ليث صدّيق يطير إلى العالميّة من ضفاف دجلة ونوافذ عمّان

عازف الكمان الأردني العراقي قائداً لأوركسترا نيويورك العربية

مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
TT

ليث صدّيق يطير إلى العالميّة من ضفاف دجلة ونوافذ عمّان

مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)

شيءٌ ما في النغم الطالع من كمانه يأخذ سامعيه إلى ضفاف دجلة، ثم يحلّق بهم فوق آثار «بترا». لا يذكر ليث صدّيق يوماً في حياته مرّ من دون موسيقى. تعلّمها قبل الكلام وحَبا معها طفلاً في المنزل الوالديّ في عمّان، حيث كان الوالد المايسترو محمد عثمان صدّيق والوالدة عازفة الكمان زينب السامرّائي يعجنان الموسيقى خبزاً يومياً.

منذ سنوات، طار عازف الكمان الشابّ إلى النصف الآخر من الكرة الأرضيّة. علّق روحه المشرقيّة على أوتار آلته الصغيرة، وزرع نغماته في قلب الولايات المتحدة الأميركية. يفتخر ليث صدّيق بأنه اختير منذ سنتَين مديراً للأوركسترا العربية في نيويورك، لكنّ الطموح لا يتوقف عند هذا الحدّ. «لا يمكن أن يسرقني العمل الإداري من التأليف والعزف والحفلات والتدريس»، يؤكد صدّيق لـ«الشرق الأوسط».

لا يحتفظ بمجد الموسيقى لنفسه، بل يوزّعه على الأجيال الطالعة من عازفي الكمان الصغار، منخرطاً لتلك الغاية في أنشطة تربويّة وخيريّة متنوّعة. يعمل صدّيق حالياً، بالتعاون مع مؤسسة «كارنيغي» على إعداد منهاج الموسيقى العربية المشرقية كي يُدَرّس في مدارس نيويورك ولاحقاً في الولايات الأميركية كافةً، لا سيّما أن «الإقبال على دراسة الموسيقى العربية من قبل الطلاب الأميركيين والأجانب كبير جداً»، وفق ما يلاحظ.

صدّيق قائداً الأوركسترا العربية في نيويورك (الشرق الأوسط)

الترشيح لجائزة «غراميز»

لم تكن هذه السنة عابرةً في حياة صدّيق، فالشاب الذي تابع طفلاً حفلات توزيع جوائز الـ«غراميز» عبر شاشة التلفزيون، وجد نفسه مرشّحاً لنيل إحداها. خاض المنافسة العالمية ضمن مشروع مشترك قاده أستاذه في جامعة بيركلي، حيث جمع عدداً من طلّابه المميزين في فرقة وقدّموا ألبوم جاز، لفتت إحدى مقطوعاته المخصصة لمعاناة اللاجئين القيّمين على الجائزة الموسيقية العالمية. «صحيح أننا لم نفُز، لكن الغراميز هي من دون شكّ محطة فاصلة في مسيرتي»، يقول صدّيق.

يُكثر من الامتنان لوالدَيه. يصِفهما بالقدوة، ويعتقد أنه لولا ذاك البيت ذو النوافذ المفتوحة على العالم لما وصل إلى حيث هو الآن. صغيراً، جال عواصم كثيرة مع أمه وأبيه مرافقاً إياهما في حفلاتهما، فنما فضوله تجاه الثقافات المختلفة، واتسعت رغبته في التواصل مع الآخر. «عندما كنت أعود إلى المدرسة وأخبر رفاقي بما رأيت واختبرت، ما كانوا يستوعبون عليّ. شعرت بأنني أملك شيئاً خاصاً لا يجب أن أضيّعه، فربطت نفسي بالموسيقى واعتبرتها فرصة حتى أشوف العالم».

علاقة صدّيق بالكمان تعود إلى سنواته الأولى (إنستغرام)

ثنائيّة الهويّة

أمضى ليث صدّيق سنته الأولى في بغداد حيث وُلد عام 1992، لكنه لم يعد إليها سوى بعد 12 سنة لتقفز إلى ذاكرته فور وصوله صورٌ خزّنها عن باحة البيت وشجر النخيل وضفاف دجلة. أما العام الماضي وحين حطّ رحاله في الموصل لإحياء حفل، فانتابه شعور مختلف عن كل ما سبق: «كانت تلك حفلتي الأولى في العراق. أعتبرها تجربة عظيمة، خصوصاً أني لم أحاول خلالها إثبات نفسي أمام جمهور غريب، بل كنت بين أهلي مع أني لا أعرف أحداً منهم».

أما في عمّان حيث عاش حتى عامه الـ16، فتنقّل ليث بين بيتين؛ منزل العائلة والمعهد الوطني للموسيقى. «كان والدي المدير التنفيذي للمعهد آنذاك قبل أن يتولّى إدارته، وكانت أمي تعزف في الأوركسترا. ساعات ما بعد المدرسة كنت أمضيها هناك بين لعب وتمرين ومراقبة العازفين. كان المعهد بمثابة بيتي الأول».

ليث مع والدَيه محمد عثمان صدّيق وزينب السامرّائي (إنستغرام)

ليث المتنقّل حالياً بين نيويورك وبوسطن ومدريد، يصاب أحياناً بدُوار الهويّة. يخبر كيف أن نقاشات حادة تشتعل بين متابعيه على صفحات التواصل الاجتماعي: «العراقيين والأردنيين بيتخانقوا عليّ... ليث أردني... لا ليث عراقي».

