النساء أكثر تأثراً بالتعب المزمن من الرجال

متلازمة مدمِّرة تؤثر في سكان بريطانيا

متلازمة التعب المزمن حالة عصبية طويلة الأمد (بابليك دومين)
متلازمة التعب المزمن حالة عصبية طويلة الأمد (بابليك دومين)
TT

النساء أكثر تأثراً بالتعب المزمن من الرجال

متلازمة التعب المزمن حالة عصبية طويلة الأمد (بابليك دومين)
متلازمة التعب المزمن حالة عصبية طويلة الأمد (بابليك دومين)

تميل النساء المصابات بمتلازمة التعب المزمن (ME/CFS ) إلى الشكوى من أعراض متزامنة أكثر مقارنة بالرجال، وفق النتائج الأولية لدراسة تُعدّ الأكبر في العالم حول المرض، أجراها باحثون من جامعة إدنبرة الاسكتلندية.

وكشفت الدراسة المنشورة في دورية «المعهد الوطني للبحوث الصحية»، اليوم (الخميس)، أنّ النساء اللواتي يعانين متلازمة التعب المزمن يصبحن أكثر عرضة للإصابة بأعراض حادّة بشكل متزايد مع تقدّمهن في السن.

وهذه المتلازمة هي حالة عصبية طويلة الأمد يمكن أن تُحدث زيادة مفرطة في الأعراض، بسبب المستويات الطبيعية من المجهود والنشاط اليومي المعتاد، وقد تستمرّ شكوى النساء منها لأكثر من 10 سنوات.

في هذا السياق، قال البروفيسور كريس بونتينغ، من وحدة علم الوراثة البشرية في «مركز البحوث الطبية» بمعهد علم الوراثة والسرطان بجامعة إدنبرة، وقائد الدراسة: «هذه المتلازمة مرض مدمِّر يؤثر في أعداد كبيرة من سكان بريطانيا»، مضيفاً، في بيان: «اكتشفنا أنّ المرض يكون أسوأ بالنسبة إلى النساء، ولدى كبار السن بعد سنوات من الإصابة».

وحلّل باحثو الدراسة استبيانات استقصائية لأكثر من 17 ألف شخص يعانون متلازمة التعب المزمن، وتضمّنت معلومات حول المدّة التي عانى فيها المستجيب أعراض تلك المتلازمة، ومتى شُخِّص، وما إذا كان يعاني حالة مرضية أخرى متزامنة ونشطة مع أعراض المتلازمة، مثل القولون العصبي أو الألم العضلي الليفي، على سبيل المثال.

أظهرت النتائج تحيزاً جنسياً راسخاً بين مرضى متلازمة التعب المزمن، حيث شكلت النساء 83.5 في المائة من المشاركين في الاستبيان. وأبلغ ثلثا النساء (66.7 في المائة)، وأكثر بقليل من النصف (52.7 في المائة) من الرجال، عن وجود حالة متزامنة نشطة واحدة على الأقل. وبالمثل، أبلغ 39.2 في المائة من النساء و28.6 في المائة من الرجال عن حالة مصاحبة غير نشطة واحدة على الأقل.

وتُعدّ الحالة نشطة إذا عانى المُشارك أعراضاً في الأشهر الستة السابقة.

وكانت الحالات المتزامنة النشطة الأكثر شيوعاً هي متلازمة القولون العصبي (41.3 في المائة)، مع الاكتئاب السريري (32.4 في المائة)، والألم العضلي الليفي (29.5 في المائة)، وفقر الدم (14.1 في المائة)، وقصور الغدة الدرقية (12.8 في المائة).

وأبلغت النساء، في المتوسط، عن أعراض للمتلازمة أكثر من الرجال (42 مقارنة بـ36 في المائة). وكان أكثر هذه الأعراض شيوعاً هي ضبابية الدماغ؛ وهو مصطلح يُستخدم عادة لوصف الضعف الإدراكي الذي يعانيه المشاركون، إلى النوم غير الكافي وألم العضلات.

