غزّة بعيون أطفالها ودموعهم

فيلم «مولود في غزّة» على «نتفليكس»... الفاجعة تعيد نفسها

على إثر الحرب عاد فيلم «Born in Gaza» ليتصدّر المشاهدات على «نتفليكس»
على إثر الحرب عاد فيلم «Born in Gaza» ليتصدّر المشاهدات على «نتفليكس»
TT

غزّة بعيون أطفالها ودموعهم

على إثر الحرب عاد فيلم «Born in Gaza» ليتصدّر المشاهدات على «نتفليكس»
على إثر الحرب عاد فيلم «Born in Gaza» ليتصدّر المشاهدات على «نتفليكس»

مَن لم يشاهد غزّة بعيون أطفالها، ومَن لم يسمع قصصها على ألسنتهم، لا يعرف شيئاً عنها. في فيلم «مولود في غزّة» (Born in Gaza) للأرجنتيني هيرنان زين، أطفال القطاع الفلسطيني هم الحكاية، بندوبها الكثيرة وبسماتها التي تكاد لا تُرى.

صحيح أن «الوثائقي» الذي تعرضه منصة «نتفليكس» هو من إنتاج عام 2014، لكن وسط التطوّرات الدامية في غزّة، عادت الأنظار لتشخص إلى الأعمال الفنية التي ألقت الضوء على معاناة الغزّيّين العابرة للعقود والأجيال. وقد دخل الفيلم قوائم الأعمال الأكثر مشاهدةً في عدد من الدول.

لا دراما في الفيلم، ولا مؤثرات خاصة، ولا خيال ولا تشويق. كل تلك العناصر متوفّرة من دون افتعال. يوميّات أهل القطاع هي الدراما بذاتها، مع العلم بأنّ أحداث الفيلم تدور أثناء الهجوم الإسرائيلي على غزّة بين 8 يوليو (تموز) و26 أغسطس (آب) 2014. سقط آنذاك 2251 قتيلاً من بينهم 551 طفلاً، أي الرُبع.

أما مَن نجا من أطفال، فبقي ليشهد على فظاعة ما رأى وعانى. تتراوح أعمار أبطال الفيلم ما بين 6 و13 سنة. نال كلٌ منهم حصّته من شظايا، وجروح، وبؤس، ورعبٍ ممتدٍّ من أقصى جباليا، إلى رفح، مروراً بالشجاعيّة وخان يونس، وليس انتهاءً بشاطئ البحر. بحر غزّة الذي يتوهّم بعض صيّاديها وأطفالها بأنّه الخلاص، ليستفيقوا إلى واقع أنهم لا يستطيعون الإبحار أبعد من 9 كيلومترات عن شاطئه، بسبب الحصار الإسرائيلي.

بحر غزّة المحاصر، فسحة أمل لأهلها وأطفالها (صفحة المخرج هيرنان زين)

قد يتبادر إلى ذهن المُشاهد أمام تلك الساعة التوثيقيّة أسئلة مثل: أين هم هؤلاء الأطفال الآن؟ هل كبروا ليقاتلوا؟ أم قتلتهم رصاصة قبل أن يشهدوا على هذه الحرب المدمّرة؟ هل وجدوا طريقاً يخرجون عبره من الكابوس ويُنقذون بعضاً من أحلام الطفولة؟

يقول محمد، الذي يعمل في جمع النفايات البلاستيكية، إنه يحلم بأن يصير صيّاد سمك «لأنّي بحب البحر والبحر بيحبني». مقابل 5 شياقل في اليوم، يمرّغ محمد (12 سنة) يدَيه، اللتَين ما عادتا طريّتَين، في المكبّات لينتشل ما يمكن بيعه لإعالة العائلة بعد أن عجز الوالد. «بشتغل، تعب مش تعب، بضلّني أشتغل حتى أساعد أهلي وما نموت من الجوع».

يجمع محمد النفايات البلاستيكية لبيعها وإعالة عائلته (نتفليكس)

لا شيء يمتّ إلى الطفولة بصِلة في عينَي حمادة، الذي لم يبلغ العاشرة. كرجلٍ صغير، وبنظرةٍ امتزجت فيها القسوة بالحزن، يواجه كاميرا المُخرج ليعلن: «أنا نفسي أطلع مقاوم. أجيب حق أولاد عمّي». لعلّ القصة التي يرويها حمادة وابنُ عمّه منتصم هي الأفظع من بين القصص؛ كان الإخوة وأبناء العمّ يلهون على شاطئ غزّة، عندما استهدفتهم غارة إسرائيلية قتلت 4 منهم، ولم يبقَ سوى حمادة ومنتصم.

يعرض «الوثائقي» لقطات حيّة لعمليّة إنقاذهما ونقلهما إلى المستشفى. لكن ليست جراح الجسد هي التي خلّفت ندوبها على الولدَين، بل الصدمة النفسيّة. تعود إليهما الكاميرا بعد 3 أشهر على الضربة، لتجد منتصم في وضع نفسيّ يُرثى له. «كل يوم بقول لأمّي بدي أموت»، وهو حاول فعلاً أن يرمي بنفسه من على الشرفة، قبل أن تردعه شقيقته.

لم يجد الطفل الغزّيّ الذي يريد الانتحار مَن يحمل قضيّته ويجاهر بها، سوى ابن عمّه الصغير حمادة. يضع معاناته الخاصة جانباً ليقول إن «منتصم هو أصعب حالة بيننا. بيضلّ يصرخ وبيقول إنو بيشوف روح خيّو».

في فيلم «Born in Gaza» الأطفال هم الحكاية والأبطال (صفحة المخرج)

على علوّ منخفض تحلّق الكاميرا الطيّارة «الدرون» فوق غزّة، لتصوّر أحياء القطاع وأبنيته المطحونة. لو وظّفت استوديوهات هوليوود كل مواهبها وملايينها، لما حصلت على ديكور كهذا... لكن في «مولود في غزة»، كل ما تشاهده العين حقيقيّ، وكل ما تسمعه الأذن صادر من أفواه أطفالٍ لا يعرفون شيئاً عن التمثيل. حكاياتهم توحي بأنّ الحرب هي حربٌ ضدّ الأطفال.

بيسان (6 سنوات)، تروي والضمّادةُ تلفّ جبينها، كيف قُصف البيت وأصيبت فأنقذها المُسعف علاء. يحاول أقرباؤها أن يحيطوها بالعاطفة والدُمى والألعاب، بعد أن خسرت والدَيها في القصف. في غزة حيث لا كهرباء، ترسم بيسان والدَيها على ضوء الشمعة، لكنّ اكتئاب ما بعد الصدمة يمنعها من ذكرهما.

دمار غزة بعد عدوان 2014 (نتفليكس)

يشير الفيلم إلى أنّ أكثر من 400 ألف طفل في غزّة يعانون من اضطرابات نفسيّة. وكلٌ من شخصيات الفيلم أو أبطاله الصغار، نموذجٌ عن ذلك. يحكي عديّ (10 سنوات) قصة مصنع المرطّبات حيث كان يعمل وينام. يتحدّث من بين الركام عن المصنع الذي سُويّ بالأرض، وعن شقيقه الذي قُتل؛ «شفته مقصوف ومقطّع».

أما الصغيرة سندس فتشارك آلامها ودموعها من على سرير مستشفى «الشفاء». أصابها القصف الإسرائيلي في أمعائها. يرافقها سؤال واحد: «أنا طفلة مش مجاهدة. ليش بيعملوا فينا هيك؟». تتراكم التساؤلات على ألسنة أطفال غزّة، كمحمود الذي جرفت الدبّابات الإسرائيلية أرض والده، الذي يقول: «إحنا منزرع خضرا، منزرعش متفجرات». يحلم بإصلاح الأرض وبأن يصبح مهندساً زراعياً.

ملصق الوثائقي «Born in Gaza» للأرجنتيني هيرنان زين (نتفليكس)

اللافت في فيلم هيرنان زين، الذي عمل مراسلاً حربياً كذلك، أنه يحصر الشهادات والمقابلات بالأطفال، على قاعدة أن الحقيقة تخرج من أفواههم. يلحق بهم، يرصد المآسي التي عايشوها وهم لا طاقة لهم عليها بعد. كما راجاف، الذي يسترجع قصة والده المسعف، الذي قُتل في قصفٍ استهدف سيارة الإسعاف. بين مشاهد قصف المسعفين المتكرّرة منذ عقود، ولقطات زيارة راجاف قبر والده وسكب الماء عليه، يُسمع صوت الطفل يقول: «أبوي بطل الأبطال لأنو انقتل هو ورايح ينقذ أرواح ناس، يعني بدّه يقلّل من نسبة الأموات».

من صف الرسم في مدرسة الأونروا حيث تلجأ، تحكي ملك المصابة بالسرطان، أنها تحلم بأن تصبح طبيبة أطفال. تتمنّى كذلك ألّا تحصل حرب من جديد، لكن «إحساسي بيقول انو الحرب راجعة، لأنو هيك العادة». تحدّثت ملك عام 2014. لا ندري ما إذا حققت حلمها بدراسة الطب، أم إذا كان المرض قد سبق أحلامها، لكنّ المؤكّد أن إحساسها صدَق.


مقالات ذات صلة

العاهل الأردني يشيد بالتزام إندونيسيا إرسال قوات إلى قطاع غزة

المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يستقبل الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو في عمّان 25 فبراير 2026 (رويترز)

العاهل الأردني يشيد بالتزام إندونيسيا إرسال قوات إلى قطاع غزة

ثمَّن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الأربعاء، لدى استقباله الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، التزام جاكارتا «حماية الفلسطينيين في غزة».

«الشرق الأوسط» (عمّان)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص بشارة بحبح خلال لقاء سابق مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب (صفحته على فيسبوك)

خاص بحبح لـ«الشرق الأوسط»: واشنطن ستقدم ورقة بشأن «نزع تدريجي» لسلاح «حماس»

قال رئيس لجنة «العرب الأميركيين من أجل السلام» والوسيط في غزة بشارة بحبح لـ«الشرق الأوسط» الأربعاء إن واشنطن بصدد تقديم ورقة لحركة «حماس» بشأن نزع سلاحها

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي وثقت منظمة اليونسكو أضراراً في 114 موقعاً في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب (أ.ف.ب)

متطوعون غزيون ينتشلون بقية من تراثهم المكتوب من بين ركام الحرب

في حرم إحدى أقدم وأكبر المكتبات في الأراضي الفلسطينية، تجهد مجموعة من المتطوعين من غزة لإنقاذ كتب قديمة لا تقدر بثمن، دفعت ضريبة الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص مهلة نزع سلاح «حماس»... مشاورات تجابه الإنذارات والتفاهمات «أقرب»

عادت إنذارات التلويح بنزع سلاح «حماس» بالقوة، عبر اليمين الإسرائيلي، بعدما تكررت في الآونة الأخيرة على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

محمد محمود (القاهرة)

مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

«القافر»... مسلسل عُماني يكشف عن رحلة المجهول في البحث عن الماء (الشرق الأوسط)
«القافر»... مسلسل عُماني يكشف عن رحلة المجهول في البحث عن الماء (الشرق الأوسط)
TT

مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

«القافر»... مسلسل عُماني يكشف عن رحلة المجهول في البحث عن الماء (الشرق الأوسط)
«القافر»... مسلسل عُماني يكشف عن رحلة المجهول في البحث عن الماء (الشرق الأوسط)

يكشف المسلسل الدرامي العُماني «القافر» عن صراع الوجود في رحلة البحث عن الماء في إحدى القرى العُمانية التي تعاني شحّ المياه، فيصبح الماء عنواناً رمزياً للحياة.

المسلسل الذي تعرض حلقاته على شاشة تلفزيون سلطنة عُمان خلال شهر رمضان، ويضم عدداً من الممثلين العمانيين، مقتبس من رواية «تغريبة القافر» للروائي العُماني زهران القاسمي الفائزة بجائزة البوكر العربية 2023.

يتناول المسلسل بدلالة عميقة الأرض «القافر»، العطشى التي تحنّ إلى الماء، ما يُشكل طبيعة علاقة السكان بالطبيعة؛ حيث يصبح الماء كلمة السرّ لمعنى الوجود وللحياة، ونقصه يعني العطش والجفاف وهلاك الزرع والضرع.

يكشف المسلسل عن رحلة البحث عن الماء في إحدى القرى العُمانية (الشرق الأوسط)

«القافر» في المسلسل يرمز أيضاً إلى مهمة شاقة يحملها رجل ظلّ يسعى دوماً للبحث عن الماء، رغم علاقته المتشابكة به؛ إذ فقد والدته التي قضت غرقاً في إحدى الآبار وهو صغير، كما توفي والده تحت أحد الأفلاج. لذلك يثير الماء في نفسه حزناً لا فكاك منه.

المسلسل من إخراج المخرج السوري تامر مروان إسحاق، ويساعده في الإخراج مخلص الصالح، بالإضافة إلى حسين البرم وأسامة مرعي، أما المخرجان المنفذان فهما نهلة دروبي وعلي عبدو. ويشارك في العمل، الفنانون: سميرة الوهيبي، ومحمد بن خميس المعمري، وعبد السلام التميمي، وزكريا الزدجالي، ويؤدي دور «القافر» في مرحلة الطفولة الطفل فراس الرواحي، وفي مرحلة الشباب محمد بن خلفان السيابي.

وبين الجفاف والسيول تتشكّل علاقة الإنسان بالماء في تلك القرية. وفي رواية «تغريبة القافر» للروائي العُماني زهران القاسمي، يبرز من بين الجوانب اللافتة في النص وصفُ المؤلف لسيول عمان، وما تُخلِّفه من أثر في البسطاء من سكان القرى: «فالشمس ترتفع قليلاً وتصل لأعالي الجبال. تزحف ناحيتها من الجنوب سحابة رمادية داكنة، ليست كبيرة جداً لكنها كفيلة بأن تحجب ضوء الشمس، وتزداد برودة الريح وتصبح رطبة كأنها محملة بالماء البارد. يتحول الصيف فجأة إلى شتاء قارس، تزمجر الرياح الباردة في الحواري وبين الجبال، فيهرب الناس إلى بيوتهم ليحتموا بها، لكن الريح عاتية، فيسقط بعض النخل وتتكسر أغصان الأشجار الكبيرة، وتكاد أسطح المنازل تسقط على ساكنيها. تظلم الدنيا ويهبط الضباب على رؤوس الجبال، ويبدأ المطر ينهمر بشدة كأن السماء قد دلقت نفسها على القرية. تجرف السيول البساتين وتذوب جدران البيوت الطينية فتتساقط الأسطح، ويهرب الناس بأمتعتهم وطعامهم إلى مغاور الجبال، ويحتمون بالكهوف الكبيرة لعدة أيام، ويبقون هناك يراقبون الماء وهو يغمر البلدة ويأخذ في طريقه كل شيء، فتصير بيوتهم أثراً بعد عين».

تمكن المسلسل من تمثيل واقع الحياة اليومية في القرية العُمانية (الشرق الأوسط)

تمكّن المسلسل من تمثيل واقع الحياة اليومية في القرية العُمانية، في زمن يعود بالذاكرة إلى عقود مضت، ونقل صورة تضجّ بالحياة والكفاح في سياق تراثي ثقافي واجتماعي متكامل. كما تمكن من تحويل الرواية الأدبية إلى عمل فني يشهد تقاطعات بصرية غنية بالتفاصيل، وسط حياة قروية تتصاعد فيها الأحداث التي لا تنفصل عن الإنسان لتُشكل وقائع وثيقة تستحق أن يحتفى بها بصرياً.


غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
TT

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

بعد أسبوع على افتتاح صالون الزراعة الدولي، لا يزال العارضون ينتظرون الزوار المتردّدين. والسبب هو غياب الأبقار الشهيرة التي كانت «نجمات» الدورات السابقة ونقطة الجذب للعائلات، ولا سيما الأطفال. ووفق المعلومات، فإنَّ الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض.

جَمَل وصل باريس (الشرق الأوسط)

سبب غياب الأبقار هو احتجاج مربّيها على تصفية أعداد منها بسبب انتشار مرض الجلد العقدي بين الماشية. وقرَّر المربّون الامتناع عن جلب قطعانهم، وكذلك استجابةً لتوصية الهيئات المنظِّمة حتى لا ينتشر المرض.

تونس وزيوتها وتمورها (الشرق الأوسط)

صالون الزراعة هو الحدث الاقتصادي السنوي الأبرز في فرنسا؛ مخصَّص لعرض المنتجات الزراعية والحيوانية التي حقَّقت شهرة عالمية وباتت مصدر فخر للبلد. ونظراً إلى التغطية الإعلامية الواسعة التي يحظى بها، فإن السياسيين وقادة الأحزاب يتسابقون لزيارته والتقاط الصور مع المزارعين ومربّي المواشي ومَن يرافقهم من منتجي الأجبان واللحوم المقدَّدة والمخبوزات والحلويات. ولم يحدث أن تخلَّف أي رئيس من رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة عن زيارة الصالون وقضاء ساعات فيه، يتبادل الحديث مع المزارعين ويتذوَّق المنتجات الغذائية، منذ الجنرال ديغول الذي افتتح دورته الأولى، وحتى إيمانويل ماكرون الذي حرص على أن يمضي نهار الافتتاح بين العارضين، الأحد الماضي. هذا مع استثناء الرئيس فرنسوا ميتران الذي زار الصالون حين كان مرشَّحاً يسعى إلى كسب أصوات الناخبين، لكنه لم يعد إليه بعد فوزه بالرئاسة.

شيراك في المعرض (الأرشيف الوطني الفرنسي)

ضيفة الشرف هذا العام دولة كوت ديفوار. وكان المغرب ضيف العام الماضي وأول دولة أجنبية تنال هذا الشرف في تاريخ المعرض. ورغم بعض المصاعب والتحدّيات، يبقى المعرض منصة عالمية للتبادُل الزراعي الدولي والإضاءة على ثقافات زراعية متنوّعة من كلّ قارة.

ديغول في المعرض الزراعي (الأرشيف الوطني الفرنسي)

ما يلفت نظر الزوار العرب هذا العام حضور السودان بجناح جميل يُشجّع على الاستثمار والتعارف بين رجال الأعمال في هذا البلد العربي الزراعي الذي أنهكته الحروب ومزَّقته، بعدما كان يوصف بأنه «سلّة غذاء العرب». وأبرز معروضات الجناح، الصمغ العربي وعشبة الكركديه وحبوب الكمّون الطبيعي والسمسم.

كما حضر المغرب بعدد من الأجنحة تحت شعار «قرون من النكهات». وتعدَّدت المعروضات ما بين الزعفران وزيت الأرغان والتوابل والمنتجات العطرية والطبّية التي زاد عددها على 700 منتج، أشرفت النساء على إنتاج 60 في المائة منها.

الجزائر وجناحها متعدِّد المعروضات (الشرق الأوسط)

وكان للجزائر حضور تمثَّل بجناح كبير للتمور وزيت الزيتون، وبالأخص ذاك الآتي من معاصر منطقة القبائل. وكذلك العسل الجبلي والأغذية وبعض الملابس التقليدية التي تلقى إقبالاً من أبناء الجالية الجزائرية الكبرى في فرنسا. وحين نتحدَّث عن التمور، فلا بدَّ من الإشارة إلى جناح تونس وما فيه من تمور رفيعة، وحلويات وزيوت عالية الجودة أخذت طريقها إلى التصدير في بلدان العالم.

700 عارض مغربي (الشرق الأوسط)

ومن بين الأجنحة التي تستوقف الزوار، واحد عن الزراعة والثقافات العالمية. ويجذب الانتباه فيه وجود مجموعة من الجمال والنوق التي تأتي بها جمعية فرنسية معروفة في أوروبا وتهتم بالحفاظ على السلالات المنسية. ويتيح الجناح لمرتاديه فرصة تذوّق حليب الإبل.


اللقاءات الاجتماعية في رمضان... بين ذكريات الأجيال وتحدي الشاشات

يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
TT

اللقاءات الاجتماعية في رمضان... بين ذكريات الأجيال وتحدي الشاشات

يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)

تنسج ليالي شهر رمضان تفاصيل اجتماعية فريدة، يملؤها دفء المجالس ورائحة القهوة العربية التي تفوح بعد صلاة التراويح، حيث تزداد وتيرة اللقاءات وتتحول الاجتماعات من مجرد واجبات اجتماعية إلى طقوس بطابع رمضاني تعيد صياغة العلاقات الإنسانية، رغم التحديات المعاصرة المتمثلة في تأثير زحف مواقع التواصل الاجتماعي ومجتمعات الشاشات الصغيرة على وتيرة التواصل واللقاءات.

الأجيال الجديدة ترث العادة تقليدياً من خلال حضورها هذه الاجتماعات (واس)

المقاهي تعد خياراً مفضلاً بالمدينة التي تغرق في الزحام وتنائي المسافات (واس)

اللقاءات الرمضانية... جيل يتصل بآخر

في دول الخليج وكثير من المجتمعات العربية، تبرز وجبة «الغبقة» التي تقدم بين الإفطار والسحور، وتعد تظاهرة اجتماعية رمضانية شهيرة في المنطقة. تأخذ أشكال اللقاءات الاجتماعية الدورية أسماء وصفات مختلفة، والمجتمعات الخليجية على نحو ما اشتهر به العرب عموماً، تتمتع بقوة حضور البعد الاجتماعي في حياتها، وتتصف حياتها بالترابط الاجتماعي والتواصل الوثيق داخل المجتمع الواحد، ويحل رمضان في كل عام ليضاعف قيم الترابط الاجتماعي، ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات مع بعضهم.

وتكتسب الاجتماعات العائلية في ليالي رمضان طابعاً فريداً يتمثل في تعدد الأجيال، على مائدة واحدة، أو في جلسة سمر ليلية، حيث يجلس الحفيد بجانب الجد، وتتصل من خلال هذا المشهد سردية اجتماعية متماسكة ترعاها ليالي رمضان. يقول الباحث الاجتماعي أحمد بن إبراهيم إن ليالي رمضان تعد بيئة ملائمة لتجديد العلاقات والصلات الاجتماعية التي تجد في رمضان فرصة لتعزيزها وتطويرها، مشيراً إلى أن الأجيال الجديدة ترث هذه العادة تقليدياً من خلال حضورها هذه الاجتماعات التي تكتسي بالألفة والتسامح والسلام، بتأثير مباشر من طبيعة وطقوس ليالي شهر رمضان.

ويشير إلى أنه قد تركت موجات التقنيات الجديدة وزحام الشاشات تأثيراً قاسياً على طبيعة التواصل في المجتمعات، لكن ليالي رمضان بطبيعتها الاجتماعية، قد تساعد في استعادة وتيرة هذه العلاقات واللقاءات وتعزيزها.

وعن لقاءات المقهى المفتوح، يقول الباحث الاجتماعي إن ذلك يعد شكلاً للتواصل الاجتماعي، يجمع بين التقليد والمعاصرة، لافتاً إلى أن الكثير بدأ يفضل اختيار هذا الفضاء العمومي لتجديد التواصل مع شبكة علاقاته بدرجة أقل من الرسمية، وشكل أكثر حيوية في التفاعل.

وقال إن المقاهي تعد خياراً مفضلاً في المدينة التي تغرق في الزحام وتنائي المسافات، ويضيف: «أحياناً، يقع عليها الاختيار للتخفيف من رسمية اللقاءات، أو بوصفها خياراً وسطاً بين الأطراف الذين يتوزعون في أنحاء المدينة، وبعيداً عن المنازل، تتحول المقاهي الشعبية والأماكن العامة إلى خلية نحل، ويكتسب التواصل طابعاً عفوياً، وقد يصبح الغرباء أصدقاء حول لعبة طاولة أو شرب الشاي، أو حتى أثناء نقاش محتدم حول أحداث مباراة مفصلية أو مسلسل درامي».

في الخليج تأخذ أشكال اللقاءات الاجتماعية الدورية أسماء وصفات مختلفة (واس)

التواصل الرقمي يعيد تشكيل طقوس رمضان

تشهد ليالي شهر رمضان، طفرة رقمية غير مسبوقة، حيث تتحول المنصات الاجتماعية إلى «مجالس افتراضية» لا تنام. يقول بن إبراهيم إن البيانات السلوكية لمستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية تشير إلى أن استهلاك وسائل التواصل الاجتماعي يرتفع خلال الشهر الفضيل.

وهذا الارتفاع يشمل أنشطة مختلفة مثل البحث عن الوصفات، والتفاعل مع المسلسلات والبرامج الحوارية، وموجات من النشاط تتركز على المحتوى الديني، لكنه في المقابل هو نشاط يتعلق بالتواصل بين الأفراد، وتعزيز العلاقات الاجتماعية ببث التهاني والسؤال عن الأحوال.

ويشير إلى أن وسائل التواصل لم تعد مجرد أداة للترفيه، بل تحولت إلى أداة حيوية لصلة الرحم، وأن المجموعات العائلية تشتعل بالتبريكات، ومقاطع «ستوري» توثق تفاصيل الموائد، مما يخلق حالة من المشاركة الوجدانية التي تتجاوز المسافات الجغرافية. ورغم الإيجابيات، يرى الباحث الاجتماعي أن هذه الوتيرة المتسارعة لها وجه آخر، فـ«إدمان الشاشة» قد يهدد الجوهر الروحاني للشهر.