إرهاق التعاطف: ما هو؟ وكيف نتغلب عليه؟

يمكن عدّ إرهاق التعاطف بمثابة صدمة ثانوية (رويترز)
يمكن عدّ إرهاق التعاطف بمثابة صدمة ثانوية (رويترز)
TT

إرهاق التعاطف: ما هو؟ وكيف نتغلب عليه؟

يمكن عدّ إرهاق التعاطف بمثابة صدمة ثانوية (رويترز)
يمكن عدّ إرهاق التعاطف بمثابة صدمة ثانوية (رويترز)

عندما تنتشر مأساة معينة على المسرح العالمي، فإنها يمكن أن تصبح بسرعة جزءاً من كل محادثة.

ولكن بقدر ما قد يكون من الضروري الانخراط بشكل كامل في التحديثات المأساوية والمحادثات المشحونة حول الحرب بين إسرائيل وغزة، فإن القيام بذلك دون حدود قد يؤدي إلى إجهاد التعاطف، كما تقول الدكتورة ريبيكا ساكس، وهي طبيبة نفسية إكلينيكية مقرّها في مدينة نيويورك الأميركية، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

من جهته، قال الدكتور تشارلز فيغلي، من قسم الصحة العقلية الخاصة بالكوارث في جامعة تولين في نيو أورليانز: إنه يمكن أيضاً عدّ إرهاق التعاطف بمثابة صدمة ثانوية؛ مما يعني أنك تعرّضت لصدمة نفسية على الرغم من أنك قد لا تكون الشخص الذي يمر بالحدث.

وأوضح فيغلي، أن المصطلح تم إنشاؤه لشرح تجربة الأشخاص في أدوار أو مهن الرعاية - مثل المعالجين، ورجال الإطفاء، وضباط الشرطة، ومتخصصي الرعاية الصحية في غرفة الطوارئ، وأفراد الأسرة الذين يعتنون بشخص يعاني حالة مزمنة.

وتفيد ساكس، بأن أولئك الذين يشاهدون الأشياء المؤلمة تتكشف في المجتمعات التي يرتبطون بها، وكذلك أولئك الذين يتعاطفون معهم من بعيد قد يشعرون أيضاً بتأثير إرهاق التعاطف. وقالت: إن ذلك قد يؤدي إلى الإرهاق وصعوبة الاستمرار في التعامل مع تعاطفهم إذا لم يتم الاهتمام بالأمر.

وأضاف فيغلي: «لكي تكون أفضل ما يمكن أن تكونه لنفسك ولأحبائك وللقضايا التي تدعمها، من المهم أن تهتم بنفسك وتمنع إرهاق التعاطف».

«التوقف» لا يعني الابتعاد

قال فيغلي: إن جزءاً مهماً من إيجاد هذا التوازن بين الاهتمام بنفسك وبالآخرين هو معرفة متى تضع الموضوعات الصعبة جانباً.

وتابع: «كل من تحدثت معهم، ليس لديهم أي مشكلات في البقاء على اطلاع... إن التوقف هو ما لديهم مشكلة فيه».

وأوضحت ساكس، أن إيقاف المتاعب أحياناً لا يعني أن عليك التوقف عن الانخراط في القضايا التي تهمك. وقالت: «لن أقول إن الأمر يجب أن يكون إما أبيض أو أسود... إنها معرفة مستوى المشاركة المطلوبة.... ولكن أيضاً، ما هو مستوى المشاركة في هذه اللحظة الزمنية الذي قد يكون أكثر من اللازم؟».

وتابعت: إن الحركات والسياسة والأحداث العالمية لا تحدث في كثير من الأحيان في يوم واحد؛ لذلك لديك الوقت لرعاية نفسك وبناء احتياطيات عاطفية؛ حتى تتمكن من الانخراط بالطريقة التي تريدها.

وأكد فيغلي، أن الشيء المهم هو إيجاد طرق لمنع المشاعر الصعبة من السيطرة. وقال: «عندما يخرج الكلب من البركة، يهزّ جسمه، ويطلق كل الماء... لا يمكننا أن نفعل ذلك».

ما هي الرعاية الذاتية؟

قالت ساكس: إن الرعاية الذاتية يمكن أن تبدو وكأنها مصطلح غامض ومحبط؛ ذلك لأن ما يحتاج إليه كل شخص هو أمر فردي للغاية.

وأفادت بأن الأمر قد يبدو أشبه بالاسترخاء في حمام دافئ، أو التحدث مع صديق مقرب، أو التخلص من التوتر للحظة من خلال ممارسة نشاط ممتع.

