طرح أفلام مصرية جديدة رغم «ركود» الإيرادات

«بلوموندو» و«الحريفة» و«آل شنب» من بينها

أفيش «آل شنب» (الشركة المنتجة)
أفيش «آل شنب» (الشركة المنتجة)
TT

طرح أفلام مصرية جديدة رغم «ركود» الإيرادات

أفيش «آل شنب» (الشركة المنتجة)
أفيش «آل شنب» (الشركة المنتجة)

يشهد النصف الثاني لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، إطلاق العرض الجماهيري لأفلام مصرية جديدة؛ قرر صناعها تجاهل الركود الذي خلفته حرب غزة والدفع بأفلامهم إلى دور العرض السينمائي، حيث يعرض 15 من هذا الشهر فيلم «بلوموندو» من بطولة حسن الرداد، ويعرض فيلم «الحريفة» يوم 22 من الشهر نفسه، ويعد أول بطولة سينمائية لنور النبوي؛ فيما تحدد يوم 30 نوفمبر لعرض فيلم «آل شنب» بطولة ليلى علوي ولبلبة وسوسن بدر وأسماء جلال، وتعرض الأفلام في التوقيت نفسه في السعودية ودول الخليج العربي، بينما حجزت أفلام أخرى تواريخ عرض خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) لتواكب أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة، من بينها فيلم «أبو نسب» لمحمد إمام.

محمد عادل إمام في لقطة من فيلمه الجديد (الشركة المنتجة)

وكانت شركات إنتاجية قد أرجأت عرض أفلامها الجديدة بسبب حرب غزة، التي أثّرت على الحضور الجماهيري وأدت لتراجع إيرادات معظم الأفلام المعروضة بعد موسم صيفي حافل بالأفلام والإيرادات الكبيرة التي حققتها أفلام عديدة، من بينها، «بيت الروبي»، و«فوي فوي فوي»، و«وش في وش»، و«العميل صفر».

ومنذ اندلاع الحرب في غزة؛ شهدت إيرادات الأفلام في دور العرض المصرية تراجعاً لافتاً، فقد بلغ إجمالي إيرادات الأفلام المصرية التسعة المعروضة راهناً أقل من مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل نحو 31 جنيهاً مصرياً بالآونة الأخيرة)، بينما سجلت الإيرادات السبت أقل من نصف مليون جنيه، وفق موزعين سينمائيين.

وكان من المقرر عرض فيلم «بلوموندو» ضمن موسم الصيف الماضي، إلا أن تأخر التصوير حال دون عرضه، ويشارك في بطولته هاجر أحمد، ومحمود حافظ، وإنجي وجدان، وسماء إبراهيم، ومحمد محمود، ومصطفى أبو سريع، والعمل من تأليف حازم ومحمد ويفي وإخراج ياسر سامي، ومن إنتاج المنتج السعودي سامر المحضر.

تدور أحداث الفيلم في قالب كوميدي رومانسي من خلال بطل الفيلم الذي يعمل في مجال العقارات، ويتزوج بفتاة تنتمي لطبقة ثرية، وبعد عام من زواجهما يقرر تغيير حياته بشكل مفاجئ، وكان الرداد قد نافس العام الماضي بفيلم «تحت تهديد السلاح»، الذي لعب بطولته أمام مي عمر، وشيرين رضا وبيومي فؤاد.

بوستر «بلوموندو» (الشركة المنتجة)

وفي عالم كرة القدم تدور أحداث فيلم «الحرّيفة» حيث تجبر الظروف ماجد، الذي يجسده الممثل الشاب نور خالد النبوي، إلى ترك مدرسته الخاصة، والانتقال إلى مدرسة حكومية، وسرعان ما يكتسب محبة زملائه بسبب مهارته الكبيرة في لعبة كرة القدم، وينضم إلى فريق المدرسة على أمل الفوز بجائزة كبيرة، ويشارك في بطولة الفيلم نور إيهاب، وأحمد غزي، وخالد الذهبي، وأحمد حسام (ميدو)، الفيلم من إخراج رؤوف السيد وتأليف إياد صالح.

وكان من المقرر أن يشارك فيلم «آل شنب» ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجونة السينمائي خلال دورته السادسة التي تأجلت بسب حرب غزة، ويعد الفيلم ثالث الأفلام الطويلة للمخرجة أيتن أمين بعد فيلميَ «فيلا 69»، و«سعاد»، وينتمي «آل شنب» لأفلام البطولة الجماعية حيث يشارك به كل من ليلى علوي ولبلبة وسوسن بدر وأسماء جلال وهيدي كرم، وخالد سرحان، وعلي الطيب.

واعتادت أيتن أمين على كتابة أفلامها وقد كتبت هذا الفيلم بمشاركة كل من أحمد رؤوف وإسلام حسام، مؤكدة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: أن «الجمع بين الكتابة والإخراج أمر مرهق للغاية، لكنني أحب الكتابة وأرى الإخراج جزءاً مكملاً لها، كما يهمني التعبير عن أفكاري، ولدّي موضوعات عديدة أرغب في التحدث عنها». وقالت أيتن أمين: إن «الفيلم يطرح بشكل إنساني فكرة لها علاقة بالموت وطقوسه، لكنه يتعامل مع الموت باعتيادية، بل يحتفي بالحياة من خلال عائلة تضم أطفالاً وشباباً». وأشارت إلى أن أبطال الفيلم تحمسوا له قائلة: «وجدت حماساً من ليلى علوي ولبلبة وكل أبطال الفيلم، وشعرت أنهم أحبوا السيناريو وتفاعلوا معه».

ويعرض الفيلم لحالة وفاة تحدث فجأة لأحد أفراد عائلة «آل شنب» وتسافر العائلة إلى الإسكندرية للمشاركة في طقوس الجنازة والعزاء، وخلال أيام الحداد الثلاثة، وفي ظل تجمع يضم أربع شقيقات وأولادهم وأحفادهم تتفجر المواقف الكوميدية بينهم.

وعدّ الناقد المصري أحمد سعد الدين، عرض الأفلام الجديدة راهناً «مغامرة»، مبرراً ذلك بأن الشباب الذي يمثل الجمهور الأساسي للسينما لا يُقبل على مشاهدة الأفلام لانشغاله بمتابعة حرب غزة، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»: أن «إقبال الجمهور سيكون ضعيفاً، لذلك ستُطرح أفلام قليلة حتى موسم رأس السنة، لأن المصريين منشغلون بمتابعة الحرب».

وإلى جانب الأفلام التي سيبدأ عرضها، تشهد السينما المصرية حالياً تصوير عدد من الأفلام الجديدة، من بينها، «فرقة الموت» لأحمد عز، ومنة شلبي، وآسر ياسين، وبيومي فؤاد، وإخراج أحمد علاء الديب، وتدور الأحداث في قالب من الإثارة و«الأكشن».

ويصور المخرج طارق العريان في منطقة البوليفارد بالرياض المشاهد الأولى للجزء الثالث من فيلم «أولاد رزق 3» الذي حظي بدعم كبير من هيئة الترفيه في المملكة، ويشارك في بطولته أيضاً أحمد عز إلى جانب عمرو يوسف، وأحمد الفيشاوي، وكريم قاسم، وأحمد داود، في حين يصور المخرج شريف عرفة بمدينة الغردقة المصرية أحدث أفلامه «علام عام» من بطولة محمد إمام، وأسماء جلال، وبيومي فؤاد، وتدور أحداثه في إطار لايت كوميدي.


مقالات ذات صلة

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
TT

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

يضع مارون الحكيم في معرضه «غابة الحرّية» («ريبيرث بيروت»)، المُتلقّي أمام تجربة تشكيلية تُبنَى تدريجياً حول مفهوم الحرّية كما يصوغه في لوحاته. المُتأمِّل في اللوحات يُدرك أنّ الحرّية فعل يوميّ يتجدَّد وقرار يُصاغ مع كلّ ضربة فرشاة، وربما طريق يعبُر الطبيعة والمدينة والجسد والذاكرة.

يتشكّل فضاء يحتفي بالحياة ويترك للعين اكتشاف مساراتها الخاصة (الشرق الأوسط)

منذ الانطباع الأول، تستوقف المُتلقّي اندفاعة لونية كثيفة. فالرشقات متعدِّدة الطبقات، والبقع سميكة تُشبه انكسارات ضوء، والمساحات تتبدَّل بين الضبابيّ واللامع. هذا الأثر التقني جزء من بناء المعنى. فالنصّ الفرنسي المُرافق لكاتالوغ المعرض يقرأ كلّ ضربة فرشاة على أنها قرار يَفتح ممرّاً غير متوقَّع داخل مساحة لم تكن موجودة قبل الفنان، ويقترح أنَّ ما يظهر على القماش هو ولادة حرّية مُمكنة في كلّ مرّة. تتقاطع الفكرة مع ما يكتبه مارون الحكيم في نصّه العربي عن اللون الذي يراه «سليل الضوء» وروح اللحظة، وعن الانفعال وهو دافع أوليّ يُخرج العمل من إطار الحرفة إلى منطقة الحياة بتقلّباتها.

التكوين يولد من توازن دقيق بين الصرامة والانفتاح (الشرق الأوسط)

تقود الطبيعة المشهد من دون أن تُختَزل في منظريّة تقليدية. عناوين مثل «رياض الألوان»، «تنهدات التراب»، «استراح الظلّ، انهمر النور»، «غيمة تمتلئ سرّاً بالمطر»، «سرير الغيوم»، و«موج الزبد الملوّن»... تُقيم قاموساً يُجاور الحسّ الشاعري مع حسّ رصين في بناء الصورة. اللوحات تؤكد هذه الروح عبر حقول تشتعل بنقاط لونية، وطبقات من الأزرق والذهب تتحرَّك بخفَّة مُتموِّجة، وبقع خضراء وحمراء تتدلَّى على السطح مثل أوراق رطبة أو ثمار لا تبحث عن شكل نهائي. الطبيعة عند مارون الحكيم تقيم داخل اللوحة كأنها قوة مولَّدة تُعطي المعنى من جوهر اللون وتمنح التكوين طبقات دلالية تتجاوز المشهد الظاهر.

إلى جانب هذا المسار، تظهر المدينة مثل جرح مستمرّ ومحاولة مستمرّة أيضاً. أعمال مثل «المدينة الصابرة»، «حرّاس المدينة الجريحة»، «المدينة المهدّمة»، «أهوال تعصف بهذه الأرض»... تستحضر الواقع اللبناني داخل البنية البصرية من دون أن تُفقد العمل توازنه الفنّي. الحكيم يكتب عن الخوف الناتج عن عدم الاستقرار والحروب، وعن صبر وتحدٍّ وإيمان يواجه المصاعب. هذه المفردات تتجلّى بصرياً عبر كتل مُتكسّرة وخطوط تحمل أثر عمران متداعٍ، ثم تعود الحياة إلى السطح عبر نقاط لونية تشقُّ العتمة. اللوحات تظهر المدينة مثل مربَّعات متراصّة داخل إطار حادّ، وفوقها مساحة صفراء كبيرة تُشبه شمساً قريبة أو سقفاً من نور، كأنَّ اللوحة تقترح عمارةً جديدة داخل المُخيّلة قبل أن تتكرَّس على الأرض.

حضور الجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، يفتح محوراً ثالثاً في «غابة الحرّية». أعمال «ولادة حوّاء»، «جنّة عدن»، «دوّامة الحبّ والحرّية»، و«أجساد تكتب قصائدها»... تضع المرأة في مركز الفضاء وتُصوّرها طاقة بدء وتجدُّد. يُصرِّح مارون الحكيم بأنّ الجسد الإنساني لديه حقيقة مُطلقة ورمز للبراءة الأولى، بعيداً عن سياقه الاجتماعي المباشر وقريباً من أصله الأسطوري الأول. في إحدى اللوحات، تبدو الأجساد ظلالاً واقفة تحت غابة من الألوان، تتلقَّى المطر اللونيّ ولا تذوب فيه، كأنَّ الجسد يتعلَّم كيف يحيا داخل الفَيْض ويحفظ حدوده من غير انغلاق.

الضوء عبر الطبقات يمنح السطح عمقاً يتجاوز النظر الأول (الشرق الأوسط)

الغابة في المعرض مساحة كثيفة تلتقي فيها الطبقات والآثار، وتتقاطع فيها الرغبة مع الخوف والذاكرة مع التطلُّع. لهذا تظهر عناوين مثل «مهرجان الضوء والماء»، «أحيك أريج الألوان»، «إبحار في وساعة الحلم»، و«فرح لا يعرف الاختباء»... علامات على فلسفة قوامها الانفعال والتخيُّل الذي هو «البصمة الشخصية» للعمل. التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات.