ولعلّ السمة الرئيسية للمتلازمة، التي تُسمّى الشعور بالضيق بعد بذل أي مجهود، هي تفاقم الأعراض بشكل كبير بعد بذل جهد بدني بسيط. وتشمل الأعراض الأخرى الألم وضباب الدماغ وتقييد الطاقة الشديد الذي لا يتحسّن مع الراحة. وحتى الآن، فإنّ الأسباب غير معروفة، ولا اختبار تشخيصي أو علاج حالياً.

ومن المعروف أنّ النساء أكثر عرضة للإصابة بتلك المتلازمة التي تُعرف أيضاً بمتلازمة التهاب الدماغ والنخاع المصحوب بألم عضلي، لكنّ الدراسة الأخيرة (DecodeME) أظهرت للمرة الأولى كيف تختلف تجربتهن مع تلك المتلازمة المرضية مقارنة بالرجال.

ويقول الخبراء إنّ الحصول على فهم أفضل لكيفية تأثير هذه المتلازمة على الأشخاص هو الخطوة الأولى لتطوير خيارات العلاج الفعالة.

وحدّد باحثو الدراسة أنّ كون المريضة امرأة تعاني متلازمة التعب المزمن لأكثر من 10 سنوات هو عامل خطر للإصابة بمرض شديد، مع زيادة شدّة الأعراض مع تقدُّم العمر.

ومن المقدَّر أنّ هذه المتلازمة تؤثر في أكثر من ربع مليون شخص من جميع الأعمار وجميع الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية في بريطانيا وحدها، وفق الدراسة.

في المرحلة التالية من المشروع، سيدرس الخبراء ما لا يقل على 20 ألف عيّنة من الحمض النووي لاكتشاف ما إذا كان المرض وراثياً جزئياً. وإذا كان الأمر كذلك فسيبحثون عن سببه.

ويأمل بونتينغ أن تضيء النتائج الجينية لهذه الدراسة على سبب كون مجموعات سكانية معيّنة أكثر عرضة للإصابة بهذه المتلازمة من غيرها.

وتضيف الرئيسة التنفيذية لمنظمة «أكشن فور إم إي»، المُساهمة في تمويل الدراسة، سونيا تشودري: «تضيء النتائج أيضاً على التأثير الخطير الذي تُحدثه المتلازمة على النساء المتأثرات بشكل غير متناسب، مقارنة بالرجال». وتوضح: «من المهم أيضاً أن ندرك مدى تأثيرها في الرجال»، مشدّدة على أنه لا تزال ثمة حاجة إلى مزيد من المشاركين في المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

5 أطعمة تساعدك على امتصاص أحماض «أوميغا 3» بشكل أفضل

صحتك حبوب من مكملات الغذائية «أوميغا 3» (بيكساباي)

5 أطعمة تساعدك على امتصاص أحماض «أوميغا 3» بشكل أفضل

أظهرت الأبحاث أن العديد من المكملات الغذائية يصعب على الجسم امتصاصها. ويمكن أن يُحسّن تناول مكملات «أوميغا 3» مع وجبة غنية بالدهون من امتصاصها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُنصح بتناول المأكولات البحرية مثل الروبيان في «الحمية الكورية» (أ.ب)

بعد انتشارها على «تيك توك»... هل تساعد «حمية التشغيل» الكورية على إنقاص الوزن؟

تنتشر «حمية التشغيل» الكورية حالياً على منصتي «تيك توك» و«إنستغرام» بين متابعين؛ فهل حقاً يمكن أن تنقص الوزن؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)

حكّة لدغة الحشرة… متعة مؤقتة تُخفي دائرة التهاب تتفاقم مع الحكّ

حكّة لدغة الحشرة تمنح راحة مؤقتة، لكن الحكّ يفاقم الالتهاب ويحوّلها لدائرة مزعجة؛ الأطباء ينصحون بتجنبها واستخدام كريمات مهدئة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أكثر من 1 من كل 5 أشخاص حول العالم يعانون دهوناً حول البطن وفق «منظمة الصحة العالمية» (بكسلز)

