«سرّ لبنان بعيون كويتية»... 70 عاماً من الوفاء

أحمد الصراف لـ«الشرق الأوسط»: وحدها فيروز تُعيد ذاكرتي إنْ فقدتُها

رسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي (لقطة لغلاف الكتاب)
رسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي (لقطة لغلاف الكتاب)
TT

«سرّ لبنان بعيون كويتية»... 70 عاماً من الوفاء

رسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي (لقطة لغلاف الكتاب)
رسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي (لقطة لغلاف الكتاب)

يجمع الكاتب الكويتي أحمد الصراف 70 عاماً من عشق لبنان، في كتاب «سرّ لبنان بعيون كويتية» الصادر عن دار «سائر المشرق». المولود الجديد سبقه إلى القراء كتاب «70 نصاً في 11 عاماً عن 70 عاماً من الولع»، نُشر في الكويت، وتعذّر وقوعه بين يدي القارئ اللبناني. غيَّر مقدّمته، أضاف، واختار عنواناً آخر؛ فكانت هذه المحبّة الخالصة. يُزيَّن الغلاف برسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي، ويضمّنه مقالات كتبها عن لبنان بعبق شخصي ورؤية عامة، نشرتها جريدة «القبس» التي يقيم بين أعمدة كتّابها منذ 30 عاماً.

«يُبرّئ» الكتاب من الانضواء في جنس، ليُحمّله أجناساً مجتمعة، فهو «ليس سيرة ذاتية، ولا خواطر شخصية، ولا سرد لأحداث عائلية، ولا وصف لعلاقة لبنانية أبدية، بل شيء من ذلك كله». يُشرِّع الصراف «المُتعمِّد» بمصاهرة عاطفية، بزواجه من لبنانية، لبنانَ «اللغز ومصدر الإلهام والفضول»، على أسئلة الهوية والتحوّلات وتخبّط المكوّنات. يقرأه بالقلب، وأيضاً بالعقل. يجادل في إشكالياته ويُشهر الافتتان بمزاياه.

يدرك جوهر التركيبة اللبنانية، ورغم إطلاقه نداءات التعدُّد، يُقدِّم المسيحيين، وتحديداً الموارنة، على الآخرين في حَمْل الإرث وريادة الإبداع. يتحدّث عن «جمال لبنان الأبدي»، وأمام مآلاته المؤلمة في السنوات الأخيرة، يعدل عن المجاهرة بالحب المطلق. يلفحه تغيُّر أحواله، وما هجَّر كثيرين وحطَّم الآمال بوطن.

يُخبر «الشرق الأوسط» أنّ علاقته بلبنان كانت دائماً «كعلاقة عاشقين من طبعين حادين، تخلّلت حياتهما خلافات صغيرة وكبيرة، وفراق ولقاء. فلا هما قادران على التعايش، ولا على الطلاق. يفرّقهما الدمع والألم، ويجمعهما الشوق للقُبل».

غلاف كتاب «سرّ لبنان بعيون كويتية» الصادر عن دار «سائر المشرق»

وإذ تتقلّب المشاعر المؤجَّجة في الكتاب، فذلك لأنه «ليس وحدة، بل كُتبت مقالاته على مدى 15 عاماً تقريباً، مرَّ خلالها لبنان بظروف قاسية، فاعترته الفوضى، وأنواء العزلة والغربة. قُتل كثيرون وتشرّد أكثر، وتفرّق الأحبّة». تستوقفه «ذروة المأساة» بوقوع انفجار المرفأ، عصر الرابع من أغسطس (آب) 2020، «وما سبق ذلك ولحقه من انهيار للقوة الاقتصادية. المقالات صدى بعض أحداث تلك الفترة».هل كان الحب ليتّقد بهذه الغزارة، ويلامس النُّبل، لو أنّ الصراف لبناني؟ «ربما لو كنتُ لبنانياً، وسُحقتُ تحت الأهوال، لما أحببتُه كما فعلت. إنني أتمتّع برفاهية البُعد عنه، وممارسة حرّيتي، وفي اختيار عواطفي ومواقفي من تعدّداته العرقية، والدينية، واللغوية، والثقافية على أرضه».

الكاتب ونتاجه طافحان بالحب تجاه وطن يلومه بعض أبنائه، ويغادره آخرون مُحمَّلين بالزعل. يقول: «يكفيني ثراء كسبته، نفسياً ومعنوياً وعاطفياً، على مدى 70 عاماً. لا يزال لبنان يثريني، ولم يتغيّر شيء. لستُ أعاني آلام اللبناني العادي، ولم أتأثر بالمواجع. كان بمقدوري تحمُّل فقدان أموالي في مصارفه بصفتي رجل أعمال، فخسارتي نتاج إصغائي لصوت الربح العالي، وليس لمخاطر قد تُتبع. خسرتُ لأنني لم أضع جميع الاحتمالات في الحسبان. لكن ذلك لم يمسَّ حبي للبنان وتعلّقي بناسه وأرضه. لم أره يوماً حساباً مصرفياً ولا فنادق فخمة، ولا حتى مقاهي ومطاعم وكتب و(حرية وحشية)، كما تغنّي فيروز. لبنان عندي جبل شامخ، وابتسامة رائعة، ومعاملة، وشوق، وصنوبرة... وكلها بقيت كما هي».

النجاة بالمعرفة الأقلّ

يلفت القارئ إعلان أحمد الصراف «الندم» لمعرفته بلبنان أكثر مما ينبغي، ورغبته المتأخرة في البقاء على مسافة. الحب والحسرات، قدرا الصادقين؛ أي أصداء لعراكهما الداخلي، وأي تداعيات غير مُعلنة، تنضمّ إلى الندم؟ يجيب: «الأهم هم ناس لبنان. ولكن في الفترات العصبية، علمتُ أنّ لبنانياً يقتل غيره بذريعة الدفاع عن وجوده ووطنه، وربما يقصد طائفته. حزنت أكثر يوم عرفت أنّ آخر على الجهة المقابِلة من خط النار، ينتظر مَن يلقّمه رصاصة تودي بحياته، بالذريعة عينها! هذه المعرفة أتعبتني. هي من صنف المعارف غير المجدية. فما يفيدني لو عرفتُ الجانب المظلم من سيرة فنان كبير، إن كنتُ مستمتعاً بمشاهدته يعزف عذوبة الأنغام، أو يرسم بديع اللوحات، أو يؤدّي على المسرح أروع دور؟ كلما عرفنا الأقل عمَّن نحب، قلَّ الشكّ والقلق».

يكتب عن فيروز، وقد تعلّم حبها من أبيه؛ فهي السكينة خارج الخراب. ثم يقول في مقال «أنا ولبنان وطوائفه» إنها «أصبحت لا تعني الكثير». يبدو أنّ صراع الواقع والخيبات اندلع فيه فجعله يُغلِّب العتب. يردُّ أنّ للمقال سياقاً لم يعد يذكره. ويُنزّه فيروز عن الصغائر: «هي الأيقونة وحب الطفولة، وأول لقمة حقيقية تناولتها في محراب الفن بعد فطامي من حليب أمي. طعم صوتها وكلمات أغنياتها في داخلي ما حييت. وإن فقدتُ ذاكرتي يوماً، فلن يعيدني إلى الحياة إلا هذا الصوت. إنه أيام صباي وروائع أيامي اللبنانية. سيدة شامخة تقف على قمة جبل، تفتح ذراعيها، وتغنّي للسحاب تحت قدميها وللسماء فوق هامتها المرفوعة».

الكاتب الكويتي أحمد الصراف يوقّع كتابه في معرض بيروت للكتاب (فيسبوك)

وجود «لا مثيل له»

لِنَعُدْ إلى السياسة. تبلغ اللذاعة أقصاها بأسلوب الكوميديا السوداء في مقال «اخرجوا أيها المسيحيون من أوطاننا». إنه بمثابة نعي لبنان إن فُرِّغ من مسيحييه، وإعلان زواله عن الخريطة. مواقف أحمد الصراف ليبرالية، وإيمانه عميق بقيم التسامح وحقوق الإنسان. يرى هجرة المسيحيين أو تضاؤل تأثير ما يتبقّى منهم، انتهاكاً للجوهر؛ «حينها سيصبح لبنان بنظري شيئاً آخر، غيره الذي عشقته طوال حياتي. فالوجود المسيحي فيه لم يكن زخرفاً، بل وجود لا مثيل له. أقول ذلك مع كامل محبتي واعتزازي بصداقة بقية اللبنانيين. لكنّ البلد ارتبط في ذاكرتي ووجداني بأتباع كنائسه، فقد كانوا طوال نحو 7 عقود الأكثر تسامحاً معي والأسهل معشراً، والأكثر إقبالاً على الحياة من دون عقد، مع كمٍّ أقل من الرياء والازدواجية في حياتهم اليومية وعلاقتهم مع الآخرين».

اليوم، وأمام تربُّص المصير الجحيمي، بأي صورة تراه عيناه؟ يجيب: «مصير لبنان مظلم في عين كل مَن يعرف حقيقة ما تخبئه الأيام. لبنان فقد كل شيء تقريباً، ولا يزال يمتلك كل شيء حتماً! بشره لا يزالون على سابق عنفوانهم، والملايين الذين هجروه بانتظار إشارة العودة. قيمه وأصوله لا تزال كما هي، والمسألة تتطلّب خروج مارد من تحت الركام، فيمسك بالدفة ويقود القاطرة الكهلة التي اهترأت من آثار الدخان الأسود، ليدفعها نحو غابة الصنوبر ويزيل بهوائها العليل سموماً أصابتها، ثم يصل بها إلى ثلوج جزين لغسل أحزان الماضي، ورفع الأمل في غدٍ أفضل نحو قمم صنين. أوقن أنني سأرى ذلك اليوم قبل وداع الحياة».


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended