ليث صدّيق يطير إلى العالميّة من ضفاف دجلة ونوافذ عمّان

عازف الكمان الأردني العراقي قائداً لأوركسترا نيويورك العربية

مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
TT

ليث صدّيق يطير إلى العالميّة من ضفاف دجلة ونوافذ عمّان

مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)
مدير الأوركسترا العربية في نيويورك عازف الكمان ليث صدّيق (الشرق الأوسط)

شيءٌ ما في النغم الطالع من كمانه يأخذ سامعيه إلى ضفاف دجلة، ثم يحلّق بهم فوق آثار «بترا». لا يذكر ليث صدّيق يوماً في حياته مرّ من دون موسيقى. تعلّمها قبل الكلام وحَبا معها طفلاً في المنزل الوالديّ في عمّان، حيث كان الوالد المايسترو محمد عثمان صدّيق والوالدة عازفة الكمان زينب السامرّائي يعجنان الموسيقى خبزاً يومياً.

منذ سنوات، طار عازف الكمان الشابّ إلى النصف الآخر من الكرة الأرضيّة. علّق روحه المشرقيّة على أوتار آلته الصغيرة، وزرع نغماته في قلب الولايات المتحدة الأميركية. يفتخر ليث صدّيق بأنه اختير منذ سنتَين مديراً للأوركسترا العربية في نيويورك، لكنّ الطموح لا يتوقف عند هذا الحدّ. «لا يمكن أن يسرقني العمل الإداري من التأليف والعزف والحفلات والتدريس»، يؤكد صدّيق لـ«الشرق الأوسط».

لا يحتفظ بمجد الموسيقى لنفسه، بل يوزّعه على الأجيال الطالعة من عازفي الكمان الصغار، منخرطاً لتلك الغاية في أنشطة تربويّة وخيريّة متنوّعة. يعمل صدّيق حالياً، بالتعاون مع مؤسسة «كارنيغي» على إعداد منهاج الموسيقى العربية المشرقية كي يُدَرّس في مدارس نيويورك ولاحقاً في الولايات الأميركية كافةً، لا سيّما أن «الإقبال على دراسة الموسيقى العربية من قبل الطلاب الأميركيين والأجانب كبير جداً»، وفق ما يلاحظ.

صدّيق قائداً الأوركسترا العربية في نيويورك (الشرق الأوسط)

الترشيح لجائزة «غراميز»

لم تكن هذه السنة عابرةً في حياة صدّيق، فالشاب الذي تابع طفلاً حفلات توزيع جوائز الـ«غراميز» عبر شاشة التلفزيون، وجد نفسه مرشّحاً لنيل إحداها. خاض المنافسة العالمية ضمن مشروع مشترك قاده أستاذه في جامعة بيركلي، حيث جمع عدداً من طلّابه المميزين في فرقة وقدّموا ألبوم جاز، لفتت إحدى مقطوعاته المخصصة لمعاناة اللاجئين القيّمين على الجائزة الموسيقية العالمية. «صحيح أننا لم نفُز، لكن الغراميز هي من دون شكّ محطة فاصلة في مسيرتي»، يقول صدّيق.

يُكثر من الامتنان لوالدَيه. يصِفهما بالقدوة، ويعتقد أنه لولا ذاك البيت ذو النوافذ المفتوحة على العالم لما وصل إلى حيث هو الآن. صغيراً، جال عواصم كثيرة مع أمه وأبيه مرافقاً إياهما في حفلاتهما، فنما فضوله تجاه الثقافات المختلفة، واتسعت رغبته في التواصل مع الآخر. «عندما كنت أعود إلى المدرسة وأخبر رفاقي بما رأيت واختبرت، ما كانوا يستوعبون عليّ. شعرت بأنني أملك شيئاً خاصاً لا يجب أن أضيّعه، فربطت نفسي بالموسيقى واعتبرتها فرصة حتى أشوف العالم».

علاقة صدّيق بالكمان تعود إلى سنواته الأولى (إنستغرام)

ثنائيّة الهويّة

أمضى ليث صدّيق سنته الأولى في بغداد حيث وُلد عام 1992، لكنه لم يعد إليها سوى بعد 12 سنة لتقفز إلى ذاكرته فور وصوله صورٌ خزّنها عن باحة البيت وشجر النخيل وضفاف دجلة. أما العام الماضي وحين حطّ رحاله في الموصل لإحياء حفل، فانتابه شعور مختلف عن كل ما سبق: «كانت تلك حفلتي الأولى في العراق. أعتبرها تجربة عظيمة، خصوصاً أني لم أحاول خلالها إثبات نفسي أمام جمهور غريب، بل كنت بين أهلي مع أني لا أعرف أحداً منهم».

أما في عمّان حيث عاش حتى عامه الـ16، فتنقّل ليث بين بيتين؛ منزل العائلة والمعهد الوطني للموسيقى. «كان والدي المدير التنفيذي للمعهد آنذاك قبل أن يتولّى إدارته، وكانت أمي تعزف في الأوركسترا. ساعات ما بعد المدرسة كنت أمضيها هناك بين لعب وتمرين ومراقبة العازفين. كان المعهد بمثابة بيتي الأول».