لماذا يزيد حجم البطن مع التقدم في العمر؟

أفادت دراسة علمية حديثة عن سبب بيولوجي محتمل لزيادة الوزن في منتصف العمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تؤثر آلام الظهر على البالغين مع التقدم في السن (بيكسباي)

كيفية الوقاية من آلام الظهر مع التقدم في العمر

تؤثر آلام الظهر على العديد من البالغين مع تقدمهم في السن. لكن هناك الكثير من الخطوات البسيطة التي يمكنك اتخاذها لتقليل خطر الإصابة بالألم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

اكتشاف أول دليل على وجود الزواحف الطائرة في مصر

إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
TT

اكتشاف أول دليل على وجود الزواحف الطائرة في مصر

إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)

نجح فريق مصري من مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية «سلام لاب»، بالتعاون مع وزارة البيئة المصرية، ومتحف دنفر للطبيعة والعلوم، ومتحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة، في توثيق أول دليل حفري مؤكد على وجود التيروصورات (الزواحف الطائرة) في مصر، وهي الكائنات التي سيطرت على السماء قبل ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين، وذلك من خلال حفرية جناح عُثر عليها في صخور تكوين البحرية بمنخفض الواحات البحرية في الصحراء الغربية.

ويقدّر الباحثون أن باع جناحي الكائن المنقرض، الذي حلّق في سماء مصر قبل أكثر من 95 مليون سنة خلال العصر الطباشيري المتأخر، بلغ نحو 4 أمتار، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، بدورية «Acta Palaeontologica Polonica».

ويضيف هذا الاكتشاف بُعداً جديداً لفهم النظام البيئي القديم الذي شهدته الواحات البحرية، وهو الموقع الذي اشتهر سابقاً بحفريات الديناصورات العملاقة والتماسيح والأسماك القديمة، لكنه لم يكشف من قبل عن الكائنات التي سيطرت على سمائه، وفقاً للفريق البحثي.

فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات في موقع الاكتشاف بالواحات البحرية (هشام سلام)

وتحتل الواحات البحرية مكانة استثنائية في تاريخ علم الحفريات؛ إذ كشفت منذ أوائل القرن العشرين عن بعض أشهر الديناصورات الأفريقية، مثل «سبينوصور»، و«تمريرابتور»، و«بحرياصور»، إلى جانب الديناصورات العاشبة العملاقة مثل «باراليتيتان» و«إيجيبتوصور»، فضلاً عن الأسماك الضخمة والتماسيح والسلاحف القديمة.

وتُعد التيروصورات أول الفقاريات التي طورت القدرة على الطيران في تاريخ الحياة على الأرض؛ إذ سبقت ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين. ورغم أنها عاشت جنباً إلى جنب مع الديناصورات، فإنها لم تكن ديناصورات طائرة ولا أسلافاً للطيور، بل تمثل مجموعة مستقلة من الزواحف الطائرة ترتبط بالديناصورات بعلاقة قرابة تطورية.

وتميزت بأجنحة غشائية تمتد بين الجسم والإصبع الرابع بالغ الاستطالة؛ ما منحها قدرة استثنائية على التحليق لمسافات طويلة مستغلة التيارات الهوائية، كما تنوعت أنظمتها الغذائية بين صيد الأسماك والفقاريات الصغيرة والتغذي على اللافقاريات والجيف، واستمرت في السيطرة على سماء الأرض لأكثر من 150 مليون سنة قبل أن تنقرض مع نهاية العصر الطباشيري قبل نحو 66 مليون سنة.

وتقدم الحفرية أول دليل قاطع على وجود هذه الزواحف الطائرة في مصر. والعينة المكتشفة عبارة عن العقلة الأولى من الإصبع الرابع في جناح التيروصورات، الذي يتميز باحتوائه على أربعة أصابع.

واستناداً إلى حجم العظمة، يقدّر الباحثون أن الحيوان بلغ باع جناحيه نحو 4 أمتار؛ ما يجعله تيروصوراً متوسط الحجم كان يحلق فوق الأنهار والسهول الفيضية والبيئات الساحلية التي غطت شمال مصر آنذاك.

