من مزهريّتها إلى مفتاحها... كيف شرّعت القدس أبوابها لفيروز والأخوين رحباني؟

فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
TT

من مزهريّتها إلى مفتاحها... كيف شرّعت القدس أبوابها لفيروز والأخوين رحباني؟

فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)

قبل 9 سنوات على مرورها في «شوارع القدس العتيقة» ولقائها بـ«الناس الناطرين»، غنّت فيروز فلسطين. فالأعمال الرحبانيّة المكرّسة لـ«الدار السليبة» ولأهلها، تعود إلى عام 1955. كان عاصي ومنصور الرحباني في بداية الطريق، وصوت «السيّدة» يشقّ دربه إلى المجد، يوم دُعي الثلاثيّ إلى القاهرة لتسجيل مجموعة من الأعمال الغنائية الخاصة بفلسطين.

يفصّل الصحافي والباحث محمود الزيباوي، المتمرّس في الأرشيف الرحبانيّ، مراحل تلك العلاقة بين الأغنية الرحبانيّة وفلسطين، التي تمتدّ سبعة عقود. وفق الرواية، فإنّ البداية كانت مع مغنّاة «راجعون» التي سُجّلت في إذاعة «صوت العرب» في مصر بدعوة من مديرها أحمد سعيد. الأغنية التي ألّفها الأخوان رحباني، شارك في نسختها الأولى الفنان المصري كارم محمود، أما نسختها الثانية والأكثر تداولاً فصدرت ضمن أسطوانة تحمل عنوانها، كما خضع نصّها لبعض التعديلات.

«غرباء»

قبل أن يغوص الزيباوي في تفصيل الأرشيف الرحبانيّ الفلسطينيّ، يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «أحداً لم يغنِّ فلسطين كفيروز، وأحداً لم يحوّلها أغنيةً كما فعل الأخوان رحباني». والدليل على ذلك، أنه كلّما اشتعلت أرض فلسطين من جديد، طار صوت فيروز و«زوبع بالضماير».

فيروز تتوسّط عاصي ومنصور الرحباني في خمسينات القرن الماضي (Rahbani Productions)

بالتزامن مع الأحداث الدامية في غزة عام 1955 ومواجهة الفلسطينيين مصير التهجير، سجّلت فيروز «غرباء» في القاهرة، من شعر هارون هاشم رشيد وألحان الأخوين رحباني. يقول الزيباوي إنّ «المغنّاة دخلت النسيان، مثلها مثل أعمال كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى». غير أنّ كلماتها تنطبق على ذاك الزمان وهذا، حيث توجّهت فيروز إلى أبيها: «سألتك أمس عن أمّي التي ذهبت ولم ترجع (...) سألتك عن أخي أحمد وكدت تقول لي قد مات يا ليلى قد استُشهد».

«سنرجع يوماً»

من بين الأغاني التي ألّفها الأخوان رحباني لفلسطين ما دخل طيّ النسيان، على ما يقول الزيباوي، ومنها ما احتاج عقداً من الزمن لينتشر ويتحوّل نشيداً كما هي حال «سنرجع يوماً». ألّفها الرحبانيّان عام 1956، لحناً وشعراً. وتؤكّد المراجع أنّ القصيدة رحبانيّة بامتياز، رغم اللغط الذي أُثير حولها إذ قيل إنّ كاتبها هو هارون رشيد.

«سنرجع يوماً إلى حيّنا ونغرق في دافئاتِ المُنى

سنرجع مهما يمرّ الزمان وتنأى المسافات ما بيننا»

مطلع الأغنية، كما باقي كلامها، لا يأتي على ذكر فلسطين ويمكن بالتالي أن تنطبق على أي مغترب أصابه الحنين إلى وطنه. لكن غداة «نكسة 1967»، تجنّد الإعلام العربي واللبناني لنُصرة الأراضي المحتلّة. ويروي محمود الزيباوي كيف أن استوديوهات الإذاعة اللبنانية غصّت آنذاك بالفنانين اللبنانيين، الذين أراد كلٌّ منهم أن يهديَ فلسطين أغنيةً أو نشيداً. من بين تلك الأعمال، عادت «سنرجع يوماً» لتبرز من جديد، مع ظهور فيروز بالزيّ الفلسطيني على شاشة التلفزيون صادحةً: «سنرجعُ خبّرَني العندليب غداةَ التقينا على مُنحنى». ومنذ تلك السنة الفاصلة في التاريخ العربيّ، ارتبطت «سنرجع يوماً» بالفلسطينيين وبحلم العودة.

فيروز ترتدي الزيّ الفلسطيني مستعدّةً لأداء «سنرجع يوماً» عام 1967 (منصة إكس)

«مزهريّة» القدس

تَحقّق حلم فيروز بأن تطأ أرضَ فلسطين عام 1964. رنّمت في كنيسة القيامة بمناسبة زيارة بابا روما حينذاك بولس السادس. من تلك الزيارة التاريخيّة، بقيت صورة لها أمام فندق «الهوسبيس» في القدس. أما في بال السيّدة والأخوَين، فعلقت مشاهد استحالت أغنية حملت عنوان «القدس العتيقة» (مرّيت بالشوارع).

«حكينا سوا الخبريّة وعطيوني مزهريّة

قالولي هيدي هديّة من الناس الناطرين»

يضع الزيباوي قصة «المزهريّة» في إطار الروايات التي رافقت تلك الزيارة: «تقول الأخبار إنّ أهل المدينة المقدّسة أهدوا إليها مزهريّة». وتضيف سرديّاتٌ أخرى أنّ فيروز والأخوين جالوا فعلاً في «شوارع القدس العتيقة»، حيث أهدتها إحدى السيّدات مزهريّة من بيتها. كما تحدّثت فيروز إلى الناس هناك، الذين اشتكوا إليها من ظروفهم الصعبة في ظلّ الاحتلال، ما أثّر بها كثيراً وأوحى بالأغنية لعاصي ومنصور.

فيروز أمام فندق هوسبيس في القدس عام 1955 (فيسبوك)

الزيارة الرحبانيّة إلى فلسطين عام 1964 ألهمت الأخوين مزيداً من الأعمال المرتبطة بالقضيّة الفلسطينيّة. وبالتعاون مع صديقهما الشاعر اللبناني سعيد عقل، أصدرا «أجراس العودة» (سيفٌ فليُشهر) عام 1966، والتي سرعان ما تحوّلت نشيداً بعد أن غنّتها فيروز على مسرح معرض دمشق الدولي صيف تلك السنة قبل أن تسجّلها في الاستوديو، وفق ما يروي الزيباوي.

«زهرة المدائن»

أتت حرب «الأيّام الستّة» وهزيمة 1967 جرّاء سيطرة الاحتلال على القدس الشرقيّة، لتوحيَ بمزيد من الأعمال الفنّية. توّج الثلاثيّ الرحبانيّ التحيّة المتواصلة لفلسطين منذ 1955، بـ«زهرة المدائن». ثماني دقائق هي بمثابة صلاة ونشيد في آنٍ معاً، كتبها ولحّنها الأخوان لتتلوها حنجرة فيروز.

يروي محمود الزيباوي أنه «في 17 أغسطس (آب) 1967، افتتح الأخوان رحباني مهرجان الأرز في لبنان بقصيدة مهداة إلى القدس عنوانها (زهرة المدائن)»، مع العلم بأن الاسم القديم لمدينة القدس هو «زهرة المدائن». ويتابع أن الأغنية حققت نجاحاً كبيراً، وبُثّت مصوّرةً على شاشات السينما في وصلة مستقلّة من إخراج هنري بركات قبل عرض فيلم «سفر برلك».

مفتاح القدس

نبتت «زهرة المدائن» في كل حديقة وردّدتها الحناجر العربيّة مع فيروز. فما كان من أهل فلسطين إلّا أن ردّوا التحيّة عام 1968، ويذكر الزيباوي هنا كيف أنّ «نائبَي القدس إميل غوري ومحي الدين الحسيني حملا مفتاح القدس إلى بيروت، وسلّماه إلى فيروز مع صينيّة مصنوعة من الصدف تمثّل المسجد الأقصى».

في احتفالٍ تاريخيّ، تسلّمت فيروز مفتاح القدس ليتحقّق ما جاء في الأغنية؛ «لن يُقفَل بابُ مدينتنا فأنا ذاهبةٌ لأصلّي، سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب».

فيروز تحمل مفتاح القدس الذي مُنح لها تكريماً لأعمالها والأخوين رحباني من أجل فلسطين (منصة إكس)

لفلسطين وجرحها العميق، غنّت فيروز كذلك «بيسان»، و«يافا»، و«أحترف الحزن والانتظار»، و«جسر العودة»، وغيرها من الأغاني المعروفة وتلك الأقلّ انتشاراً. ومع كل أغنية من بينها، ثبت قول منصور الرحباني إنّ «الأناشيد الحماسيّة التي كانت تُذاع قبل النكسة صوّرتنا شعباً متوحّشاً يحب القتل والذبح، بينما نحن شعب له حضارة كبيرة. على الأغنية أن تكون إنسانيّة، لأنّ الإنسانية وحدها توصل إلى الحقّ. الأغنية تدخل كل بيت من دون استئذان، لذلك علينا أن نُحسن استغلال هذه الإمكانيّة وهذه المرونة».


مقالات ذات صلة

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

يوميات الشرق انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها.

