ليث صدّيق يطير إلى العالميّة من ضفاف دجلة ونوافذ عمّان

عازف الكمان الأردني العراقي قائداً لأوركسترا نيويورك العربية

مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
TT

ليث صدّيق يطير إلى العالميّة من ضفاف دجلة ونوافذ عمّان

مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)

شيءٌ ما في النغم الطالع من كمانه يأخذ سامعيه إلى ضفاف دجلة، ثم يحلّق بهم فوق آثار «بترا». لا يذكر ليث صدّيق يوماً في حياته مرّ من دون موسيقى. تعلّمها قبل الكلام وحَبا معها طفلاً في المنزل الوالديّ في عمّان، حيث كان الوالد المايسترو محمد عثمان صدّيق والوالدة عازفة الكمان زينب السامرّائي يعجنان الموسيقى خبزاً يومياً.

منذ سنوات، طار عازف الكمان الشابّ إلى النصف الآخر من الكرة الأرضيّة. علّق روحه المشرقيّة على أوتار آلته الصغيرة، وزرع نغماته في قلب الولايات المتحدة الأميركية. يفتخر ليث صدّيق بأنه اختير منذ سنتَين مديراً للأوركسترا العربية في نيويورك، لكنّ الطموح لا يتوقف عند هذا الحدّ. «لا يمكن أن يسرقني العمل الإداري من التأليف والعزف والحفلات والتدريس»، يؤكد صدّيق لـ«الشرق الأوسط».

لا يحتفظ بمجد الموسيقى لنفسه، بل يوزّعه على الأجيال الطالعة من عازفي الكمان الصغار، منخرطاً لتلك الغاية في أنشطة تربويّة وخيريّة متنوّعة. يعمل صدّيق حالياً، بالتعاون مع مؤسسة «كارنيغي» على إعداد منهاج الموسيقى العربية المشرقية كي يُدَرّس في مدارس نيويورك ولاحقاً في الولايات الأميركية كافةً، لا سيّما أن «الإقبال على دراسة الموسيقى العربية من قبل الطلاب الأميركيين والأجانب كبير جداً»، وفق ما يلاحظ.

صدّيق قائداً الأوركسترا العربية في نيويورك (الشرق الأوسط)

الترشيح لجائزة «غراميز»

لم تكن هذه السنة عابرةً في حياة صدّيق، فالشاب الذي تابع طفلاً حفلات توزيع جوائز الـ«غراميز» عبر شاشة التلفزيون، وجد نفسه مرشّحاً لنيل إحداها. خاض المنافسة العالمية ضمن مشروع مشترك قاده أستاذه في جامعة بيركلي، حيث جمع عدداً من طلّابه المميزين في فرقة وقدّموا ألبوم جاز، لفتت إحدى مقطوعاته المخصصة لمعاناة اللاجئين القيّمين على الجائزة الموسيقية العالمية. «صحيح أننا لم نفُز، لكن الغراميز هي من دون شكّ محطة فاصلة في مسيرتي»، يقول صدّيق.

يُكثر من الامتنان لوالدَيه. يصِفهما بالقدوة، ويعتقد أنه لولا ذاك البيت ذو النوافذ المفتوحة على العالم لما وصل إلى حيث هو الآن. صغيراً، جال عواصم كثيرة مع أمه وأبيه مرافقاً إياهما في حفلاتهما، فنما فضوله تجاه الثقافات المختلفة، واتسعت رغبته في التواصل مع الآخر. «عندما كنت أعود إلى المدرسة وأخبر رفاقي بما رأيت واختبرت، ما كانوا يستوعبون عليّ. شعرت بأنني أملك شيئاً خاصاً لا يجب أن أضيّعه، فربطت نفسي بالموسيقى واعتبرتها فرصة حتى أشوف العالم».

علاقة صدّيق بالكمان تعود إلى سنواته الأولى (إنستغرام)

ثنائيّة الهويّة

أمضى ليث صدّيق سنته الأولى في بغداد حيث وُلد عام 1992، لكنه لم يعد إليها سوى بعد 12 سنة لتقفز إلى ذاكرته فور وصوله صورٌ خزّنها عن باحة البيت وشجر النخيل وضفاف دجلة. أما العام الماضي وحين حطّ رحاله في الموصل لإحياء حفل، فانتابه شعور مختلف عن كل ما سبق: «كانت تلك حفلتي الأولى في العراق. أعتبرها تجربة عظيمة، خصوصاً أني لم أحاول خلالها إثبات نفسي أمام جمهور غريب، بل كنت بين أهلي مع أني لا أعرف أحداً منهم».

أما في عمّان حيث عاش حتى عامه الـ16، فتنقّل ليث بين بيتين؛ منزل العائلة والمعهد الوطني للموسيقى. «كان والدي المدير التنفيذي للمعهد آنذاك قبل أن يتولّى إدارته، وكانت أمي تعزف في الأوركسترا. ساعات ما بعد المدرسة كنت أمضيها هناك بين لعب وتمرين ومراقبة العازفين. كان المعهد بمثابة بيتي الأول».

ليث مع والدَيه محمد عثمان صدّيق وزينب السامرّائي (إنستغرام)

ليث المتنقّل حالياً بين نيويورك وبوسطن ومدريد، يصاب أحياناً بدُوار الهويّة. يخبر كيف أن نقاشات حادة تشتعل بين متابعيه على صفحات التواصل الاجتماعي: «العراقيين والأردنيين بيتخانقوا عليّ... ليث أردني... لا ليث عراقي».

يحسم هذا الجدل معرّفاً عن نفسه بأنه أردنيّ من أصول عراقية؛ «جنسيتي أردنية ونشأت في الأردن، لكن جذوري وتقاليدي ولهجتي عراقية».

البصمة المشرقيّة

كان لا بدّ من نقلةٍ نوعيّة تطوّر قدرات ليث الموسيقيّة وتروّض الـ«ego» لديه، وفق ما يقول. في بريطانيا حيث أكمل دراسته، اكتشف أنه ليس الأفضل وبدأ البحث عمّا قد يميّزه عن سواه. لطالما سأله زملاؤه عن موسيقى بلاده، فبدأ يحدّث نفسه قائلاً: «أنا أردني عراقي. ليه عم اعزف موسيقى ألمانية وفرنسية وإيطالية؟». كان يدرك أن النغم الغربي هو أساس آلة الكمان، لكنه تشجّعَ على التقرّب من الموسيقى المشرقيّة. «بدأت بصمتي الخاصة تتبلور عندما وضعت أمامي هدف تعريف الآخرين على موسيقانا من خلال الكمان».

غالباً ما يرتجل في حفلاته الخاصة، وكأنّه بذلك يحادث الجمهور ويقرّب المسافات بينهما. يغنّي أحياناً، وفي صوته الكثير من شجن البلاد، غير أنه لا يذهب إلى حدّ تقديم نفسه كمغنٍ. الأولويّة بالنسبة إليه هي «تطعيم كل معزوفة، مهما كانت هويّتها، بالمقامات المشرقيّة». يسمّي تلك البصمة المشرقيّة روحَه، لذلك فهو يصرّ على منظّمي حفلاته أن يضيفوا ورشة عمل مجّانية على هامش الحفل، يعرّف فيها ليث المشاركين على موسيقى بلاده.

وضع ليث صدّيق آلته في خدمة التراث المشرقي (إنستغرام)

أوركسترا نيويورك

لم يكن الانتقال إلى الولايات المتحدة سهلاً، ولا الوصول إلى إدارة أوركسترا نيويورك العربية، خصوصاً أن ليث صدّيق وجد نفسه وحيداً هناك ومن دون داعم. لكنّه استقى من دروس الوالدَين في الانفتاح على الآخرين والاستثمار في الأخلاق والعلاقات الطيّبة، واستلهمَ من الأساتذة المؤسسين أمثال سيمون شاهين، وبسام سابا، وميشال مرهج، وغيرهم. «أنا لم أؤسس بل إنني أبني على الأعمدة التي رفعها أساتذتي. هم الذين نشروا هويتنا الموسيقية العربية في فترة لم يكن من السهل فيها فعل ذلك في الولايات المتحدة، لا سيّما إبّان أحداث 11 سبتمبر».

عن سيمون شاهين يقول إنه وطّد علاقته بآلة الكمان وساعده في تكوين شخصيته كعازف، أما بسام سابا فمهّد له الدرب إلى إدارة أوركسترا نيويورك بعد أن بدأ كعازف فيها يوم كان سابا مديرها.

بين التدريس والحفلات والتأليف وإدارة أنشطة الأوركسترا، يمضي صدّيق أوقاته. في رصيده حتى اليوم 3 ألبومات موسيقية، وهو في طور وضع تصوّر للألبوم الرابع الذي سيضمّ مؤلفاته المرتكزة على الأغنية العراقية التراثية.

في البال طموحاتٌ كثيرة. هو الذي حقق حلم الوقوف على مسرح دار أوبرا القاهرة منذ سنتين، يرغب بحفل في فلسطين وبإطلالة على جمهوره في شمالي أفريقيا. وبالانتظار، قد يحلّ صدّيق ضيفاً على مهرجانات بيت الدين في لبنان الصيف المقبل.


مقالات ذات صلة

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الوتر السادس صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

قال الفنان التونسي صابر الرباعي إنه يعيش راهناً حالة فنية نشطة تتوزع بين التحضير لأعمال غنائية جديدة، مع الاستعداد لإحياء حفلات جماهيرية في عدد من الدول العربية

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

تترك الفنانة مادونا عرنيطة أثرها في كل إطلالة اجتماعية أو إعلامية لها. فلا تمر مرور الكرام، تماماً كعطر أنيق يعلق في الذاكرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

مالك القعقور

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.


مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.