وتأتي أهمية الاكتشاف أيضاً من ندرة حفريات التيروصورات حول العالم، إذ كانت عظامها رقيقة الجدران، وخفيفة، ومجوفة لتناسب الطيران، وهي صفات منحتها كفاءة عالية في التحليق، لكنها جعلتها أقل قدرة على التحجر مقارنة بعظام الديناصورات أو التماسيح القديمة؛ ولهذا السبب، لا يزال السجل الأحفوري للتيروصورات في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية محدوداً ومتقطعاً.

عينة التيروصور كما ظهرت في موقع الاكتشاف بالواحات البحرية قبل جمعها ودراستها (هشام سلام)

وتشير الدراسة إلى أن أهمية الحفرية المصرية لا تقتصر على كونها أول دليل مؤكد على وجود التيروصورات في مصر، بل تسهم أيضاً في سد فجوة جغرافية مهمة في سجل انتشار هذه الزواحف الطائرة على امتداد الساحل الجنوبي لبحر تيثس القديم، كما تقدم أول جزء محفوظ ثلاثي الأبعاد من جناح تيروصور من تكوين البحرية، وهو ما يوفر للباحثين معلومات تشريحية نادرة عن جهاز الطيران لدى هذه الحيوانات.

أول سجل للتيروصورات

ووفقاً للدراسة، يمثل الاكتشاف الجديد أول سجل حفري مؤكد للتيروصورات في مصر، ويؤكد أنها كانت تحلق في سماء البلاد خلال العصر الطباشيري المتأخر قبل أكثر من 95 مليون سنة، ليكتمل للمرة الأولى تصور النظام البيئي الذي شهدته الواحات البحرية؛ فبعد أن كشفت حفرياتها عن الديناصورات العملاقة التي جابت اليابسة، والزواحف والأسماك التي عاشت في أنهارها، يأتي هذا الاكتشاف ليكشف عن الكائنات التي كانت تسيطر على سمائها.

ويقول بلال سالم، طالب الدكتوراه بجامعة أوهايو، وعضو فريق «سلام لاب» بجامعة المنصورة، ومدرس مساعد بكلية العلوم بجامعة بنها، والمؤلف الرئيسي للدراسة: «تمثل هذه الحفرية بالنسبة لي قيمة علمية وشخصية كبيرة؛ فقد عُثر عليها خلال أول بعثة ميدانية أشارك فيها إلى منخفض الواحات البحرية مع مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية عام 2018، ثم أصبحت لاحقاً جزءاً من أبحاثي بصفتي مسؤول حفريات الزواحف والطيور بالمركز».

وأضاف سالم لـ«الشرق الأوسط»: «يرجع تاريخ دراسة حفريات العصر الطباشيري في مصر إلى نحو 125 عاماً، ولم يُعثر من قبل على دليل يثبت وجود التيروصورات، خصوصاً في المواقع التي يرجع عمرها إلى نحو 100 مليون سنة، مثل الواحات البحرية».

وأشار إلى أن التيروصورات كانت معروفة من مناطق مختلفة في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، مثل المغرب وتونس ولبنان والأردن، لكن لم يكن هناك سجل موثق لها في مصر، ومن ثم فإن العينة المكتشفة تسد فجوة جغرافية مهمة للغاية في فهم انتشار الزواحف الطائرة خلال العصر الطباشيري، وتحديداً خلال العصر السينوماني في الواحات البحرية.

وتابع: «تُعد الواحات البحرية موقعاً استثنائياً في علم الحفريات؛ إذ يعرفها جميع الباحثين في ديناصورات أفريقيا بوصفها واحدة من أهم وأشهر المواقع الحفرية في القارة؛ لذلك، فإن اكتشاف أول حفرية مؤكدة لتيروصور في مصر بهذا المكان كان لحظة استثنائية لن أنساها».

بلال سالم مع عينة التيروصور في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (هشام سلام)

ووفق سالم، فإن «هذا الاكتشاف يوضح أن التراث الحفري المصري لا يزال يحمل الكثير من القصص غير المروية؛ فما زالت صخور الصحراء الغربية تكشف، مع كل بعثة جديدة، صفحات جديدة من تاريخ أفريقيا السحيق، وتؤكد الدور المتنامي للباحثين المصريين في توثيق هذا التراث ودراسته وحمايته».

ويقول عالم الحفريات المصري هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، وأستاذ الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة، ورئيس الفريق البحثي: «يُبرز هذا الاكتشاف أهمية مواصلة استكشاف المواقع الحفرية المصرية، فكل بعثة جديدة تحمل معها فرصة للإجابة عن أسئلة ظلت مطروحة لعقود. وعلى الرغم من أن الواحات البحرية تُعد من أكثر المناطق دراسة في أفريقيا، فإنها لا تزال تكشف عن اكتشافات غير متوقعة تعيد تشكيل فهمنا للنظم البيئية القديمة».

وأضاف: «أظهرت الدراسة أن الحفرية المكتشفة تمثل أحد أهم عناصر جهاز الطيران لدى التيروصورات، وهي العقلة الأولى للإصبع الرابع، وهو الإصبع الطويل الذي يحمل الغشاء الجناحي. وتمتاز هذه العظمة بصفات تشريحية مميزة، لا سيما في منطقة اتصالها بعظام الرسغ، ما يؤكد انتماءها إلى مجموعة (Ornithocheiriformes)، وهي مجموعة من التيروصورات طويلة الأجنحة التي ازدهرت خلال العصر الطباشيري».


كيف يربي الآباء أطفالاً واثقين بأنفسهم؟ معادلة من خطوتين

الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
TT

كيف يربي الآباء أطفالاً واثقين بأنفسهم؟ معادلة من خطوتين

الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)

يسعى معظم الآباء إلى حماية أطفالهم من مشاعر الخوف والقلق، اعتقاداً منهم أن إبعادهم عن المواقف المزعجة هو السبيل الأمثل لبناء شخصيات قوية وواثقة. لكن خبراء الصحة النفسية يرون أن هذا النهج قد يحرم الأطفال من فرصة ثمينة لتطوير قدرتهم على مواجهة التحديات. فالثقة بالنفس، بحسب المختصين، لا تنشأ من غياب القلق، بل من تعلم التعامل معه وتجاوزه خطوة بعد أخرى.

تؤكد كاثرين هيشت، اختصاصية علم النفس السريري للأطفال، أن كثيراً من الآباء ينظرون إلى قلق أطفالهم على أنه عدو يجب التخلص منه، بينما قد يكون في الواقع مفتاحاً لبناء الثقة التي يحتاجها الأطفال ليصبحوا بالغين يتمتعون بالمرونة والسعادة والقدرة على النجاح، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وتشير هيشت إلى أن أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً التي تواجهها في عملها هو اعتقاد البعض أن دورها يتمثل في «التخلص» من قلق الطفل. لكنها توضح أن القلق شعور إنساني أساسي يختبره الجميع عند مواجهة أمر جديد أو غير مؤكد. وتؤكد الاختصاصية، المتخصصة في علاج القلق والوسواس القهري باستخدام العلاج بالتعرض في ولاية مينيسوتا الأميركية، أن أفضل طريقة لمساعدة الأطفال على إدارة قلقهم هي تهيئة بيئة آمنة تسمح لهم بمواجهة مخاوفهم تدريجياً.

ولهذا تعتمد هيشت في عملها على معادلة بسيطة من خطوتين، تقول إنها تساعد الأطفال على توظيف قلقهم بصورة إيجابية، وهي: «القلق + الشجاعة = الثقة». وتوضح أن الطفل، عندما يكتشف بنفسه أنه قادر على التعامل مع المواقف التي كانت تثير خوفه سابقاً، ومن دون تدخل والديه، يكتسب قدراً كبيراً من الثقة في نفسه.

اسمح لطفلك بأن يشعر بالقلق

توضح هيشت أن الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق. إلا أن الإسراع إلى إنقاذ الطفل في كل موقف يثير قلقه قد يحرمه، من دون قصد، من فرصة اكتشاف أن الموقف آمن، وأنه قادر على التعامل معه بنفسه.

