«درب البخور» شريان اقتصادي وطريق عبور تاريخية في رحلة صناعة العطور

يشارك المصور العالمي فلاديمير أنطاكي زوار المعرض جولته في أزقة الرياض (هيئة المتاحف)
يشارك المصور العالمي فلاديمير أنطاكي زوار المعرض جولته في أزقة الرياض (هيئة المتاحف)
TT

«درب البخور» شريان اقتصادي وطريق عبور تاريخية في رحلة صناعة العطور

يشارك المصور العالمي فلاديمير أنطاكي زوار المعرض جولته في أزقة الرياض (هيئة المتاحف)
يشارك المصور العالمي فلاديمير أنطاكي زوار المعرض جولته في أزقة الرياض (هيئة المتاحف)

يبدأ تاريخ العطور من لحظة اكتشاف المواد الخام التي تصنع منها، من زهور وأعشاب وتوابل والراتنجات الطبيعية الفواحة الآتية من مناطق مختلفة، من المناطق الريفية المتوسطية إلى المشرق، ومن الصحاري القاحلة في شبه الجزيرة العربية إلى أقصى الأدغال الآسيوية وجبال الهمالايا، وقد أثْرَت هذه المواد الخام أسواق المنتجات المعطرة واستخدمت في مكونات العطور.

في أواخر القرن الـ19 حلّت المنتجات الاصطناعية محل المواد الطبيعية (هيئة المتاحف)

ومنذ بدايات العصور القديمة، لعبت الجزيرة العربية، أرض اللبان والعنبر والمر، دوراً رئيسياً في تركيب العطور؛ وقدم العالم العربي على اتساعه أنواعاً من الزهور والتوابل لإثراء هذه الوصفات، بالإضافة إلى كونه ممراً تاريخياً لمرور التجارة عبر «درب البخور» الذي ارتبط برحلة الشتاء والصيف، وكانت أجزاء منه تمرّ بمنطقة نجران جنوب السعودية.

ويسلّط معرض «عطور الشرق»، الذي ينظمه معهد العالم العربي في باريس، ويحتضنه المتحف الوطني السعودي بوصفه أول محطة في جولته الدّولية، الضوء على أهمية العطور التاريخية في العالم العربي، وثقافة الشّغف بها، التي انطلقت من الجزيرة العربية حين كانت تستقبل المواد العطرية الثمينة وترسلها إلى مجتمعات العالم القديم، لينطلق معها تاريخ العطور من مهد حضارتها، لتُغدق على البشر الطُيُوب، حتى شاع استخدامها في الحياة اليومية للإنسان وأصبحت دلالة على الألفة والاحترام والسخاء.

أرض العطور

تُعرف شبه الجزيرة العربية بـ«أرض العطور» لندرة أمطارها ووفرة شمسها، وفيها تعيش نباتات المرّ واللبان في المناخات القاحلة وتنمو على السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، وفي القرن الأفريقي المقابل لها. ومن أشجار المر واللبان، تستخرج هذه الراتنجات منذ أكثر من ألف عام في عملية تمتاز بصعوبتها، ويمثل العنبر رمزاً آخر لثقافة العطور العربية، وكان يُحصد بشكل رئيسي على سواحل اليمن وعُمان.

وتحظى هذه المنتجات بقيمة عالية ومكانة رفيعة في باقي مناطق العالم، وهي تشكّل سمة مميزة لثقافة العطور في شبه الجزيرة العربية وإحدى ركائز حضاراتها التجارية منذ العصور القديمة، وكانت هذه المواد منتجات أساسية في التبادل التجاري بين الشرق والغرب لعدة قرون، وكانت سبباً في ثراء القوافل التي تولّت توزيعها، وتبقى من بين أكثر المواد التي تمثّل ثقافة العطور الشرقية.

بعض ما بقي من درب البخور في منطقة نجران جنوب السعودية (دارة الملك عبد العزيز)

وفي المقابل، سهّل تدجين الإبل إنشاء تجارة القوافل عبر الجزيرة العربية في مستهل الألفية الأولى قبل الميلاد، وأصبحت الإبل رمزاً لهذه التجارة، وكان اللبان المنتج الأساسي فيها، حيث شكّلت صادرات اللبان مصدر ثروة لعدّة ممالك صغيرة في جنوب شبه الجزيرة، وساهمت في إنماء الواحات الواقعة شمالاً في المناطق التي تنبت فيها شجرة اللبان. وقد شهدت هذه الواحات الواقعة على طول الطريق التجارية المعروف باسم «طريق البخور» فترة من الازدهار بفضل الدور الذي لعبته للتبادل.

