مهى فتوني... غناءٌ بعد صمت وشهرةٌ بعد خجل

ديو مفاجأة مع أحمد سعد و«الصبر جميل» صارت «ترند»

حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)
حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)
TT

مهى فتوني... غناءٌ بعد صمت وشهرةٌ بعد خجل

حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)
حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)

في غرفةٍ مزدحمة بالخرائط والمساطر والحواسيب وسائر أدوات الهندسة، كانت تجلس مهى فتوني عندما انتصرت جرأتُها على مخاوفَ عمرها 22 سنة. حدث ذلك خلال جائحة كورونا والحجر المنزليّ. قررت أن تُخرج صوتها من القمقم وتشاركه مع الناس، أصدقاءَ كانوا أم غرباء، عبر منصة «تيك توك».

كل ما حصل بعد ذلك لم يُشبه ما سبقه في حياة الشابة اللبنانية. أحدثُ تلك التحوّلات تقديمُها استقالتها من وظيفتها كمهندسة داخليّة في الكويت، وإصدارها منذ أسابيع ديو مع الفنان المصري أحمد سعد كان بمثابة مفاجأة لمتابعيها.

«لم يخطّط أحد للأغنية»، تؤمن فتوني بأنّ الصُدفة غالباً ما تأتي بأفضل النتائج. في حديثها مع «الشرق الأوسط»، تكشف كواليس التسجيل. كان سعد في زيارة إلى ستوديو في القاهرة حيث كانت تسجّل إحدى أغانيها. هو على معرفة سابقة بصوتها ويتابعها على «تيك توك». تقول: «سجّلنا على سبيل التسلية. حتى فيديو الأغنية هو تصوير عفويّ ومن دون تعديلات». أثمرت هذه العفويّة مئات آلاف المشاهَدات، كما أنها جمعت فتوني بفنانٍ لطالما ردّدت أغانيه وأعادت تسجيلها بصوتها.

المغنية اللبنانية مهى فتوني والفنان المصري أحمد سعد (صور فتوني)

تمرين عبر التلفزيون

كانت فتوني مُقدّرةً للدرس، وللدرس فحسب. هي الآتية من عائلة تؤمن بالعلم ومن أبوين مدرّسَين، لم يكن الفنّ احتمالاً وارداً بالنسبة إليها. ومع أنهما ربّياها على الطرب وصوت فيروز، هي لم تسمع يوماً أحداً يقول لها: «صوتك حلو». لم تقف على خشبة مسرح المدرسة لتغنّي في حفلة نهاية السنة؛ «خانتني الجرأة، وخجلي كان أقوى». احتفظت بصوتها لنفسها، لكنها صقلته سراً، على طريقتها؛ «كنت أتابع برنامج ستار أكاديمي وأتدرّب عبر شاشة التلفزيون برفقة الأستاذة التي كانت تعلّم الطلّاب».

الفتاة التي لم يؤمن أحد بموهبتها كبرت اليوم لتتشارك المسارح مع «نجوم الصف الأول»، ولتحصد أغانيها ملايين الاستماعات. لكنّ ذلك لم يكن ليتحقق، لولا لحظة الجرأة تلك التي قلبت حياتها رأساً على عقب عام 2020. جمعت كل ما في حنجرتها من شغف بالموسيقى، وجلست أمام عدسة «تيك توك» مغنّيةً «ذكريات كدّابة» للفنان المصري تامر عاشور. خلال أيام، كان الفيديو قد جمع أكثر من 50 ألف مشاهَدة.

حاربت الشابة اللبنانية الخجل لتطلق صوتها على الملأ (صور فتوني)

«الصبر جميل»

الأغنية جرّت وراءها أغنيات، والمئات صارت ملايين. أدركت فتوني حينها أنّ جدران الغرفة الصغيرة التي سجنت صوتها بينها، تحطّمت إلى الأبد. والفتاة الصارمة والجادّة التي لم يتوقّع لها أحدٌ بأن تطأ مجال الفن، انتشر صوتها بسرعة في العالم العربيّ.

تفسّر ثورتها الصغيرة تلك بالقول إنها لطالما وُضعت في مقارنة مع أشقّائها، بينما لم تكن ميّالةً إلى الدرس مثلهم؛ «أردت أن يكون لديّ ما يميّزني عن محيطي. في البداية لم يأخذني أهلي على محمل الجدّ، لكنهم اليوم في طليعة الداعمين».

تسجّل مهى فتوني حالياً مجموعة من الأغاني الخاصة، كما تستعدّ لإحياء حفل في جدّة بعد أيام. إلا أنها حتى الآن، لا تحب أن يُطلق عليها لقب «فنانة». تفسّر هذا التمنّع بالقول: «صحيح أن أغنيتي (الصبر جميل) حقّقت 100 مليون استماع على (يوتيوب) وتحوّلت إلى ترند، صحيح كذلك أنني غنّيت أمام 10 آلاف شخص في جدّة إلى جانب النجمَين رامي صبري ورامي جمال، لكن بالنسبة لي فأنا أبدأ للتوّ. قد ينجح الأمر وقد لا ينجح».

بكثير من العقلانيّة، تتعامل فتوني مع الشهرة المستجدّة والأرقام الخياليّة. تعلّق: «هذا زمن فيه فنانو (سوشيال ميديا) وفنانو صف أول. الشاطر هو الذي سيستطيع أن يخرج من (السوشيال ميديا) ويسلك الطريق الذي يؤدّي به إلى الصف الأول».

حفل فتوني الأول في مسيرتها كان في جدّة أمام 10 آلاف متفرّج (إنستغرام)

لا تنكر أن منصّة «تيك توك» سرّعت في انتشارها ومنحتها الأرضيّة للانطلاقة، لكنها لن ترضى أبداً بلقب «فنانة تيك توك». تقول إنّ انتقالها من عالم «السوشيال ميديا» إلى العالم الواقعيّ بدأ للتوّ، وهو يتكرّس بتفاعل الناس مع أغانيها الخاصة وبخروجها من شرنقة إعادة الأغاني المعروفة. وقد يكون الأهمّ من ذلك كله، الخروج من الشاشة الافتراضيّة إلى فضاء المسرح الحقيقيّ.

مصريّة الهوى

في رصيد مهى فتوني بعض الأغاني الخاصة التي تميّزت من بينها «الصبر جميل»، مشكّلةً نقطة تَحوّل. عن سابقِ شغفٍ وتأثّر بكل ما هو مصري، اعتمدت اللهجة. ومَن لا يعرفها، يظنّها مصريّة عندما تغنّي. حتى أحمد سعد قال لها: «مبيّنة مننا».

في وقتٍ يتعثّر فنانون معروفون في إقناع الجمهور المصريّ، اخترقت فتوني القلوب بسهولة. مردّ ذلك برأيها أنها منغمسة منذ الصغر في فن بلاد النيل، وهي تتماهى مع الأغنية المصريّة. تذكر من بين الفنانين الذين أثّروا بها وطبعوا صوتها، شيرين وأنغام وتامر عاشور.

تلبّي نداءً في داخلها يشدّها صوب القاهرة: «أحتاج إلى زيارتها كل فترة، وفي استوديوهاتها أسجّل أغانيّ». لكنّ هذا التفرّغ للأعمال المصريّة لا يعني أنّ فتوني لن تغنّي بلهجة بلدها لاحقاً. ومهما اختلفت اللهجات، يبقى الأساس بالنسبة إليها تقديم محتوى موسيقي راقٍ، و«أن تلمس الأغنية الروح وألّا يكون كلامها ركيكاً».

من يسمع أداء فتوني الغنائي يظنّها مصريّة لشدّة تأثّرها بالموسيقى المصرية (صور الفنانة)

إلى جانب اللهجة المصريّة، يطبع الحزن أغاني مهى فتوني وصوتها. لا يزعجها أن يرتبط اسمها بالأغاني الحزينة: «فنانون كثُر أمضوا أولى سنوات مسيرتهم في غناء اللون الحزين، وانتقلوا لاحقاً إلى أنواع موسيقية أخرى. ثم إن هويّة صوتي تميل إلى الكلام الحزين وإيقاع المقسوم».

من الواضح أن المغنّية الشابّة تبني لنفسها هويّةً كما لو أنها ترسم مخططاً هندسياً. أما مقوّمات تلك الهويّة فهي الحفاظ على بصمة صوتيّة خاصة، وعلى هندام بسيط ومحتشم. تأتي الجرأة لتكمّل ذلك، فعندما تُسأل فتوني عن أهمّ إنجازاتها حتى الآن تجيب: «يكفي أنني خرجت من ثوب مهى القديم... ثوب الخجل».


مقالات ذات صلة

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

يوميات الشرق ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ليلة استثنائية قضاها محبو الإنشاد الديني والأشعار الصوفية مع «شيخ المنشدين» ياسين التهامي، ضمن ليالي رمضان بدار الأوبرا المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

فنانون مصريون يدعمون هاني شاكر في أزمته الصحية

توالت رسائل الدعم التي وجهها فنانون مصريون للفنان هاني شاكر في الأزمة الصحية التي يمر بها راهناً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)

«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

استعادت فرقة «كنعان» الفلسطينية للثقافة والفنون أغاني ورقصات الفولكلور الفلسطيني في ليلة رمضانية بدار الأوبرا المصرية، الجمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

غنت عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)

«أرواح في المدينة» تنعش ذاكرة المصريين بألحان محمد فوزي

استعادت لقاءات «أرواح في المدينة» ضمن مبادرة «القاهرة عنواني» سيرة وألحان الموسيقار والمطرب المصري محمد فوزي في الذكرى الستين لرحيله (1918 – 1966).

محمد الكفراوي (القاهرة )

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».