وتضيف أن هذا السلوك قد يرسل رسالة غير مباشرة إلى الطفل مفادها أن والديه لا يثقان بقدرته على حل مشكلاته أو مواجهة تحدياته. لذلك تنصح الآباء بتذكر أن القلق «شعور آمن، ويمكن احتماله، وهو مؤقت». وتشدد على أن خوض هذه التجربة يمثل خطوة ضرورية لتجاوزها واكتساب القوة النفسية.

وفي الوقت نفسه، تحذر من المبالغة في الاتجاه المعاكس، مؤكدة أنه لا ينبغي إجبار الطفل على التحلي بالشجاعة أو دفعه إلى مواجهة مخاوفه قسراً، لأن شعوره بالإنجاز والثقة سيكون أكبر عندما تأتي المبادرة منه، ويختار بنفسه خوض التجربة.

كن قدوة في الشجاعة وشجّع المرح

تؤكد هيشت أن بإمكان الآباء تهيئة الظروف المناسبة لأطفالهم عبر خلق ما تسميه «فرصاً للشجاعة».

فإذا كان الطفل يعاني من القلق الاجتماعي، يمكن مساعدته على اتخاذ خطوات بسيطة وتدريجية. فعلى سبيل المثال، في المرة المقبلة التي تذهب فيها الأسرة إلى أحد المطاعم، يمكن سؤال الطفل عما إذا كان يرغب في طلب الحلوى نيابة عن العائلة.

كما يمكن للوالدين أن يكونا قدوة عملية في الشجاعة أمام أطفالهما. فإذا كان أحدهما يخاف من النحل، على سبيل المثال، يمكنه أن يتعامل مع الموقف بهدوء، ويطرد نحلة من النافذة أمام الطفل، ليبرهن له أن مواجهة المخاوف ممكنة.

وتضيف هيشت أن من المهم أيضاً الاحتفاء بكل خطوة يخطوها الطفل في مواجهة مخاوفه، ومكافأته عليها مهما بدت صغيرة. وتقول: «أي خطوة نحو الشجاعة تستحق اهتمامنا وتشجيعنا. فالهدف هو تشجيع الأطفال على مواصلة التقدم في الاتجاه الذي نطمح إليه، لأن الشجاعة غالباً ما تُبنى تدريجياً وتتراكم مع مرور الوقت».

كما تشجع الآباء على إضفاء أجواء من المرح والمغامرة على عملية مواجهة المخاوف، قائلة: «حوّلوا مواجهة المخاوف إلى لعبة، واتركوا لأطفالكم زمام المبادرة من خلال البناء على اهتماماتهم الشخصية».

وتضرب مثالاً على ذلك بطفل يحب الرياضيات ويخشى النحل؛ إذ يمكن تشجيعه على عدّ عدد النحل الذي يراه، ومحاولة العثور على عدد أكبر مما رآه إخوته، مع إطلاق أسماء طريفة على كل نحلة. أما إذا كان الطفل يشعر بالقلق من تكوين صداقات جديدة، فيمكن تحويل الأمر إلى نشاط ممتع، كأن يجري استطلاعاً بسيطاً لمعرفة عدد زملائه في الصف الذين يحبون برنامجه التلفزيوني المفضل.


لماذا يرفض بعض الأوروبيين مكيفات الهواء رغم موجات الحرّ القاتلة؟

أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
TT

لماذا يرفض بعض الأوروبيين مكيفات الهواء رغم موجات الحرّ القاتلة؟

أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)

في وقت أصبحت فيه موجات الحر أكثر شدة وتكراراً بفعل التغير المناخي، قد يبدو اللجوء إلى مكيفات الهواء الخيار الأكثر منطقية لحماية الأرواح. إلا أن هذا التصور لا يحظى بالإجماع في أوروبا، حيث لا يزال كثير من السكان والمسؤولين يترددون في الاعتماد الواسع على أجهزة التكييف، رغم ارتفاع أعداد الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. ويستند هذا الموقف إلى اعتبارات بيئية واقتصادية، إضافة إلى توجهات تركز على حلول طويلة الأمد بدلاً من المعالجات المؤقتة.