وبفضل تطور تقنيات الملاحة وطرق التجارة، أضيفت المنتجات المقابلة من آسيا إلى قائمة مكونات العطور؛ حيث جلبت من هذه الأراضي البعيدة عطور لا يمكن العثور عليها في أرض الجزيرة العربية، وبقي أصل بعض هذه المواد، مثل العنبر والمسك، طي الكتمان لفترة طويلة، وهو ما ألهب خيال الناس وغذّى الأساطير العجيبة. واليوم، تعتمد دُور صناعة العطور الكبرى على الباحثين الذين يجوبون العالم للعثور على المواد الخام الأكثر تميزاً، ولأسباب أخلاقية، تستخدم حالياً الروائح الكيميائية لاستبدال بعض الخلاصات المستخرجة من الحيوانات.

تُعرف شبه الجزيرة العربية بـ«أرض العطور» لندرة أمطارها (هيئة المتاحف)

«المدينة العربية» عطرية تاريخياً

تشكل المدينة العربية مكاناً للاختلاط والتّبادل، وتوجد فيها جميع أنواع المنتجات العطرية ذات الاستخدامات العديدة، سواء أكانت تجميلية أم علاجية أم روحانية، وتعبق أحياء المدينة بالروائح المميزة التي تمنحها هويتها.

حين تتجوّل في مختلف أحياء المدينة، تكتشف طرقاً كثيرة لاستعمال العطور في الأماكن العامة وفي المجتمع، ويعكس انتقال استخدام العطور من مجرد ممارسة شخصية أو فردية، إلى كونه تجربة جماعية توطّد العلاقات بين الناس بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي، واعتبار العطور جزءاً من حياة كل فرد.

تحظى المنتجات العطرية بقيمة عالية ومكانة رفيعة في العالم (هيئة المتاحف)

يشارك المصور العالمي فلاديمير أنطاكي زوار المعرض جولته في أزقة المدينة العربية بالرياض ومسقط، التي يعبر من خلالهما في أسواق العطارين لاكتشاف أهمية الروائح والصناعات العطرية التقليدية، التي ورثتها الأجيال عبر التاريخ، ومدى الإقبال عليها وانتشارها في الثقافة العربية.

وكانت مهنة العطار تحظى بتقدير كبير في المجتمع العربي، وللتعبير عن هذا التقدير كان حي العطارين يقع دائماً في قلب السوق وعلى مقربة من المساجد المهمة، وهو ما منح العطور مكانتها في قمة هرم المنتجات المتداولة. ومن دكاكين العطارين يمكن شراء جميع أنواع المواد من التوابل، والأعشاب العطرية، والراتنجات، وماء الورد والمركبات العطرية الثمينة.

رأس أسد ومخلب من البرونز من القرن الثاني (ق.م) من منطقة نجران السعودية (هيئة المتاحف)

ويُعد العطارون، بالإضافة إلى عملهم في المستحضرات العطرية، صيادلة يمتلكون معرفة بالخصائص التجميلية والطبية للخلاصات، في حين تأتي العطور بوصفها سلعة فاخرة في مقدمة المنتجات المتداولة، وهي حصيلة مزيج من الروائح المتنوعة ويتطلب إعدادها خبرة واسعة تتطور مع الوقت.

ومنذ القرن الثامن، أتقن العرب عملية التقطير التي أتاحت لهم إنتاج المياه المعطرة والزيوت العطرية مثل زيت الورد، الذي يحظى بمكانة خاصة، ولكن بدءاً من أواخر القرن الـ19، حلّت المنتجات الاصطناعية محل المواد الطبيعية، وفتحت الباب أمام التّصنيع الكمي للعطور.


مقالات ذات صلة

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

لمسات الموضة عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على…

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس ترمب مستقبلاً الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض نوفمبر الماضي (الرئاسة السورية) p-circle

ترمب يهدي الشرع زجاجتي عطر تحملان علامته التجارية

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أرسل إليه زجاجتي عطر تحملان علامته التجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة بالنسبة للعمانيين فإن ذِكر «أمواج» واللبان أصبح مرادفاً لعُمان (أمواج)

لبان ظُفار من الشجرة إلى الزجاجة في وادي دوكة

يدار وادي دوكة بأسلوبٍ حديثٍ ومستدام، بتحديد مواقع آلاف أشجار اللبان، واستخدام تقنية التتبُّع الجغرافي، ليُصبح أول غابة ذكية في منطقة الخليج.

