«مرحلة»... 48 عملاً من الإبداع العربي للبيع في المزاد

لأول مرة أعمال من مقتنيات «مجموعة دلول» الفنية في مزاد لـ«كريستيز»

لوحة من دون عنوان للفنانة هيلين خال (كريستيز)
لوحة من دون عنوان للفنانة هيلين خال (كريستيز)
TT

«مرحلة»... 48 عملاً من الإبداع العربي للبيع في المزاد

لوحة من دون عنوان للفنانة هيلين خال (كريستيز)
لوحة من دون عنوان للفنانة هيلين خال (كريستيز)

في كل رحلة محطات ومراحل، وفي العالم الفني يمكن عدّ المجموعة الفنية التي بدأها الدكتور رمزي دلول، الذي دأب على مدى عقود على شراء أعمال الفنانين العرب ليكون مجموعة فنية مهمة تحولت إلى مؤسسة فنية ضخمة، واحدة من أهم الرحلات الفنية في العالم العربي. أكثر من 3000 عمل من الإبداع العربي تعرضها المؤسسة في بيروت سجلت أيضا حضورها على الإنترنت عبر موقع أطلق منذ عامين.

عمل من دون عنوان للفنان حامد ندا (كريستيز)

ولكن المجموعة الضخمة تدخل في عملية «ترشيق» حالياً مع عرض نحو 48 عملاً لأهم الفنانين العرب للبيع في مزاد لدار كريستيز يقام يوم 9 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وهي المرة الأولى التي تعرض فيها أعمال من مجموعة دلول للبيع. المزاد المسائي الذي تحتضنه دار كريستيز بمقرها في لندن يحمل عنوان «مرحلة»، وهو عنوان يفصح عن جوانب من قصة «مجموعة دلول» الفنية. المجموعة المعروضة تضم أعمالاً لقامات فنية متفردة؛ أمثال محمود سعيد، وإبراهيم الصلحي، وضياء عزاوي، وحامد ندا، وإنجي أفلاطون إضافةً إلى أيمن بعلبكي، ومروان وسامية حلبي، وغيرهم من أهم الأصوات الفنية العربية.

ولكن لماذا يتخلى مقتن عن أعمال بهذه الأهمية الفنية تمثل مراحل مفصلية في حركة الفن العربي؟ يقول الدكتور باسل دلول لـ«الشرق الأوسط» بالإشارة لعنوان المزاد: «(مرحلة) تعني محطة في الرحلة، فبيع 48 لوحة هو جزء من رحلة (مجموعة دلول) التي بدأها والدي منذ عقود». يضيف «القطع المعروضة للبيع تعكس ذوق واختيارات والدي الذي كان جامعاً لأعمال فنية عربية مرموقة ومهمة لسنوات طويلة. من جانبي قررت بيع جزء صغير مختار من المجموعة لتشذيبها وصقلها». بعد رحلة حب وعشق للفنون نتج عنها جمع أكثر من 3000 آلاف قطعة، تأتي محطة الانتقاء والاختيار وتحديد الأهداف القادمة. يقول الدكتور دلول إن المرحلة المقبلة ستكون متجهة نحو «اقتناء مزيد من أعمال الفنانين العرب وإضافتها للمجموعة حتى تصبح حاضنة لأعمال فنانين من مختلف الثقافات والخلفيات والممارسات». ويركز على اكتشاف ودعم الأصوات الجديدة على الساحة الفنية العربية.

عمل للفنان ضياء عزاوي من مجموعة دلول الفنية (كريستيز)

كيف وقع الاختيار على اللوحات المعروضة للبيع؟ وما الاعتبارات التي أخذتها عند اختيار أي قطع المزاد؟ يجيب الدكتور دلول عن ذلك بقوله: «عملت مع الدكتور رضا مومني نائب رئيس مجلس إدارة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في كريستيز لاختيار 48 عملا منها اللوحات والأعمال الفوتوغرافية والمنحوتات. ضمن مجموعة دلول هناك أكثر من عمل لفنان واحد، وهو ما يؤثر في طريقة السرد والعرض للمجموعة، ولهذا أتمنى أن أستطيع تشذيب المجموعة عبر هذا المزاد». وبالنسبة للخبيرة الفنية بدار كريستيز ماري كلير ثيسين فلم يكن الاختيار سهلا في بعض الأوقات، خاصة مع الأعمال الأثيرة لدى الدكتور دلول. وتشير الخبيرة في حديثها إلى أن الدكتور باسل دلول يحاول من خلال المزاد أن يضع استراتيجية خاصة لتحسين المجموعة مع إضافة الجديد من الأعمال الفنية الحديثة، كما تشير إلى أنه لم يتوقف عن شراء الأعمال الفنية التي يشعر أن المجموعة بحاجة لها، لملء أي فراغ في محتوى ومضمون المجموعة إضافةً إلى هدفه بدعم الأجيال الجديدة من الفنانين في المنطقة. وتؤكد أن المزاد يهدف لـ«نشر الوعي بالإبداع القادم من هذا الجزء من العالم».