وتتطلب الرعاية الذاتية الفعالة أن تأخذ وقتاً للتواصل مع احتياجاتك وتنفيذ تلك الرعاية بانتظام.

وأوضحت ساكس: «إنها ليست مجرد صفقة لمرة واحدة... الأمر لا يشبه القول (سأذهب إلى المنتجع الصحي لمدة ثلاثة أيام، وسأجدد نشاطي، وبعد ذلك أكون مستعداً للعودة)».

يوصي فيغلي غالباً بالعثور على شخص تشعر بأنك على اتصال به للحصول على الدعم. وقال: «أحد أهم الأشياء هو العثور على صديق في وضع مماثل، ويريد أيضاً الشيء نفسه الذي تريده من حيث الشعور بالتحسن».

الشعور بالذنب؟... «لا بأس بذلك»

كشفت ساكس، عن أنه عندما تعلم أن الناس في العالم يعانون، فقد تشعر بالأنانية إذا خصصت وقتاً للمتعة أو الاسترخاء. وأضافت: «لا بأس بذلك».

وتشرح: «سيكون الأمر غريباً إذا لم أشعر بالذنب... الشعور بالذنب يجعلنا في الواقع جيدين في عملنا، ولكن ليس عليك بالضرورة أن تفعل أي شيء حيال ذلك».

التوازن يعني السماح لأنفسنا بالشعور بالمرح والحيوية في حياتنا بالإضافة إلى الشعور بالذنب والتعاطف والحزن الذي قد يأتي. وقالت: إنه لا ينبغي دفع أي من المشاعر بعيداً.


مقالات ذات صلة

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

يستعد مسؤولون أردنيون للتعامل مع «هجمة» إسرائيلية محتملة على خلفية الخطاب الأخير للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
شؤون إقليمية صبي إسرائيلي يحمل لعبة على هيئة بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة في مارس 2024 (أ.ف.ب)

100 مفكر إسرائيلي كبير يحذرون من «انهيار داخلي»

حذّرت 100 شخصية من كبار المفكرين والباحثين والمسؤولين السابقين من أن إسرائيل تواجه أحد خيارين حاسمين؛ إما أن تكون «قوة عظمى ناجحة، أو تنهار».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق نجم البوب البريطاني إد شيران (أ.ب)

إد شيران: حرب إسرائيل على غزة كارثية ولا يمكن تبريرها

وفي أول تعليق له على القضية، انتقد المغني البريطاني معاملة إسرائيل لسكان غزة، ووصفها بأنها «لا يمكن تبريرها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية فلسطينيات يبكين محمد اليازوري الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية الخميس الماضي قبيل تشييع جثمانه في خان يونس جنوب غزة (أ.ب)

«سعي رسمي لسحب جنسية المخرجَين»... هجمة إسرائيلية على فيلم عن غزة

أعلن وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي، ميكي زوهار، أنه سيعمل على سحب الجنسية من مخرجَي فيلم «نازا» الإسرائيليين، بعد كشفه عن جرائم حرب وإبادة في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

في محكمة فيجي... الكوكايين يختفي والدقيق يحل مكانه

المحكمة العليا - فيجي (فيسبوك)
المحكمة العليا - فيجي (فيسبوك)
TT

في محكمة فيجي... الكوكايين يختفي والدقيق يحل مكانه

المحكمة العليا - فيجي (فيسبوك)
المحكمة العليا - فيجي (فيسبوك)

ربما لم يتوقع أحد في المحكمة العليا بالعاصمة سوفا أن تكون عملية تفتيش روتينية كفيلة بكشف واحدة من أغرب قضايا اختفاء الأدلة في فيجي. فبدلاً من نحو 40 كيلوغراماً من الكوكايين، تقدر قيمتها بنحو 30 مليون دولار فيجي (13.3 مليون دولار أميركي)، عثرت الشرطة على أكياس وقطع من الدقيق، بعدما تبين أن المخدرات التي يفترض أن تكون محفوظة بأمان داخل خزينة المحكمة اختفت بالكامل. وفقاً لشبكة «سي إن إن».

بدأت القصة في 15 سبتمبر (أيلول)، عندما اكتشفت الشرطة اختفاء سبع من أصل 39 قطعة من الكوكايين المضبوط في قضية تعود إلى عام 2019، وتتعلق بالمواطن الفيجي الكندي جوشوا رحمان، الذي أدين لاحقاً بحيازة المخدرات بصورة غير قانونية. لكن التحقيق كشف سريعاً أن المفاجأة لم تكن في القطع المفقودة فقط، إذ أظهرت الفحوص الجنائية أن جميع المضبوطات المتبقية تعرضت للاستبدال، وأن أياً من الكوكايين الأصلي لم يعد موجوداً.

