إلياس الرحباني... غرّد على شجرة العائلة وبعيداً عنها

غسان الرحباني عن والده: نجح في ابتكار هوية فنية مستقلّة عن أخويه

إلياس الرحباني (يمين) مع شقيقَيه منصور وعاصي (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
إلياس الرحباني (يمين) مع شقيقَيه منصور وعاصي (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
TT

إلياس الرحباني... غرّد على شجرة العائلة وبعيداً عنها

إلياس الرحباني (يمين) مع شقيقَيه منصور وعاصي (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
إلياس الرحباني (يمين) مع شقيقَيه منصور وعاصي (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

في مخيّلة شقيقته إلهام، ما زال إلياس الرحباني الطفل المشاغب الذي علّمها تنفيذ المقالب، وكان يتحايل على الأخوين الكبيرين عاصي ومنصور كي لا يذهب إلى المدرسة. حمل إلياس الرحباني الكثير من روح الدعابة تلك، فعُرف بنُكاته وخفّة ظلّه. كما انعكست شعلة الفرح على أغانيه التي شكّلت مهرجاناً من النغمات والحكايات الملوّنة.

كبر إلياس في كنف عاصي ومنصور بعد وفاة والدهم وهو بعدُ في الخامسة من عمره. فكان الشقيقان اللذان يكبرانه بحوالي 14 سنة، بمثابة الأب بالنسبة إليه. وكما يخترع الأب الألعاب لأولاده ويقدّم لهم الأفضل، احتضن عاصي ومنصور شقيقهما الأصغر وأحضرا له أهم أساتذة الموسيقى. أحاطاه بالحنان والألحان.

إلياس الرحباني مع ولدَيه (أرشيف غسان وجاد الرحباني)

يستذكر غسان الرحباني والده، الذي رحل في 4 يناير (كانون الثاني) 2021، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنّ «وجود عاصي ومنصور إلى جانبه شكّل حافزاً فنياً لإلياس، وهو رغم مرور السنوات بقي ينظر إليهما وكأنهما أبَويه». ويتابع: «منذ كان في المدرسة، اعتاد أن يشارك معهما في حفلات البدايات غناءً وعزفاً وتمثيلاً، بالتزامن مع دراسته المكثّفة للعزف على البيانو والتي كانت تمتدّ في معظم الأحيان إلى 8 ساعات يومياً».

الموسيقار إلياس الرحباني (أرشيف غسان وجاد الرحباني)

بين إيقاع الحداثة ووتر الفرح

حَلُمَ إلياس الرحباني بأن يصبح عازف بيانو محترفاً، لكنّ عطباً أصاب يده اليمنى حالَ دون ذاك الحلم. فغرق ابن الـ18 عاماً في صدمةٍ مؤقّتة، سرعان ما حوّلها إلى ثورةٍ موسيقية كرّس من خلالها هويته الفنية المستقلّة كمؤلّف موسيقيّ.

منحَه عاصي ومنصور الثقة فضمّاه كمؤلّف إلى مسرحهما، لكن من دون أن يبدّلا الاسم إلى «الإخوة رحباني». يعزو منصور السبب إلى أنهما كانا قد انطلقا وعُرفا كـ«الأخوين»، قبل سنواتٍ عدّة من انطلاقة إلياس.

أما هو ومنذ البداية، فلم يجلس في ظلّ الأخوين. كان غصن الشجرة الرحبانية الذي انطلق منه «طير الوروار» وغيرها من أغنيات فيروز التي دخلت التاريخ، مثل «ليل وأوضة منسيّة»، و«لا تجي اليوم»، و«حنّا السكران»، و«كان عنا طاحون»...

يتذكّر غسان والداً أمضى معظم عمره في الاستديو بين التأليف والتسجيل. «لإلياس بصمةٌ خاصة، أسلوبه الموسيقي متحرّر وصادم. مَن كان ليتجرّأ على إدخال الجيتار الكهربائي إلى مقدّمة أغنية كـ(ليل وأوضة منسيّة) مثلاً؟»، يسأل غسان ويتابع: «لم يكن سهلاً أن يستقلّ إلياس فنياً عن عاصي ومنصور وأن يبتكر هوية جديدة خاصة به، لكنه نجح في ذلك. وفي الوقت نفسه صنع أغنية رحبانية صافية، طالعة من مدرسة الأخوين».

بين مشروعه الفني الخاص ومشروع أخويه الذي صار مع الوقت جزءاً لا يتجزّأ منه، مشى إلياس الرحباني دربه على إيقاع الحداثة والتطوير ووتر الفرح. إحدى متفرّعات تلك الدرب كانت مهرجانات بعلبك، التي تعود إلى ذاكرة غسان الرحباني البصريّة، على هيئة موكب سيارات يتوقّف أمام المنزل العائلي في بكفيّا صيفاً وينتظر الرحابنة ليقلّهم إلى القلعة: «كانوا يخرجون واحداً تلو الآخر معتمرين قبّعاتهم الشهيرة، ونحن الأولاد نصطفّ عند الباب لنودّعهم».

أما عن أكثر عمل حفر في مخيّلته، فيقول: «أُصبتُ بالدهشة يوم شاهدت مسرحية (ناطورة المفاتيح) في بعلبك. كنتُ حينها في الـ8 من عمري». وفي بيت الدين كانت لحظة ذهول أخرى بالنسبة إلى غسان، عندما شاهد مسرحية والده الأولى «أيام صيف» في مطلع السبعينيات والتي ضمّت وديع الصافي، ونصري شمس الدين، وملحم بركات، وهدى، وجورجيت صايغ، ومروان محفوظ...

لهؤلاء ولغيرهم من أعمدة الأغنية اللبنانية، أعطى إلياس الرحباني ألحانه وكلماته. ومع صباح، شكّل ثنائيّة فنية مضيئة، فكانت بطلة مسرحيته الثانية «وادي شمسين».

تلمع عينا غسان الرحباني عندما يستحضر ذكريات الطفولة في مسرح البيكاديللي: «كنا صغاراً ريما، وجاد، وأسامة، وأنا، نتسلّل إلى الكواليس ونتنقّل بين غرف الممثلين... نراقب تحضيراتهم لعرض الماتينيه يوم الأحد، من إلصاق الشاربين والحاجبين والتبرّج. كنت أشعر أنّهم أقرباؤنا: إيلي شويري، ملحم بركات، جوزيف ناصيف وغيرهم من ممثلين وراقصين... ثم ألمح فيروز وألوّح لها فتردّ عليّ مستعجلة. أنتظرها إلى ما بعد العرض الذي كنت أشاهده من الكواليس. أراها تضع نظّارتها السوداء ومنديلها قبل الخروج من قاعة المسرح».

كان لتلك الأجواء فِعلُ السِحر على الجيل الرحبانيّ الثاني وعلى غسان، الذي يقول إنّ والده إلياس لم يكن يصطحبه وشقيقه جاد إلى المسرح للتأثير عليهما، فهو لم يرغب كثيراً بدخولهما مجال الفن.

من اليمين: أسامة، ليال، غسان، وغدي الرحباني (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

ما أخفَتهُ الضحكة من غصّات

خلف بسمة إلياس التي عُرف بها، اختبأ حزنٌ عميق رافقه حتى آخر أيامه. بين حقوق المؤلّف الضائعة، وخيبة الوطن الذي حاول أن يهجره في منتصف السبعينيات ولم يستطع بسبب الحنين، عاش الرحبانيُّ الثالث.

ورغم ذلك، أصرّ على تقديم صورةٍ جميلة عن لبنان أكان في الإعلانات التي ألّفها أم في الأغاني. فهو الذي لحّن «عم بحلمك يا حلم يا لبنان» لماجدة الرومي، وصنع عشرات الأغاني الوطنيّة. حتى في أوج أيام الحرب وسنواتها، حوّل بيته إلى استديو واستمرّ في إنتاج أغاني الفرح.

بموازاة إنتاجاته الشرقية، شكّل إلياس الرحباني جسراً موسيقياً بين لبنان والمنطقة العربية من جهة، والقارة الأوروبية من جهة ثانية، عبر أغانٍ فرنسية وإنجليزية وإيطالية ألّفها لحناً وكلاماً وفازت بجوائز عالمية. ومن أبرز الفنانين الذين قدّموا تلك الأغنية، سامي كلارك.