ارتبطت موجة الحر القياسية التي شهدتها فرنسا الأسبوع الماضي بنحو ألف حالة وفاة، معظمها بين كبار السن. ويُعد خطر موجات الحر تحدياً يواجه أوروبا بأكملها، إذ تضم القارة أكبر نسبة من كبار السن مقارنةً بسائر قارات العالم، كما أنها الأسرع احتراراً على مستوى العالم، وفقاً لشبكة «سي بي إس نيوز».

وتسجل أوروبا أيضاً أعلى معدل للوفيات المرتبطة بالحرارة للفرد مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، رغم أن عدد أيام الحر الشديد فيها أقل من كثير من المناطق الأخرى. ووفقاً للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، تجاوز عدد الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة في أوروبا 1300 حالة منذ 21 يونيو (حزيران).

ورغم هذه الأرقام المقلقة، فإن المسؤولين الأوروبيين يدعون إلى تبني استراتيجيات مختلفة لمواجهة الحرارة، وليس إلى الحل الذي قد يبدو الأكثر بداهة، وهو التوسع في استخدام مكيفات الهواء.

فقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2007 أن استخدام مكيفات الهواء يقلل الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة تصل إلى 75 في المائة. ومع ذلك، لا يمتلك سوى 20 في المائة من الأوروبيين مكيفات هواء في منازلهم، بينما تصل هذه النسبة في الولايات المتحدة إلى نحو 90 في المائة.

وتقول إيني فانديكاستيل، خبيرة التكيف الحضري في وكالة البيئة الأوروبية، لشبكة «سي بي إس نيوز»: «بصراحة، لا أعتقد أن هذا هو الحل الأمثل في أي مكان. إنه حل مؤقت يمكن أن يدعم الفئات الأكثر ضعفاً في المستشفيات، أو يساعد على المدى القصير. لكن على المدى البعيد، يؤدي تركيب المزيد من أجهزة التكييف إلى زيادة انبعاث الحرارة في بيئتنا، مما يسرّع من وتيرة الاحتباس الحراري».

ولا تقتصر التحفظات على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الجانب الاقتصادي، إذ تُعد أسعار الطاقة في أوروبا أعلى بكثير منها في الولايات المتحدة، ما يجعل تشغيل أجهزة التكييف أكثر تكلفة. ولهذا السبب، موّلت حكومات أوروبية بدائل أخرى لتبريد المدن التاريخية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، من بينها إنشاء محطات تبريد عامة تتيح للسكان الاحتماء من موجات الحر.

وفي العاصمة الإيطالية روما، تُوزَّع أجهزة وتقنيات قابلة للارتداء لمراقبة الحالة الصحية لكبار السن، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة لمضاعفات ارتفاع درجات الحرارة. ومع ذلك، تُعد إيطاليا من أكثر الدول الأوروبية اعتماداً على أجهزة التكييف مقارنة بجيرانها.

أشخاص يتجولون عبر نافورة رذاذ الماء للتخفيف من حرارة الجو خلال موجة الحر بوارسو في بولندا (رويترز)

وبحسب المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء، كانت نحو 56 في المائة من المنازل في إيطاليا مزودة بمكيفات هواء حتى عام 2024. كما تستهلك البلاد نحو ثلث إجمالي الكهرباء المستخدمة لتشغيل أجهزة التكييف في دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً لبيانات الاتحاد.

وفي المقابل، تكشف استطلاعات الرأي عن حضور قوي للوعي البيئي لدى الأوروبيين. فقد أظهر استطلاع حديث في فرنسا أن شخصاً واحداً من كل ستة أشخاص مستعد للتضحية ببعض جوانب الراحة الشخصية من أجل حماية البيئة، وهو ما لا تراه فانديكاستيل أمراً مستغرباً.

وقالت في حديثها لشبكة «سي بي إس نيوز»: «نحن لا نفعل ذلك من أجل أنفسنا، بل من أجل الأجيال القادمة».