«عروس الياسمين»... زينة «عطور الشرق» في معهد العالم العربي

جاك لانغ لـ«الشرق الأوسط»: المعرض سينتقل من باريس إلى الرياض في أقرب وقت

قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
TT

«عروس الياسمين»... زينة «عطور الشرق» في معهد العالم العربي

قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)

للحضارات العربيّة عطرٌ يمتزج فيه العنبر بالمسك والعود والبخور، وتتفتّح من أجله أزرار الورد والياسمين وزهر الليمون. لهذا العطر يشرّع معهد العالم العربي في باريس أبوابه بين 26 سبتمبر (أيلول) الحالي و17 مارس (آذار) 2024؛ فـ«متعة العطور العربيّة هي في المشاركة»، وفق تعبير رئيس المعهد جاك لانغ.

سيكون زوّار معرض «عطور الشرق – Parfums d’Orient» على موعد مع 30 عطراً، وأكثر من 20 عارضاً وافدين من الدول العربية والعالم. تنطلق الرحلة التي تشتعل فيها كل الحواس، من الطبيعة العربية حيث يكتشف الزائر الموادّ الأساسية المستخدمة في صناعة العطور، ثم ينتقل إلى «سوق العطّارين» التقليديّة والمعروفة في معظم المدن العربية. وفي المرحلة الأخيرة من جولته، يطّلع زائر المعرض على استخدامات العطور في إطارها الأكثر حميميةً، كما في المنازل بغُرفها ومطابخها.

الملصق الرسمي لمعرض «عطور الشرق» (معهد العالم العربي)

ورد وعود وبخور

في حوار مع «الشرق الأوسط»، يقول رئيس معهد العالم العربي ووزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ، إن «المعرض يغطّي المنطقة العربية من عُمان وبخورها، إلى المغرب وأعالي الأطلس بوروده، مروراً بالمملكة العربية السعودية التي تحصد الورد وتحوّل العود إلى عطر».

بعض الصور من معرض «عطور الشرق» في باريس (معهد العالم العربي)

قليلة هي الحضارات التي تمنح مساحةً للعطور كما تفعل تلك العربية، وعلى هذا الأساس قرر المعهد تكريمها. «آن الأوان كي نمنح وقتاً لهذه الثقافة التي تعكس فن حياة»، يقول لانغ. ويضيف رئيس المعهد: «سيكتشف الزوّار أعمالاً فنية فريدة تحكي عن ثقافة عطور الشرق، وللمرة الأولى يتضمن معرضٌ من هذا النوع جزءاً مرتبطاً بحاسّة الشمّ؛ أي إن الزوّار سيتمكّنون من استنشاق الروائح الأساسية وخليط العطور».

تتعدّد في المعرض وسائط إبراز العطور الشرقيّة، من الصور واللوحات والوثائق التاريخية، إلى الأواني القديمة وتلك المعاصرة، وليس انتهاءً بالأفلام التوثيقيّة والأجهزة التي تنشر العطور في الجوّ. أما إحدى تُحَف المعرض فهي «فستان العروس» المصنوع بالكامل من زهر الياسمين الآتي من منطقة جازان السعوديّة.

فستان العروس المصنوع من الياسمين... تصميم الفنانة السعوديّة ريم الناصر (الشرق الأوسط)

عروس الياسمين

تتّجه الأنظار والأنوف في معرض «عطور الشرق» إلى فستان طالعٍ من حدائق الياسمين. تحمل الفنانة السعوديّة ريم الناصر تحفتَها العطِرة من محافظة أبو عريش في جازان، وهي منطقة تصدّر منذ القِدَم العطور إلى جميع أنحاء المملكة.

وفق ما تخبر «الشرق الأوسط»، تطمح الناصر إلى «توثيق التطوّر الحاصل» في منطقتها، من خلال عرض مجموعة من الأزياء النسائية الاحتفالية بالزواج، وكلّها مصنوع من زهور الياسمين. زهرةً زهرة، طرّزت الناصر وفريقُ مساعديها الفستان وتوابعه قبل أيام من المعرض، كي لا تفقد الزهور نضارتها.

تستلهم الناصر أعمالها الفنية المتعدّدة الوسائط، من رصدها السلوكيّات الاجتماعيّة والثقافيّة في بلادها، وتحوّلاتها عبر السنوات. وهي توضح أنّ «فستان العروس من زهرة الياسمين هو تعبير رمزيّ اجتماعيّ مستخدم في الأفراح، كما أنه رصدٌ سلوكيّ لكيفيّة تحوّل حرفة زهرة الياسمين وانتقالها من شكلها القديم إلى شكلها الحاليّ».

تاج العروس المصنوع من الياسمين من تصميم الفنانة السعوديّة ريم الناصر (معهد العالم العربي)

بهذه التحفة التي تسافر معها من السعوديّة إلى باريس، تحيي ريم الناصر تقليداً اجتماعياً قديماً لم يُذبل مرورُ الوقت ياسمينَه. وكما يترك الزمن أثرَه على الزهور والبشر، ستعبر شهور المعرض الستّة على فستان الياسمين. يصل إلى باريس مرصوفاً بمئات أزرار الياسمين، لتتفتّح لاحقاً وتصبح أزهاراً خلال العرض، ثم تحلّ مرحلة الذبول من دون أن تخدش سحر الفستان.

توضح الناصر في هذا الإطار أن «العمل يعكس مفهوم الزمن، والتحوّل العطريّ جزء أساسيّ من ذلك». تكمل الفنانة السعودية: «في الأسبوع الأول، تكون الزهرة حديثة القطف والتركيب، ومع مرور الأيام والأسابيع يحدث الذبول، وهذا جزء من التجربة العطريّة».

الفنانة السعودية ريم الناصر ترتدي زيّاً تقليدياً وتاجاً من النبات العطري (الشرق الأوسط)

معروضات نادرة

إلى جانب فستان الياسمين، تعدّد مفوّضة المعرض آنييس كارايون مجموعةً من المعروضات الاستثنائيّة والنادرة. تتحدّث عن نظام ابتكره الفنان المغربي هشام برادة، وهو يعمل على الإضاءة جاعلاً نبتات «مسك الليل» تنمو أمام عيون الزوّار ناشرةً عطرها في المكان.

في معرض «عطور الشرق» كذلك، بساطٌ كبير من الأزهار، وعلى رأسها ورود المغرب. وللصور حصةٌ وازنة من بينها مجموعة من عُمان عن قطاف الورود في منطقة الجبل الأخضر، وأخرى لمحلّات العطّارين في مسقط وصلالة، بعدسة المصوّر اللبناني - الفرنسي فلاديمير أنطاكي.

من سوق العطّارين في مسقط بعدسة فلاديمير أنطاكي (معهد العالم العربي)

من متحف «اللوفر» الباريسي، استعار معهد العالم العربي أعمالاً تعكس أهمية العطر في الإطار الديني. وتلفت كارايون إلى «العلاقة الوثيقة بين العطور العربية والتقاليد الإيمانيّة، منذ أيام الفراعنة والرومان، وصولاً إلى الديانات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة».

يعود بعض الأعمال المستعارة من «اللوفر» إلى حقبة الفراعنة، وهي تجسّد قطاف النساء في مصر القديمة للزهور وتحويلها إلى عطور. ومن بين المخطوطات الأثريّة، ما يتحدّث عن تقنيات التقطير التي ابتكرها العلماء العرب خلال القرن الرابع عشر.

وعلى قائمة المعروضات المميّزة، سجّادة بطول 40 متراً، وهي مصنوعةٌ بالكامل من البهار الأبيض والكركم والصعتر والسمّاق والزنجبيل.

سجّادة البهارات من ابتكار الفنان الفرنسي لوران ماريشال (معهد العالم العربي)

من باريس إلى الرياض

في جعبة معهد العالم العربي سنواتٌ من الخبرة في مجال المعارض والأبحاث، إلا أنه واجه تحدياً في هذا المعرض بالذات. تخبر كارايون أن «التحدّي الأكبر كان في إبراز الروائح المختلفة وابتكار مسارٍ للزائر قائمٍ على حاسّة الشمّ، من دون أن يتحوّل الأمر إلى مزيج عشوائي من العطور»؛ لذلك جرى اللجوء إلى أجهزة متطوّرة لبثّ العطور، منها ما هو مخبّأ ومنها ما هو مرئي متخذاً هيئة مجسّمات للزهور الأساسية في صناعة العطور العربية.