يحسم هذا الجدل معرّفاً عن نفسه بأنه أردنيّ من أصول عراقية؛ «جنسيتي أردنية ونشأت في الأردن، لكن جذوري وتقاليدي ولهجتي عراقية».

البصمة المشرقيّة

كان لا بدّ من نقلةٍ نوعيّة تطوّر قدرات ليث الموسيقيّة وتروّض الـ«ego» لديه، وفق ما يقول. في بريطانيا حيث أكمل دراسته، اكتشف أنه ليس الأفضل وبدأ البحث عمّا قد يميّزه عن سواه. لطالما سأله زملاؤه عن موسيقى بلاده، فبدأ يحدّث نفسه قائلاً: «أنا أردني عراقي. ليه عم اعزف موسيقى ألمانية وفرنسية وإيطالية؟». كان يدرك أن النغم الغربي هو أساس آلة الكمان، لكنه تشجّعَ على التقرّب من الموسيقى المشرقيّة. «بدأت بصمتي الخاصة تتبلور عندما وضعت أمامي هدف تعريف الآخرين على موسيقانا من خلال الكمان».

غالباً ما يرتجل في حفلاته الخاصة، وكأنّه بذلك يحادث الجمهور ويقرّب المسافات بينهما. يغنّي أحياناً، وفي صوته الكثير من شجن البلاد، غير أنه لا يذهب إلى حدّ تقديم نفسه كمغنٍ. الأولويّة بالنسبة إليه هي «تطعيم كل معزوفة، مهما كانت هويّتها، بالمقامات المشرقيّة». يسمّي تلك البصمة المشرقيّة روحَه، لذلك فهو يصرّ على منظّمي حفلاته أن يضيفوا ورشة عمل مجّانية على هامش الحفل، يعرّف فيها ليث المشاركين على موسيقى بلاده.

وضع ليث صدّيق آلته في خدمة التراث المشرقي (إنستغرام)

أوركسترا نيويورك

لم يكن الانتقال إلى الولايات المتحدة سهلاً، ولا الوصول إلى إدارة أوركسترا نيويورك العربية، خصوصاً أن ليث صدّيق وجد نفسه وحيداً هناك ومن دون داعم. لكنّه استقى من دروس الوالدَين في الانفتاح على الآخرين والاستثمار في الأخلاق والعلاقات الطيّبة، واستلهمَ من الأساتذة المؤسسين أمثال سيمون شاهين، وبسام سابا، وميشال مرهج، وغيرهم. «أنا لم أؤسس بل إنني أبني على الأعمدة التي رفعها أساتذتي. هم الذين نشروا هويتنا الموسيقية العربية في فترة لم يكن من السهل فيها فعل ذلك في الولايات المتحدة، لا سيّما إبّان أحداث 11 سبتمبر».

عن سيمون شاهين يقول إنه وطّد علاقته بآلة الكمان وساعده في تكوين شخصيته كعازف، أما بسام سابا فمهّد له الدرب إلى إدارة أوركسترا نيويورك بعد أن بدأ كعازف فيها يوم كان سابا مديرها.

بين التدريس والحفلات والتأليف وإدارة أنشطة الأوركسترا، يمضي صدّيق أوقاته. في رصيده حتى اليوم 3 ألبومات موسيقية، وهو في طور وضع تصوّر للألبوم الرابع الذي سيضمّ مؤلفاته المرتكزة على الأغنية العراقية التراثية.

في البال طموحاتٌ كثيرة. هو الذي حقق حلم الوقوف على مسرح دار أوبرا القاهرة منذ سنتين، يرغب بحفل في فلسطين وبإطلالة على جمهوره في شمالي أفريقيا. وبالانتظار، قد يحلّ صدّيق ضيفاً على مهرجانات بيت الدين في لبنان الصيف المقبل.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق صبري الشريف بجانبه فيروز وسيدات «مهرجانات بعلبك» 1956 (أرشيف الشريف)

شراكة «الإشعاع»: فيروز والأخوان رحباني مع صبري الشريف

فيروز والأخوان رحباني وصبري الشريف، الأضلاع الثلاثة لمؤسسة فنية أرست لأغنية جديدة سيكون لها ما بعدها، ليس فقط في لبنان، بل في الوطن العربي كله.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق أغاني عيد الميلاد في أوبرا الإسكندرية (دار الأوبرا المصرية)

الأوبرا المصرية تستقبل الكريسماس بحفل عالمي في الإسكندرية

استقبلت دار الأوبرا المصرية احتفالات الكريسماس لهذا العام بحفل غنائي في مسرح سيد درويش «أوبرا الإسكندرية» تضمن عزف مقطوعات موسيقية من أشهر الأعمال الكلاسيكية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الوتر السادس عمرو سليم لـ«الشرق الأوسط»: أفكر في العودة إلى التلحين

عمرو سليم لـ«الشرق الأوسط»: أفكر في العودة إلى التلحين

قال الموسيقار وعازف البيانو المصري عمرو سليم إن بينه وبين المطرب مدحت صالح كيمياء خاصة جعلتهما يشكلان ثنائياً ناجحاً في الحفلات الغنائية.

انتصار دردير (القاهرة)
الوتر السادس شيراز لـ«الشرق الأوسط»: النجومية لا تكتسب بل تولد مع صاحبها

شيراز لـ«الشرق الأوسط»: النجومية لا تكتسب بل تولد مع صاحبها

في كل مرة تبتعد فيها الفنانة شيراز عن الساحة الفنية تعود بعمل يفاجئ جمهورها وتتحوّل إلى حديث الناس.

فيفيان حداد (بيروت)

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.