جميلة حلفيشي (صلالة - عُمان)
يوميات الشرق أحدث طراز أحذية رياضية من توقيع ترمب (متجر ترمب الإلكتروني)

منتَجات «ترمب»... أحذية وعطور وشموع وأكواب وهواتف للبيع

دونالد ترمب لا يهدي العطور فحسب، إنما يبيعها. وفي متجره الإلكتروني أكثر من مجرّد عطور، فالسلع كثيرة وأسعارها تناسب الجميع.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة تتميز عطور الخريف عموما بالدفء (كريد)

أفضل 5 عطور لهذا الخريف

تهبّ أولى نسمات الخريف فنتهيَّأ له باستقبال كل ما هو دافئ، بدءاً من الأقمشة الصوفية الناعمة والألوان الترابية وأخرى بدرجات مطفية، وصولاً إلى عطور تتراقص على…

«الشرق الأوسط» (لندن)

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
TT

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)

فرضت السلطات النرويجية غرامةً ماليةً على شخص استخدم بوق الضباب (جهاز صوتي يُستخدَم على السفن للتحذير عند ضعف الرؤية) لإيقاظ دب قطبي كان نائماً في أرخبيل سفالبارد، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن مسؤول محلّي.

ووقعت الحادثة مؤخراً، بعدما أطلق شخص بوق الضباب من على سفينة كانت تبحر في أحد المضائق البحرية شمال غربي سفالبارد، على مسافة نحو ألف كيلومتر (620 ميلاً) من القطب الشمالي.

وأكد حاكم الإقليم، الخميس، أنَّ الشخص، الذي لم تُكشف هويته، غُرّم 50 ألف كرونة نرويجية (نحو 3890 جنيهاً إسترلينياً) على خلفية الواقعة.

وتنصُّ اللوائح المحلية في المنطقة على أنه «يُحظَر إزعاج الدب القطبي أو استدراجه أو ملاحقته من دون داعٍ». وأُعلن الدب القطبي من الأنواع المحمية في سفالبارد عام 1972.

وكان آخر تقدير علمي لأعداد الدببة القطبية في الأرخبيل، أُجري عام 2015، قد أحصى نحو 250 دباً قطبياً.

وقال حاكم سفالبارد، لارس فوس، في بيان، إنَّ ركاب السفينة، خلال مرورها بالقرب من الحيوان، «يُقال إنهم شاهدوا دباً قطبياً نائماً على اليابسة».

وأضاف أنّ «شخصاً على السفينة استخدم بوق السفن، ممَّا أدى إلى إيقاظ الدب الذي انتقل إلى مكان آخر».

ووافق الشخص المعني على دفع الغرامة. وليست هذه المرة الأولى التي تُفرَض فيها غرامة على أشخاص بسبب إزعاج الحيوانات في منطقة سفالبارد.

فعام 2024، غُرِّم سائح 11500 كرونة نرويجية (نحو 900 جنيه إسترليني) بعدما اقترب أكثر مما ينبغي من حيوان الفظ.

وينصُّ قانون البيئة في سفالبارد على ضرورة أن تُجرى جميع حركات التنقل في الأرخبيل بطريقة لا تؤدّي إلى إزعاج غير ضروري للحياة البرّية المحلّية، التي تشمل الدببة القطبية، والفقمات، والحيتان، وحيوانات الرنة، والثعالب القطبية.


هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
TT

هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)

عام 2022، أعلنت شركة «نويفا بيسكانوفا»، أكبر شركة للصيد البحري في إسبانيا، تخصيص 65 مليون يورو لإنشاء أول مزرعة أخطبوط صناعية في العالم، إلى جانب منشأة للمعالجة، بالقرب من ميناء لاس بالماس في جزر الكناري.

ورغم أنّ هذه الكائنات معروفة بصعوبة تربيتها، توقَّعت الشركة أن تتمكن، بحلول عام 2025، من إنتاج 3 آلاف طن من لحم الأخطبوط سنوياً في جزيرة غران كناريا.

وأعقب ذلك سنوات من الجدل؛ إذ ندَّد ناشطون وعلماء بخطط تربية حيوان يحظى بإشادة واسعة لما يتمتّع به من «ذكاء»، بعدما اقترب من مكانة النجوم قبل 5 أعوام، بفضل الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة «الأوسكار»، «أستاذي الأخطبوط».