ولعلّ أهم إنجازات إلياس الرحباني الموسيقية أنه حطّم الجدار الفاصل بين الجمهور والمقطوعة الصامتة، فسوّق لهذا النوع الموسيقي من خلال معزوفاته على البيانو التي لم تكُن بحاجةٍ إلى كلامٍ يرافقها حتى تدخل إلى قلوب المستمعين وذاكرتهم، من بينها شارات المسلسلات والأفلام مثل «عازف الليل»، و«آلو حياتي»، و«لا تقولي وداعاً»، و«دمي ودموعي وابتسامتي»...

إلياس الرحباني قائداً الأوركسترا في مسرح البيكاديللي في بيروت (أرشيف غسان وجاد الرحباني)

لم يبقَ بابٌ موسيقي إلا وفتحه إلياس الرحباني. من الأغنية العربية إلى تلك الغربية، من المسرحيات إلى المقطوعات الكلاسيكية، من شارات المسلسلات إلى أغاني الأطفال. أما في عالم صناعة الإعلانات الإذاعية والتلفزيونية، فكان رائداً. علقت كلمات إعلاناته وألحانها في الذاكرة الجماعيّة، وانتقلت عبر الأجيال كما تنتقل الأغاني.

إلى عالم الإعلانات دخل غسان وجاد الرحباني صغيرَين، فمثّلا في بعض تلك الأفلام الدعائية ووضعا صوتيهما عليها، قبل أن يرثا الموسيقى بكل متفرّعاتها عن والدهما إلياس.

«تشرّبتُ حس النقد من أبي ثم شهدت على بشاعة الحرب، لذلك صنعت أغنيةً ثائرة»، يقول غسان الرحباني. ربما لم تُحدث الثورة الغنائية تغييراً، لكنّ الجيل الرحبانيّ الثاني ما زال يؤمن بلبنان الذي أورثهم إياه الجيل الأول.

يتابع غسان: «كان إلياس معجباً بأعمالي التي تدافع عن المظلومين وعن الحق وعن البيئة وتفضح الظلم والفساد»، أما النصيحة التي كان يكررها: «اكتب وغنّي لجميع اللبنانيين وليس لفئة معيّنة أو لزعيم. الرحابنة لا يغنّون الأشخاص بل الأوطان».

اليوم، لا يفرض جاد وغسان الرحباني دراسة الموسيقى على أولادهما. يمنحونهما حرية اختيار الذهاب إلى «أكاديمية إلياس الرحباني»، حيث يتعلّم أطفالٌ كثيرون أصول العزف والموسيقى، ويُحيون على طريقتهم ذكرى إلياس الرحباني.


مقالات ذات صلة

أمسية «A Night of Honour & Heroes» الأوركسترالية تحتفي بالموسيقى في موسم الرياض

يوميات الشرق جانب من العرض الموسيقي «A Night of Honour & Heroes» (موسم الرياض)

أمسية «A Night of Honour & Heroes» الأوركسترالية تحتفي بالموسيقى في موسم الرياض

أمسية موسيقية ملحمية وتجربة أوركسترالية عالمية جمعت بين الموسيقى الكلاسيكية والحديثة، احتضنها مسرح بكر الشدي في منطقة «بوليفارد رياض سيتي».

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الوتر السادس صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

قال الفنان التونسي صابر الرباعي إنه يعيش راهناً حالة فنية نشطة تتوزع بين التحضير لأعمال غنائية جديدة، مع الاستعداد لإحياء حفلات جماهيرية في عدد من الدول العربية

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

تترك الفنانة مادونا عرنيطة أثرها في كل إطلالة اجتماعية أو إعلامية لها. فلا تمر مرور الكرام، تماماً كعطر أنيق يعلق في الذاكرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)

«أنقذ حياتي».. تدخل بارون ترمب بمكالمة فيديو يجنب امرأة مصيرًا مؤلما

بارون نجل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
بارون نجل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«أنقذ حياتي».. تدخل بارون ترمب بمكالمة فيديو يجنب امرأة مصيرًا مؤلما

بارون نجل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
بارون نجل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

كشفت محكمة بريطانية مؤخراً عن أن بارون ترمب، نجل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنقذ حياة امرأة شاهدها تتعرض للاعتداء عبر مكالمة فيديو «فيس تايم» بالاتصال برقم الطوارئ 999.