طبقات من اللون تتقدّم بثقة كأنَّ كلّ ضربة فرشاة أثرُ قرار لا رجعة فيه (الشرق الأوسط)

دعم الدكتور طوني كرم للمعرض ينعكس في نصّ إنجليزي يُقدّم الحكيم ركناً من أركان الفنّ اللبناني، مع تركيز على البُعدين النفسي والعاطفي في عمله، وانتقاله بين التصوير والنحت وبين المجاز والتجريد. هذه القراءة تلائم ما يقترحه المعرض الذي يتحرَّك على محور داخلي - خارجي يتقدَّم عبره الجسد بثقله الرمزي، وتنشغل المدينة بإعادة بنائها، وتضبط الطبيعة الإيقاع وتخفّف الاضطراب، فتتَّضح فكرة الهدنة التي يُسمّيها الفنان شرطاً للخلق، وتتراءى على هيئة لحظة سكينة ضرورية لتمتدَّ اليد نحو ما عاشته من حزن وقلق، ثم تعود لتلبس التجربة رداءها النهائي المبني على المعرفة والوعي الفنّي.

علامات تتراكم ثم تتراجع في حركة تُشبه إعادة التفكير في المعنى (الشرق الأوسط)

المعرض يُقدّم الحرّية على أنها شيء يُصنع ويُستعاد ويُجرَّب مرّة تلو مرّة. حرّية تخرج من اللوحة لتضع المتلقّي أمام تساؤل مارون الحكيم القديم المتجدِّد: «ما الفرح؟ ما المعاناة؟»، ثم تتركه يمشي داخل الجواب.


«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
TT

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول إن فيلمه الروائي الطويل الأول «كبرتُ بوصةً عندما مات أبي» يخرج من رحم سؤالٍ إنساني بسيط، لكنه موجع، وهو: ماذا يتبقى للأطفال حين يفقدون آباءهم؟ موضحاً أن العمل لا ينشغل بواقعة القتل في حد ذاتها، بقدر ما يتأمل أثرها العميق في نفسَي شقيقين يجدان نفسيهما فجأة أمام فقدٍ معقَّد، وحرية ملتبسة، وصداقة تبدو مستحيلة ظاهرياً مع ابن قاتل والدهما.

وحصد الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي»، جائزة نتباك (NETPAC)، التي تُمنح لأفضل فيلم روائي طويل من منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقال باتيندول لـ«الشرق الأوسط» إن فيلمه لم يبدأ حلماً بصناعة فيلم عن جريمة، بل بدأ سؤالاً بسيطاً عن الصداقة، وعن قدرة الأطفال على تجاوز ما يعجز الكبار عن احتماله، لافتاً إلى أن «الفكرة وُلدت خلال تصوير فيلمي القصير السابق حين عدت إلى بلدتي في جزيرة ليتي بعد غياب يقارب العقدين، مدفوعاً برغبة في إعادة اكتشاف المكان الذي خرجت منه شاباً».

وأوضح أنه خلال جائحة «كورونا» كان عالقاً بين فترات الإغلاق في مانيلا، فبدأ يختبر كاميرا هاتفه المحمول، مصوِّراً تفاصيل يومية في شقته لأنه كان يعرف في داخله أنه إذا عاد إلى المقاطعة فلن يملك سوى هذا الهاتف كأداة للتصوير، مشيراً إلى أنه في عام 2021 قرر العودة فعلاً، لكنه وجد نفسه غريباً في مكانه الأول، لا يعرف الناس ولا يعرفونه، فاستعان بوالديه لجمع بعض شباب القرية الذين لديهم فضول تجاه السينما.

المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول (الشرق الأوسط)

وقال إن «الفريق بدأ بخمسة فقط، يخرجون يومياً ساعتين أو أربع ساعات إلى ضفة النهر، ينتظرون الغروب، يتسلقون سفح الجبل، من دون سيناريو مكتوب، فقط فكرة عامة وإيمان بأن الشرارة ستأتي»، لافتاً إلى أن الشرارة جاءت مصادفة، حين لاحظ بعض أفراد فريقه يضايقون صبياً كان يسبح في النهر. وعندما سأل عن السبب، قيل له إن الطفل هو ابن رجل قتل رجلاً آخر في شجارٍ بين أبَوين مخمورين أثناء الجائحة.

وتابع: «ما أثار دهشتي أن ابن القتيل كان يلعب في المكان نفسه، وأن الصبيين بقيا صديقين رغم الدم الذي يفصل بين عائلتيهما»، مشيراً إلى أن هذا المشهد ظل يطارده، وتساءل كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف؟ ومن هنا، كما أكد، «بدأ الفيلم ينمو».