وذكرت «الغارديان» أنه مع حلول نهاية يوليو (تموز) 2026، تراجعت «نويفا بيسكانوفا» عن خطط إنشاء المزرعة. فما أسباب ذلك؟ وما التداعيات المُحتملة على مستقبل صناعة تربية الأخطبوط؟

أبلغت «نويفا بيسكانوفا» هيئة ميناء جزر الكناري بأنها تنسحب من المشروع لأسباب «تجارية وتنظيمية». وفي المقابل، سارع الناشطون، الذين لطالما عارضوا مشروع المزرعة، إلى إعلان القرار انتصاراً لهم. وأكد حزب «باكما» الإسباني المعني بحقوق الحيوان في بيان: «أثمرت جهود الضغط الاجتماعي والعلمي والسياسي في مواجهة هذه الفظاعة الأخلاقية والبيئية».

وقال عالم الأحياء البحرية المشرف على أنشطة الاستزراع المائي في «نويفا بيسكانوفا»، روبرتو روميرو بيريز، في تصريح سابق: «الحقيقة أننا نجد أن الموقف أشد عداءً قليلاً ممّا توقعنا».

من جهتها، عبَّرت الصحافية في صحيفة «كانارياس7»، سيلفيا فرنانديز دياز، التي تابعت القضية منذ بدايتها، عن اعتقادها بأن الاحتجاجات ضدّ المشروع في الجزيرة لم تكن حركة جماهيرية؛ إذ نادراً ما تجاوز عدد المشاركين فيها بضع عشرات. وقالت: «في اعتقادي، الحقيقة أن مشروع المزرعة لم يُنجز لأنه غير مجدٍ، وليس بسبب الرفض الشعبي».

وفي سياق متصل، كشفت مصادر في هيئة ميناء لاس بالماس أنّ أحداً من «نويفا بيسكانوفا» لم يتواصل معها، وأنه لم تُنفذ أي أعمال لإنشاء المزرعة.

وفي السياق عينه، أكد عالم الأحياء البحرية في جامعة توهوكو باليابان، إيان جليدال، الذي أمضى 50 عاماً في دراسة الأخطبوط، أنه حاول على مدى عامين الحصول على ردّ من «نويفا بيسكانوفا» بشأن مشروع جزر الكناري، من دون جدوى.

وأشار إلى أنه «حدث الشيء نفسه هنا في اليابان، مع شركة الصيد (نيسوي). ومع أنّ الشركة ادعت أنها نجحت في حلّ المشكلة، وأنها ستنتج كميات هائلة من الأخطبوط، فإنّ ذلك لم يحدث قط.

وأوضح جليدال أنّ تربية الأخطبوط ظلَّت حتى الآن مهمّة شبه مستحيلة؛ لأنّ يرقات الأخطبوط الشائع تقضي ما لا يقلّ عن 20 يوماً طافية في الماء قبل أن تستقر في قاع البحر، ممّا يجعل الانتقال إلى المرحلة التالية أمراً صعباً. وحتى بعد ذلك، تكون صغار الأخطبوط شديدة الحساسية، ممّا يعرّضها للموت عند حدوث أي خلل.

وأضاف أنّ هناك مشكلة كبيرة أخرى تتمثّل في غذاء الأخطبوط: «أحد أنواع الغذاء معجون مصنوع من الأسماك. إلا أنه حتى لو أكل الأخطبوط هذا الغذاء، فلن يستمر في تناوله، لأنه شديد الانتقائية في طعامه؛ فهو لا يحب أن يأكل الشيء نفسه يوماً بعد يوم».

وقال: «حتى لو تمكنت من حلّ مشكلة الغذاء، فإن الاحتمال الأكبر أن تنفق على العلف أكثر من القيمة التي يمكن أن يحققها الأخطبوط في السوق».

من ناحية أخرى، ثمة اعتراضات أخلاقية على تربية الأخطبوط، تتركز حول أنّ هذه الكائنات تعيش منفردة ولا تميل إلى الاختلاط، فضلاً عن دراسات خلصت إلى وجود «أدلّة قوية» على امتلاكها القدرة على الإحساس والوعي.

وفي هذا الصدد، قال مؤلِّف كتاب «الحياة في مزرعة الأخطبوط»، ريتشارد شوايد، إن كثيراً من علماء الأحياء البحريّة يرون أن للأخطبوط ليس 9 أدمغة فحسب، وإنما عقل كذلك، مضيفاً: «هذا أمر نربطه عادةً بالكائنات الأعلى مرتبة من الثدييات، مثل الكلاب والقطط والرئيسيات والبشر».