ليث مع والدَيه محمد عثمان صدّيق وزينب السامرّائي (إنستغرام)

ليث المتنقّل حالياً بين نيويورك وبوسطن ومدريد، يصاب أحياناً بدُوار الهويّة. يخبر كيف أن نقاشات حادة تشتعل بين متابعيه على صفحات التواصل الاجتماعي: «العراقيين والأردنيين بيتخانقوا عليّ... ليث أردني... لا ليث عراقي».

يحسم هذا الجدل معرّفاً عن نفسه بأنه أردنيّ من أصول عراقية؛ «جنسيتي أردنية ونشأت في الأردن، لكن جذوري وتقاليدي ولهجتي عراقية».

البصمة المشرقيّة

كان لا بدّ من نقلةٍ نوعيّة تطوّر قدرات ليث الموسيقيّة وتروّض الـ«ego» لديه، وفق ما يقول. في بريطانيا حيث أكمل دراسته، اكتشف أنه ليس الأفضل وبدأ البحث عمّا قد يميّزه عن سواه. لطالما سأله زملاؤه عن موسيقى بلاده، فبدأ يحدّث نفسه قائلاً: «أنا أردني عراقي. ليه عم اعزف موسيقى ألمانية وفرنسية وإيطالية؟». كان يدرك أن النغم الغربي هو أساس آلة الكمان، لكنه تشجّعَ على التقرّب من الموسيقى المشرقيّة. «بدأت بصمتي الخاصة تتبلور عندما وضعت أمامي هدف تعريف الآخرين على موسيقانا من خلال الكمان».

غالباً ما يرتجل في حفلاته الخاصة، وكأنّه بذلك يحادث الجمهور ويقرّب المسافات بينهما. يغنّي أحياناً، وفي صوته الكثير من شجن البلاد، غير أنه لا يذهب إلى حدّ تقديم نفسه كمغنٍ. الأولويّة بالنسبة إليه هي «تطعيم كل معزوفة، مهما كانت هويّتها، بالمقامات المشرقيّة». يسمّي تلك البصمة المشرقيّة روحَه، لذلك فهو يصرّ على منظّمي حفلاته أن يضيفوا ورشة عمل مجّانية على هامش الحفل، يعرّف فيها ليث المشاركين على موسيقى بلاده.

وضع ليث صدّيق آلته في خدمة التراث المشرقي (إنستغرام)

أوركسترا نيويورك

لم يكن الانتقال إلى الولايات المتحدة سهلاً، ولا الوصول إلى إدارة أوركسترا نيويورك العربية، خصوصاً أن ليث صدّيق وجد نفسه وحيداً هناك ومن دون داعم. لكنّه استقى من دروس الوالدَين في الانفتاح على الآخرين والاستثمار في الأخلاق والعلاقات الطيّبة، واستلهمَ من الأساتذة المؤسسين أمثال سيمون شاهين، وبسام سابا، وميشال مرهج، وغيرهم. «أنا لم أؤسس بل إنني أبني على الأعمدة التي رفعها أساتذتي. هم الذين نشروا هويتنا الموسيقية العربية في فترة لم يكن من السهل فيها فعل ذلك في الولايات المتحدة، لا سيّما إبّان أحداث 11 سبتمبر».

عن سيمون شاهين يقول إنه وطّد علاقته بآلة الكمان وساعده في تكوين شخصيته كعازف، أما بسام سابا فمهّد له الدرب إلى إدارة أوركسترا نيويورك بعد أن بدأ كعازف فيها يوم كان سابا مديرها.

بين التدريس والحفلات والتأليف وإدارة أنشطة الأوركسترا، يمضي صدّيق أوقاته. في رصيده حتى اليوم 3 ألبومات موسيقية، وهو في طور وضع تصوّر للألبوم الرابع الذي سيضمّ مؤلفاته المرتكزة على الأغنية العراقية التراثية.

في البال طموحاتٌ كثيرة. هو الذي حقق حلم الوقوف على مسرح دار أوبرا القاهرة منذ سنتين، يرغب بحفل في فلسطين وبإطلالة على جمهوره في شمالي أفريقيا. وبالانتظار، قد يحلّ صدّيق ضيفاً على مهرجانات بيت الدين في لبنان الصيف المقبل.


مقالات ذات صلة

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الوتر السادس صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

قال الفنان التونسي صابر الرباعي إنه يعيش راهناً حالة فنية نشطة تتوزع بين التحضير لأعمال غنائية جديدة، مع الاستعداد لإحياء حفلات جماهيرية في عدد من الدول العربية

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

تترك الفنانة مادونا عرنيطة أثرها في كل إطلالة اجتماعية أو إعلامية لها. فلا تمر مرور الكرام، تماماً كعطر أنيق يعلق في الذاكرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

مالك القعقور

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».