وكانت المخدرات قد صودرت عام 2019، وظلت محفوظة في المحكمة العليا خلال مراحل الاستئناف. وقال مفوض الشرطة روسياته تودرافو إن الكوكايين وضع في خزينة المحكمة في مارس (آذار) 2021، بينما لم يتضح بعد متى تمت عملية السرقة.

وحددت الشرطة ستة أشخاص يعملون في الجهاز القضائي وكان بإمكانهم الوصول إلى الخزينة، فيما يوجد أحدهم خارج البلاد حالياً. وبدأت السلطات أيضاً إعادة فحص جميع المضبوطات الأخرى المحفوظة في المحكمة، بما فيها الأموال المصادرة في قضايا جنائية.

وتكتسب الواقعة أهمية أكبر لأنها ليست الأولى من نوعها؛ ففي مارس الماضي، اكتشفت الشرطة اختفاء 12 كيلوغراماً أخرى من الكوكايين المصادَر في قضية منفصلة، ما أثار تساؤلات حول الإجراءات المتبعة لحماية الأدلة.

وأعرب وزير العدل سيرومي توراغا عن خيبة أمله وصدمته، مؤكداً أن السلطات تعمل على تعزيز الأمن ومراجعة البروتوكولات داخل المحكمة.

وتواجه فيجي منذ سنوات مشكلة متنامية مع تجارة المخدرات، بعدما أصبحت نقطة عبور للمخدرات المتجهة إلى أستراليا ونيوزيلندا وأجزاء من آسيا.

وقال توراغا إن الحادثة تكشف حجم التحدي الذي تواجهه البلاد في مكافحة الجريمة العابرة للحدود، مؤكداً أن كل من تثبت مسؤوليته سيحاسب.


تأثيرات سلبية لتناول الحلويات مع المضادات الحيوية

الدكتور مارسيل فان دن برينك أثناء فحص عينات المشاركين (سيتي أوف هوب)
الدكتور مارسيل فان دن برينك أثناء فحص عينات المشاركين (سيتي أوف هوب)
TT

تأثيرات سلبية لتناول الحلويات مع المضادات الحيوية

الدكتور مارسيل فان دن برينك أثناء فحص عينات المشاركين (سيتي أوف هوب)
الدكتور مارسيل فان دن برينك أثناء فحص عينات المشاركين (سيتي أوف هوب)

تشير دراسة جديدة أجراها باحثون في مؤسسة «سيتي أوف هوب» الرائدة في مجال أبحاث وعلاج السرطان بالولايات المتحدة، إلى أن تجنّب الحلويات أثناء العلاج بالمضادات الحيوية قد يساعد في حماية ميكروبات الأمعاء المفيدة أو ما يعرف بالميكروبيوم المعوي.

وترتبط هذه النتائج المفاجئة، بمفهوم «الغذاء كدواء» أثناء رعاية المرضى، وبالطرق التي يمكن أن يساعدنا بها النظام الغذائي في الوقاية والتعافي من الأمراض. ووفق نتائج الدراسة قد تؤدي هذه الأبحاث إلى استراتيجيات علاجية جديدة للمرضى الذين يتناولون المضادات الحيوية.

الدراسة المنشورة، الأربعاء، في دورية «نيتشر» الشهيرة، تابعت مرضى سرطان الدم الذين خضعوا لعلاج مكثف يُعرف بـ«زراعة الخلايا المكونة للدم من متبرع» وهي فئة من المرضى تواجه خطراً مرتفعاً بشكل خاص للإصابة باضطرابات حادة في ميكروبيوم الأمعاء، وما يرتبط بذلك من آثار جانبية.

قال الدكتور مارسيل فان دن برينك، الرئيس المشارك للدراسة ورئيس «سيتي أوف هوب» في لوس أنجليس: «تُخلّ المضادات الحيوية بتنوع بكتيريا الأمعاء - أو الميكروبيوم - التي تلعب دوراً جوهرياً في دعم جهازنا المناعي وصحتنا العامة». وأضاف في بيان الأربعاء: «تدعم أبحاثنا الأدلة الناشئة التي تشير إلى أن تجنب الأطعمة السكرية أثناء العلاج بالمضادات الحيوية قد يحمي الميكروبيوم»، مشدداً على أن «الحفاظ على تنوع الميكروبيوم ارتبط بتحسن النتائج السريرية لمرضى السرطان». وتُستخدم المضادات الحيوية لعلاج العدوى المرضية، لكنها تقضي أيضاً وبشكل واسع على البكتيريا النافعة في الأمعاء، مما يتيح فرصة لنمو مفرط للميكروبات الضارة.