اتصل الابن الأصغر للرئيس الأميركي بالشرطة عندما شاهد المرأة تتعرض للضرب على يد رجل يُدعى ماتفي روميانتسيف، وهو مقاتل فنون قتالية مختلطة روسي سابق، حسب صحيفة «التلغراف».

استمعت محكمة سنيرزبروك كراون في شرق لندن إلى أن روميانتسيف، البالغ من العمر 22 عاماً، كان يشعر بالغيرة من علاقة بارون بالمرأة، التي لا يمكن الكشف عن اسمها لأسباب قانونية.

يُزعم أن بارون، البالغ من العمر 19 عاماً، أغضب المتهم بمحاولته الاتصال بالمرأة هاتفياً مساء يوم 18 يناير (كانون الثاني) من العام الماضي.

وفي وقت لاحق، في الساعات الأولى من الصباح، تمكن بارون والمرأة من التواصل عبر مكالمة فيديو.

وأوضحت التقارير أن روميانتسيف أمسك بشعر المرأة ودفعها أرضاً أثناء المكالمة، وهو يصرخ: «أنتِ لا تساوي شيئاً».

أُبلغت المحكمة أن روميانتسيف وصف المرأة بألفاظ نابية قبل أن يركلها في بطنها.

ورداً على ذلك، اتصل بارون برقم الطوارئ 999، وتم تحويله إلى شرطة مدينة لندن.

«حالة طارئة حقاً»

في تسجيل للمكالمة عُرض على هيئة المحلفين، قال بارون: «إنها حالة طارئة حقاً، من فضلكم. تلقيت منها مكالمة تخبرني فيها أن رجلاً يعتدي عليها بالضرب».

لكن نجل الرئيس الأميركي وُبِّخ لعدم إجابته عن الأسئلة.

أفاد عنصر في الشرطة: «هل يمكنك التوقف عن هذه الوقاحة والإجابة عن أسئلتي؟ إذا كنت تريد مساعدة الشخص، فعليك الإجابة على أسئلتي بوضوح ودقة... كيف تعرفها؟».

أجاب بارون: «تعرفت عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تتعرض لضرب مبرح، وكان الاتصال قبل نحو ثماني دقائق، لا أعرف ما الذي حدث حتى الآن... أعتذر بشدة عن وقاحتي».

توجهت الشرطة إلى العنوان، حيث أخبرت المرأة الشرطة: «أنا صديقة بارون، نجل دونالد ترمب».

وقال أحد العناصر: «يبدو أن هذه المكالمة من أميركا مصدرها نجل دونالد ترمب».

ثم اتصلت المرأة ببارون مرة أخرى لتطلب منه التحدث مع الشرطة. وقال لهم: «اتصلت بكم، كان هذا أفضل ما يمكنني فعله. لم أكن أنوي معاودة الاتصال به وتهديده لأن ذلك سيزيد الوضع سوءاً».

«أنقذ حياتي»

أثناء حديثها في المحكمة، شرحت المرأة: «لقد أنقذ بارون ترمب حياتي. كانت تلك المكالمة بمثابة إشارة من الله في تلك اللحظة».

يواجه روميانتسيف تهمة اغتصابها مرتين، والاعتداء عليها، وإلحاق أذى جسدي بها، وعرقلة سير العدالة.


بعد 90 عاماً... سيارة من زمن الحرب تعود إلى الطريق

آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)
آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)
TT

بعد 90 عاماً... سيارة من زمن الحرب تعود إلى الطريق

آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)
آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)

نجح أحد هواة جمع السيارات القديمة الألمان في إعادة أقدم سيارة من طراز «فولكس فاغن بيتل» إلى الحياة مرة أخرى بعد مرور نحو 90 عاماً على إنتاجها. وتنقل «وكالة الأنباء الألمانية» عن جامع السيارات الألماني، تراوغوت غروندما، قوله إنّ السيارة «دبليو 30» أُنتِجت عام 1937، وشهدت أحداثاً ضخمة، منها الحرب العالمية الثانية وإعادة توحيد ألمانيا، مشيراً إلى أنه نجح في الحصول على موافقة هيئة اختبارات السيارات الألمانية «تي يو في» على صلاحيتها بعد تجديدها. ويضيف أن «هذه هي القيادة في أنقى صورها، عودة إلى الأساسيات إن صحّ التعبير، وهي صاخبة». وقد صدّقت هيئة اختبار السيارات الألمانية على سلامة السيارة حتى سرعة قصوى تبلغ 100 كم/ساعة، لكن غروندما يعترف بأنّ الأمور تصبح غير مريحة بعض الشيء عند تجاوز سرعة 80 كم/ساعة.

والأهم من ذلك، أنّ المقصورة ضيقة، فيتابع عاشق هذه السيارة العتيقة: «كان الناس أقصر قامة في الماضي»، وهذا يعني أنّ أي شخص يزيد طوله على 1.80 متر سيجد صعوبة في مدّ ساقيه تحت عجلة القيادة. لا يزال غروندما قادراً على ذلك، رغم أنه يضطر إلى الانحناء قليلاً ليتمكن من الرؤية من خلال الزجاج الأمامي.

وصُنعت هذه السيارة باسم «فولكس فاغن دبليو 30»، في مكتب «بورشه» الهندسي السابق وبدعم من «مرسيدس». بعد طرازات V الثلاثة التي لم تعد موجودة، كانت هذه أول سلسلة نماذج أولية لما ستصبح لاحقاً «فولكس فاغن بيتل». ويقول غروندما، المقيم في مدينة هيسيش أولدندورف، إنه لم يكن واثقاً تماماً من قدرته على تحويل الهيكل رقم 26، وهو الذي كان قد تبقى من هذه السيارة العتيقة، إلى سيارة صالحة للسير مرة أخرى. وأمضى خبير تركيب الأسقف ومدرّب الطيران السابق في سلاح الجو الألماني نحو 8 سنوات في العمل على هذه السيارة التاريخية، قائلاً: «مع سيارة (فولكس فاغن بيتل)، لا يزال بإمكانك القيام بكلّ شيء تقريباً بنفسك». ويضيف أنّ عدداً من الأشخاص أسهموا في عملية إعادة البناء التي تضمَّنت بحثاً عالمياً عن المكوّنات، إذ عُثر على قطع غيار في بريطانيا وفرنسا وبولندا. في ذلك الوقت، لم تكن قطع عدّة تُصنَّع حصرياً من «فولكس فاغن» للنموذج الأولي، بل كانت منتجات جرى شراؤها من شركات أخرى. واليوم، تقف سيارة «دبليو 30» بجانب سيارة «بيتل» في غرفة مجهزة خصّيصاً ضمن مجموعة غروندما، التي تضم عدداً من طرازات «فولكس فاغن» الأخرى، إضافة إلى حانة من خمسينات القرن الماضي. كما ألّف كتاباً عن ترميم السيارة «دبليو 30».


أحفورة تكشف عن شكل مجهول من الحياة

احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)
احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)
TT

أحفورة تكشف عن شكل مجهول من الحياة

احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)
احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)

من المقرَّر عرض أحفورة «البروتوتاكسيتس»، وهي شكل من أشكال الحياة الضخمة التي كانت تهيمن ذات يوم فوق المناظر الطبيعية القديمة، في المتحف الوطني في اسكوتلندا. ويعتقد العلماء أنّ هذا الكائن الغامض، الذي نما بطول يتجاوز 8 أمتار، ينتمي إلى «فرع تطوّري من الحياة انقرض تماماً». وبينما كان يُعتقد في البداية أنه فطر، يشير الخبراء الآن إلى أنّ «البروتوتاكسيتس» الذي اختفى منذ نحو 360 مليون سنة، لم يكن نباتاً ولا فطراً.

واكتُشفت هذه الأحفورة البالغ عمرها 410 ملايين عام في منطقة ريني شيرت، وهي رواسب رسوبية بالقرب من ريني في مقاطعة أبردينشاير، وقد أُضيفت مؤخراً إلى مجموعات المتاحف الوطنية في إدنبرة. وتعزّز ورقة بحثية جديدة نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «ساينس أدفانسز» النظرية القائلة بأنّ «البروتوتاكسيتس» كان شكلاً من أشكال الحياة الفريدة التي لم يعد لها مثيل على كوكب الأرض اليوم.

وقال المؤلّف المُشارك والزميل البحثي في المتاحف الوطنية في اسكوتلندا، والمحاضر الأول في العلوم البيولوجية بجامعة إدنبرة، الدكتور ساندي هيذرينغتون: «إنه لأمر مثير حقاً أن نخطو خطوة كبيرة إلى الأمام في الجدل الدائر حول كائنات (البروتوتاكسيتس)، والذي استمر لمدة نحو 165 عاماً». وأضاف: «إنها كائنات حيّة، ولكن ليس بالشكل الذي نعرفه الآن، فهي تُظهر خصائص تشريحية وكيميائية متميّزة عن الحياة الفطرية أو النباتية، وبالتالي فهي تنتمي إلى فرع تطوّري منقرض تماماً من شجرة الحياة». واستطرد: «حتى بالنسبة إلى موقع مليء بالأهمية الأحفورية مثل (ريني)، فإن هذه العيّنات تُعد مذهلة، ومن الرائع إضافتها إلى المجموعة الوطنية في أعقاب هذا البحث المثير».

ومن جانبه، قال المؤلف الرئيسي والأول من المركز البريطاني لعلم الأحياء الفلكي بالجامعة، الدكتور كورينتين لورون، إنّ منطقة ريني شيرت مذهلة حقاً، إذ تُعد إحدى أقدم الأنظمة البيئية الأرضية المتحجّرة في العالم. وأضاف: «وبفضل جودة الحفظ وتنوّع كائناتها، يمكننا ريادة مناهج جديدة، مثل استخدام التعلم الآلي على البيانات الجزيئية للأحافير». وأوضح لورون أنّ هناك كثيراً من المواد الأخرى من ريني شيرت الموجودة بالفعل في مجموعات المتاحف لإجراء الدراسات المقارنة، التي يمكن أن تضيف سياقاً مهماً للنتائج العلمية.

أما المؤلفة المشاركة لورا كوبر، وهي طالبة دكتوراه في معهد العلوم النباتية الجزيئية بالجامعة، فقالت إنّ دراستهم، التي تجمع بين تحليل الكيمياء والتشريح لهذه الأحفورة، تثبت أنه لا يمكن تصنيف «البروتوتاكسيتس» ضمن مجموعة الفطريات. وأضافت: «بما أنّ الباحثين السابقين قد استبعدوا (البروتوتاكسيتس) من المجموعات الأخرى للحياة المعقّدة الكبيرة، فقد استنتجنا أنها تنتمي إلى سلالة منفصلة ومنقرضة تماماً الآن من الحياة المعقّدة». واستطردت: «لذلك، يمثل (البروتوتاكسيتس) تجربة مستقلّة أجرتها الحياة لبناء كائنات حية كبيرة ومعقّدة، وهي تجربة لا يمكننا التعرُّف إليها إلا من خلال الأحافير المحفوظة بشكل استثنائي».

ومن جانبه، قال أمين العلوم الطبيعية في المتاحف الوطنية في اسكوتلندا، الدكتور نيك فريزر: «يسعدنا إضافة هذه العيّنات الجديدة إلى مجموعاتنا المتنامية باستمرار في العلوم الطبيعية، التي توثق مكانة اسكوتلندا الاستثنائية في قصة عالمنا الطبيعي عبر بلايين السنوات وصولاً إلى يومنا هذا». وأوضح أنّ هذه الدراسة تُظهر قيمة المجموعات المتحفية في البحوث المتطوّرة، إذ يُعتنى بالعيّنات التي جُمعت بمرور الوقت وتُتاح للدراسة، سواء للمقارنة المباشرة أو من خلال استخدام التقنيات الحديثة.