ستكون للزوّار محطّة على «طاولة العطّار»، حيث يكتشفون بطريقة مسلّية ومبسّطة كيف يعمل العطّارون على تركيب عطورهم. ومن بين القطع التي تزيّن المعرض، قوارير قديمة وأخرى عصريّة، إضافةً إلى مجموعة من المباخر الآتية كذلك من «اللوفر».

مباخر شرقيّة قديمة من مجموعة متحف «اللوفر» (معهد العالم العربي)

قريباً، يمتدّ الياسمين والعود والعنبر جسراً بين باريس والرياض. يكشف جاك لانغ في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن انتقال المعرض إلى العاصمة السعوديّة، «أمرٌ متّفق عليه بالتنسيق مع لجنة الثقافة والآثار في مجلس الشورى السعودي بشخص السيدة منى خزندار». ما هي إلّا شهور إذاً حتى تحطّ «عطور الشرق» رحالَها في المتحف الوطني في الرياض.


مقالات ذات صلة

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

لمسات الموضة عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على…

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس ترمب مستقبلاً الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض نوفمبر الماضي (الرئاسة السورية) p-circle

ترمب يهدي الشرع زجاجتي عطر تحملان علامته التجارية

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أرسل إليه زجاجتي عطر تحملان علامته التجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة بالنسبة للعمانيين فإن ذِكر «أمواج» واللبان أصبح مرادفاً لعُمان (أمواج)

لبان ظُفار من الشجرة إلى الزجاجة في وادي دوكة

يدار وادي دوكة بأسلوبٍ حديثٍ ومستدام، بتحديد مواقع آلاف أشجار اللبان، واستخدام تقنية التتبُّع الجغرافي، ليُصبح أول غابة ذكية في منطقة الخليج.

جميلة حلفيشي (صلالة - عُمان)
يوميات الشرق أحدث طراز أحذية رياضية من توقيع ترمب (متجر ترمب الإلكتروني)

منتَجات «ترمب»... أحذية وعطور وشموع وأكواب وهواتف للبيع

دونالد ترمب لا يهدي العطور فحسب، إنما يبيعها. وفي متجره الإلكتروني أكثر من مجرّد عطور، فالسلع كثيرة وأسعارها تناسب الجميع.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة تتميز عطور الخريف عموما بالدفء (كريد)

أفضل 5 عطور لهذا الخريف

تهبّ أولى نسمات الخريف فنتهيَّأ له باستقبال كل ما هو دافئ، بدءاً من الأقمشة الصوفية الناعمة والألوان الترابية وأخرى بدرجات مطفية، وصولاً إلى عطور تتراقص على…

«الشرق الأوسط» (لندن)

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)
قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)
TT

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)
قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)

عادت إلى روما، بعد قرابة 200 عام ولمدّة وجيزة، لوحة للفنان البريطاني جيه إم دبليو تيرنر، تصوّر المدينة، ووُصفت بأنها «رسالة حبّه الكبرى» إليها، قبل طرحها في مزاد في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، إذ يُتوقع أن تُحقّق سعراً قياسياً.

وستُعرض «روما من تل أفنتينو»، وهي من أعمال تيرنر النادرة التي لا تزال ضمن مقتنيات خاصة، في قصر «روندنيني» بوسط روما، لأيام. وبعد ذلك، ستُعرض في هونغ كونغ ونيويورك، قبل أن تُنقل إلى لندن، حيث يُتوقع أن تحقق 50 مليون جنيه إسترليني لدى طرحها في مزاد «دار سوذبي» في 9 ديسمبر.

وذكرت «الغارديان» أنّ المرة الأخيرة التي بيعت فيها اللوحة كانت عام 2014، حين دفع أحد هواة جمع الأعمال الفنية 30.3 مليون جنيه إسترليني لقاءها، لتغدو بذلك أغلى لوحة لتيرنر تُباع حتى ذلك الحين.

وتُصوّر اللوحة، التي تتميَّز بمسحة ذهبية، نهر التيبر في روما كما يبدو من تل أفنتينو، ولا تزال على قماشها الأصلي وفي إطارها الأصلي. كما أنها لم تخضع قط لعملية تبطين أو ترميم، ولا تزال آثار سكين الألوان وفرشاة تيرنر ظاهرة على سطحها، فضلاً عن بصمات أصابعه من حين كان يرفعها لنقلها داخل مرسمه.

وصرَّح كبير المختصين في «دار سوذبي» في لندن، جوليان غاسكوين، للصحافيين في روما: «لأنها غير مبطَّنة، فإن سطح اللوحة محفوظ بصورة استثنائية. ويمكن رؤية جميع طبقات الطلاء الرقيقة والشفافة التي تراكمت عبر جلسات رسم متعاقبة، والتي تمنح اللوحة هذا الإحساس الاستثنائي بالضوء والعمق والتوهُّج. ويمكن كذلك رؤية شعيرات الفرشاة وخدوش سكين الألوان على اللوحة بطريقة لا تكاد تُرى في أي عمل آخر للفنان».

الزمن خارج الإطار... وتيرنر لا يزال داخله (أ.ب)

وانتقلت اللوحة بين مالكَيْن فقط منذ أن كلّف بها هيو أندرو جونستون مونرو، من نوفار، وهو فنان بريطاني هاوٍ كان يرافق تيرنر في جولاته لرسم الاسكتشات، في أواخر عشرينات القرن التاسع عشر.

وبدأ تيرنر العمل على اللوحة في روما وأتمّها في لندن، حيث عُرضت للمرة الأولى في الأكاديمية الملكية عام 1836، وسط آراء متباينة.

وظلَّت ضمن مقتنيات مونرو حتى عام 1878، حين اشتراها أرشيبالد بريمروز، إيرل روزبيري الخامس ورئيس الوزراء البريطاني البارز في القرن التاسع عشر، لتكون هدية زفاف لعروسه هانا دي روتشيلد.

وزار تيرنر روما للمرة الأولى عام 1819، ثم عاد إليها في أواخر عشرينات القرن التاسع عشر، حين كان جزءاً من مجتمع فنّي ناشط يضم رسامين ونحّاتين وكتّاباً وشعراء اتخذوا من منطقة «الدرج الإسباني» موطناً لهم.

وأنتج تيرنر، الذي توفي عام 1851، لوحات عدّة للمدينة. وقال غاسكوين: «وإنما هذه اللوحة هي العمل الوحيد للفنان الذي يصوّر روما كما بدت في عصره. فكل لوحاته الأخرى عن روما كانت استحضاراً لحقبة غابرة. أما هذه فهي اللوحة الوحيدة التي تُجسّد المدينة في صورة حيّة. وهي، بكل المقاييس، رسالة حبه الكبرى إلى المدينة التي ألهمته طوال حياته».

من جهته، أعرب رئيس «دار سوذبي أوروبا»، ماريو تافيلا، عن أمله في أن تنتقل اللوحة إلى متحف عام «حيث يستطيع الجميع الاستمتاع بها».


6 ألبكات وفنجان قهوة... مقهى صربي يكسر المألوف

تقترب بقدر ما يمنحها الإنسان من أمان (أ.ب)
تقترب بقدر ما يمنحها الإنسان من أمان (أ.ب)
TT

6 ألبكات وفنجان قهوة... مقهى صربي يكسر المألوف

تقترب بقدر ما يمنحها الإنسان من أمان (أ.ب)
تقترب بقدر ما يمنحها الإنسان من أمان (أ.ب)

في زاوية هادئة من شمال صربيا، حيث تتداخل الطبيعة مع تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد جلسة احتساء القهوة مجرّد فرصة للاسترخاء أو تبادل الأحاديث. ففي مقهى غير مألوف داخل منتجع ريفي، قد يجد الزائر نفسه يتقاسم المكان مع 6 من حيوانات الألبكة، تتنقل بهدوء بين الضيوف، وتقترب منهم حيناً وتبتعد حيناً آخر، كما لو أنها جزء أصيل من طقوس المكان.

لا تحتاج الألفة دائماً إلى لغة مشتركة (أ.ب)

لم يمضِ على افتتاح المقهى سوى أسبوع، لكنه بات مشهداً نادراً في أوروبا. وقال زوران أوستويين، مالك منتجع «تيغانجيتسا إثنو فيليدج» قرب ستايتشيفو، شمال بلغراد، إنّ فكرة إنشاء المقهى راودته بعدما شاهد تجربة مماثلة في سلوفاكيا.

وتابع أوستويين لوكالة «أسوشييتد برس»: «كنتُ أنا وزوجتي في مقهى للألبكة في سلوفاكيا، وقد أسرنا المشهد. أردنا أن نتيح للناس في بلدنا فرصة التعرُّف إليها، وأن يشعروا بهذا الحيوان وطاقته».

وتتميَّز الألبكة بطبع هادئ وودود وسهولة التعامل معها. ورغم صلتها بالإبل واللاما، فإنها أصغر حجماً، وتحظى بشعبية بسبب فرائها الناعم وأصوات الهمهمة الرقيقة التي تطلقها للتواصل فيما بينها.

بعض الضيوف لا يحتاجون إلى مقعد (أ.ب)

وفي «تيغانجيتسا»، تختلط الألبكة بالزوار، الذين يفد كثير منهم ضمن رحلات منظّمة لمشاهدة الحيوانات وقضاء بعض الوقت برفقتها.

وعلى لوحة في المكان، دُوّنت مجموعة من القواعد التي يتعيَّن على الزوار الالتزام بها؛ إذ يُطلب منهم عدم الاقتراب من الألبكة من الخلف، أو إطعامها أطعمة يجلبونها معهم. وبدلاً من ذلك، يحصل الضيوف على دلاء صغيرة تحتوي على الجزر والخس والتفاح لتقديمها إلى الحيوانات.

ويتعيَّن ترتيب الزيارة مسبقاً، وتبلغ تكلفتها نحو 10 يوروات (11.35 دولار)، وتشمل مشروباً ودلواً صغيراً من الطعام المخصَّص للألبكة.

وتختلف شخصيات الحيوانات الستة، وفق سيمونا فرانغي التي تتولّى رعايتها. وتقول إن ألبكة سوداء تُدعى «ليوبيسا» تتميَّز بطبع متجهِّم، في حين تتولّى «سنيزانا» قيادة القطيع رغم أنها أصغر أفراده حجماً.

هي التي تقرّر متى تصبح الغربة أُلفة (أ.ب)

وتوضح فرانغي: «إنها شديدة الحساسية تجاه نيات الناس؛ فهي تشعر إذا كان أحدهم يريد إيذاءها، فتبتعد عنه. أما إذا كان شخص ما يريد أن يقدّم لها شيئاً، فإنها تقترب منه».

ويدير أوستويين حديقة حيوانات صغيرة داخل منتجعه، الذي يضم أيضاً مطعماً وحديقة في ملكية العائلة. ويقول إن قصة المكان بدأت عندما كان هو وشقيقه، منذ أن كانا صبيين، يجلبان الحيوانات المصابة إلى المنزل للعناية بها.

وكانت أول ألبكة تصل إلى المكان هدية من حديقة حيوانات بلغراد قبل 8 أعوام. ويقول أوستويين إنه أحبَّ كثيراً الطاقة والمشاعر التي يبعثها هذا الحيوان، مضيفاً أن «له قدرة تشبه الشفاء تقريباً».


حين رأى العالمُ فان جوخ «مجنوناً» رأت هي عبقريتَه

لوحة «أربع زهرات عباد شمس بذورها ناضجة» (Four Sunflowers Gone to Seed) في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)
لوحة «أربع زهرات عباد شمس بذورها ناضجة» (Four Sunflowers Gone to Seed) في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)
TT

حين رأى العالمُ فان جوخ «مجنوناً» رأت هي عبقريتَه

لوحة «أربع زهرات عباد شمس بذورها ناضجة» (Four Sunflowers Gone to Seed) في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)
لوحة «أربع زهرات عباد شمس بذورها ناضجة» (Four Sunflowers Gone to Seed) في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

في شهر أبريل (نيسان) من عام 1912، كانت هيلين كرولر مولر في جولة مكثفة لاقتناء الأعمال الفنية؛ لم تكن مهتمة بأحدث صيحات الأحذية أو الأزياء، بل كانت تسعى للعثور على لوحة فينسنت فان جوخ التي تصور «مدام أوغستين رولان».

نجحت في العثور على لوحة «لا بيرسوز» (La Berceuse) - وهو الاسم الشائع للوحة - في أحد معارض باريس واشترتها على الفور. وفي اليوم التالي، واصلت التنقل بين المعارض بحثاً عن المزيد من أعمال فان جوخ، وعادت بحصيلة مذهلة: 15 لوحة في رحلة واحدة.

كانت كرولر مولر، وهي وريثة ثرية من أصل ألماني، قد جعلت من تأسيس مجموعة عامة عظيمة للفن الحديث هدفاً لحياتها، وأصبحت واحدة من أوائل كبار جامعي الأعمال الفنية الذين أدركوا عبقرية فان جوخ. والآن، وبعد مرور أكثر من قرن على تلك الجولة الباريسية، تُعرض مجموعة لوحات فان جوخ التي جمعتها بالكامل مجتمعةً في المتحف الذي شيدته وسط غابة هولندية، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1984. تُعد هذه المجموعة ثاني أكبر كنز لأعمال فان جوخ في العالم، بعد متحف فان جوخ في أمستردام، وقد جمعتها امرأة خاضت مخاطرات كبيرة لشراء أعماله في وقت لم يجرؤ فيه سوى قلة قليلة على القيام بذلك.

زوار المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نجيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

يقدم المعرض المقام في متحف كرولر مولر في أوترلو بهولندا - والذي يحمل عنوان «فان جوخ: كل لوحاتنا» ويستمر حتى 3 يناير (كانون الثاني) - المجموعة بأكملها وفق الرؤية التي وضعتها كرولر مولر؛ إذ تعكس المجموعة تطور الفنان، وتنوع أعماله، وتطلعاته الروحية. يقول بينو تيمبل، مدير المتحف: «إنها لحظة نادرة أن تكون جميع اللوحات موجودة هنا في المتحف؛ فهذا أمر لم يحدث منذ وقت طويل جداً».

وقد نُظّم المعرض حول ثلاثة محاور رئيسية - الإيمان والأمل والحب - لتعكس البعد الروحي الذي رأته كرولر مولر في أعمال فان جوخ.

وتضم المجموعة العديد من أعماله الشهيرة الموزعة على هذه التصنيفات العريضة، مثل لوحات «شرفة المقهى ليلاً»، و«بورتريه جوزيف رولان»، و«الزارع».

وأبدت كرولر مولر - وهي ابنة صناعي ألماني - اهتماماً مبكراً بالفن، لكنها اضطرت لإنهاء تعليمها الرسمي في سن السادسة عشرة. وفي سن الثامنة عشرة، تزوجت من أحد موظفي والدها، الذي تولى لاحقاً إدارة أعمال العائلة. وقد شجعها زوجها، أنطون مولر، على متابعة اهتماماتها الفكرية، بما في ذلك شغفها بالفن، الذي كان يُعد هواية مقبولة اجتماعياً للنساء الثريات في ذلك العصر.

لوحة «جسر في آرل» في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

تقول رينسكي كوهين تيرفارت، منسقة المعرض: «في ذلك الوقت، كان على المرأة المتزوجة أن تضع كل أموالها وممتلكاتها تحت تصرف زوجها؛ لذا كان منفتح الفكر - بشكل أو بآخر - إذ سمح لها بالسعي وراء حلمها بهذه الطريقة».

غير أن كرولر مولر لم تكن تجمع الأعمال الفنية بدافع الهواية فحسب، بل كانت تتعامل مع الفن بنوع من الحماس الديني. اشترت أول لوحة لفان جوخ عام 1908 مقابل 110 غيلدرات - وهو ما يعادل تقريباً ثمن فستان فاخر - حسبما ذكرت إيفا روفرز، كاتبة سيرتها الذاتية.

وبعد أربعة أشهر، اشترت لوحته «أربع زهرات عباد الشمس وقد نضجت بذورها» (Four Sunflowers Gone to Seed) مقابل 4000 غيلدر. وقد ارتفعت الأسعار إلى حد كبير نتيجة لغزارة مشترياتها.

وتشير تيرفارت إلى أن فلسفة كرولر مولر في جمع الأعمال الفنية تشكلت إلى حد كبير بتأثير من مؤرخ الفن هينك بريمر، الذي تلقت على يده دروساً في تذوق الفن.

وتضيف أن بريمر كان يرى أن العنصر الجوهري في الفن الجيد يكمن في قدرته على إثارة مشاعر المشاهد أو منحه تجربة روحية.

لوحة شخصية (بورتريه ذاتي) لفان جوخ تعود لعام 1887 وهي جزء من المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» في متحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

وسعت كرولر مولر للعثور على فنٍ يلامس روحها، فوجدت ضالتها في أعمال فان جوخ. تقول روفرز إن فان جوخ لم يكن يحظى بتقدير كبير في أوائل القرن العشرين؛ إذ توضح قائلة: «إذا كان عامة الناس يعرفونه أصلاً، فقد كانوا يعتبرونه مجنوناً عاجزاً عن الرسم». لكن نظراً لكونه عَمِل واعظاً دينياً قبل أن يصبح فناناً، فقد نظرت إليه كرولر مولر باعتباره رجلاً وجد صلةً بالإيمان من خلال فنه.

وتضيف روفرز: «لقد تفهمت رغبته في تجاوز المعاناة، وهدفه المتمثل في استخدام الفن للسمو فوق تلك المعاناة». وفي حين كان معظم جامعي الأعمال الفنية في هولندا يشترون أعمال كبار الأساتذة القدامى ولوحات هولندية من القرن التاسع عشر، ركزت كرولر مولر اهتمامها على الفن التكعيبي والتنقيطي وأعمال فناني حركة «دي ستايل» (De Stijl)، بمن فيهم بيت موندريان وفيرناند ليجيه وبابلو بيكاسو.

وتشير روفرز إلى أن أعمال فان جوخ هيمنت على المجموعة لسبب بسيط، وهو أنه «كان يقف عند مهد بدايات الفن الطليعي (أفانت - غارد)». وتضيف أن كرولر مولر كوّنت مجموعة «قادرة على إظهار التنوع الكبير في أعماله، من مناظر طبيعية وبورتريهات ومناظر للمدن».

وفي أواخر ثلاثينات القرن العشرين، وبينما كانت أوروبا تقترب من الحرب العالمية الثانية، تدهورت صحة كرولر مولر وكذلك ثروة عائلتها. فقررت تقديم مجموعتها الفنية - التي قُدّرت قيمتها بنحو 4 ملايين غيلدر آنذاك - بالإضافة إلى ممتلكات العائلة في غابة «فيلوفه»، إلى الدولة الهولندية، شريطة أن توافق الدولة على بناء متحف لعرض هذه الأعمال. وقد تصورت المتحف - المزود بحديقة منحوتات تمتد على مساحة 62 فداناً - كملاذٍ للتأمل الروحي والفلسفي. وكانت النتيجة إنشاء كنز فني فريد في غابة هولندية نائية (أصبحت الآن حديقة وطنية) شُيّد خصيصاً ليضم مجموعتها.

حدائق متحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

يضم متحف فان جوخ في أمستردام أكثر من 200 لوحة، لكن لمجموعته تاريخاً مختلفاً؛ فقد أُسس لعرض مقتنيات عائلة فان جوخ التي كانت تمتلك الأعمال التي لم تُبع للفنان خلال حياته، في حين تعكس مجموعة «كرولر مولر» الرؤية الفنية الخاصة لجامعة أعمال فنية. قال تيمبل: «متحف فان جوخ يضم ما تبقّى وحسب؛ فهذه مجموعة مُنتقاة».

*خدمة «نيويورك تايمز»