وفكرة أنّ الأخطبوط يُشبهنا بطريقة ما، أو على الأقل يُشبه بعض حيواناتنا الأليفة، لاقت رواجاً بفضل فيلم «أستاذي الأخطبوط» لكريغ فوستر، الذي بدا فيه أن فوستر نفسه يُقيم علاقة متبادلة مع أنثى أخطبوط.

وعن ذلك، قال شوايد: «يُعدّ الأخطبوط نموذجاً مثالياً أمام البشر لإضفاء الصفات البشرية عليه، فهو ذكي جداً، وسريع الاستجابة، ومع ذلك مختلف إلى درجة يصعب معها فهمه».

وبغضّ النظر عن حقيقة أسباب توقّف المشروع الإسباني، لم ينجح أحد حتى الآن في استزراع الأخطبوط، باستثناء مشروع صغير في المكسيك استزرع نوعاً مختلفاً عن الأخطبوط الشائع (Octopus vulgaris) الموجود في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

ومع أنّ الأخطبوط يبدو في مأمن من الاستزراع حالياً، فإنّ منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تُقدّر أن نحو 370 ألف طن من الأخطبوط تُصطاد سنوياً، معظمها قبالة سواحل المغرب وموريتانيا. وتُعدّ الصين واليابان من أهم أسواق الأخطبوط، بينما تستهلك إسبانيا نحو 40 ألف طن سنوياً، أي نحو كيلوغرام واحد للفرد.

ومع ارتفاع درجة حرارة المياه عالمياً، يجد الأخطبوط طريقه إلى موائد الطعام في مناطق جديدة. فعلى سبيل المثال، شهدت المملكة المتحدة خلال العامين الماضيين أكبر ازدهار لصيد الأخطبوط منذ عام 1950.

يُذكر أنّ الأخطبوط يتميّز بنموه السريع ودورة حياته القصيرة، علاوة على أنه غني بالعناصر الغذائية ويحظى بطلب كبير، ممّا يشجع على إيجاد طرق لتربيته.

وعن ذلك، قال شوايد: «إنّ معدل تحويل ما يأكله الأخطبوط إلى لحم غني بالبروتين وقليل الدسم أفضل بكثير من أي نوع من الماشية البرّية». واستطرد: «يمكن أن يوفر الأخطبوط لحماً مستزرعاً أكثر استدامة، من الناحية البيئية، من لحم البقر أو الدواجن، وفي عالم يتأثر بارتفاع درجات الحرارة، قد يصبح خياراً مفضلاً للحوم».

وفي غضون ذلك، يُرجّح أن تبقى قوة الحجة الأخلاقية ضد تربية الأخطبوط سلاحاً قوياً في ترسانة معارضيها. وعن ذلك، قالت الناشطة في منظمة «الرحمة في الزراعة العالمية» (كمباشن إن وورلد فارمينغ)، شارلوت ريد: «الأخطبوط حيوان برّي شديد الذكاء، ويعيش بطبيعته في عزلة. هذه حيوانات برّية، ومكانها الطبيعي البرية، وليس تلك السجون تحت الماء».


لماذا لا تستطيع التوقف عن التمرير على هاتفك؟

«التمرير القهري» (أ.ب)
«التمرير القهري» (أ.ب)
TT

لماذا لا تستطيع التوقف عن التمرير على هاتفك؟

«التمرير القهري» (أ.ب)
«التمرير القهري» (أ.ب)

قد يبدأ الأمر بدقائق قليلة من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يجد المستخدم نفسه، بعد ساعة أو أكثر، ما زال يمرر الشاشة بحثاً عن منشور جديد أو خبر آخر. هذه العادة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، قد ترتبط بآلية نفسية وبيولوجية أعمق تجعل التوقف عن التمرير أكثر صعوبة مما نتخيل.

وحسب موقع «كيتال نيوز»، يرتبط ذلك، في جانب منه، بطريقة عمل الدماغ البشري، الذي يميل بطبيعته إلى إيلاء اهتمام أكبر للمحتوى الذي يحمل طابعاً سلبياً، خصوصاً عندما يتعلق بالخوف أو الغضب أو الأخبار السيئة. وعندما يظهر هذا النوع من المحتوى أمام المستخدم، قد يجد نفسه أكثر ميلاً إلى التوقف عنده، ثم مواصلة التمرير بحثاً عن المزيد.

وتقوم منصات التواصل الاجتماعي على إبقاء المستخدم في حالة ترقب لما سيظهر أمامه في التمريرة التالية. فقد يصادف خبراً مثيراً، أو صورة لافتة، أو تعليقاً يثير غضبه أو فضوله. ومع كل تمريرة، يتجدد هذا الفضول، فيستمر في البحث عن محتوى أكثر إثارة، من دون أن يدرك أن دقائق قليلة من التصفح تحولت تدريجياً إلى وقت طويل أمام الشاشة.

وتزداد هذه الحلقة السلوكية وضوحاً مع ما يعرف باسم «التمرير المظلم» (Doomscrolling)، حيث يجد الشخص نفسه عالقاً في متابعة سيل متواصل من الأخبار والمحتوى السلبي. وغالباً ما ترتبط هذه العادة بمشاعر كامنة مثل القلق والتوتر والملل وعدم اليقين.

وقد يتحول البحث المستمر عن «ما الذي يحدث؟» إلى وسيلة للهروب مؤقتاً من مشاعر أكثر إزعاجاً. ومع كل محتوى جديد، يحصل الدماغ على جرعة من الترقب والمكافأة، وهي آلية ترتبط بعمل الدوبامين، الناقل العصبي المرتبط بالتحفيز والمكافأة.

وتشير أبحاث إلى أن التعرض لأنواع معينة من المحتوى الإعلامي يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في الحالة العاطفية للإنسان. وقالت الدكتورة كافاكلي، الأستاذة المساعدة في قسم الاتصال الجماهيري بجامعة ولاية لويزيانا في شريفبورت (LSUS)، إن كبرى منصات التواصل الاجتماعي درست هذه الظاهرة وتأثيراتها.

وأضافت كافاكلي أن «فيسبوك» أجرى، خلال العقد الماضي، تجارب بحثية لدراسة تأثير تعريض المستخدمين لأنواع مختلفة من المحتوى في حالتهم العاطفية، موضحة أن الأشخاص الذين عُرضت عليهم أخبار سلبية خرجوا بتصورات أكثر سلبية عن العالم من حولهم.

ولا يحتاج الأمر دائماً إلى دراسة علمية حتى يلمس المستخدم هذا التأثير بنفسه، فكثيرون يجدون أنفسهم منجذبين، بصورة متكررة، إلى الأخبار المثيرة للجدل والمحتوى الغاضب، حتى وهم يدركون أن متابعته لا تجعلهم يشعرون بصورة أفضل.

ويصف كاميرون بيرس، الطالب في جامعة LSUS، تجربته مع هذه العادة قائلاً إنه كان يمارس «التمرير المظلم» بصورة أضرت بصحته، لكنه في الوقت نفسه وجد صعوبة في التوقف عنه.

وقال بيرس: «لم أكن أريد رؤية الأشياء الإيجابية، بل كنت أريد رؤية الجدل والخلافات، والأشياء التي أختلف معها». وأضاف أن الإنسان، بطبيعته، يميل أحياناً إلى البحث عن الجانب السلبي والاستمتاع بقراءة الأمور المثيرة للجدل، معتبراً أن ذلك قد يشكل نوعاً من التنفيس.

لكن المشكلة، وفق الخبراء، أن هذا التنفيس قد يتحول إلى دائرة مغلقة. فالشخص يشعر بالقلق أو الملل، فيفتح هاتفه بحثاً عن شيء يشتت انتباهه، ثم ينجذب إلى الأخبار السلبية، فيزداد توتره أو قلقه، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الهاتف بحثاً عن مزيد من المعلومات.

واللافت أن كثيراً ممن يمارسون «التمرير المظلم» لا يدركون بالضرورة أنهم دخلوا في هذه الحلقة السلوكية، ولا ينتبهون إلى الأسباب العاطفية التي تدفعهم إلى الاستمرار فيها.

وربما تكون الخطوة الأولى للخروج من هذه الدائرة هي ببساطة الانتباه إليها: لماذا فتحت الهاتف؟ وما الذي تبحث عنه تحديداً؟ وهل أصبحت الأخبار التي تتابعها تجعلك أكثر معرفة بما يحدث، أم أنها تجعلك أكثر قلقاً؟

ويؤكد الخبراء أن إدراك هذه الحلقة والتعرف على المحفزات العاطفية التي تقف وراءها يمكن أن يساعدا بصورة كبيرة في الحد من هذه العادة. ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في التمرير نفسه، وإنما في السبب الذي يجعلنا نعود إلى الشاشة مرة بعد أخرى، حتى عندما نكون قد قررنا التوقف.