نامق لـ«الشرق الأوسط»: أخفيت رئيساً لـ235 يوماً والعالم جيّش 150 ألف جندي للعثور عليه

«إخفاء صدام حسين» رحلة غامضة في عالم الهروب والتخطيط السري

TT

نامق لـ«الشرق الأوسط»: أخفيت رئيساً لـ235 يوماً والعالم جيّش 150 ألف جندي للعثور عليه

بوستر فيلم «إخفاء صدام حسين»
بوستر فيلم «إخفاء صدام حسين»

تعد قصة إخفاء الرئيس العراقي السابق صدام حسين وإلقاء القبض عليه من بين الأحداث المحفورة في ذاكرة التاريخ العربي والعالمي الحديث، لما حملت هذه الفترة من تشويق وغموض، بعد تمكن الرئيس العراقي من الهرب والاختباء لفترة عن أنظار العالم قبل العثور عليه. الفيلم الوثائقي «إخفاء صدام» الذي عُرض في ثالث أيام مهرجان البحر الأحمر السينمائي يسرد تفاصيل هذه الرحلة الغامضة.

ويُعدّ الفيلم العمل الوثائقي الأول الذي يحكي على لسان «مخبئه» هذه الفترة الحاسمة في حياة الرئيس صدام حسين، فمنذ 18 عاماً، كانت القوات الأميركيّة الغازية تبحث في العراق عن رئيسه المخلوع، الّذي اختفى من دون أثرٍ كنثرةٍ في الهواء؛ ومن ثمّ أُلقي القبض عليه في مدينة الدور، مختبئاً في خندق بين الأشجار والورود. وكان علاء نامق (عمره اليوم 50 عاماً) أخفى صدّام لمدة 235 يوماً قبل أن تتعقّبه القوّات الأميركيّة في عام 2003، ويُعدم بعد 3 سنوات.

 

تنفيذ الفيلم

أقنع المخرج حلقوت مصطفى، نامق مُخبئ الرئيس الراحل، بسرد قصّته للمرّة الأولى في هذا الفيلم الوثائقيّ، الّذي استغرق صنعه 10 سنوات، وكان من الضّروريّ إحاطته بقدر كبير من السّرية؛ إذ إن طاقم العمل نفسه لم يكن يعرف بالموضوع الحقيقيّ للفيلم، الذي صوّر بين النرويج والعراق، وكتبه وأخرجه وشارك في إنتاجه حلقوت مصطفى، ومدّته 96 دقيقة.

وفي لقاء علاء نامق مع «الشرق الأوسط»، أكّد أنه لسنوات مضت، لم يكن لديه أي خطة لصنع الفيلم، على الرغم من إصرار وسائل الإعلام الغربية عليه منذ 2004 للإدلاء بقصته مع صدام، وذلك بعد خروجه من سجن أبو غريب، وعن ذلك يقول: «لم يكن وضعي يسمح بذلك، وكنا نقول انتهت القصة، وقد رحل من فعلنا ما يجب علينا فعله لإنقاذه. وبعد سنوات، انبرت الصحف، والتلفزيونات، ومواقع التواصل الاجتماعي، بالحديث عن القصة من جديد بشكل يومي، وبطريقة مغلوطة. الأمر الذي حفّزني للموافقة على صنع الفيلم».

البداية جاءت عندما ترك المخرج حلقوت خبراً مع أحد الشيوخ المقربين من نامق، الذي التقى بهم داخل العراق عام 2010، وحينها رُفض طلبه. ولكن بعد عودة الحديث عن قصة الرئيس الراحل من جديد في مواقع التواصل الاجتماعي، وافق نامق على طلب حلقوت، ليُظهر للعالم الحقيقة ولتكون روايته دليلاً قاطعاً على كل الشكوك التي تدور حول خيانته، وتسليمه للرئيس السابق صدام حسين، وطمعه في المبلغ الذي عرضته الحكومة الأميركية لمن يبلغ عن مكانه.

وفي عام 2012، التقى نامق بحلقوت وبدآ كتابة القصة، واستغرق التصوير نحو 11 عاماً، بسبب الأحداث التي عصفت خلال هذه الفترة بالمنطقة والعالم، وتسببت بتأخر خروجه للنور، بدءاً من سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي، ومروراً بأزمة فيروس «كورونا». يقول نامق: «الحمد لله الذي وفقني واستطعت أن أكمل الفيلم وأصوره وأشرح للعالم كيف أن عاداتنا العربية تكرّم الضيف وتتعهد بحمايته وتحمل مسؤوليته».

