضافتهم نحو 4 أو 5 أيام، وعندما عَلم بافتضاح أمره رحل عنهم ولجأ إلى منزل آخر، حيث بقي ليومين، وغادره أيضاً لأن أصحابه اعتذروا منه وطالبوه بالرحيل خوفاً على سلامتهم وحياتهم. هذا ما أخبرني به الرئيس صدام».

وتابع نامق: «عندما جاءني قلت له؛ لماذا اخترتنا؟ قال؛ في طريقي (هو من أهالي صلاح الدين بتكريت) غفت عينيّ لربع ساعة، وجاءني شخص كطيف قال لي اذهب إلى بيت حجي نامق، ولم يذكر من هو حجي نامق، وعندما استيقظت سألت الرجال الذين تكفلوا حمايتي؛ أين نحن؟ فأخبروني عن المسافة التي تبعدنا عن سامراء، فقلت لهم خذوا طريق الدور، وعندما سلكناها طلبت منهم أن نذهب إلى منزل النامق، ولدى وصوله التقى بوالدي الذي قال له؛ إن شاء الله نقدر نحميك».

وأكد نامق أن والده كان قلقاً جداً وخائفاً من التضحية بنا، لكنّه تحدث مع والده بالأمر، وقال له: «الموضوع وقع عليك، وإن شاء الله سأستطيع تحمل تبعاته، وسأكون عند حسن ظنك، فجهّز المكان، إلا أنهم خلال 235 يوماً تنقلوا بين أكثر من مكان».

 

اللحظات الأخيرة

يقول نامق إن آخر كلمات نطق بها صدام كانت «غيّر لي المكان، أريد أن أتركه خلاص»، فقلت له: «ماشي سيدي، لدي مكان آخر»، فجهّزته له وسألته؛ لماذا؟ أجاب: «يجب علينا أن نغادر هذا المكان»، قلت له: «نغادره حالاً». يقول نامق: «لصدام حسين حاسة سادسة قويّة، كان يشعر بالأحداث قبل وقوعها، وبالفعل كانت تحصل». وأضاف صدام: «لا، غداً صباحاً»، كلامه هذا نطق به يوم 13 - 12 - 2003، قلت له حينها: «الآن نغيره»، قال: «لا، اجلس». بدأ هو بتجهيز طعام العشاء، وقبل ذلك ذهبت أجهز له المكان الثاني. «لا زلت أذكر ذلك الإحساس القوي الذي انتابه بأن أمراً ما سيحدث، ولحظة جلسنا لتناول العشاء، داهمت القوات الأميركية المزرعة، وأُلقي القبض علينا مباشرة».

 

اعتقال وتهديد

يقول نامق: «اعتقلت في سجن أبو غريب وتعرضت لشتى أنواع التعذيب، وبعد 7 أشهر أطلقوا سراحي، حين تأكدوا أنّه لا قصة لدي سوى أني أخفيت صدام حسين، كما لا علاقة لي بالسياسة. وبعد خروجي تعرضت لمحاولات اغتيال كثيرة، ونجوت بقدرة الله وحمده، ولكن للأسف نجحت عملية خطف أخي، وقضى 33 يوماً في شنطة بسيارة للضغط عليّ، كي لا أحكي عن قصة إخفاء الرئيس السابق صدام حسين. وبعد مرور سنوات طوال، وتناول الأكاذيب في سرد قصتي مع صدام وتشويه الحقائق، قررت أن أروي حقيقة ما حدث، لأقول؛ أنا لست خائناً، ولن أسمح لأحد أن ينادي أبنائي بأولاد الخائن».


مقالات ذات صلة

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

يوميات الشرق صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

شهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان «فينيسيا»، وفاز بجائزة «نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في دورته التاسعة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)

«بوابة الأفلام المحلية»... كيف تُقرأ اقتصاديات السينما السعودية؟

توفر المنصة حاسبة تقدّر عدد التذاكر والإيرادات اللازمة لاسترداد تكاليف الفيلم، بناءً على ميزانية الإنتاج والتسويق ومتوسط سعر التذكرة وعمولة الموزع.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق جمع الفيلم بين ممثلين عرب وصينيين (الشركة المنتجة)

المخرج الصيني ون موييه: «مطعم التنين» أنشودة للسلام وسط طبول الحرب

قال المخرج الصيني ون موييه إن ما جذبه إلى حكاية فيلمه «مرحباً بكم في مطعم التنين» هو وجود حياة تحاول الاستمرار داخل الحرب.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق صبري تراهن على ترسيخ مكانتها بطلةً سينمائيةً (حسابها على «فيسبوك»)

هل قدمت ياسمين صبري «أوراق اعتمادها» في أول بطولة سينمائية مطلقة؟

تخوض الفنانة المصرية ياسمين صبري أولى بطولاتها السينمائية المطلقة من خلال فيلم «نصيب».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق «كل رجال الرئيس» (وورنر برذرز)

50 عاماً على «كل رجال الرئيس»

50 سنة مرّت على الفيلم الذي يبدو، حين مشاهدته اليوم، شاهداً على حرص هوليوود وقتها على إنتاج أعمال سياسية مرتبطة مباشرة بأحداث واقعية.

محمد رُضا (لندن)

مغامر بريطاني يختتم رحلة مشي حول العالم استمرّت 28 عاماً

المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
TT

مغامر بريطاني يختتم رحلة مشي حول العالم استمرّت 28 عاماً

المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)

وصل المغامر البريطاني كارل بوشبي سيراً على الأقدام إلى منزل والدته في مدينة هال، شمال شرقي إنجلترا، يوم الاثنين، مختتماً رحلة ملحمية حول العالم كان قد بدأها في أميركا الجنوبية قبل 28 عاماً، وتحديداً في عام 1998، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

كان بوشبي في التاسعة والعشرين من عمره حين انطلق في رحلته، وهو اليوم في السابعة والخمسين.

اجتاز بوشبي مساحات من الجليد المتحرك عبر مضيق بيرينغ، وسبح عبر بحر قزوين والقناة الإنجليزية (بحر المانش). لكن الجزء الأكبر من رحلته كان برياً؛ إذ قادته قدماه عبر أدغال خطرة، وغابات مطيرة، وصحارٍ، ومناطق تندرا متجمدة، في ظل ظروف مناخية متنوعة للغاية.

حشد من المهنئين يحيط بالمغامر البريطاني كارل بوشبي خلال توجهه إلى منزل والدته في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة امتدت نحو 50 ألف كيلومتر (أ.ف.ب)

فيما يلي نظرة إلى مغامرة بوشبي بالأرقام:

75 مليون خطوة

لو كانت أجهزة تتبّع اللياقة البدنية موجودة عندما بدأ بوشبي رحلته، فمن المرجّح أنها لم تكن لتتمكّن من مواكبة العدد التراكمي لخطواته.

50 ألف كيلومتر

تعادل المسافة الإجمالية التي قطعها، والبالغة نحو 50 ألف كيلومتر، خوض 10 آلاف سباق جري على الطرق، طول كل منها خمسة كيلومترات.

10229 يوماً

قدّر بوشبي في البداية أنه يستطيع قطع المسافة خلال خمس سنوات.

قال إنه لاحقاً «كان يظن أنها ستستغرق 12 عاماً أو أكثر... لكننا لم نتخيّل قط، حتى في أبعد تصوّراتنا، أنها ستستغرق (الرحلة) 28 عاماً».

وهذا يعادل 10229 يوماً.

كارل بوشبي يتحدث خلال استقبال رسمي في ساحة الملكة فيكتوريا بمدينة هال البريطانية عقب عودته الاثنين من رحلة بدأت في تشيلي قبل 28 عاماً (د.ب.أ)

31 يوماً

عندما سدّت النزاعات الجيوسياسية طريقه عبر روسيا وإيران، قرّر بوشبي عبور بحر قزوين سباحة، وهو أكبر مسطح مائي داخلي في العالم.

وخلال العبور الذي استغرق 31 يوماً، استخدم أسلوباً يطلق عليه اسم «فلوتيمينغ»، يجمع بين الطفو والسباحة. وكان يرتدي سترة طفو وبدلة غوص، ويدفع نفسه إلى الخلف بتحريك ذراعيه في الماء.

30 دولة

انطلق من تشيلي وأنهى رحلته في المملكة المتحدة، ودخل أو مرّ عبر 30 دولة قبل عودته إلى منزله.

10 أعوام

لم يستغرق عبور أي دولة وقتاً أطول مما استغرقه اجتياز روسيا، حيث امتدّت رحلته لنحو عقد.

فقد احتجز وواجه الترحيل بتهمة الدخول بصورة غير قانونية بعد عبوره مضيق بيرينغ عام 2006، ولم يسمح الطقس القاسي بالسفر إلا لبضعة أشهر كل عام، فيما أجبرته التأخيرات البيروقراطية مراراً على مغادرة البلاد.