ولفت المخرج الفلبيني إلى أنه لم يكن مهتماً بإعادة تمثيل الجريمة، بل بتصوير ما بعدها: الصمت، والغضب، والحيرة، والشعور بالذنب الذي قد يحمله الأبناء عن آبائهم، لافتاً إلى أنه تعمَّد ألا يقترب من القصة الحقيقية مباشرة احتراماً لأصحابها، بل خلق حكاية مستقلة تنبع من السؤال نفسه.

وعن طريقة العمل، أوضح أنه كان صانع الأفلام المحترف الوحيد في الموقع، وأن جميع الممثلين وأفراد الطاقم تقريباً من أبناء بلدته، وأنهم لم يعملوا وفق نظام تصوير تقليدي، بل اعتمدوا على اللعب والتجريب، من دون ضغط لإنهاء عدد محدد من المشاهد يومياً. مؤكداً أن غياب الضغط جعله لا يشعر بتحديات بالمعنى المعتاد، لأنهم لم يكونوا يسابقون الوقت أو السوق، بل ينتظرون اللحظة الصادقة.

صور المخرج الفيلم في مسقط رأسه (الشركة المنتجة)

وعن الصعوبات التي واجهوها، قال: «أصعب ما واجهنا كان تقلبات الطقس المفاجئة، التي كانت تربك استمرارية الإضاءة، لكنني كنت أفضّل التوقف والانتظار حفاظاً على سلامة الفريق، خصوصاً الأطفال»، موضحاً أنه في أحيان كثيرة كان يسمح لهم باللعب تحت المطر أو السباحة، ثم يحوِّل تلك اللحظات العفوية إلى مادة بصرية داخل الفيلم، لأن روح العمل، كما قال، قائمة على الحرية.

وعن اختيار الممثلين، قال إنه فكَّر أولاً في توأمين لأداء دوري الشقيقين، لكنه لم يجد من يوافق، فتذكر طفلاً شاهده سابقاً يلعب تحت المطر في النهر، ورغم صغر سنه تحمس لاختياره، ثم انضم قريبُه وصديقه إلى المشروع، ليتحول الفيلم إلى مبادرة مجتمعية حقيقية.

وفيما يخص صناعة السينما المستقلة في الفلبين، أقرَّ بأنها شاقة، موضحاً أن «الحصول على تمويل ليس أمراً سهلاً في ظل محدودية المنح وكثرة صناع الأفلام، ومن ثم أنتجنا الفيلم على نفقتي الخاصة بمساعدة من والدي قبل أن أحصل لاحقاً على دعم في مرحلة ما بعد الإنتاج».

وعن مشاركة الفيلم في مهرجان «تورونتو»، قال المخرج الفلبيني إنه لم يكن يتوقع الاختيار بعد تلقيه اعتذارات عِدَّة من مهرجانات أخرى، مما جعل رسالة القبول من المهرجان أول خبر سار يصله بعد أشهر من الانتظار، لدرجة أنه تأثر بشدة حتى دمعت عيناه، مؤكداً أن الفوز بجائزة «نتباك» منحه وفريقه ثقة بأن هذا النوع من السينما الشخصية يمكن أن يجد صدى عالمياً.


«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
TT

«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)

في خطوة تهدف إلى دمج الفن في الفضاءات العامة بمصر، أطلقت وزارة الثقافة مبادرة لتقديم الفنون في الأماكن العامة، كان من أبرز فعالياتها عروض حية للسيرة الهلالية في مترو الأنفاق بالقاهرة، والتي شهدت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً وردود فعل كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي.

انطلقت العروض، يوم الثلاثاء، في محطة مترو جمال عبد الناصر (وسط القاهرة)، وأعادت أجواء السامر الشعبي إلى قلب العاصمة؛ حيث لاقت صورها ومقاطع الفيديو التي تُظهر مقاطع من السيرة الهلالية مصحوبة بعزف حي على الربابة تداولاً وتفاعلاً واسعاً.

وتداول عدد من رواد المنصات الرقمية مقاطع فيديو وصوراً من الفعالية، مشيدين بالفكرة، ومؤكدين أن مثل هذه المبادرات تقرّب التراث من الناس، وتتيح لهم فرصة التعرف على أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة.

