خرج ولم يعُد... دانيال داي لويس بطل الأوسكار والاعتزال

الممثل البريطاني ظهر في إطلالة خاطفة مستعيناً بعكّازين في نيويورك

دانيال داي لويس عام 2013 فائزاً بأوسكاره الثالث كأفضل ممثل (أ.ف.ب)
دانيال داي لويس عام 2013 فائزاً بأوسكاره الثالث كأفضل ممثل (أ.ف.ب)
TT

خرج ولم يعُد... دانيال داي لويس بطل الأوسكار والاعتزال

دانيال داي لويس عام 2013 فائزاً بأوسكاره الثالث كأفضل ممثل (أ.ف.ب)
دانيال داي لويس عام 2013 فائزاً بأوسكاره الثالث كأفضل ممثل (أ.ف.ب)

آخر مرّة شوهد فيها الممثل دانيال داي لويس، كان يسير في أحد شوارع نيويورك منذ شهرين مستعيناً بعكّازين. بشعرٍ منسدل غزاه الأبيض وبملابس رياضيّة، بدا داي لويس مبتسماً أمام عدسة الباباراتزي الذي التقط صوره.

أمرٌ اعتياديّ أن تلاحق كاميرات الصحافة المشاهير، لكن دانيال داي لويس ليس مشهوراً اعتيادياً. هو اختار اعتزال التمثيل منذ 6 سنوات، يوم كان في ذروة نجاحه وجماهيريّته.

دانيال داي لويس في أحدث صورة له منذ شهرين (إكس)

أن يطلّ داي لويس على الناس بعد هذا الغياب، وإن من خلال صورة لم يتعمّدها، فهذا بمثابة تطمينٍ لجمهوره المشتاق، حتى لو لم يعنِ ذلك أنه عائدٌ إلى السينما قريباً. يبدو مرتاحاً في عزلته واعتزاله؛ هو «قرار شخصيّ» اتّخذه عام 2017 وأعلنه عبر بيان مقتضب من دون توضيح الأسباب التي دفعته إليه.

ردود فعل النقّاد والجمهور على قرار الاعتزال آنذاك، تراوحت ما بين الاستيعاب والصدمة. تفاجأ المصدومون بقرارٍ آتٍ بعد نجاحٍ لافت لاقاه داي لويس عن دوره في فيلم «Phantom Thread - خيط الشبح»، وترشّح عنه إلى جائزة أوسكار. أما المستوعبون للقرار فتذكّروا أنها ليست المرة الأولى التي يعتزل فيها الممثل البريطاني العالمي ويتوارى عن الكاميرات.

ملصق فيلم «Phantom Thread» الذي اعتزل بعده داي لويس التمثيل (فيسبوك)

قائمة اعتزال طويلة

يُصنَّف داي لويس البالغ اليوم 66 عاماً، كأحد أهمّ الممثلين في تاريخ السينما. ويذهب بعض النقّاد إلى حدّ وصفه بأنه الأهم على الإطلاق، هو الحائز على أكبر عدد من جوائز الأوسكار بين الممثلين الرجال، لكن كل ذلك المجد لم يَحُل دون علاقة معقّدة بينه وبين التمثيل؛ علاقة حب وكُره ظهر أول ملامحها يوم غادر خشبة المسرح وهو في منتصف المشهد. كان يؤدّي دور «هاملت» في مسرحية شكسبير الشهيرة عام 1989، وخلال مشهد المواجهة مع شبح والد «هاملت»، انهار داي لويس كلياً. غادر الخشبة باكياً بشكلٍ هستيري وقرر منذ تلك اللحظة ألّا يعود إليها أبداً. يقال إنه أبصر حينها شبح والده الذي توفّي في حين كان داي لويس مراهقاً، الأمر الذي خلّف لديه ندوباً كثيرة.

داي لويس وجودي دينش في مشهد من مسرحية «هاملت» («فيسبوك» المسرح الوطني البريطاني)

يوغل داي لويس في أدواره، هي تستنزفه كثيراً، وهذا ما يفسّر ربما قائمة اعتزاله الطويلة. بعد المسرح، وجد الممثل ضالّته في السينما، لكن على الشاشة الكبيرة كذلك، عادت الفواصل والاستراحات لترسم إيقاع مسيرته الفنية.

بين عامَي 1993 و1996، غاب داي لويس عن الساحة السينمائية. حصل ذلك ما بين فيلمَي «The Age of Innocence - سنّ البراءة» و«The Crucible - البوتقة». وفيما يشبه نصف اعتزال، أدار داي لويس ظهره للسينما عام 1997 بعد أن أضناه فيلم «The Boxer - الملاكم»، الذي دخل من أجله في تفاصيل عالم الملاكمة.

ملأ الفراغ بعده بحرفةٍ من نوع آخر، فتوجّه إلى فلورنسا في إيطاليا، وتعلّم هناك صناعة الأحذية. لطالما سكنَ داي لويس حرفيٌّ صغير، منذ درس النجارة وأتقن صناعة الخزائن خلال أولى سنوات شبابه. وحدَه المخرج مارتن سكورسيزي استطاع أن ينتزعه من عزلته الاختياريّة التي استمرت 5 سنوات. جعله يودّع عدّة الإسكافيّ واصطحبه إلى رائعته السينمائية «Gangs of New York - عصابات نيويورك».

بعد 5 سنوات من نصف الاعتزال عاد داي لويس في فيلم «Gangs of New York» عام 2002 (إنستغرام)

كل تلك المغريات لم تَحُل دون تخلّص داي لويس من عادته. عام 2013، وبعد فوزه بأوسكار عن بطولته فيلم «Lincoln - لينكولن»، أعلن أنه سيأخذ استراحة طويلة من التمثيل. أمضى 5 سنوات فيما يشبه العزلة في آيرلندا، قبل أن يعود عام 2017 إلى الشاشة الكبيرة في فيلم «Phantom Thread».

أدوارٌ طاحنة

لا يختفي داي لويس بداعي المزاجيّة، فمن المعروف عنه أنه انتقائيّ جداً في أدواره، وأنه لا يمانع الابتعاد إن لم تقنعه السيناريوهات المعروضة عليه. معروفٌ عنه كذلك أنه يغرق في شخصياته إلى حدّ الإدمان. فرغم التدريبات التقليديّة التي تلقّاها في مسارح لندن، فإنه يعتمد طريقة التمثيل المنهجيّ؛ أي إنه يعيش في جلد الشخصية داخل التصوير وخارجه.

خلال تصويره دور «كريستي براون» المصاب بشلل دماغي في فيلم «My Left Foot - قدمي اليسرى» عام 1989، زار داي لويس عيادات خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة حيث أنشأ صداقات مع بعضهم. أما في موقع التصوير، فلازمَ كرسيّه المتحرّك وكان على فريق العمل إطعامه بنفسه.

دانيال داي لويس في مشهد من فيلم «My Left Foot» (إنستغرام)

تحضيراً لدوره في فيلم «The Last of the Mohicans - آخر الموهيكان» (1992)، تدرّب داي لويس على رفع الأثقال، وترصّدَ الحيوانات بهدف اصطيادها، وتعلّم صناعة القوارب واستخدام السلاح. كما أمضى شهراً في غابات نورث كارولينا لاختبار حياة الهنود الأميركيين، لكن بعد الانتهاء من التصوير، اضطرّ إلى تناول عقاقير مهدّئة للشفاء من الدور ومن صعوبة التصوير.

ملصق فيلم «The Last of the Mohicans» (فيسبوك)

من أجل دوره في فيلم «In the Name of the Father - باسم الأب»، خسر داي لويس 14 كيلوغراماً من وزنه، وحافظ على لكنة آيرلندية طيلة مدّة التصوير. كما أنه أمضى وقتاً طويلاً داخل زنزانة في سجن، وأصرّ على فريق العمل أن يرموه بالمياه الباردة ويعنّفوه لفظياً.

وتحضيراً لفيلم «Gangs of New York» حيث لعب دور «Bill the Butcher - بيل اللحّام»، تدرّب داي لويس على أيدي لاعبين في السيرك علّموه رمي الخناجر. كما كان يستمع إلى أغاني «إيمينيم» ليحافظ على مزاج الغضب خلال التصوير.

أما فيلم «Lincoln - لينكولن» الذي فاز عنه بأوسكار سنة 2013، فقد استغرق التحضير له عاماً كاملاً. قرأ داي لويس أكثر من مائة كتاب عن الرئيس الأميركي السابق، كما أنه اعتمد صوته ولكنته داخل المواقع وخارجها طيلة فترة التصوير.

انقطاع الخيط

في فيلمه الأخير ما قبل الاعتزال عام 2017، لعب داي لويس دور الخيّاط «رينولدز وودكوك». مرةً جديدة، غرق في الشخصيّة فتعلّم الحياكة، حتى إنه خاط فستاناً بنفسه ارتدته زوجته لاحقاً. في مقابلة مع مجلّة «W» قال الممثل حينها: «قبل تصوير الفيلم، لم أكن أعرف أنني سأتوقف بعده عن التمثيل». وأضاف: «المخرج وأنا ضحكنا كثيراً قبل تصوير هذا الفيلم، لكن ما إن بدأنا التصوير، حتى توقفنا عن الضحك؛ لأننا غرقنا في موجة من الحزن».

يروي «Phantom Thread» حكاية رجل مهووس بعمليّة الإبداع والابتكار، وهذه أيضاً أحد ملامح شخصية داي لويس؛ لذلك حصلت الصدمة ربما. عندما سُئل عن النقاط الكامنة في شخصية «وودكوك» التي دفعت به إلى الحزن واتّخاذ هكذا قرار، لم يأتِ الجواب واضحاً، إلا أن داي لويس اختصر الأمر بالقول إن ما اكتشفه من خلال تلك الشخصية، هو أن مسؤولية الفنان كبيرة، وقد أرخى ذلك بثقله على كتفَيه.

قال كذلك: «إذا كان الجمهور مؤمناً بقيمة ما أفعل، يجب أن يكون هذا كافياً بالنسبة لي، لكن أخيراً لم تعد الأمور على هذا النحو... يجب أن أومن كذلك». ربما تجيب جملة داي لويس هذه عن أسئلة كثيرة طُرحت حول اعتزاله، مع احتمال أن يكون عدم فوزه بالأوسكار عن دوره الأخير قد أحبطه، لا سيّما أنه أخذ منه تعباً جسدياً ونفسياً كبيراً.


مقالات ذات صلة

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)

فازت مؤسسة «بينالي الدرعية» بميدالية فئة المتاحف والمؤسسات ضمن جوائز «آرت بازل» 2026، في إنجاز يعكس حضورها المتنامي على الساحة الفنية العالمية ودورها في دعم وتطوير المشهد الثقافي في المنطقة.

وجاء هذا التكريم تقديراً لجهود المؤسسة في إبراز الفنون المعاصرة والفنون الإسلامية عالمياً، وتعزيز التبادل الثقافي بين السعودية ومختلف دول العالم، إلى جانب دورها بوصفها منصة تجمع الفنانين، والمجتمعات، والأفكار من أنحاء متعددة.

ضمَّت لجنة الخبراء التي اختارت المؤسسة نخبة من القيادات الفنية العالمية، من بينهم إيلينا فيليبوفيتش، والبروفسور الدكتور بونافنتور سوه بيجينغ نديكونغ، وجيسيكا مورغان، وأدريانو بيدروسا، والشيخة حور بنت سلطان القاسمي، وسوهانيا رافيل، وفرانكلين سيرمانز، وفيليب تيناري، وهانس أولريش أوبريست.