وبعدما رفضت روسيا منحه تأشيرة عام 2012، أمضى عاماً يمشي مسافة 3500 ميل، أي نحو 5600 كيلومتر، من لوس أنجليس إلى السفارة الروسية في واشنطن احتجاجاً على القرار. وقد زوّدته السفارة بعد ذلك بالأوراق اللازمة.

المغامر البريطاني كارل بوشبي يتحدث إلى مؤيديه خلال إتمام المرحلة الأخيرة من رحلة المشي التي استمرت 28 عاماً في هال ببريطانيا يوم الاثنين (إ.ب.أ)

أربع قارات

قادت الرحلة بوشبي عبر أميركا الجنوبية وأميركا الشمالية وآسيا وأوروبا؛ أي أربع قارات من أصل قارات العالم السبع.

قصتا حب

وقع في الحب مرتين، وانكسر قلبه في المرتين. فقد جمعته علاقتان طويلتان بامرأة من كولومبيا وأخرى من اليابان، لكن أياً منهما لم تصمد أمام الضغوط التي فرضتها رحلته.

أحذية «كثيرة»

يقدّر بوشبي أنه أبلى 10 أزواج من الأحذية في الأميركتين قبل أن يتوقف عن العدّ. وكان ذلك قبل 20 عاماً.


«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
TT

«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)

يراهن «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» في المغرب، في دورته الـ23، على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى، عبر اختيارات تتتبَّع أثر الأزمات الكبرى في تفاصيل الحياة اليومية، ويتوزع هذا الاهتمام بين أفلام تقترب من السكان العالقين تحت الحصار، وأخرى تلاحق أحلام اللاجئين وعلاقات الأسر التي فرقتها الهجرة.

ويجمع المهرجان، المقرر إقامته من 20 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، 76 فيلماً من 39 بلداً، بينها 10 أفلام تُعرض للمرة الأولى عالمياً، بينما استفاد 12 فيلماً من دعم «ورشات الأطلس»، برنامجه المخصص للصناعة السينمائية وتطوير المواهب، وفق بيان أصدره المهرجان الاثنين.

وتتوزع الاختيارات على المسابقة الرسمية والعروض الاحتفالية وأقسام «آفاق» و«القارة الحادية عشرة» و«بانوراما السينما المغربية» و«الجمهور الناشئ والأسرة»، إضافة إلى أفلام التكريمات.

ويبرز الحضور المصري مع اختيار فيلم «أضعف خلقه» للمخرج المصري عمر هلال، للعرض للمرة الأولى عالمياً ضمن العروض الاحتفالية. ويجمع الفيلم أحمد حلمي وهند صبري للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة، إلى جانب محمود حافظ وكريم قاسم ومحمد رضوان وليلى عز العرب، في مغامرة تمزج الكوميديا السوداء بالتشويق، بإنتاج مشترك بين بريطانيا ومصر والسعودية.

ويمتد الحضور المصري إلى المسابقة الرسمية عبر فيلم «في ظلال القاهرة»، لراني وسالم مصالحة، الذي يشهد أيضاً عرضه العالمي الأول. وتدور أحداث الفيلم في قلب المجتمع القبطي المصري، ضمن عمل تشويقي حميمي يشارك في بطولته حسن مالك، وتارا عماد، وكامل الباشا، وحمزة العيلي، وجهاد حسام الدين، وكريم أدريانو.

ويضم قسم «آفاق» فيلم التشويق النفسي «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حماد، فيما تشارك المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص بفيلم «البرانية» في قسم «القارة الحادية عشرة». ويحتضن القسم الأخير أيضاً الوثائقي «إدوارد سعيد: بين عالمين» للمخرجة الدنماركية الأميركية مايكن بيرد.

وتضم المسابقة الرسمية 14 فيلماً طويلاً تمثل الأعمال الأولى أو الثانية لمخرجيها، وتتنافس على النجمة الذهبية أمام لجنة تحكيم ترأسها الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار. وتكشف موضوعاتها عن انشغال جيل جديد من السينمائيين بعالم تتراجع فيه مساحات الأمان، وتترك فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية آثاراً عميقة في العلاقات والاختيارات الشخصية.

يعرض فيلم «وقائع زمن الحصار» ضمن الفعاليات (الشركة المنتجة)

ويقدم المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب فيلم «وقائع زمن الحصار»، مقترباً من تفاصيل الحياة اليومية للسكان العالقين وسط الحرب.

ويمتد أثر العنف إلى الذاكرة ومحاولات الترميم في «بنيمانا»، للمخرجة الرواندية ماري كليمونتين دوسابيجامبو، الذي يتناول جبر الضرر بعد الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا.

وتحضر الهجرة من زوايا متعددة، تبدأ من مأساة العبور وتصل إلى الحياة التي تتشكل بعده. ففي «فتى الكونغو» للمخرج الكونغولي رافيكي فاريالا، يتطلع لاجئ شاب في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى أن يصبح موسيقياً. ويمنح الحلم الفني الشخصية أفقاً خاصاً، ويفسح المجال أمام طموحها وقدرتها على تخيل المستقبل، بما يوسع تناول تجربة اللجوء لتشمل الرغبات التي تستمر رغم قسوة الظروف.

وفي «بيت الريح» للمخرج الكاميروني أوغوست برنار كويمو يانغو، ينتقل الاهتمام إلى أم تحاول الحفاظ على صلتها بأبنائها الذين رحلوا إلى أوروبا. وتتيح الحكاية الاقتراب من أثر الهجرة في الذين بقوا.

وتتقاطع الهجرة مع ظروف العمل في «توت الأرض» للمخرجة المغربية ليلى المراكشي، الذي يتناول حياة العاملات الموسميات في إسبانيا، ويُعرض ضمن العروض الاحتفالية. ويتسع حضور النساء مع فيلم «ورود مراكش» الذي تجمع فيه المخرجة الإيطالية جينيفرا إلكان بين فاني أردان ونسرين الراضي، في حكاية عن التضامن بين النساء صُوّرت في المغرب. بينما تقدم المخرجة اليمنية الاسكوتلندية سارة إسحاق، في «المحطة»، رؤية نسوية لعالم متخيل قاتم في اليمن.

ويجد الانهيار الاقتصادي موقعه في المسابقة عبر «غضب» للمخرج اللبناني رامي قديح، الذي ينطلق من عملية سطو على بنك في قلب الأزمة اللبنانية.

ويرى الناقد السعودي أحمد العياد أن اختيارات النسخة الجديدة من المهرجان تعكس اهتماماً بقيمة الأفلام وخصوصية تجاربها، والقدرة على استقطاب أعمال مهمة من دول وثقافات مختلفة، بما يمنح البرنامج تنوعاً ثرياً في الموضوعات وأساليب التعبير. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجمع بين التجارب الأولى والأعمال الجديدة لمخرجين بارزين يخلق مساحة للتفاعل بين أجيال سينمائية متعددة، ويتيح للجمهور اكتشاف أصوات تمتلك رؤيتها الخاصة، وتقدم زوايا مختلفة لفهم التحولات التي يعيشها العالم».

ويلفت العياد إلى أن حضور حكايات الحرب والمنفى والهجرة يتكامل مع اهتمام البرنامج بالتفاصيل الإنسانية لهذه التجارب، من خلال شخصيات تحاول الحفاظ على أحلامها وعلاقاتها وقدرتها على الاستمرار، معتبراً أن قيمة هذا التوجه تتصل بتعدد المعالجات الفنية، ومنح كل تجربة فرصة للتعبير عن بيئتها وخصوصيتها.

Your Premium trial has ended


علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
TT

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني علي أصغري إنه وجد فكرة فيلمه «قليل من النور» (A Bit of Light) في مشاهد الحياة اليومية التي تستمر تحت القصف، حين يواصل الناس أعمالهم ورعاية أسرهم رغم الخوف والإرهاق، عادّاً أن هذا التجاور بين الحياة والموت دفعه إلى البحث عما يجعل الإنسان يتمسّك بوجوده.

وأضاف أصغري، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن الفكرة بدأت خلال الحرب مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، حين تأثر بمشاهدة أشخاص يواصلون حياتهم في بلد يتعرّض للهجمات. وكان السؤال الذي يشغله هو ما الذي يربط هؤلاء بالحياة وسط ظروف تُثقلهم بالخوف، وكيف يمكن للسينما الاقتراب من قدرتهم على الاستمرار من خلال تجربة إنسان واحد.

وتبلورت الشخصية الرئيسية بعد أحاديث أجراها مع أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بينهم طبيب تعامل مع مصابي أحداث يناير (كانون الثاني) في إيران. وقال إن الحديث معه منحه مدخلاً إلى الحكاية؛ فقد كانت لديه فكرة عن الحياة بجوار المأساة، لكنه احتاج إلى شخصية تتجسد فيها، فوجدها في طبيب يفكر في إنهاء حياته، فيما يظل معنياً بحياة الآخرين.

ويتتبع الفيلم رحلة الطبيب «آرش»، الذي يتعرض للاعتقال وتُغلق عيادته بسبب علاجه مصابين في الاحتجاجات، فيفقد ثقته بالمستقبل ويقرر إنهاء حياته. ويقضي يوماً في زيارة والدته وأشقائه استعداداً لغيابه، لكن لقاءاته معهم تعيد فتح ما ظن أنه حسمه، وتضعه أمام روابط ومسؤوليات يصعب الانفصال عنها بمجرد اتخاذ قرار.

وشهد «قليل من النور» عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، قبل أن يفوز بـ«نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في الدورة التاسعة من المهرجان المصري الذي اختتمت فعالياته أخيراً.

وأوضح أصغري أن «اختيار الطبيب ارتبط بكون الأطباء شهوداً مباشرين على ما جرى، في وقت جعل فيه انقطاع الإنترنت معرفة الأحداث أكثر صعوبة بالنسبة إلى الآخرين. فقد استقبلوا المصابين وشاهدوا القتلى، وتعاملوا مع آثار العنف عن قرب، وهو ما حمّلهم أعباء نفسية إلى جانب مسؤولياتهم المهنية. وأردت من خلال الشخصية تقديم تحية إليهم ورصد ما عانوه خلال تلك الفترة».

وتوقف عند المفارقة التي تحكم علاقة بطله بمهنته، فهو مسؤول عن إنقاذ الآخرين، لكنه يفقد الرغبة في مواصلة حياته، موضحاً أن «هذه المفارقة كانت مهمة في بناء الشخصية». وأكد أن قرارها لا يصدر عن سبب منفرد، وإنما عن تداخل ضغوط اجتماعية مع ما شهدته من أحداث وما تعرضت له من اعتقال وقمع، حتى تفقد قدرتها على تصور مستقبل يمكن احتماله.

المخرج الإيراني علي أصغري (الشركة المنتجة)

وبدأ اختيار أفراد العائلة بالممثل ميثاق زارع، الذي يعرفه أصغري ويقدّر تجربته المسرحية والسينمائية، قبل أن يضطر إلى تغيير بعض اختياراته بعد اندلاع الحرب وتعذّر انتقال عدد من الممثلين إلى تركيا، والاستعانة بآخرين للأدوار المساعدة.

وكشف أصغري عن أن الفريق بدأ التصوير قبل اندلاع الحرب بأيام، وكان يتوقع حدوث تصعيد، لكنه لم يكن يعرف متى سيقع. ومع بدء الهجمات، أصبح استمرار التصوير متعذراً لأسباب أمنية، فتوقف العمل، ثم نُقل تصوير المشاهد الداخلية إلى تركيا، في حين صُوّرت المشاهد الخارجية في إيران.

وعن انعكاس تجربته مع القيود المفروضة على صناعة الأفلام في شخصية الطبيب، قال أصغري إن العمل يتناول القيود، لكنه يعكس أيضاً حاجته الشخصية إلى استعادة الصلة بتفاصيل حياته اليومية، بعدما جعله الانشغال بأخبار الحروب والمآسي يغفل لحظات جميلة قريبة منه، مثل علاقته بأسرته ووالدته ومساعدة الآخرين.

وعن استجابة الجمهور، أبدى أصغري تأثره بالرسائل التي تلقاها من مصريين بعد عرض الفيلم في «الجونة»، مرجعاً تفاعلهم مع الحكاية إلى مساحات ثقافية مشتركة، خصوصاً ما يتعلق بمكانة الأسرة والأم، رغم اختلاف الظروف التي يعيشونها عن واقع شخصيات الفيلم.

أما خطوته المقبلة فقال إنه لا يعرف بعد طبيعة المشروع الذي سيعمل عليه أو مكان تصويره، لأن الظروف في إيران تتغير يومياً، وتجعل التخطيط للأشهر المقبلة أمراً صعباً. وأكد أن استمرار التهديد بالحرب يزيد هذا الغموض، ولذلك يحاول إنجاز أفلامه حين يشعر بأنه مستعد لها.