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

قُبيل حفله الغنائي في القاهرة، تغزّل الفنان العراقي كاظم الساهر في مصر، واصفاً إياها بأنها تمثل بالنسبة إليه «البساطة وعدم التكلف»

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

حصد المخرج سمير سرياني جائزة «موركس دور» لأفضل كليب لبناني عن أغنية «يا قلبو» لنانسي عجرم، ليكون بذلك قد نال حتى اليوم ثلاثة جوائز

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».


عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
TT

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة، حوّلت أعمال التجديد إلى تحقيق جنائي، قبل أن تجد الرفات طريقها أخيراً إلى مثواها الأخير.

وكان روس سليدجر (49 عاماً) يباشر أعمال تجديد منزله في ربيع عام 2019، حين عثر عامل بناء، كان يُنجز إضافة مطبخ إلى المنزل، على ما بدت أنها عظام بشرية، وفق ما نقلته «فوكس نيوز» عن وكالة «إس دبليو إن إس» الإخبارية.

وأُعيد دفن الرفات رسمياً في أغسطس (آب) الماضي، خلال مراسم أُقيمت في كنيسة قريبة من منزل سليدجر، في منطقة واي بمقاطعة كنت، جنوب شرقي إنجلترا.

وأفاد سليدجر بأنه لم يُبالِ بالاكتشاف في البداية، ظناً منه أن العظام تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوان أليف. وقال: «أخبرني عامل البناء: (لقد وجدتُ بعض العظام)، فأجبته: (رائع)، ظناً مني أنها تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوانات أليفة».

وأضاف سليدجر أنه أُصيب بالذهول حين علم بأنّ الرفات قد تكون بشرية. واستذكر قائلاً: «كما يمكنك أن تتخيّل، انفلتت مني ألفاظ كثيرة. كنت أفكّر: لا بد أنك تمزح، هذه مجرّد مزحة، لكنه ردَّ: (أنا جاد جداً)».

وأثارت العظام، التي تبيّن لاحقاً أنها رفات تعود إلى العصر الأنغلوساكسوني، ويبلغ عمرها نحو 1000 عام، ضجة واسعة، وأطلقت تحقيقاً للشرطة. وتوجَّه نحو 10 ضباط إلى المنزل للتنقيب في الفناء الخلفي، فعثروا في نهاية المطاف على رفات جثة ثانية.

وشمل الاكتشاف المروّع في مجمله عظمة فخذ، وجمجمتين، وأضلاعاً، وجزءاً من الحوض، وشظايا من عظمة العضد وعظام الأصابع.

وقال سليدجر: «اعتقدوا أنه مسرح جريمة. كان عليهم إبقاء ضابط طوال الليل، وكان عليه الخروج من سيارته كلّ نصف ساعة».

وأضاف: «كانت تلك الحركة تُشغّل كشافات الإضاءة القوية لدى الجيران، مما كان يُثير نباح كلبي. وكما يمكنك أن تتخيّل، لم أنم كثيراً تلك الليلة».

وبعد نحو 48 ساعة من الاكتشاف الأول، أكّد المتخصّصون أنّ الرفات قديمة، ولا صلة لها بجريمة حديثة.

وإنما الاكتشافات لم تتوقّف عند هذا الحد؛ فقد عثر سليدجر لاحقاً على ما وصفها بـ«مفاصل وأصابع»، خلال تركيب العشب الاصطناعي في فنائه الخلفي، ممّا أثار قلقه من احتمال تأخّر أعمال التجديد.

وقال سليدجر: «كنت أفكّر: يا إلهي، هذا سيؤخّر الأمور. لديّ عمال بناء قادمون الأسبوع المقبل».

وأضاف: «كنتُ أظن أنّ الأمر قد يستغرق شهوراً، لكن لحُسن الحظّ، انتهى كلّ شيء بحلول نهاية عطلة الأسبوع، وهو أمر جيد».

وأوضح أنه بعد انتهاء تحقيق الشرطة، نُقلت الرفات إلى جمعية تاريخية، ثم إلى قسيس محلّي، وإنما ترتيب دفنها في مثواها الأخير استغرق بعض الوقت.

وأعرب سليدجر عن اعتقاده بأنّ «الأمر كان يتعلَّق بالحصول على إذن، وتحديد ما إذا كان مسموحاً بدفنها هناك». وتابع: «أظنّ أنها كانت مجرّد إجراءات بيروقراطية أكثر من أي شيء آخر».

ولم يكن فناء سليدجر الخلفي المكان الوحيد في المملكة المتحدة الذي كشف عن قطعة غير متوقَّعة من التاريخ؛ فقد توصَّل زوجان بريطانيان آخران إلى اكتشاف ذي قيمة تاريخية، وإن كان أقل قتامة بكثير، في فنائهما الخلفي مؤخراً.

