غادر الفنان رضا عبد الرحمن مصر عام 2016 في زيارة سريعة لأسرته بمدينة نيويورك في أميركا، إلا أن رحلته امتدت حتى صيف 2023، وخلال تلك السنوات لم يفارقه الإحساس بالحنين والشوق للوطن الذي عشق حضارته وتراثه، فجاء معرضه «نوستالجيا» بغاليري «ياسين» في القاهرة وثيقة بصرية وإنسانية تجسد مشاعره، وتعكس ما تفعله الغربة بالفنانين وأعمالهم.
تلخيص الشكل الإنساني والاستعانة بأقل العناصر سمة بارزة في اللوحات المائية في المعرض، وبالمقابل تزخر الأعمال بتراكمات وتجارب إنسانية عديدة، فضلاً عن التوغل في الحضارات القديمة والطبيعة الخلابة والتأثر الواضح بإقامته في نيويورك، إلا أن ذلك كله جاء مغلفاً ومفعماً بمشاعر الحنين للوطن.

يقول عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «العرض في مصر مهم جداً بالنسبة لي، لأنها تمثل لي حضن الوطن، وكل ما يخص ذلك من نوستالجيا الطفولة والشباب، وذكرياتي مع الأصدقاء والزملاء الذين تمتد رحلتي معهم لنحو أربعين عاماً من الفن والثقافة».
تأثر الفنان رضا عبد الرحمن حتى الجنون بالفن المصري القديم، ولطالما انعكس ذلك في أعماله السابقة، ولا شك أن كونه ينتمي لجيل الدفعة الأولى لكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا (جنوب مصر) قد لعب دوراً كبيراً في ذلك، وفق الدكتور أحمد نوار، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «تتمتع محافظة المنيا بنصيب كبير من الفن المصري في أمكنة عديدة ثرية بقيمتها التاريخية والإبداعية مثل مقابر بني حسن، وآثار الآشمونين، وتونة الجبل، وقد كانت ملهمة له ورافداً أساسياً لفنه».

ولم يمنع هذا الموروث الحضاري العظيم عبد الرحمن من التأثر بالمعطيات الثقافية والفنية المختلفة في نيويورك، حسب نوار الذي أضاف: إن «هندسة الأشكال في معرض رضا هي اكتشاف لجماليات بناء جديدة مبنية على أصول عميقة ورؤى أكثر معاصرة تتّسم بمعالجات السهل الممتنع وتوهج يميزه المزج والتهجين بين التجريد والكلاسيكية».

يتفق مع هذه الرؤية للمعرض سرد الدكتور رضا عبد الرحمن نفسه لتجربته الجديدة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم يفارقني يوماً الحنين لمصر في نيويورك، لكن ذلك لم يقف حائلاً دون إقامة معارض عديدة بها، والاستفادة من رحابة المشهد على كل المستويات الإنسانية والبيئة والمجتمعية»؛ ويتابع: «إن فكرة قبول الآخر أصبحت أكثر عمقاً لدي، وقد عززت التجربة من اهتمامي بقضايا أكثر إنسانية مع الحفاظ على القيم الجمالية، إذ قابلت وقبلت كل العرقيات والجنسيات بلا استثناء، ووجدت كل الناس رائعين إلا فيما ندر، ومن هنا أيضاً اتسعت الرؤية لتلقى العديد من المكتسبات من ثقافات مغايرة، لا سيما أننا نتّحد جميعاً على الإنسانية وتربطنا حضارات وموروثات متشابهة ومتشابكة وضاربة في القِدم».

على مستوى الشكل استعان الفنان بدلاً من اللاند سكيب الصحراوي المصري المزين بخضرة بسيطة كأنها جواهر وأحجار كريمة تزين المشهد في الربوع والجبال الخضراء التي تتوسطها البحيرات بمختلف أحجامها: «أصبح وجود المساحة الجرداء محدوداً لندرتها في ذاكرتي البصرية».

تعمق عبد الرحمن في لوحاته بالمعرض المستمر حتى 14 سبتمبر (أيلول) المقبل في استخدام التمبرا المصرية بوسائط جديدة مع الاستعانة بالأكريلك الحديث، الذي يرجع نشأته إلى هذه التمبرا، يقول: «استفدت من كل المعطيات الحديثة والمتقدمة في تطوير التمبرا وتطويعها بهدف إنتاج أعمال معاصرة فبدت أعمالي من منظور مصري يعيش ويرسم في نيويورك ليس أكثر، لأنني في النهاية مصري حتى النخاع».