إبراز الفنون المعاصرة والفنون الإسلامية على الساحة العالمية (مؤسسة بينالي الدرعية)

وتُعد جوائز «آرت بازل»، التي أُطلقت عام 2025، من أبرز المبادرات العالمية التي تحتفي بالتميُّز في الفن المعاصر، إذ تعتمد في اختيار الفائزين على معايير تشمل الابتكار، وجودة التنفيذ، والتفاعل مع الجمهور، والأثر الثقافي.

ومنذ تأسيسها عام 2020، رسَّخت «مؤسسة بينالي الدرعية»، بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة ورئيس مجلس أمناء المؤسسة، مكانتها في المشهد الثقافي الدولي، وبرزت قدرتها على إحداث التحوُّلات الكبيرة، إذ تتولى المؤسسة مهمة تنظيم «معرض بينالي» سنوياً بالتناوب بين «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الدرعية، و«بينالي الفنون الإسلامية» في جدة، إضافة إلى إشرافها على تطوير «حي جاكس الإبداعي» في الدرعية.

وفي تعليقها على الجائزة، قالت الرئيسة التنفيذية للمؤسسة آية البكري: «نفخر بهذا التقدير من (آرت بازل)، إحدى أبرز المنصات العالمية المنتجة للفن المعاصر. ويؤكِّد هذا التكريم حضور المملكة ودورها الفاعل في تعزيز الحوار الثقافي العالمي، كما يمنحنا دافعاً لمواصلة جهودنا في تطوير المشهد الثقافي بالسعودية».

يُذكر أن الدورة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، المقامة تحت عنوان «في الحِل والترحال»، تستمر في استقبال الزوار حتى 2 مايو (أيار) 2026، لتكون خامس فعالية كبرى تنظمها المؤسسة خلال 5 سنوات.


مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
TT

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)

أطلقت السعودية مبادرة نوعية تهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية من قيادة قاطرة الحفاظ على التراث العمراني في السعودية، من خلال توسيع دائرة دور المجتمعات المحلية في صون وإعادة تأهيل القرى والبلدات التراثية، وتحويلها من مجرد شواهد صامتة على التاريخ إلى روافد اقتصادية وثقافية نابضة بالحياة.

وأعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها. وقال الوزير خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» في الرياض، الخميس، أن «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها أسهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو 1000 موقع للتراث العمراني».

يُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقاً للمعايير (واس)

نموذج مبتكر لاستدامة السرد التاريخي

وتستهدف المبادرة الجديدة في عامها الأول ترميم مجموعة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وتتوِّج المبادرة التي سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026، شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية.

وقال محمد العمري، الخبير في التراث الشعبي، إن الخطوة التي كشفت عنها وزارة الثقافة ستعزز من دور المجتمعات المحلية في حفظ الهوية العمرانية عبر الأجيال. وتابع العمري، أن السعودية غنية بالتراث العمراني الذي يتعدد حسب زمانه ومكانه، وأضاف: «على قدر اتساع جغرافية السعودية، تملك في المقابل قدراً كبيراً من تنوع وغنى وثراء التجربة التراثية والاجتماعية التي احتفظت بها البلدات والقرى، والتي كانت قديماً تتشكل وفق الوظائف والاحتياجات التي تلبيها لمجتمع سكانها عبر العصور».

وأكد الخبير العمري أن القرى والبلدات التراثية كادت تتعرض للاندثار لولا جهود فردية قام بها أجيال ممن حفظ هذا التاريخ الحيّ وتعاهده بالصيانة والاهتمام، وبقي حتى اليوم ذكرى حيّة على أثر الأجيال الماضية، وشاهداً قائماً للأجيال المقبلة، منوهاً بدور المبادرات التي تبنتها وزارة الثقافة، ممثلة في هيئة التراث التي رعت هذه الحقبة الجديدة من الاهتمام بتراث مناطق السعودية المتعددة والغنية.‏

أعلنت هيئة التراث مطلع العام تحقيق مستهدف الوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني سعودي (واس)

تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني

منذ عززت السعودية من الانتباه إلى ثروتها من التراث‏ والآثار، وهي تحقق تقدماً في اكتشاف غنى المناطق السعودية وما تحتفظ به من سجلات أثرية تاريخية، ومن ذلك التراث العمراني الذي يمثل شاهداً حيّاً على الحكايات الاجتماعية، ووسيلة لفهم الماضي، ومساعداً في اتخاذ قرارات واعية بشأن المستقبل، على اعتبار أن كل مبنى عمراني، وطراز هندسي، أو موقع تاريخي، يسهم في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان، وتوجيه سياسات الحماية والترميم.‏

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام، عن تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

يسهم تسجيل المواقع في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان وتوجيه سياسات الحماية والترميم (واس)

ويأتي تسجيل هذه المواقع ضمن جهود الهيئة المتواصلة لحماية أصول التراث العمراني وتوثيقها وتسجيلها، والعمل على إدارتها بكفاءة عالية، إلى جانب إبراز قيمتها التراثية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها، بما يضمن استدامتها موروثاً ثقافياً للأجيال المقبلة.

وتواصل الهيئة جهودها في تسجيل مواقع التراث العمراني استناداً إلى معايير ولوائح نظام الآثار والتراث العمراني التي تهدف إلى تطوير جهود البحث والاكتشاف، وحصر المواقع التراثية وتسجيلها في قائمة التراث العمراني الوطني، وذلك باستخدام أحدث التقنيات والممارسات المعتمدة عالمياً في مجال التراث، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة للمواقع التراثية بهدف الحفظ والتوثيق والحماية.

ويُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقًا لمعايير ذات أهمية وطنية أو عمرانية أو ثقافية محددة بموجب نظام الآثار والتراث العمراني، حيث تعتمد الهيئة على نظم المعلومات الجيومكانية في إدارة وتخزين وحفظ بيانات هذه المواقع والمباني بدقة؛ بهدف تحديد التدابير الوقائية ومتطلبات الحماية اللازمة لها، بما يضمن صونها للأجيال المقبلة.

ومن بيوت الطين إلى الأحياء القديمة، ومن الأبواب المزخرفة والمشربيات العتيقة، وكثير من صور الإرث المعماري، قطعت السعودية شوطاً كبيراً في العمل على إعادة استكشاف الأماكن، وتوثيق التفاصيل، وتطوير سجلها الوطني للتراث العمراني، الذي انضمت إليه الآلاف من مواقع التراث العمراني، تعزيزاً لحماية هذه المواقع من التعديات أو الإهمال، وضماناً لصونها للأجيال المقبلة.


مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
TT

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

أعربت الفنانة مايان السيد عن سعادتها بحصولها على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «مالمو للسينما العربية» عن دورها في فيلم «كولونيا»، مؤكدة أن هذه الجائزة تمثل أول تكريم تحصده في مسيرتها الفنية عن دور سينمائي، وهو ما منحها دفعة معنوية للاستمرار في اختياراتها الفنية والبحث عن أدوار أكثر عمقاً وتأثيراً.

وأضافت مايان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تجربة فيلم «كولونيا» كانت من المحطات المهمة في رحلتها، إذ خاضت من خلالها تحدياً جديداً، خصوصاً مع إيمان المخرج محمد صيام بقدرتها على تجسيد الشخصية بشكل مختلف، وحرصها على دراسة الدور من جميع جوانبه، بدءاً من الشكل الخارجي وحتى التفاصيل الدقيقة في الأداء، مما ساعدها على تقديم شخصية ذات أبعاد متعددة تعكس رؤيتها بصفتها ممثلة تسعى إلى التطور.

وأوضحت أن العمل على «كولونيا» أتاح لها مساحة كبيرة للتجريب داخل موقع التصوير، عبر محاولتها التعايش مع الشخصية طوال الوقت، ما ساعدها في الوصول إلى أداء أكثر صدقاً، لافتة إلى أن التعاون مع فريق العمل اتسم بالمرونة والتفاهم، مما خلق بيئة مناسبة للإبداع.

مايان وفريق عمل «ولنا في الخيال حب» في مهرجان «مالمو» (إدارة المهرجان)

وأكدت أن هذه التجربة عزّزت قناعتها بأن قيمة الدور لا تتعلق بحجمه، بل بمدى تأثيره، موضحةً: «هذا ما جعلني أعيد النظر في معايير اختياري للأدوار، إذ أصبحت أكثر اهتماماً بالشخصيات التي تحمل تحدياً فنياً وتمنحني فرصة للتعبير عن قدراتي، بعيداً عن فكرة المساحة أو حجم الظهور، مع سعيي لتقديم أدوار مختلفة تتيح لي استكشاف مناطق جديدة في أدائي».

وانتقلت للحديث عن فيلم «ولنا في الخيال حب»، الذي شارك مؤخراً في مهرجانَي «مالمو للسينما العربية»، و«هوليوود للفيلم العربي»، موضحة أن ارتباطها بالدور بدأ منذ اللحظة الأولى، إذ شعرت بأن الشخصية قريبة منها وتحمل مشاعر حقيقية. وأضافت أنها تحمَّست للعمل بشكل كبير فور عرضه عليها، ورأت فيه تحدياً يتطلب منها جهداً مضاعفاً، نظراً لطبيعة الشخصية المركبة التي تحتاج إلى تحضير دقيق على أكثر من مستوى، إلى جانب ما يتضمنه الدور من مساحة استعراضية.

وأشارت إلى أن «التحضيرات للفيلم كانت مكثفة، إذ خضع فريق العمل لفترة من التدريب والدراسة قبل بدء التصوير، وقد ساعدني ذلك على التعمّق في عالم الشخصية بشكل أكبر»؛ لافتة إلى أن التصوير داخل أكاديمية الفنون منحها تجربة خاصة، إذ اكتشفت قيمة هذا المكان ودوره في دعم الفنون المختلفة، وهو ما انعكس على إحساسها بالعمل.

ووصفت دورها في «ولنا في الخيال حب» بأنه «من أصعب الأدوار التي قدمتها، لاحتوائه على تفاصيل عدة، سواء من حيث الأداء التمثيلي أو المهارات التي تطلبها، مثل العزف على البيانو، والعمل على لغة الجسد، وطريقة الكلام». وأوضحت أن هذا التحدي شكّل لها فرصة حقيقية لتطوير أدواتها بصفتها ممثلة.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها كانت تتوقع نجاح الفيلم بسبب الشغف الذي صُنع به، لكنها لم تتخيل حجم التفاعل الكبير من الجمهور، خصوصاً مع ارتباط المشاهدين بتفاصيل دقيقة داخل العمل، مشيرة إلى أن هذا التفاعل كان دافعاً للحضور إلى دور العرض ومقابلة الجمهور في أماكن مختلفة، مما منحها إحساساً مباشراً بقيمة ما قدمته.

وأشادت بتجربتها في العمل مع الفنان أحمد السعدني، موضحة أن التعاون بينهما كان سلساً ومليئاً بالدعم، إذ ساعدها ذلك على التركيز والدخول في الحالة سريعاً، مشيدة بالتزامه وتحضيره الجيد للشخصية، مما انعكس إيجاباً على الأداء المشترك بينهما داخل الفيلم.

وأكدت مايان أنها تميل إلى الأعمال التي تتضمن عناصر موسيقية واستعراضية، نظراً لشغفها بالرقص والغناء، وهو ما يجعلها متحمسة لتقديم مزيد من هذه النوعية من الأعمال، لافتة إلى أنها ترى في الفن مساحة واسعة للتجريب، ولا ترغب في حصر نفسها في قالب واحد أو نوعية أدوار محددة.

وتطرقت إلى تفاعل الجمهور والنقاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أعمالها الفنية، قائلة: «أرى في هذا التفاعل وسيلة مهمة للتعلم والتطور، وأستفيد من النقد»، لافتة إلى أن هذا التواصل المباشر يمنحها دافعاً للاستمرار وتقديم الأفضل في أعمالها المقبلة.