وعثر الزوجان، من مقاطعة هامبشاير، على كنز يضم 70 عملة إنجليزية تاريخية، خلال تعديل سياج قرب حديقة الزهور عام 2020.

وبيعت هذه العملات في مزاد علني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بأكثر من 380 ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 500 ألف دولار أميركي.


قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
TT

قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)

حين يفتح مغنّي الأوبرا فمه عن آخره لبلوغ نغمة عالية، يُحدث تغييراً خفياً في شكل فمه وحنجرته ليصل صوته إلى مدى أبعد. وتكشف بحوث حديثة عن أنّ أحد أكثر حيوانات مدغشقر غرابةً، وهو قرد الليمور المُغرّد، قد يفعل شيئاً مماثلاً في أعالي أشجار الغابات المطيرة.

في الغابات الداكنة شمال شرقي مدغشقر، حيث تحجب الأشجار الكثيفة التواصل البصري لمسافة تتجاوز بضعة أمتار، تعتمد قرود الليمور المعروفة باسم «الإندري» على أغنياتها الشجية للتواصل. وخلص العلماء إلى أنّ هذه الرئيسيات تفتح أفواهها على نحو أوسع حين تُصدر نغمات أعلى طبقة، وهو نمط يتّسق مع تقنية صوتية تُعرف بـ«ضبط الفورمانت».

وقال الباحث فيليبو كاروغاتي، من جامعة تورينو الإيطالية، المؤلف الرئيسي للدراسة التي نقلتها «رويترز» عن دورية «بلوس كومبيوتيشنال بيولوجي»: «تخيّل شكل فمك وحنجرتك على هيئة أنبوب. حين تفتح فمك على نحو أوسع، يتغيّر شكل ذلك الأنبوب، وهذا بدوره يُغيّر التردّدات التي يتردّد صداها بصورة طبيعية، وهو أشبه بما يحدث حين تُطيل أنبوب آلة موسيقية هوائية أو تُقصّره، فتتغيّر النغمة الصادرة عنها».

ويُعزّز هذا التعديل، الذي تلجأ إليه قرود الإندري عند بلوغ نغمات عالية، قوة أصواتها ومداها، تماماً كما يفعل مغنّو الأوبرا المحترفون.

وتأمل الباحثة كيارا دي غريغوريو، من جامعة وارويك في إنجلترا، والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أن يلفت البحث الأنظار إلى هذه القدرة الصوتية، وإلى الحيوان المهدّد بشدة بالانقراض. فقرد الليمور ليس موجوداً في البرّية إلا في مدغشقر، والإندري هو النوع الوحيد المعروف منه بقدرته على الغناء.

وقالت دي غريغوريو: «بينما قد نظنّ أننا البشر الوحيدون الذين يمتلكون أصوات سوبرانو قادرة على أداء أغنيات بهذا التعقيد، ثمة مغنٍّ استثنائي آخر في الغابة، يُغنّي ويتواصل ويحاول ببساطة البقاء على قيد الحياة».

مزيج بين العويل والصفير

وحلّل الباحثون 83 تسجيلاً مصوّراً لـ19 قرداً من الإندري في البرّية، في غابة «ماروميزاها» ومحميّة «ميتسينجو» بمدغشقر. وتتبّعوا ملامح الوجه إطاراً بإطار، وربطوها بالصوت المتزامن معها، لاختبار ما إذا كان اتساع فتحة الفم يتنبّأ بحدّة النغمة.

وقال كاروغاتي: «لقد فعل ذلك بدرجة كبيرة جداً».

وأوضح أنّ أغنيات الإندري «كثيراً ما تُوصف بأنها مزيج من العويل والصفير، بنغمات طويلة وعالية، تصعد وتهبط، وتبعث الرهبة في النفس، وتكاد تبدو حزينة للأذن البشرية، لكنها في الوقت عينه منظَّمة بدقة، وتُؤدّى في ثنائيات تتشابك فيها عبارات الذكر والأنثى، عوضاً عن أن تتداخل وتتزامن فحسب».

وتؤدي هذه الأغنيات دوراً جوهرياً في علاقة مجموعات الإندري العائلية بمحيطها، وتضطلع بأكثر من وظيفة اجتماعية.

وقال كاروغاتي: «تتمثّل وظيفتها الرئيسية في إعلان الوجود، وكأنها تقول: نحن هنا، عبر بيئة طبيعية لا تستطيع فيها غالباً رؤية جيرانك وسط الغابات الكثيفة. والمثير للاهتمام أنّ هذه الأغنيات المرتبطة بتحديد المجال تميل إلى الإطالة تحديداً حين تلمح المجموعة مجموعة أخرى مجاورة، وكأن الرؤية المباشرة تُعزّز الأغنية».