 

صدام حسين عن قرب

لطالما كان صدام حسين يقول لنامق إنه كقنبلة موقوتة وقد تنفجر في أي لحظة وتقتل من حولها. وكان نامق يرد عليه بأنه يعلم ذلك، ويؤكد له أنه تحمّل مسؤولية حمايته، ولن يتركه مهما حدث. يتابع نامق: «كان صدام كثير الأسئلة، ويحكي قصصاً وأخباراً يجس نبضنا بها. كانت لديه فراسة قوية، ويعرف الشخص أمامه، وما هي قدرته على التّحمل، وكان دائماً يحاول أن يستدرجنا بالكلام، ولم نكن نهتم، وكنا نقول له، ما يأتي من الله حياه الله، وما كتبه الله سبحانه وتعالى سوف نراه».

وحسب نامق، فقد كانت شخصية صدام حسين صعبة في بعض الأحيان، وبسيطة في أحيانٍ أخرى، مشيراً إلى أن عصبيته هذه وتوتره يعودان لكونه شخصية حيّر اختفاؤها العالم، الذي جيّشت أنظمته نحو 150 ألف جندي للبحث عنه، وترقّب لحظة القبض عليه.

وحين أعلنت الصحف أن الحكومة الأميركية رصدت مبلغ 25 مليون دولار لمن يُدلي بمعلومات عن صدام حسين أو يسلّمه، كان نامق يأتي بها لصدام ويتلاطف معه في الكلام، ويقول له: «لقد زاد سعرك سيدي»، كما كان يأتيه بصحف نشرت صوره بأكثر من شكل، ليريه كيف كان الأميركيون يبحثون عنه، ويقول: «رغم كل ذلك الحمد لله استطعنا حمايته، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى كتب له أن يُلقى القبض عليه ويُسلم».

 

مكان تصوير الفيلم

صُوّر الفيلم في الموقع الأصلي حيث اختبأ صدام حسين. وأوضح نامق أن الخندق لم يعد كما كان منذ 20 سنة، فقد هُدم أكثر من مرة، ولكنّهم أعادوا إصلاح ما خرّبه الجنود الأميركيون في المزرعة، لحين تمثيل الفيلم. وقال إن المزرعة باتت مهجورة، وجميع منازل عائلته دُمرت وسوّيت بالأرض، ويستطرد: «ضحينا بأنفسنا وبأملاكنا».

 

لماذا علاء النامق؟

قضية الاختيار كتبها صدام حسين في مذكراته، يقول نامق إنه «لم يخترني، ولكنه حين أُخرج من بغداد، ذهب لمشايخ وبقي في استضافتهم نحو 4 أو 5 أيام، وعندما عَلم بافتضاح أمره رحل عنهم ولجأ إلى منزل آخر، حيث بقي ليومين، وغادره أيضاً لأن أصحابه اعتذروا منه وطالبوه بالرحيل خوفاً على سلامتهم وحياتهم. هذا ما أخبرني به الرئيس صدام».

وتابع نامق: «عندما جاءني قلت له؛ لماذا اخترتنا؟ قال؛ في طريقي (هو من أهالي صلاح الدين بتكريت) غفت عينيّ لربع ساعة، وجاءني شخص كطيف قال لي اذهب إلى بيت حجي نامق، ولم يذكر من هو حجي نامق، وعندما استيقظت سألت الرجال الذين تكفلوا حمايتي؛ أين نحن؟ فأخبروني عن المسافة التي تبعدنا عن سامراء، فقلت لهم خذوا طريق الدور، وعندما سلكناها طلبت منهم أن نذهب إلى منزل النامق، ولدى وصوله التقى بوالدي الذي قال له؛ إن شاء الله نقدر نحميك».

وأكد نامق أن والده كان قلقاً جداً وخائفاً من التضحية بنا، لكنّه تحدث مع والده بالأمر، وقال له: «الموضوع وقع عليك، وإن شاء الله سأستطيع تحمل تبعاته، وسأكون عند حسن ظنك، فجهّز المكان، إلا أنهم خلال 235 يوماً تنقلوا بين أكثر من مكان».

 

اللحظات الأخيرة

يقول نامق إن آخر كلمات نطق بها صدام كانت «غيّر لي المكان، أريد أن أتركه خلاص»، فقلت له: «ماشي سيدي، لدي مكان آخر»، فجهّزته له وسألته؛ لماذا؟ أجاب: «يجب علينا أن نغادر هذا المكان»، قلت له: «نغادره حالاً». يقول نامق: «لصدام حسين حاسة سادسة قويّة، كان يشعر بالأحداث قبل وقوعها، وبالفعل كانت تحصل». وأضاف صدام: «لا، غداً صباحاً»، كلامه هذا نطق به يوم 13 - 12 - 2003، قلت له حينها: «الآن نغيره»، قال: «لا، اجلس». بدأ هو بتجهيز طعام العشاء، وقبل ذلك ذهبت أجهز له المكان الثاني. «لا زلت أذكر ذلك الإحساس القوي الذي انتابه بأن أمراً ما سيحدث، ولحظة جلسنا لتناول العشاء، داهمت القوات الأميركية المزرعة، وأُلقي القبض علينا مباشرة».

 

اعتقال وتهديد

يقول نامق: «اعتقلت في سجن أبو غريب وتعرضت لشتى أنواع التعذيب، وبعد 7 أشهر أطلقوا سراحي، حين تأكدوا أنّه لا قصة لدي سوى أني أخفيت صدام حسين، كما لا علاقة لي بالسياسة. وبعد خروجي تعرضت لمحاولات اغتيال كثيرة، ونجوت بقدرة الله وحمده، ولكن للأسف نجحت عملية خطف أخي، وقضى 33 يوماً في شنطة بسيارة للضغط عليّ، كي لا أحكي عن قصة إخفاء الرئيس السابق صدام حسين. وبعد مرور سنوات طوال، وتناول الأكاذيب في سرد قصتي مع صدام وتشويه الحقائق، قررت أن أروي حقيقة ما حدث، لأقول؛ أنا لست خائناً، ولن أسمح لأحد أن ينادي أبنائي بأولاد الخائن».


مقالات ذات صلة

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

يوميات الشرق «الفهد» (تاتيوس فيلمز)

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

ليس «سارقو الدراجات» بداية الواقعية الجديدة بل أحد تتويجاتها، فيما تكشف العودة إلى أعمال لوكينو ڤيسكونتي المبكرة عن الجذور الفعلية لهذا التيار وتحولاته اللاحقة

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العِجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)

المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

قالت المخرجة اللبنانية رانية الرافعي إن فكرة فيلمها الوثائقي «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» لم تبدأ من قصة محددة، وإنما انطلقت من أسئلة طويلة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان أحمد زكي المُلقَّب بـ«النمر الأسود» (فيسبوك)

أين تُعرض مقتنيات أحمد زكي؟ لغز يتجدَّد كلّ عام

قائمة مقتنياته وأغراضه الخاصة لم تُعرض جماهيرياً حتى الآن، أسوةً ببعض نجوم الفنّ المصري.

داليا ماهر (القاهرة )

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
TT

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)

في زاوية متسعة من شارع بهاء الدين قراقوش، كانت نسمات الصباح المُنعشة تضفي على أجواء حي الزمالك الشهير جمالاً استثنائياً، وأمام عمارة «زهراء الجزيرة»، التي غادرها الفنان الكبير الراحل عبد الحليم حافظ منذ نحو 5 عقود، وقفت 3 فتيات جزائريات مقيمات في فرنسا، في انتظار «موعد غرام»، بعدما غلبهن الشوق لزيارة بيت «العندليب».

لافتة توثق إقامة عبد الحليم بعمارة زهراء الجزيرة (الشرق الأوسط)

وفيما كانت إحداهن تُدندن: «لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية»، كانت الفتاتان الأخريان تُلحِّان على الحارس، أملاً في السماح لهن بتحقيق حلمهن بزيارة منزل «أعز الناس».

يؤكد حارس العقار أنه يجد نفسه يومياً في مثل هذا الموقف، إذ يقصده محبو «حليم» من مختلف الجنسيات العربية، طلباً لزيارة منزله.

ورغم مرور الوقت، فإن الفتيات الجزائريات تحلَّين بصبرٍ لافت، حتى تحقق حلمهن أخيراً بالصعود إلى «مركب الأحلام» في الطابق السابع، حيث شقة «العندليب الأسمر». وما إن فُتح باب المصعد، حتى انكشف الستار عن «حكاية حب» الناس لحليم، رغم رحيله عن دنيانا منذ 49 عاماً، في مثل هذا التوقيت.

تطغى كلمات الحب والغرام على جدران مدخل الشقة، حتى تكاد تُخفي لونها الأصلي. وقد منحت عفوية الزائرين المصريين والعرب، وتباين أقلامهم وخطوطهم وتعبيراتهم، هذه الجدران مَلمحاً تشكيلياً مميزاً.

وأُتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارة شقة «العندليب»، قبيل إغلاقها مؤقتاً من قبل الأسرة أمام الزوار.

ردهة الاستقبال بشقة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

«ومين ينسى، ومين يقدر في يوم ينسى حليم، حبيبنا أعز الناس»، «فعلاً جبار يا حبيب الملايين»، «يا حليم يا عبقري يا أسطورة»، «تلميذك تامر حسني... 2008»، «حبيبي الغالي، ستظل في وجداني إلى الأبد»، «إنسان بسيط من الصعيد يدعو لك بالرحمة»... هذه الكلمات غيضٌ من فيض، تُعبِّر عن مدى الحب الجارف لـ«العندليب الأسمر» من أجيال لم تتح لها فرصة الاقتراب منه أو رؤيته خلال حياته، فجاءت إلى هنا لتستعيد صورته الأسطورية.

وما إن يُفتح باب شقة «مدَّاح القمر»، حتى ينكشف الستار عن «ليالي الحب» وأيام حليم «الحلوة» وأخرى «حزينة». وتتصدر صورة كبيرة لحليم ردهة الاستقبال، التي تقود إلى صالة المنزل الفسيحة. ويكسر اللون الداخلي للشقة، المائل إلى الزرقة، ديكورٌ أبيض منمَّق، ولوحات قرآنية، ونجف حائط، ولوحات زيتية تُجسِّد «العندليب»، إلى جانب ركن مضيء يضم مزهريات وتحفاً فنية مميزة.

صالة منزل عبد الحليم (الشرق الأوسط)

الصالة الفسيحة، التي تتميز بأثاثها الكلاسيكي وإضاءاتها الصفراء، وأرضيتها الباركيه وسجادها الملوَّن، مقسّمة إلى 3 أقسام؛ يقود أحدها إلى ممر الغرف الداخلية للشقة، في حين يفضي القسم الآخر إلى باب الشرفة المُطلَّة على حديقة الأسماك.

وتستحضر الخضرة الكثيفة للحديقة أجواء أغنيات حليم المبهجة، ومشاهده السينمائية الرومانسية التي جمعته بنجمات الزمن الجميل، من بينهنَّ فاتن حمامة، وشادية.

تضم هذه الشرفة، التي احتفى بها صاحب «لحن الخلود» في كثير من الصور، «أباليك يدي حليم»، وهي الأثر الجسدي الوحيد له، ومن أجمل القطع الموجودة في منزله. ولشغفه بالجمال والفن، طلب من نحَّات إيطالي شهير القدوم إلى مصر، لرفع مقاسات يديه ونحتهما على هيئة أباليك إضاءة.

بيت عبد الحليم في الزمالك يتمتع بمساحته الفسيحة (الشرق الأوسط)

ووفقاً لأسرته، التي ذكرت عبر حسابها على «فيسبوك»، فإن «شقيقته عليّة شبانة كانت تواظب دائماً على لمس هذه الأباليك بمجرد خروجها إلى الشرفة، فتتذكره وتبكي في بعض الأحيان».

يتخيّل زائر الشقة «العندليب» وهو جالس في الصالون، يتحدث عبر الهاتف مع بليغ حمدي، أو الشاعر محمد حمزة، أو «موسيقار الأجيال» محمد عبد الوهاب، ولسان حاله يقول: «لو مريت في طريق مشينا مرة فيه، أو عديت بمكان كان لينا ذكرى فيه... ابقى افتكرني... حاول تفتكرني».

ولاستغلال دقائق الزيارة المعدودة، فتحت الفتيات الجزائريات، اللواتي حالفهن الحظ بزيارة المنزل قبيل إغلاقه مؤقتاً، عدسات هواتفهن الجوّالة، وطُفن في أرجائه ذهاباً وإياباً. بل إن إحداهن أجرت اتصالاً بوالدتها في فرنسا، لتُريها عبر بث مباشر جميع مقتنيات الشقة.

تقول، والفرحة تغمر وجهها: «والدتي ألحت علي لزيارة منزل العندليب خلال زيارتي القصيرة للقاهرة؛ فقد نشأت على أغنياته وتعشقه كثيراً، وجعلتني أحبه مثلها. وهذه الزيارة هي أهم (يوم في عمري)».

يلعب على العود (أسرته)

يتكوّن الجزء الداخلي من الشقة من غرف عدَّة، ودورة مياه، ومطبخ. وتحرص أسرة «العندليب» على إبقاء كل شيء في الشقة على حاله؛ لدرجة أن روب الاستحمام لا يزال معلقاً على الشماعة داخل دورة المياه كما تركه.

غرفة نوم عبد الحليم حافظ هي الجزء الأكثر إثارة للشجن في الشقة؛ إذ لا تزال آثار استلقائه على السرير لساعات طويلة أثناء تلقيه جرعات العلاج مطبوعة على سطحه، كأنه غادره بالأمس، في مشهد يبدو توثيقاً حيّاً للآلام التي عاناها قبل الوداع. وإلى جوار سريره يقبع الهاتف المنزلي المذهَّب العتيق، بالحالة نفسها التي تركه عليها، إلى جانب جهاز التلفزيون القديم، وآلات العود الخاصة به.

لا ينقص هذه الغرفة شيء منذ 30 مارس (آذار) 1977، سوى عبد الحليم، الذي رحل عن دنيانا عن عمر ناهز 47 عاماً. ومنذ ذلك الحين، بقيت الوسادة خالية؛ وكان يُعدُّها «سجناً انفرادياً»، ويرفض النوم فيها ليلاً، خوفاً من تعرضه لمضاعفات صحية خطيرة أثناء نومه بمفرده.

جهاز تلفاز قديم في غرفة نومه (الشرق الأوسط)

وكان لا يخلد إلى النوم قبل السادسة صباحاً، وفق ما ذكره مقرَّبون منه لصحف مصرية، لتنطبق عليه تماماً الكلمات التي غنَّاها: «شغلوني وشغلوا النوم على عيني ليالي... ساعة أبكي وساعة يبكي علي حالي».

وفي الغرفة المجاورة لغرفة النوم، تقع غرفة أخرى تضم أجهزة تسجيل موسيقية من بين مقتنيات حليم، وقد شهدت تسجيل صوته خلال البروفات مع رفاق دربه من الملحنين والشعراء.

وكانت الأسرة قد كشفت مؤخراً عن ورقة بخط يد «العندليب» للمرة الأولى، تُبرز كواليس جديدة من فترة مرضه؛ إذ كانت ترافقه هذه الورقة باستمرار أثناء سفره للعلاج، وكان يضعها تحت وسادته في المستشفيات والمنزل، وتتضمن آيات قرآنية وأدعية.

آثار استلقائه لمدة طويلة تظهر بوضوح على السرير خلال فترة مرضه (الشرق الأوسط)

تُخيِّم على الشقة حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم المنبعث من راديو عتيق من مقتنيات حليم، يُضبط في معظم الأوقات على محطة إذاعة القرآن الكريم. وفي ختام الزيارة، كان قارئ الإذاعة يصدح بقوله تعالى: «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».

ودشَّنت أسرة حليم مؤخراً موقعاً إلكترونياً للمنزل، يضم تراث «العندليب» وأرشيفه الثري، ويُتاح من خلاله حصراً حجز زيارات المنزل مجاناً.

ويقول المهندس عبد الحليم الشناوي، نجل السيدة زينب الشناوي، ابنة شقيقة «العندليب»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنزل أُغلق أمام الزائرين خلال شهر رمضان فقط، وكان من المقرر إعادة فتحه مجدداً في الذكرى الـ49 لرحيل حليم، بيد أن هذا القرار أُجِّل تضامناً مع الشعوب العربية الشقيقة التي تعاني في ظل الحرب. وبعد انتهائها، سيتاح الحجز عبر الموقع الإلكتروني».

صورة توثق فترة مرض عبد الحليم (أسرته)

وأكدت الأسرة، في تصريحات سابقة، أنها تواجه تحديات كبيرة في إدارة منزل عبد الحليم، لا سيما مع كثرة الزوار الذين يتوافدون يومياً لرؤيته، ما يشكّل عبئاً مالياً وإدارياً عليها. وقد اقترحت تحصيل رسوم رمزية لتغطية نفقات الصيانة وتشغيل تطبيق الحجز، الأمر الذي عرَّضها لانتقادات حادة.

لكن الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي لا يرى أي مشكلة في فرض رسوم مالية لزيارة المنزل، مشدداً على أنه «لا يمكن لأحد منع الورثة من الاستفادة من مورّثهم، لا سيما أن المنزل هو ملكية خاصة لا عامة، ولا يمكن فتحه على مدار الساعة أمام الزوار».

ويضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يُمكن بالطبع تحديد رسوم غير مبالغ فيها، مع وضع استثناءات لبعض الفئات، مثل ذوي الهمم والطلاب، على أن تُوجَّه هذه الإيرادات للإنفاق على المنزل وصيانته».


«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.


دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.