«مهرجان طرابلس للأفلام» يحتفي بعيده العاشر

بمشاركة أكثر من 50 فيلماً من 17 بلداً

حفل الافتتاح في «بيت الفن» بطرابلس (مهرجان طرابلس للأفلام)
حفل الافتتاح في «بيت الفن» بطرابلس (مهرجان طرابلس للأفلام)
TT

«مهرجان طرابلس للأفلام» يحتفي بعيده العاشر

حفل الافتتاح في «بيت الفن» بطرابلس (مهرجان طرابلس للأفلام)
حفل الافتتاح في «بيت الفن» بطرابلس (مهرجان طرابلس للأفلام)

تستمر أعمال «مهرجان طرابلس للأفلام» حتى الـ29 من الشهر الحالي، في عاصمة الشمال اللبناني، حيث يتنافس 51 فيلماً مشاركاً بالمسابقة الرسمية، تنتمي إلى أكثر من 17 بلداً عربياً وأجنبياً، وحيث تعرض أفلام من بولندا، وكازاخستان، وكندا، وتايلند، وفرنسا، وألمانيا، وإيران، ومن مصر، وتونس، وسوريا، وفلسطين والأردن، إضافة إلى لبنان.

واحتفل المهرجان يوم الأحد 24 سبتمبر (أيلول)، وسط حشد من محبي السينما والفنانين من مخرجين وممثلين ومنتجين، ببلوغ عامه العاشر، في «بيت الفن». وكانت رحلة الآلام طويلة لمهرجان ولد في زمن حروب، وشق طريقه بفضل اختياراته الصائبة، وإصرار منظميه على الاستمرار. فالمهرجان ولد في معمعة الثورة السورية وانعكاساتها الأمنية على كل منطقة شمال لبنان، خصوصاً مدينة طرابلس التي شهدت جولات اقتتال متتابعة في تلك الفترة. لكن ما بلغة المهرجان بعد عقد من الكفاح، يؤكد صوابية خياراته. فقد شهد على مدى السنوات الماضية إقبالاً من الطرابلسيين أنفسهم، والتفافاً حوله من قبل الفنانين الراغبين في خوض مغامرة السينما وبعضهم طلاب يبدأون حياتهم السينمائية. وتمكن المهرجان من التشبيك مع هيئات ممولة، ومع مهرجانات عالمية، ومخرجين ومنتجين، وأن يشكل حوله حلقة من الأصدقاء، وداعمين لا يتخلون عنه.

جمهور المهرجان (مهرجان طرابلس للأفلام)

وتحدث مؤسس المهرجان إلياس خلاط في حفل الافتتاح يوم الخميس الماضي، عن صعوبات التمويل التي يواجهها سنة بعد أخرى، وأهمية ما سماه «فلس الأرملة» الذي كانت له قيمته في الدفع بالمهرجان. ويقصد بهذا التعبير، التبرعات أو الأموال التي تعطى بمحبة، لا من الأغنياء فقط، بل ممن يقدمون ما يستطيعون، في سبيل دعم ما يعتقدون أنه يستحق عطاءهم.

وافتتح المهرجان بحضور نخبة من الفنانين ومحبي السينما، حيث تحدث مؤسسه عن سنة إضافية من التحديات، وشرحت مروى ملقي وهي ترحب بالحضور، أن المناسبة ليست فقط لعرض الأفلام، والتنافس على الفوز، وإنما هي أيام من النشاطات والتبادل المعرفي، حيث يتم اختيار الأفلام التي ستلقى دعماً وتمويلاً، كما هناك ورش عمل عدة للمهتمين بصناعة السينما. فقد نُظم لقاء خاص للمهنيين السينمائيين مع الممثلة تقلا شمعون، وآخر مع الناقد نديم جرجورة، كما مع المخرجة المعروفة مي مصري. وكان لقاء مع مخرجَين حصدا الجوائز عن فيلميهما، وهما نويل كسرواني عن فيلمها «يرقة» مع شقيقتها ميشيل، واللبناني إيلي داغر صاحب فيلم «البحر أمامكم». تعددت الورشات، والحوارات واللقاءات، ويستمر عرض الأفلام على تنوعها، من طويلة وقصيرة ووثائقية وأفلام تحريك.

من حفل الافتتاح... وفي الصورة مؤسس المهرجان إلياس خلاط (مهرجان طرابلس للأفلام)

«عَلَم» لفراس خوري هو الفيلم الذي كان يفترض أن يعرض في الافتتاح، لكن عرضه أُجّل لأسباب تقنية. وهو فائز بجائزة أفضل ممثل وأفضل فيلم باختيار الجمهور في «مهرجان القاهرة»، بالإضافة لـ4 جوائز دولية، وشارك في «مهرجان تورونتو». الفيلم يحكي قصة تامر المراهق الفلسطيني الذي يعيش حياة تقليدية، حتى يقرر الاشتراك مع زملائه في إنزال علم إسرائيل ورفع علم فلسطين بدلاً منه في مدرسته. من تأليف وإخراج فراس خوري، وبطولة محمود بكري، وسيرين خاص، وصالح بكري.

المخرج هادي زكاك

أما فيلم «نزوح» الذي دخل مسابقة المهرجان فهو من بطولة كندة علوش وسامر المصري، إخراج سؤدد كعدان، وفاز بـ3 جوائز من «مهرجان فينيسيا» بإيطاليا، وشارك في أكثر من 20 مهرجاناً دولياً منها طوكيو، ولندن، وساوباولو، وغيرها قبل أن يصل إلى طرابلس. تدور أحداثه في سوريا خلال صراعات السنوات الماضية، بعدما يدمر صاروخ سقف منزل زينة ذات الـ14 سنة، لتنام بعدها لأول مرة تحت النجوم.

وفيلم «تحت الشجرة» للمخرجة أريج السحيري، فاز بجائزة لجنة التحكيم في مسابقة «نصف شهر المخرجين» بـ«مهرجان كان» السينمائي، وكذلك «التانيت الفضي» في «أيام قرطاج» وغيرها من الجوائز، وله عشرات المشاركات في المهرجانات. تدور أحداثه خلال يوم واحد أثناء موسم الحصاد الصيفي بين الأشجار، حيث يعمل مجموعة من المراهقين تحت أعين العمّال الأكبر سناً، ويختبرون مشاعر الحب، ويحاولون فهم بعضهم بعضاً.

ومن الأفلام العربية المشاركة «جحر الفئران» لمحمد السمان، و«جزيرة الغفران» للتونسي رضا الباهي. ومن الأفلام الوثائقية التي تدخل المسابقة «بعيداً عن النيل» للمخرج شريف القطشة، و«نور على نور» للمخرج كريستيان سور، وفي المسابقة كثير من الأفلام القصيرة التي تتنافس، بينها فيلم «لحمي ودمي» للمخرجة إيناس أرسي.

أما الفيلم الذي عرض في الافتتاح «غروب بيروت» للمخرجة دانيللا ستيفان وتمثيل ماريلين نعمان، فهو عن محنة ما بعد انفجار المرفأ ببيروت، في 4 أغسطس (آب) عام 2020. وعلى الرغم من أنه لا يصور انفجاراً ودماءً وقتلى، فإنه يتحدث عن الآثار المدمرة التي تركها هذا اليوم الدامي على نفوس الشباب من خلال بطلته الشابة التي ضاقت بها سبل العيش، وهي تتنقل في مدينة منكوبة، وسط أكوام القمامة والخراب، والمباني المدمرة. وإذ قصدت المخرجة عدم مقاربة الموضوع بشكل مباشر، فقد رأينا البطلة، تجوب الشوارع الحزينة تبحث عن قطتها المفقودة، وهي من خلال بحثها تعيش قصصاً مختلفة، وتختبر أشخاصاً تلتقيهم، وقبل أي شيء آخر، تختبر مشاعرها بعد حدث عاصف جعلها تبحث عن مخرج سريع من أجواء الاختناق التي باتت تثقل صدرها. والممثلة التي شاركت في نقاشات بعد الفيلم مع الجمهور، أعربت كما في الفيلم عن رغبتها في الاستراحة من الجو الخانق الذي وُضعت فيه، بسبب الضغط المزداد إثر النكبات المتلاحقة في لبنان.

أعضاء لجنة تحكيم الأفلام الطويلة على المسرح (مهرجان طرابلس للأفلام)

المهرجان مستمر ويختتم يوم 29 من الشهر الحالي، بالإعلان عن أسماء الأفلام الفائزة التي تختارها لجنتا التحكيم. للفيلم الطويل لجنة مؤلفة من الممثلة تقلا شمعون، والمنتجة جنى وهبة والمخرج سيمون حرب. أما لجنة تحكيم الأفلام القصيرة فمؤلفة من الممثلة منال عيسى، والمخرج إيلي داغر، وإبراهيم سماحة.


مقالات ذات صلة

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))
يوميات الشرق المخرج أشرف فايق يعلن انسحاب الوفد المصري (حسابه في فيسبوك)

خلاف بين مخرج مصري وإدارة «مهرجان نينوى» يثير الجدل حول مشاركة النجوم

أكدت إدارة المهرجان اعتزازها بمشاركة الفنانين المصريين في دورتيه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من «المواطن أسامة» (فيلكام)

في ختام مهرجان تورنتو: 430 فيلماً وعشرة أعمال تستحق المشاهدة

يصل مهرجان تورنتو السينمائي، اليوم (الأحد)، إلى ختام دورته الحادية والخمسين، في نسخة استثنائية يصعب وصفها إلا بأنها أكبر من قدرة حتى أكثر عشاق السينما شغفاً…

محمد رُضا (تورنتو - كندا)
يوميات الشرق نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام».

سوسن الأبطح (بيروت)
شؤون إقليمية رسم على جدار في أسدود بجنوب إسرائيل يصور مخرجَيْ فيلم «نازا» وقد كُتبت عليهما كلمة «خائنان» بالعبرية (رويترز)

الغضب الإسرائيلي من فيلم «نازا»... هل يستطيع دفن معلوماته الصادمة؟

تعهَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسن قانون يقضي بإسقاط الجنسية عن كل من يشوه سمعة جنود إسرائيل وبتكبيده خسائر مالية فادحة.

نظير مجلي (تل أبيب)

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.


«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.