وأكدت وزيرة الثقافة، جيهان زكي، أن هذه الفعاليات ضمن خطة يجري تنفيذها بالتعاون مع وزارة النقل وعدد من الجهات المعنية لنقل الفنون إلى مساحات الحياة اليومية، معربة عن سعادتها بالتفاعل الجماهيري مع الفعاليات، وموجهة الشكر لكل الداعمين للمبادرة، وعلى رأسهم وزارة النقل والهيئة القومية لمترو الأنفاق.

عروض السيرة الهلالية شهدت إقبالاً جماهيرياً في المترو (وزارة الثقافة)

وترى الدكتورة الشيماء الصعيدي، مدير «أطلس المأثورات الشعبية المصرية»، أن «عروض السيرة الهلالية في مترو الأنفاق خطوة مهمة لاستعادة فكرة الثقافة الجماهيرية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «مهمة الثقافة الحقيقية أن تذهب للجمهور في مكانه؛ في عمله أو في الشارع أو في وسائل المواصلات، وعروض المترو تحقق هذا الأمر».

ولفتت إلى أهمية الفعاليات الفنية المشابهة، موضحة أن «تقديم هذه الفنون المصرية الأصيلة في وسائل المواصلات والمترو والشارع من شأنه أن يزيد الوعي ويُحقق قيمة الثقافة بوصفها قوى ناعمة قادرة على تغيير عدد من الأنماط السلبية والارتقاء بذوق المجتمع».

وكانت منظمة «اليونيسكو» قد ضمنت السيرة الهلالية لقائمة التراث الإنساني غير المادي عام 2006، وتم إنشاء متحف للسيرة الهلالية تحت اسم «متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية»، بوصفه أول متحف متخصص في مصر لتوثيق التراث الشفاهي لملحمة السيرة الهلالية، أسسه الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي عام 2015 في مسقط رأسه بقرية أبنود بمحافظة قنا. ويضم المتحف مقتنيات نادرة، من بينها أشرطة تسجيل لكبار الرواة.

وبينما يرحب الباحث في الفنون والأدب الشعبي بأكاديمية الفنون، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، بالفكرة، عادّاً إياها مهمة وتحمل جانباً إيجابياً يتمثل في «إيصال السيرة إلى الناس من خلال الذهاب إليهم بدل انتظار قدومهم، وهو أمر جوهري للحفاظ على السيرة الهلالية، التي تعد السيرة الوحيدة التي ما زال لها رواة شفاهيون أحياء»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لكنه أشار أيضاً إلى جانب آخر للعرض، بوصفه «يقدم السيرة في فضاء متقلب يبعدها عن بيئتها الطبيعية بوصفها تراثاً شفهياً له سياق اجتماعي كامل، يشمل الرواة والسمر والزمن الممتد، وجمهوراً يستمع».

ودعا الحجراوي إلى ضرورة «البناء على هذه المبادرة لتأسيس سياسات ثقافية مستدامة تحمي فن الرواية الشفاهية، وتدعم رواته مادياً ومؤسسياً، مثل تخصيص بيوت لرواة السيرة الهلالية مثلاً بحيث لا تكون مجرد حدث موسمي».

جانب من السيرة الهلالية في المجلس الأعلى للثقافة (وزارة الثقافة)

في هذا السياق، أقام المجلس الأعلى للثقافة في مصر أمسية فنية تراثية تحت عنوان «بعد المديح في المكمل»، امتدت يومي الثلاثاء والأربعاء من هذا الأسبوع، ضمن خطة المجلس لإحياء وصون التراث الشعبي المصري. وتهدف الأمسية إلى تسليط الضوء على أحد أعرق أشكال الإبداع الشفهي الذي ازدهر في الليالي الرمضانية، حين كانت المقاهي والساحات تمتلئ بأصوات الرواة ومنشدي السيرة الهلالية وهم يروون قصص البطولة والفروسية.

وتضمّن برنامج الأمسية عرضاً غنائياً تقليدياً بمصاحبة أنغام آلة الربابة، استحضر أجواء السيرة كما تناقلتها الأجيال؛ قدّمته فرقة الريس عزت السوهاجي، وصاحبه شرح وتعقيب للدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، الذي أشار إلى أن «السيرة الهلالية تمثل في جوهرها ملحمة الوجدان العربي كما صاغها الخيال الشعبي وتداولها الرواة عبر القرون، وقد وجدت في مصر بيئتها الأخصب؛ حيث أعاد المنشد المصري تشكيلها وفق حساسيته الثقافية، فجعل منها مرآة لقيم الشرف والبطولة والحكمة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended