بيلا وجيجي حديد: مواقف فارقة حيال الخوف المرفوض

عارضتا الأزياء تدافعان عن فلسطين أمام العالم

جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
TT

بيلا وجيجي حديد: مواقف فارقة حيال الخوف المرفوض

جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)

حرَّكت أحداث حي الشيخ جراح عام 2021 غضباً يقيم داخل الشقيقتين الجميلتين بيلا وجيجي حديد، تُعمّقه جذور مُعمَّدة بالدم وتُمعن في تأجيجه، حتى يشعر هذا الغضب بتوق دائم إلى التفجُّر. خلال «بودكاست» استضافها العام الماضي، تحدّثت بيلا عن قلق حيال قول أو فعل «الشيء الصائب»، وقالت إنها تعرف عائلتها وتاريخها، ولديها تجارب ومعرفة تتيح التمسّك بالقناعات. أمام همجية القتل في غزة، تُقدّم الصوت على الصمت والموقف الإنساني على التهديد والوعيد.

يهمّ من هذا كله الدفاع عن الفلسطينيين الأبرياء، وبيلا في الصدارة. لم تكن يوماً مجرد عارضة أزياء فقط، تستميل المتابعين بالجمال الأخاذ. غليان في الصميم يحرّكها نحو الأعمق. اعتذارها عن صمتها لأسبوعين بعد توحُّش الحرب، مردّه تهديدات بقتلها نغّصت طمأنينة العائلة. وإعلانها أنّ «الخوف ليس خياراً» يؤكد إصراراً بديعاً على تعظيم الإنسانية.

أصلُ المرء يطارده في الأقاصي، والدماء أحياناً جمرٌ، يُكلّف حفراً غائرة. تتطلّع الأختان إلى أطفال يُقتلون وأمهات يفقدن الغوالي. تكتب بيلا: «نحن لسنا شجعاناً. أطفال فلسطين بلى». تواسي. «قلبي ينزف من الألم والصدمة»، تُشارك مشاعرها أمام 60.6 مليون متابع.

بيلا حديد ترفع علم فلسطين في حركة احتجاجية (إنستغرام)

لأن الإنسانية مطلقة، تدين الهجمات الإرهابية على المدنيين في أي مكان. بيلا تجاهر، مستمدّة المجاهرة من قناعات تتقصّد الإشارة إليها: «لا يجوز إبعاد أي طفل أو شخص عن أسرته. هذا ينطبق على الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني». مساواة على مستوى الإنسان فقط. مَن لا يد له في إطعام هذه المقبرة الجائعة.

يُدرّب الانفتاح على اكتساب رؤية تتجاوز الفورة والعصبية وتضييق الدوائر. يُعرف عن بيلا حديد قولها: «تعلّمتُ أننا جميعاً مجموعة من الناس، نستحق جميعنا الاحترام والعطف». لا تتعارض النظرة الواحدة حيال الإنسان مع اتخاذ الموقف. يمكن إعلان الولاء للإنسانية بأسرها، مع وقوف بصفّ المُضطَهد. لا تناقُض. حب أكبر، ونُبل.

لا تُبرر جيجي المأساة بدورها. أمام 79.2 مليون متابع، تدفع أفكارها باتجاه «جميع المتضرّرين». مثل بيلا، تواسي «الأرواح البريئة وكثيراً من الأطفال». وباسم الإنسانية وحدها تكتب: «بينما لديّ آمال وأحلام للفلسطينيين، إلا أنّ أياً منها لا يتضمّن الأذى لشخص يهودي». ومثل شقيقتها، هاجمتها إسرائيل. رغم توضيح مفاده «ليس ثمة شيء يهودي في معاملة الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين؛ وإدانة هذه الحكومة لا يعني معاداة السامية، كما لا تدلّ مساندة الفلسطينيين على دعم (حماس)»، نقلت «ديلي ميل» عن جيجي استدعاءها مجموعة من حراس الأمن لحمايتها. التهديدات لم تنفع.

عندما كانت بيلا في الرابعة عشرة، كتبت بالألوان على يدها: «الحرية لفلسطين». قابلها كثيرون بالعداء ونُعتت بأسماء تحمل الكراهية. كبُرت صاحبة العينين الساحرتين وعرفها العالم. بقيت بلاد والدها رجل الأعمال محمد حديد المولود في عام النكبة (1948)، تسكنها. دفاعها عنها كلّف «خسارة فرص وبعض العلاقات»، وفق ما ذكرت مجلة «غلامور» العام الماضي. قاطعها أصدقاء واستبعدتها شركات؛ مع ذلك، أصرّت على فلسطين «خطاً أحمر» غير قابل للتخلّي. نقلت «غلامور» هذا الإصرار على إنصاف مسقط والدها، رغم الثمن.

بيلا حديد تقول إنّ الإنسانية «مُطلقة» ويستحق الجميع العطف والاحترام (غيتي)

بتمنّيها عودة الساعة إلى الوراء، حيث تقيم الطفولة، لتبدأ بـ«الكفاح من أجل فلسطين في وقت أبكر»، لا تفسح بيلا حديد مجالاً للموقف المُوارب. تفعل ذلك وفاء للعائلة والأجداد والتاريخ، و«للشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال المؤلم والمُنهك والغادر». الوضوح يُقابَل بإطلاق التصنيفات، فتتابع: «عندما أتحدّث عن فلسطين، يبدأون في تصنيفي بأشياء لا تمثّلني. يصبح تصرّفي مشرِّفاً إذا تحدّثتُ عن الأشياء عينها التي تحدث هناك عندما تقع في أماكن أخرى من العالم. ما الفارق إذن؟». بيلا حديد أبعد من ازدواجية المعيار والكيل بمكيالين. المواربة لا تشبهها.

تُسحب منها عروض لتكون أخرى من نصيبها. تعلم مدى وفرة الحياة واتّساع الفرص. عارضة الأزياء الأميركية - الهولندية، تحتفظ بفلسطين في مكانة أعلى من المادة. تجعل لتأثيرها جدوى، فلا يقتصر على ما ترتدي وتخلع. تقول في حوار مع مجلة «جي كيو»: «لستُ قادمة إلى هذه الدنيا لأكون عارضة أزياء. (...) لا أندم على خسارة عمل أو علاقات لدفاعي عن فلسطين».

جيجي حديد ترفض المأساة وما يصيب «جميع المتضرّرين» (فيسبوك)

عاهدت بيلا نفسها ألا تسمح لأحد «أن ينسى بلدنا الجميل فلسطين وشعبه». حمَّلت صوتها قضية، ووظّفت شهرتها لمحاكاة مَن سُلِبوا أصواتهم. وأمام نداء الشارع، شاركت في حركات احتجاج أيّدت فلسطين بين لندن ونيويورك، ارتدت «الكوفية» وأطلقت هتاف الحرية. لم تأبه لاتهام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير لها بـ«كره إسرائيل»، وزَعْم الحساب الرسمي لإسرائيل في «إكس» بأنها «من أنصار إلقاء اليهود في البحر». المواقف واضحة.

الأختان من أصل فلسطيني جيجي وبيلا حديد (شاترستوك)

حين هاجم إسرائيليون موكب وداع الصحافية شيرين أبو عاقلة، تساءلت بيلا: «كيف نشاهد ونصمت من دون أن نصرخ ونتألم؟». وأمام الغزو الروسي لأوكرانيا، ذكّرت بضرورة إظهار تعاطف مشابه حيال الشعب الفلسطيني، وإدانة القمع الذي يتعرّض له، كما يُدان الارتكاب الروسي. مراراً، عاقبها «إنستغرام» بحظر منشوراتها، فاتّهمته بـ«التحيّز». ففي أبريل (نيسان) 2022، حُجبت قصص أدانت فيها أعمال عنف إسرائيلية على الفلسطينيين في رمضان، وتناقص عدد المشاهدين نحو مليون متابع أقل من مشاهدة القصص الأخرى. وعلى صفحات «نيويورك تايمز»، كانت هدفاً لإعلان عريض ضمّها وشقيقتها جيجي والمغنّية دوا ليبا، وصف دعايتهنّ المؤيّدة لفلسطين بأنها تشبه «معاداة السامية». آلمتها فيضانات باكستان وآزرت نساء إيران على جلجلة الحرية بعد مقتل مهسا أميني. مواقف وعلامات فارقة.

بيلا وجيجي حديد مع دوا ليبا في إعلان على صفحات «نيويورك تايمز» (إكس)

دعوة متابعيها لـ«مواصلة الضغط على زعماء العالم لتذكيرهم بالمحنة الفلسطينية ومساعدة أهالي غزة المفتقدين للمياه النظيفة والقدرة على تشغيل المستشفيات»، هي وجه مضيء للدفاع عن الرحمة والإنسانية. وصفت بـ«المشقّة» فكرة أن يكون المرء فلسطينياً في عالم يرى الفلسطيني إرهابياً. مشقّةُ دفع الثمن سلفاً.


مقالات ذات صلة

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة: لن نتنازل عن أي جزء من أراضينا

المشرق العربي مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً يؤدي إلى بلدة القنيطرة السورية (أرشيفية- أ.ب)

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة: لن نتنازل عن أي جزء من أراضينا

قال مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، اليوم (الاثنين) إن سوريا لن تتنازل عن أي جزء من أراضيها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم الكاتبة الفلسطينية الأسترالية رندة عبد الفتاح (صورة من حسابها الشخصي على «إكس») play-circle

انسحابات واستقالات من مهرجان أسترالي بعد استبعاد كاتبة فلسطينية

شهد مهرجان أديلايد الرائد في أستراليا سلسلة من الانسحابات والاستقالات بعد إلغاء دعوة كاتبة فلسطينية أسترالية بررته إدارته بـ«حساسيات ثقافية».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية فلسطينية تطهو الطعام بين حطام منزلها في غزة (رويترز)

تركيا تتوقع انتقالاً قريباً إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة

توقعت تركيا أن يتم الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، خلال الأيام القليلة القادمة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي مظاهرات في مدن ولاية هيرشبيلي رفضاً للاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» (وكالة الأنباء الصومالية)

«التعاون الإسلامي» لبلورة موقف موحد دعماً لسيادة الصومال

تعقد منظمة «التعاون الإسلامي» اجتماعاً وزارياً استثنائياً لمجلس وزراء الخارجية، يستهدف بلورة موقف إسلامي موحد إزاء التطورات الأخيرة التي تشهدها جمهورية الصومال.

«الشرق الأوسط» (جدة)
شؤون إقليمية المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصلان إلى قصر الإليزيه (إ.ب.أ)

رعاية أميركية موسعة للمفاوضات الإسرائيلية - السورية في باريس

وفي تل أبيب، قالت مصادر سياسية إن الأميركيين الذين لم تفاجئهم الهوة الكبيرة في مواقف الطرفين، قدموا بعض الاقتراحات التي تسهل التقدم في المسار نحو تفاهمات أمنية.

«الشرق الأوسط» (باريس - تل أبيب)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)


قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
TT

قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)

لا يُعدّ قضم الأظافر، ونتف الجلد مجرد ردود فعل لا إرادية، بل يُنظر إليهما بوصفهما آليتين للبقاء، وذلك وفقاً للتحليل النفسي لعاداتنا اليومية.

ولا يوجد سبب واحد واضح لقضم الأظافر، إلا أن هناك عدة نظريات تفسّر هذه العادة. وتشمل النظريات بدء هذه السلوكيات على أنها وسيلة للتأقلم مع المشاعر الصعبة، أو الشعور بالملل، أو الحاجة إلى إشغال اليدين، فضلاً عن إمكانية وراثة هذه العادة من الوالدين، بحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقد تبدو هذه السلوكيات غير منطقية، أو غير صحية، بل، ومؤلمة أحياناً. إلا أن الدكتور تشارلي هيريوت-ميتلاند، اختصاصي علم النفس السريري، يشير إلى أننا طوّرنا ما يصفه بـ«الأضرار البسيطة» بوصفها وسيلة لحماية أنفسنا.

وقال هيريوت-ميتلاند لصحيفة «إندبندنت»: «من خلال إحداث إحساس جسدي بسيط، يستطيع الجسم تحويل تركيزه فوراً إلى الجانب الجسدي، مما يساعد على تخفيف التوتر، واستعادة الشعور بالسيطرة». وأضاف: «وهذا يبقى أفضل من البديل، المتمثل في فقدان السيطرة أمام المشاعر الجارفة».

وينقسم كتابه الجديد: «الانفجارات المُتحكَّم بها في الصحة النفسية»، إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: التخريب الذاتي، والنقد الذاتي، وإيذاء الذات. وقد تشمل هذه السمات سلوكيات يومية، مثل تجاهل صديق جديد، أو السعي إلى الكمال، أو قضم الأظافر.

وأوضح أن نتف الجلد، وقضم الأظافر يُعدّان من الأشكال الأخف لإيذاء النفس، والتي قد يسهل على الناس استيعابها، في حين تُعتبر المشكلات الأكثر خطورة، مثل الجروح، أو اضطرابات الأكل، أشكالاً أشد حدة. وأعرب الدكتور عن أمله في أن تساعد مناقشة عادات شائعة -ومنها قضم الأظافر ونتف الجلد- الناس على فهم أشكال أخرى من إيذاء النفس التي غالباً ما تُوصم بالعار.

وأضاف: «عندما تُسبّب لنفسك ألماً عبر شدّ الشعر، تشعر براحة فورية بعد ذلك، وكأنك تُحفّز إفراز الإندورفين الطبيعي في جسمك».

ومع ذلك، شدد على أنه لا ينبغي اللجوء إلى هذه السلوكيات فقط من أجل الشعور بالراحة السريعة، بل ينبغي فهمها أيضاً بوصفها وسيلة دفاعية لحماية النفس.

وقال: «الدماغ آلة مصممة للبقاء؛ فهو ليس مبرمجاً لتحقيق أقصى درجات السعادة أو الرفاهية، بل للحفاظ على حياتنا»، مضيفاً: «إنه يحتاج إلى العيش في عالم يمكن التنبؤ به، ولا يحب المفاجآت، ولا يرغب في أن نُفاجأ».

وتعمل هذه الآلية الوقائية وفق مبدأ أساسي مفاده بأن الدماغ يُفضّل التعامل مع تهديد معروف، ويمكن السيطرة عليه، بدلاً من مواجهة احتمال تهديد مجهول، وخارج عن السيطرة.

وتستند الأسس العلمية لهذه النظرية إلى طريقة تطور الدماغ البشري، الذي كان يركّز في المقام الأول على البقاء لا على تحقيق السعادة. فالدماغ مُبرمج فطرياً على رصد الخطر في كل مكان، وهو ما ساعد الجنس البشري على الاستمرار. إلا أن ذلك يعني اليوم أننا أصبحنا أكثر حساسية لأي أذى محتمل، سواء كان جسدياً أو نفسياً.

وفي كثير من الحالات، قد يكون الأشخاص الذين يمارسون عادات مثل قضم الأظافر قد بدأوا بها في مرحلة مبكرة نتيجة الشعور بالقلق، قبل أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مكتسب ومتكرر، بحسب ما أشار إليه الدكتور هيريوت-ميتلاند.

ورغم توافر نصائح عملية للتقليل من قضم الأظافر، مثل استخدام مستحضرات مخصّصة، أكد هيريوت-ميتلاند أنه لا توجد حلول سريعة، أو فورية.

وبدلاً من ذلك، شدد على ضرورة فهم الوظيفة النفسية لهذه السلوكيات، والمخاوف الكامنة خلفها، عوضاً عن الاكتفاء بمحاولة التخلص منها دون معالجة جذورها.


بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
TT

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة، وترتكز أحياناً على ممثلين غير محترفين، ما أسهم في ترسيخ مفهوم «السينما الواقعية الجديدة» وتأثيرها الاجتماعي.

وقد استقطبت الأفلام الكلاسيكية جمهوراً واسعاً من محبي السينما الإيطالية، ممهورة بأسماء رائدة في عالم الإخراج، مثل فيديريكو فيلّيني، ولوتشينو فيسكونتي، لتغدو مدارس سينمائية قائمة بذاتها تركت بصمتها الواضحة على الشاشة الذهبية.

وتستضيف بيروت للسنة الثانية على التوالي «مهرجان الفيلم الإيطالي»، الذي ينظمه «المركز الثقافي الإيطالي» بالتعاون مع «جمعية متروبوليس للسينما». وينطلق في 21 يناير (كانون الثاني) ويستمر حتى 30 منه، حيث تفتح سينما متروبوليس في منطقة مار مخايل أبوابها مجاناً أمام هواة هذا النوع من الأفلام.

فيلم «بريمافيرا» يفتتح فعاليات المهرجان (متروبوليس)

يُفتتح المهرجان بفيلم «بريمافيرا» للمخرج دميانو ميشيليتو، وهو عمل تاريخي ــ درامي من إنتاج عام 2025، تدور أحداثه في البندقية خلال القرن الـ18 حول عازفة كمان موهوبة في دار أيتام تُدعى سيسيليا، يكتشف موهبتها الموسيقي الشهير أنطونيو فيفالدي ويصبح معلمها. ويستكشف الفيلم موضوعي الموسيقى والحرية، وهو من بطولة تيكلا إنسوليا وميشيل ريوندينو، ومقتبس من رواية «Stabat Mater» لتيزيانو سكاربا.

تشير نسرين وهبة، المشرفة على تنظيم المهرجان في جمعية متروبوليس، إلى أن معظم الأفلام المعروضة هي من الإنتاجات الحديثة التي أُنتجت وعُرضت في إيطاليا خلال العام الماضي، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن المهرجان يضمُّ 10 أفلام مختارة لتلائم أذواق رواد السينما الإيطالية على اختلافها.

وتضيف نسرين وهبة أن الإقبال اللبناني على هذه الأفلام يعود إلى ندرة عرضها في الصالات المحلية، ما يجعل المهرجان فرصة لاكتشاف موجة جديدة من السينما الإيطالية الموقّعة من مخرجين معاصرين.

وعلى مدى 10 أيام، تُعرض أفلام عدة، بينها «أون أنو دي سكولا» (عام دراسي)، و«تيستا أو غروسي» (صورة أم كتابة) للمخرجين لورا سماني وأليكسيو ريغو دي ريغي وماتيو زوبيس، وهي أعمال تُعرض للمرة الأولى في لبنان.

ومن الأفلام المشاركة أيضاً «جيو ميا» (فرحتي) لمارغريتا سباميناتو، الذي يروي قصة نيكو، فتى نشأ في عائلة علمانية في عالم حديث ومتصل بالتكنولوجيا، يُجبر على قضاء الصيف في صقلية مع عمته المتديّنة في قصر قديم معزول عن مظاهر الحداثة، لتنشأ بينهما علاقة متحوّلة تتأرجح بين الماضي والحاضر، والعقل والإيمان. كذلك يُعرض فيلم «لافيتا فا كوزي» (الحياة تمضي على هذا النحو) لريكاردو ميلاني، الذي يتناول صراعاً بين راعي غنم ورجل نافذ يسعى للاستيلاء على أرضه الساحلية.

يُختتم المهرجان مع فيلم «سوتو لو نوفيلي» (متروبوليس)

ويُختتم المهرجان بفيلم «سوتو لو نوفيلي» (تحت الغيوم) للمخرج جيان فرانكو روزي، الذي سبق أن صوّر فيلماً وثائقياً في لبنان. ويتناول العمل معالم أثرية بين مدينتي فيزوف وخليج نابولي، حيث تتقاطع حياة السكان والمصلّين والسياح وعلماء الآثار. ويتابع الفيلم تنقيبات فريق ياباني في فيلا أوغسطيا، إلى جانب مشاهد من أطلال بومبي وكنيسة مادونا ديل أركو، في سرد بصري يستحضر الماضي بوصفه عالماً لا يزال حياً.