دراسة واسعة النطاق

الدراسة التي استمرت 5 سنوات - تُعد واحدة من أكبر الدراسات من نوعها - وتمت فيها متابعة مرضى أُدخلوا المستشفى لعدة أسابيع لتلقي علاج كيميائي مكثف (يصحب أحياناً بالعلاج الإشعاعي) تمهيداً لخضوعهم لعملية زراعة الخلايا الجذعية. وللوقاية من العدوى وعلاجها، تناول كل مريض مضاداً حيوياً واحداً على الأقل أثناء إقامته في المستشفى؛ وهي الأدوية الأقوى تأثيراً على الميكروبيوم نظراً لاستهدافها أنواعاً متعددة من البكتيريا.

تستخدم المضادات الحيوية لعلاج العدوى المرضية (جامعة فرجينيا كومونولث)

وتتبع فريق البحث أكثر من 9400 وجبة تناولها 173 مريضاً في المستشفى، وقاموا بتحليل تنوع الميكروبيوم في عينات براز مأخوذة من 158 مريضاً؛ بلغ عددها 1000 عينة براز، إذ يُعد تنوع الميكروبيوم مؤشراً رئيسياً على صحة الميكروبيوم، حيث وجدوا رابطاً بين الأطعمة الغنية بالسكر وزيادة اضطراب الميكروبيوم الناجم عن المضادات الحيوية لدى المرضى الذين خضعوا لعمليات زرع الخلايا الجذعية.

قياسات لحظة بلحظة

في كل مرة كان يطلب فيها المرضى وجبة من مطبخ المستشفى، كانت صينية الطعام تصل مصحوبة باستبانة تطلب منهم تسجيل كمية كل صنف تناولوه أو شربوه. وبفضل هذه المساعدة من مطبخ المستشفى في تتبع المعلومات الغذائية لجميع الوجبات المستهلكة، تمكن العلماء من تسجيل أكثر من 40 ألف صنف غذائي، مما أدى إلى إنشاء مجموعة بيانات غير مسبوقة تتميز بمستوى من التفاصيل نادراً ما يتحقق في أبحاث التغذية. وقال فان دن برينك: «توفرت لدينا سجلات غذائية دقيقة جُمعت لحظة بلحظة. وقد أتاح لنا ذلك رصد أنماط كان من المستحيل اكتشافها لولا هذه البيانات».

وقد فحص الباحثون البيانات بدقة، باستخدام مجموعة متنوعة من النماذج الإحصائية المتقدمة، بحثاً عن أنماط مرتبطة بالإضرار بميكروبيوم الأمعاء. وكانت النتائج التي توصلوا إليها مفاجئة.

وختم فان دن برينك قائلاً: «المرضى الذين تناولوا كميات أكبر من الحلويات أثناء خضوعهم للعلاج بالمضادات الحيوية كانوا أكثر عرضة لفقدان تنوع الميكروبيوم، حيث أدت الميكروبات الشرسة إلى مزاحمة السلالات البكتيرية المفيدة والقضاء عليها».


باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
TT

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)

بعد 15 عاماً من البحث، تكشف عالمة الأنثروبولوجيا الإيطالية جوليا مينسيتيري في كتاب جديد بعنوان «الموضة: أجمل مهنة في العالم»، عن خفايا الظروف الصعبة التي يعيشها العاملون في هذا القطاع، وما يواجهونه خصوصاً من استغلال في مجال يدر إيرادات طائلة.

يصدر عملها في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) على شكل رواية مصورة، عن دار النشر «لاديكوفرت/ديلكور»، وقد تولى رسمه الفنان «دانيكولاتيرال» بأسلوب يجمع بين الحس الإبداعي والطابع القاتم.

تصف الباحثة في كتابها مشهداً يبدو مزعجاً تظهر فيه نحو عشر نساء ينهمكن ليلاً في شقة باريسية صغيرة بالعمل على قطعة قماش يُفترض أن تتحول، في غضون ساعات قليلة، إلى فستان من الأزياء الراقية.

سيُباع عملهن بسعر يتراوح بين 70 ألفاً و100 ألف يورو، لكنّ كل واحدة منهن ستغادر المكان ومعها مظروف يحتوي على مبلغ نقدي لا تتخطى قيمته الحد الأدنى للأجور في فرنسا.

وتوضح الباحثة، وهي طالبة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية وباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن هؤلاء العاملات في الخياطة قد يكنّ «طالبات أو عاملات أو مهاجرات من آسيا أو خياطات محترفات يُستدعين للمساعدة». وقد زارت الباحثة إحدى هذه الورش التي تعمل بكامل طاقتها قبيل انطلاق أسبوع الموضة في العاصمة الفرنسية.

دفع مقابل المكانة المرموقة

يُشكل قطاع الموضة والملابس أكثر من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، وهي نسبة تفوق مساهمة قطاع السيارات. كما يوفر سبل العيش لنحو مليون شخص، وفق الاتحاد الفرنسي للأزياء الراقية والموضة. مع ذلك، يظل هذا القطاع من أقل القطاعات توثيقاً ودراسة.

وتشير الباحثة الإيطالية في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن قطاع الموضة «عالم يحظى بظهور مكثف وحضور طاغٍ في المجلات والملصقات وعلى الإنترنت، لكننا لا نعرف عنه شيئاً في الواقع».

وقد تمكنت من الولوج إلى هذا العالم بفضل رغبة هذا الوسط الذي يُنظر إليه غالباً على أنه سطحي، في الحصول على «شرعية فكرية»، بعدما شعر القائمون عليه بالإطراء لاهتمام باحثة في الأنثروبولوجيا بأعمالهم.

ومن بين الوقائع الاقتصادية التي كشفت عنها هذه التجربة الميدانية: ظاهرة «العمل لسداد الديون» في مجال عرض الأزياء، إذ ليس من النادر أن تدفع وكالات كبرى جميع النفقات نيابة عن عارضي وعارضات الأزياء، بدءاً من تصفيف الشعر ووصولاً إلى سيارات الأجرة، ثم تطالبهم بسداد هذه المبالغ، وهو أمر يعجز معظمهم عن القيام به إطلاقاً.

كما يسود ما يُعرف بـ«التعويض المعنوي» أو «التعويض عبر المكانة المرموقة»؛ إذ تشير جوليا مينسيتيري إلى أنه «كلما زادت مكانة المجلة المرموقة، زاد اليقين بأن العاملين لا يتقاضون أجراً. إنها قاعدة ثابتة؛ فصفحات الافتتاحيات (وهي جلسات تصوير أزياء تُنشر بعيداً عن الإعلانات التجارية) غالباً ما تُنجز مجاناً».

حتى إن بعض المصورين يدفعون المال مقابل العمل، إذ يتحملون تكاليف الفندق والنقل ووجبات طاقم العمل، ظناً منهم أنهم «يستثمرون في مسيرتهم المهنية». وهناك آخرون يتلقون أجورهم بصورة عينية، على شكل قسائم شراء من العلامة التجارية نفسها، وهي طريقة تحقق للعلامة التجارية «مكاسب مضاعفة».

معاناة واستغلال

ومن بين المشاهدات التي ينقلها الكتاب، تسلّم رئيسة تحرير حاملة حقيبة يد تبلغ قيمتها 20 ألف يورو، مظروفاً يحتوي على 100 يورو فقط لمصورة مقابل 48 ساعة من العمل، قائلة لها: «أنت محظوظة بوجودك هنا». وقد استلهمت الباحثة التي تعمل حالياً في المركز الوطني للبحث العلمي في مدينة ليل بشمال فرنسا، عنوان أطروحتها للدكتوراه من هذه العبارة.

وتؤكد الباحثة أن «لعالم الموضة طابعه الخاص وعنفه المميز؛ إذ يجمع بين عوالم وسلع فائقة الفخامة، وبين خلق صور ذهنية لهذه الرفاهية، وبين أشكال من التعويض والعمل والاستغلال قد تصل إلى مستويات متطرفة».

يفتقر هذا القطاع إلى أي تمثيل نقابي، باستثناء هيئات أصحاب العمل. وتضيف الباحثة: «إنه وسط لا يمكنك فيه البوح بمعاناتك، فلا يمكنك القول: أنا في مأزق، أو أعاني من الاحتراق الوظيفي، أو أتعرض للاستغلال، أو لا أملك المال لدفع الإيجار، أو لم أتقاضَ أجري منذ ستة أشهر».

تنصح جوليا مينسيتيري الشباب الذين يراودهم حلم دخول هذا العالم بـ«اغتنام الجوانب الجميلة، مع الحرص في الوقت ذاته على معرفة حقوقهم».

ورغم أن المؤلفة لا تذكر أسماء أي علامات تجارية، فإنها تشير إلى تزايد محاولات الرقابة في الآونة الأخيرة، ولا سيما من خلال إلغاء بعض مشاركاتها.

وتؤكد الباحثة: «لستُ صحافية، ولا أنطلق من منظور أخلاقي؛ فهدفي ليس كشف المخالفات، بل توضيح آلية عمل هذا الجانب من الرأسمالية».