شراكة سعودية - هندية تؤسس عهداً جديداً من التعاون الاستراتيجي

الأمير محمد بن سلمان يؤكد على أهمية العمل الدؤوب لتنفيذ الممر الاقتصادي

TT

شراكة سعودية - هندية تؤسس عهداً جديداً من التعاون الاستراتيجي

الرئيسة الهندية في مقدمة مستقبلي ولي العهد السعودي في القصر الرئاسي بالعاصمة نيودلهي (واس)
الرئيسة الهندية في مقدمة مستقبلي ولي العهد السعودي في القصر الرئاسي بالعاصمة نيودلهي (واس)

أكد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، على العلاقات التاريخية التي تجمع بلاده مع الهند، مشيراً إلى أنها علاقات مفيدة لكلا البلدين، ومتطلعاً إلى أن يحقق مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي - الهندي مستهدفاته في القطاعات كافة. ونوّه بالمبادرات التي خرجت بها قمة مجموعة دول العشرين، ومن ضمنها مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي قال عنه الأمير محمد: إنه «يتطلب عملاً دؤوباً لتحقيقه وتحويله على أرض الواقع».

وكان الأمير محمد بن سلمان، قام الاثنين، بزيارة رسمية للهند مع اختتام أعمال قمة مجموعة دول العشرين التي ترأس خلالها وفد المملكة إلى القمة التي انطلقت قبل يومين في العاصمة نيودلهي، وشهدت مبادرات عدة، أبرزها توقيع مذكرة تفاهم على هامش اجتماعات مجموعة العشرين، بشأن مشروع ممر اقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

وفور وصول الأمير محمد بن سلمان إلى القصر الرئاسي (راشتر ابتي بهوان)، كان في استقباله رئيسة الجمهورية دروبادي مورمو ورئيس الوزراء ناريندرا مودي. ورحبت مورمو بولي العهد السعودي، متمنية له ومرافقيه طيب الإقامة، في حين عبّر بدوره عن سعادته بهذه الزيارة. وأُجريت لولي العهد مراسم استقبال رسمية، حيث رافق الموكب الرسمي عند الدخول إلى بوابة القصر الرئاسي مجموعة من الخيول، وأطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيبية. ثم التُقطت الصور الرسمية بهذه المناسبة. بعد ذلك عُزف السلامان الملكي السعودي والجمهوري الهندي، ثم استعرض حرس الشرف.

الرئيسة الهندية في مقدمة مستقبلي ولي العهد السعودي في القصر الرئاسي بالعاصمة نيودلهي (واس)

ولاحقاً، التقى ولي العهد السعودي رئيس الوزراء الهندي في قصر حيدر آباد بنيودلهي، وجرى خلال اللقاء بحث علاقات الصداقة والتعاون الثنائي بين البلدين في مختلف المجالات وفرص تطويرها، بالإضافة إلى استعراض القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك والجهود المبذولة بشأنها. تلى ذلك، توقيع محضر مجلس الشراكة الاستراتيجي بين حكومتي السعودية والهند، وقّعه كل من الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء الهند.

ولي العهد السعودي خلال لقائه رئيس الوزراء الهندي في نيودلهي (واس)

 

في بداية اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجي، ثمّن الأمير محمد بن سلمان، الترحيب الكبير الذي وجده مع الوفد السعودي في الهند، مشيراً إلى أن «الهند بلد صديق، وهناك علاقات تاريخية وطويلة جداً بين العرب والهند وبين المملكة العربية السعودية والهند، وهي علاقات مفيدة لكلا البلدين، ولم يكن هناك خلاف بتاتاً في تاريخ هذه العلاقة، بل كان هناك تعاون لبناء مستقبل شعوبنا وخلق الفرص».

جانب من الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي بين حكومتي البلدين (واس)

وأضاف ولي العهد السعودي، خلال ترؤسه مع رئيس الوزراء الهندي، أولى جلسات اجتماع مجلس الشراكة: «اليوم نعمل على الفرص المقبلة في المستقبل، يوجد الكثير في الأجندة التي نعمل عليها، ونأمل من خلال مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي - الهندي أن نحقق هذه المستهدفات في كافة القطاعات، وهي واعدة لغاية».

وعن مذكرة التفاهم التي أعلن عنها في قمة مجموعة العشرين لإنشاء ممر اقتصادي يربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا، قال ولي العهد: إن مذكرة التفاهم الخاصة هذه تأتي تتويجاً لما تم العمل عليه في الأشهر الماضية لبلورة الأسس التي بنيت عليها هذه المذكرة.

وأضاف: إن «الممر الاقتصادي سيحقق المصالح المشتركة لدولنا من خلال تعزيز الترابط الاقتصادي وما ينعكس إيجاباً على شركائنا من الدول الأخرى والاقتصاد العالمي بصورة عامة». وتابع: «نعمل جاهدين على تنفيذ الممر الاقتصادي على أرض الواقع».

وهنأ ولي العهد السعودي رئيس وزراء الهند على الإنجاز العظيم في إدارة ملف قمة العشرين والمبادرات التي خرجت منها، ومن ضمنها ممر الربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي قال عنه: إنه «يتطلب العمل الدؤوب لتحقيقه وتحويله على أرض الواقع».

وأشار إلى دور الجالية الهندية في النمو الاقتصادي للمملكة، مضيفاً: «إنها اليوم ما يقارب 7 في المائة من التعداد السكاني في السعودية ونعتبرهم جزءاً منا في المملكة، نراعيهم كما نراعي مواطنينا».

واختتم ولي العهد السعودي حديثه خلال الاجتماع: «نأمل من خلال مجلس الشراكة الاستراتيجي أن نحقق تطلعات شعوبنا، وأن نوفّق بإذن الله».

من جهته، رحّب رئيس الوزراء الهندي في كلمة بولي العهد السعودي، في زيارته لبلاده، متطلعاً إلى تعزيز الشراكة بين البلدين في مختلف المجالات.

وقال بعد الاجتماع: «أجريت محادثات مثمرة للغاية مع ولي العهد السعودي»، مؤكداً أن «آفاق التعاون مع السعودية كبيرة في مجالات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي». وأضاف مودي: «نثق بأن الروابط التجارية مع السعودية ستنمو بشكل أكبر».

وخلال منتدى الاستثمار السعودي - الهندي، شهد ولي العهد السعودي ورئيس وزراء الهند، توقيع اتفاقيات مشتركة بين البلدين، بلغ عددها أكثر من 50 اتفاقية لتعزيز الاستثمار المشترك في مجالات عدة، الطاقة والبتروكيميائيات والطاقة المتجددة والزراعة والصناعة، إضافة إلى المجالات الاجتماعية والثقافية.

ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الهندي عقب توقيع محضر مجلس الشراكة بين حكومتي البلدين (واس)

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية، أريندام باجتشي، على صفحته بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي: إن مودي والأمير محمد بن سلمان عقدا أول اجتماع لقادة مجلس الشراكة الاستراتيجية المشترك.

ومساءً، عقد ولي العهد ورئيسة الهند اجتماعاً بالقصر الرئاسي في نيودلهي. وشرّف ولي العهد السعودي مأدبة العشاء التي أقامتها الرئيسة الهندية لضيف بلادها الكبير.

علاقات تاريخية وطيدة

وتربط المملكة والهند علاقات تاريخية وطيدة تمتد لأكثر من 75 عاماً، عمل خلالها البلدان على تطوير علاقاتهما للوصول لمستوى الشراكة الاستراتيجية في مختلف المجالات السياسة والاقتصادية والتجارية والطاقة النظيفة.

ففي خلال زيارة ولي العهد للهند في عام 2019، وقّع مجلس الأعمال السعودي - الهندي مذكرة تفاهم مع اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندية لتوسيع العلاقات التجارية الثنائية.

وتعمل السعودية والهند على توسيع العلاقات الثنائية لتشمل مجالات جديدة للتعاون، مثل الربط الشبكي، ومشاريع التكنولوجيا المالية، والهيدروجين الأخضر، ومواد البناء المستدامة، والتعاون بين الشركات الناشئة ومشاريع بنك التصدير والاستيراد. ويلتزم الجانبان بإزالة كل ما يعوق زيادة التجارة الثنائية والاستثمار، كما تجري الهند مفاوضات مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية حول اتفاقية التجارة الحرة.

وفي سياق «رؤية المملكة 2030» وسياسة التعليم الجديدة في الهند 2020، تحرص الكثير من الجامعات السعودية على إقامة التعاون الهادف مع مؤسسات التعليم العالي ذات السمعة الطيبة في الهند مثل المعاهد الهندية للتكنولوجيا (IITs)، والمعهد الهندي للإدارة (IIM)، والمعهد الهندي للعلوم (IISc)، إضافة إلى الجامعات الرائدة في الهند.

في حين تعمل المملكة والهند على دراسة مشروع مشترك لإنشاء مصفاة النفط والمجمع البتروكيماوي على الساحل الغربي بقيمة تقدر بـ44 مليار دولار، والذي سيكون أكبر مصفاة صديقة للبيئة في العالم في مرحلة واحدة، كما تجري دراسة استثمار 10 مليارات دولار في مجال التقنية في الهند من خلال صندوق الاستثمارات العامة، وفرص استثمارية أخرى يمكن أن تبلغ قيمتها 26 مليار دولار.

ووقّعت المملكة مع الهند مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى مذكرتي تعاون بين مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)، ومراكز الأبحاث الهندية، نتج منهما عقد ثلاث ندوات مشتركة، وورشتي عمل، وإنجاز 24 بحثاً تتعلق بالأنشطة المشتركة.

وفي مجال تقنية المعلومات، تم توقيع مذكرة تفاهم بين المملكة والهند لإنشاء مركز ابتكار في الرياض لتعزيز الريادة الرقمية، ومن أهم مخرجاته تسليم 12 مشروعاً ابتكارياً، أما في مجال الصناعة فقد تم توقيع أربع مذكرات تفاهم في مجال التعدين لتوريد منتجات سعودية إلى الهند، مثل الفوسفات والأمونيا.

وخطت الشراكة السعودية - الهندية في مجال الدفاع خطوات كبيرة في السنوات القليلة الماضية، حيث خلص الاجتماع الخامس للجنة المشتركة للتعاون الدفاعي في نيودلهي إلى زيادة التعاون الدفاعي والتدريب وتعزيز التجارة في قطاع الدفاع.

ويتطلع البلدان لتعزيز التعاون في مجالات الإنتاج المشترك والفنون ومهرجانات الرسم والمسرح وبرامج «بوليوود» الترفيهية الضخمة والإنتاج الوثائقي وترويج السياحة، وفي عام 2018، تم اختيار الهند لتكون ضيف شرف في المهرجان الوطني السعودي للتراث والثقافة (الجنادرية).

وتتقاطع الرؤى الطموحة لكل من المملكة والهند، حيث تسعى الهند إلى تحقيق رؤيتها الاقتصادية 2030، التي تهدف إلى أن تصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم بحلول ذلك العام، وهو العام ذاته الذي تعمل المملكة على تحقيق «رؤيتها 2030» فيه عبر الوصول بالاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المعدل العالمي ومضاعفة الإيرادات غير النفطية إلى 50 في المائة.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين المملكة والهند في عام 2022 ما قيمته 52.4 مليار دولار، حيث تبلغ قيمة صادرات المملكة إلى الهند 41.9 مليار دولار، منها 8.14 مليار صادرات غير نفطية، في حين تستورد المملكة من الهند بقيمة 10.5 مليار دولار. وتعد المنتجات المعدنية، واللدائن ومصنوعاتها، والألمنيوم ومصنوعاته، والمنتجات الكيماوية العضوية وغير العضوية أهم السلع السعودية المصدّرة للهند، بينما تعد المنتجات المعدنية، والسيارات وأجزاؤها، والحبوب، والمنتجات الكيماوية العضوية، والآلات والأدوات الآلية وأجزاؤها أهم السلع التي تستوردها المملكة من الهند.

ويشكل الإسلام رابطاً حضارياً قوياً بين المملكة والهند؛ نظراً لكون الهند تضم ثالث أكبر جالية من المسلمين في العالم، حيث يشكل المسلمون قرابة 15 في المائة من سكان الهند البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة، ومن المتوقع أن تكون الدولة الأولى خلال الأعوام المقبلة حسب المؤشرات العالمية، وهو عنصر مهم بالنظر للدور القيادي للمملكة في العالم الإسلامي.


مقالات ذات صلة

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

شمال افريقيا رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

حذّر تقرير أممي أخير من تغلغل الميليشيات المسلحة داخل مؤسسات الدولة الليبية، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي.

علاء حموده (القاهرة)
الاقتصاد جانب من توقيع الاتفاقات (وكالة الأنباء العمانية)

عُمان: اتفاقات استثمارية بـ520.6 مليون دولار للمناطق الاقتصادية

وقَّعت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة العمانية حزمةً من اتفاقات الاستثمار، ومذكرة تعاون مشتركة بـ200 مليون ريال (520.6 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (مسقط)
الاقتصاد برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)

«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

يقود صندوق الاستثمارات العامة التحول الاقتصادي عبر استثمارات استراتيجية تعزِّز التنويع، وتمكِّن القطاع الخاص، وترسِّخ مكانة المملكة عالمياً.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن حزمة قرارات جديدة لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال (الرئاسة التركية)

تركيا: حزمة قرارات لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال

أعلنت تركيا حزمة قرارات جديدة لتعزيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال من الخارج لدعم الاقتصاد وتعزيز مكانتها مركزاً مالياً عالمياً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».