«فتاة ترتدي فستاناً منقوشاً» للفنان محمود سعيد (كريستيز)

ضمن المزاد... محمود سعيد والريف المصري

تتصدر المجموعة عدة أعمال لفنانين كبار أمثال محمود سعيد، ذلك العبقري من الإسكندرية الذي هام بالريف وجمال المرأة المصرية، وصور بريشته ملامح الأرض السمراء ونهر النيل والفلاحات عبر الألوان واللعب على الضوء والظل. لوحته هنا التي رسمها في عام 1938 تحمل عنوان «فتاة ترتدي فستاناً منقوشاً»، الفلاحة السمراء الجميلة في لوحته تبدو رشيقة وأنيقة تستند على جرة ضخمة، وفي الخلفية فلاحة أخرى تحمل جرتها على رأسها، وتتجه إلى مجرى الماء. اللوحة كانت ملكا لحسين باشا سري، وعرضت أربع مرات في أثناء حياة الفنان.

أيمن بعلبكي

من أعمال الفنان اللبناني أيمن بعلبكي يأتي عمل من دون عنوان يصور هيكل عمارة مدمرة، كعادته يلجأ بعلبكي إلى الألوان وضربات الفرشاة لمنح اللوحة ملمساً ونسيجاً خاصاً، وتبدو العمارة لنا خلف غمامة قد تكون الغبار المحيط بكل ذلك الدمار. لوحات بعلبكي تلمس الجرح العربي دائما، وتتحدث بفصاحة لونية عن الحرب والدمار والمقاومة. وتشير الخبيرة إلى أن أيمن بعلبكي من الفنانين المهمين في مجموعة دلول حيث «نشر الدكتور باسل كتابا عن بعلبكي مؤخرا»، وتضيف أن اللوحة بالحجم الضخم، تعبر عن العنف والدمار الذي عاصره بعلبكي في لبنان منذ أن ولد في أثناء الحرب الأهلية. «ينقل بعلبكي مشاهداته للدمار والعنف عبر لغة بصرية تجنح للأسلوب الشعري».

ليليات كمال بلاطة

تشدني لوحة للفنان الفلسطيني الراحل كمال بلاطة لتنويعاته على اللون الأزرق ودرجاته، تشير الخبيرة للوحة قائلة: هذه اللوحة من سلسلة بعنوان «ليليات»، حيث درج الفنان على استخدام الأشكال الهندسية المجردة، وتضيف «أعتقد أن اللون هنا جميل على نحو خاص، كأنما نفتح نافذة، ونرى أمامنا تجريدا لدرجات الأخضر والأزرق». تشبهه بالشاعر في استخدامه للألوان «رغم أننا قد لا نعرف ماذا يقول العمل، فالأهم هو المشاعر والأفكار والألوان التي يمكن أن تعبر عنها». تستعين ثيسين بنص كتبه الفنان عن استخدامه للألوان قال فيه: «بمجرد أن تجف، تبعث الألوان بإحساس منعش كماء النبع وشفاف مثل الزجاج. بمجرد أن أحس باستطاعتي الولوج داخل اللوحة، وكأني أقفز داخل بركة أو مرآة، أعرف وقتها أن عملي انتهى. بعد أيام وأسابيع بعد ذلك عندما أعود للنظر للوحة أشعر بالدهشة لما أراه ماثلا أمام عيني، لا يسعني إلا أن أتساءل ما هي الصور التي يعكسها هذا السطح المعين من ذاكرتي».

«طريق الإنسانية» للفنان أحمد ماطر (كريستيز)

أحمد ماطر وطريق الإنسانية

يضم المزاد عملين للفنان السعودي أحمد ماطر من مجموعته الفوتوغرافية التي قام بتصويرها من طائرة هليكوبتر أثناء موسم الحج. حيث يصور ماطر الجموع البشرية التي تقوم بمراسم رمي الجمرات، غير أن التصوير من أعلى يختزل الجموع لموجات من النقاط، لا ملامح، ولا فردية هنا، بل موجة بعد موجة من المشاعر والصلوات، كأنما تختصر تجربة الحج التي تذوب فيها الفروقات بين الحجاج، وتوحد بينهم التجربة الروحية المشتركة. تعلق ثيسين بالقول: «أعتقد أنه يعكس لنا عبر اللقطات العوامل الروحية التي تجمع بين الناس».

«النخلة» للفنان إبراهيم الصلحي (كريستيز)

إبراهيم الصلحي

تظهر في المجموعة المعروضة أعمال لفنانين قل أن ترى أعمالهم في المزادات مثل الفنان السوداني إبراهيم الصلحي. لوحته «النخلة» من سلسلة «الشجرة» مستوحاة من شجرة الحراز التي تنمو في السودان ويستخدمها الصلحي في أعماله ليرمز لإصرار الإنسان على الحياة والمثابرة رغم قسوة الطبيعة تماما مثل الشجرة التي تتحدى التصحر والجفاف. العمل يحمل الطابع الهندسي الدقيق، ولكن التجريد هنا ليس جافاً بل يثير المشاعر، ويعبر عن رؤية الفنان. عرف الصلحي بمزجه الفريد ما بين التيمات الأفريقية والإسلامية والعربية، الذي جعل منه شخصية رئيسية في تطور الحداثة الأفريقية اليوم.

لوحة للفنان كروان (كريستيز)

مروان وتضاريس الوجه البشري

للفنان السوري مروان قطعتان في المزاد إحداهما تعود للسبعينات وتعد من بواكير أعماله، وفيها يبحر في تضاريس الوجه البشري باستخدام ضربات فرشاة معبرة بالألوان المائية لاستكشاف العمق النفسي للوجه الإنساني، وهو تيمة أثيرة لدى الفنان. وتشير ثيسين إلى أن اللوحة في المزاد تتميز بألوان هادئة لتقدير تأثيرها يجب أن يقف المشاهد أمامها. ويضم المزاد لوحة ثانية لمروان بعنوان «ماريونيت» (دمية متحركة) رسمها الفنان في عام 2014. للفلسطينية سامية حلبي التي اشتهرت بالنمط التجريدي، يضم المزاد لوحتين تتميزان بالألوان والتدرجات الهندسية. وتشير ثيسين إلى أن المزاد يضم مجموعة من أعمال أهم الفنانات في العالم العربي؛ أمثال هيلين خال وإنجي أفلاطون وإيتيل عدنان.

«شجرة الموز» للفنانة إنجي أفلاطون (كريستيز)

تشمل الأعمال المهمة الأخرى لوحة تجريدية مذهلة لكاظم حيدر، وعملاً لضياء العزاوي من أبرز أعمال المعرض المتنقل الأخير «بيروت والستينات الذهبية»، ولوحة «موجة» المميزة لمحمد المليحي من الثمانينات. كما تضم المجموعة مجموعة لبنانية قوية بما في ذلك الأعمال المتميزة لبول غيراغوسيان، وشفيق عبود، وشوقي شوكيني.

لوحة من دون عنوان للفنان محمد المليحي (كريستيز)

أسألها عن المجموعة الفنية الضخمة في مجموعة دلول والتغييرات التي يحاول الدكتور باسل عرضها عبر المزاد، تقول: «المجموعة بدأها الدكتور رمزي دلول الذي كان شغوفاً بالاقتناء، وفي المجموعة هناك أكثر من لوحة للفنان نفسه قد تكون من السنة نفسها، ولهذا يحاول الدكتور باسل إدخال التحسينات عبر تنقية الأعمال والاحتفاظ بالأفضل، وهو مستعد لبيع المتشابهات باتجاه أخذ المجموعة باتجاه الوقت الحاضر».

حقائق

3000

أكثر من 3000 عمل من الإبداع العربي تعرضها مؤسسة دلول الفنية في بيروت


مقالات ذات صلة

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

يوميات الشرق حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

من المقرَّر عرض نسخة موقَّعة ومكتوب عليها إهداء من الطبعة الأولى لرواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف، التي أهدتها إلى طبّاختها ومديرة منزلها نيلي بوكسال، للبيع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

بيعت لوحة فنية صغيرة مرسومة بالطباشير بعنوان «الأسد الصغير يستريح» بريشة الفنان رامبرانت بسعر قياسي بلغ 18 مليون دولار أميركي في مزاد «سوذبي» بمدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

للمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)

بيع سمكة تونة زرقاء مقابل 3.27 مليون دولار في اليابان

دفع مالك سلسلة مطاعم سوشي مبلغاً قياسياً قدره 3.27 مليون دولار (510.3 مليون ين) مقابل سمكة تونة زرقاء عملاقة طُرحت في مزاد رأس السنة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended