عاصي ومنصور الرحباني في عيون الأبناء والأحفاد

الجيل الثاني يعترف لـ«الشرق الأوسط» بعجزه عن تكرار حالة الذوبان بين «الأخوين»

قتل عاصي ومنصور الرحباتي الـ«أنا» وصارا الـ«نحن»... (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
قتل عاصي ومنصور الرحباتي الـ«أنا» وصارا الـ«نحن»... (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
TT

عاصي ومنصور الرحباني في عيون الأبناء والأحفاد

قتل عاصي ومنصور الرحباتي الـ«أنا» وصارا الـ«نحن»... (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
قتل عاصي ومنصور الرحباتي الـ«أنا» وصارا الـ«نحن»... (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

المكان: مسرح «البيكاديللي» في الحمرا - بيروت

الزمان: عام 1973

المناسبة: عرض مسرحية «المحطّة»

وسط عاصفةٍ من التصفيق، يدخل عاصي الرحباني متّكئاً على طبيبه إلى مسرح «البيكاديللي». يشاهد فيروز تغنّي «ليالي الشمال الحزينة» و«سألوني الناس». هو العائد بعد غيابٍ قسريّ بسبب المرض، أطلّ من الليل محاولاً إضاءة القناديل من جديد.

«كانت زيارة عاصي عالدني شغل وتعب»؛ تقول فيروز في وثائقي «كانت حكاية» عن رجلٍ وضع الفن قبل الخبز؛ قبل الحب، وحتى قبل العائلة. وُلد الأخوان رحباني للفنّ والفنّ وُلد لهما. وغالباً ما جاء ذلك على حساب عائلتَيهما.

يستذكر أسامة الرحباني، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، قول والدته تيريز: «منيح اللي علقت الحرب حتى قعدوا عاصي ومنصور ببيوتهم». كانت الجَمعات العائلية قليلة ومطرّزة بالموسيقى. «كنا نتحمس حين يعود الوالد باكراً لنتعشّى معه. أذكر أيضاً صباحات الأحد وجلسات الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية. لم تكن تهمّه علاماتنا المدرسيّة بقدر ثقافتنا وقراءاتنا»، يقول أسامة.

جلسا في الظلّ وأضاءا الشموس

أحد أسرار نجاح الرحابنة أنهم وضعوا الشهرة خلف ظهرهم. لم يكن عاصي من هواة الظهور ولا من محبّي المديح، أما فيروز فكانت كثيرة الخجل في بداياتها وتهرب عندما يتعرّف إليها الناس في الشارع. وعن الشهرة، يقول منصور في إحدى المقابلات إنها «خادعة، لا تردّ المطر والبرد والوجع والقلق، بل تقيّد الفنان».

قتل عاصي ومنصور «الأنا»، فصارا «النحن». مرّت المواسم والحروب والأمراض، وبقي الأخوان رحباني «أخوَين» راضيَين بحالة الذوبان الاستثنائية التي رسماها. صحيحٌ أنّ نقاشاتٍ حادّة كانت تدور بينهما حول لحنٍ أو نصٍ أو حتى كلمة، لكنّ الخلاف بقي ضمن إطار العمل ولم يَدُم أكثر من ساعات. يقول منصور: «لا أحد يعرف ماذا ألّف عاصي ولا أحد يعرف ماذا ألّف منصور... سيمرّ وقت طويل قبل أن يأتي اثنان يضحّيان بشخصَيهما ويتوحّدان مثلنا».

لم يَدُم أي خلاف بين عاصي ومنصور أكثر من ساعات قليلة ولم يتخطّ إطار العمل (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

عزّزت تلك التضحية صورة البطولة في أذهان الناس، لكنّ أحداً من الجيل الرحبانيّ الثاني لم يستطع أن يكرّر هذا النموذج، باعتراف أسامة الذي يردّد: «يمكن فصل المياه عن بعضها ولا يمكن فصل عاصي ومنصور».

وحدة الحال هذه صعّبت على منصور رؤية شقيق روحه يذوي أمامه بفعلِ المرض. لكنهما معاً وقفا من جديد ليقدّما وفيروز «المحطة»، و«لولو»، و«ميس الريم»، و«بترا»، وغيرها من المسرحيات والحفلات والجولات حول العالم، قبل أن تقرّر الملكة مغادرة القلعة عام 1979 وإطلاق مجموعة من الأعمال بالتعاون مع ابنها زياد الرحباني، الذي كان نجمه قد بدأ باللمعان منذ مسرحية «المحطة»، والذي تميّز بنبوغٍ فنيّ مبكّر تُرجم في أعمال الأخَوين وتَكرّس في أعماله المستقلّة لاحقاً من مسرحياتٍ وأغنيات.

في 21 يونيو (حزيران) 1986 أخذ عاصي معه لون الشجر وطار «على اطراف الدني»... خلعت البلاد الحربَ عنها لساعات ومشت خلف نعشه المحمول على أكتاف مواطنين رحبانيّين. صمتت المدافع وصدحت عصافير الساحات في وداع أب الأغنية اللبنانية.

تفرّق العشّاق واختار كل واحد طريقه. بعد عاصي، وضعت فيروز ثقتها وأملَها في زياد، فتوالت الألبومات التي حملت نفَساً حديثاً ومختلفاً. كما تواصل التعاون مع فيلمون وهبي، وزكي ناصيف، اللذين وقّعا أجمل أغنياتها. وفي مرحلة لاحقة، بدأت تعاوناً موسيقياً مع ابنتها ريما التي رافقتها إخراجاً كذلك.

فيروز وعاصي الرحباني مع ابنهما زياد

منصور بعد عاصي

محصّناً بذكرى أخيه ومتّكئاً على الجيل الرحبانيّ الثاني، مشى منصور الرحباني «وحدَه ملكاً» صوب مسرح «كازينو لبنان» سنة 1987، وقدّم مسرحية «صيف 840» تحيّةً لنصف روحه.

يشارك الفنان غسان صليبا «الشرق الأوسط» ما سمعه من منصور في تلك الفترة: «كان يكرّر أمامنا أنّ نِصفَ منصور ذهب مع عاصي ونصف عاصي باقٍ مع منصور.» ويضيف صليبا، الذي لعب دور البطولة في المسرحية تحت اسم «سيف البحر»، أنّ منصور كان يردّد أقوال عاصي في الكواليس وكأنه يستحضره.

يتذكّر صليبا الرهبة التي شعر بها يوم التقى عاصي ومنصور عشية مشاركته بدور صغير في مسرحية «بترا»، ويبدو ممتناً للقدر الذي وضعه على طريق الرحابنة. طريقٌ وقف فيه لاحقاً بطلاً في معظم مسرحيات منصور، فكان «سقراط»، و«يسوع المسيح»، و«المتنبّي»، و«نبي» جبران خليل جبران، وغيرها من الأدوار... «يكفيني أنني حملت بصوتي كل المشاعر الإنسانية والمعاني الوطنية النابعة من الفكر الرحبانيّ»، يقول صليبا.

تستند عصا منصور الرحباني إلى الحائط في غرفة بيته... وعلى المكتب بقيت نظارته وكتبه ونصوصُه وصورةٌ لعاصي.

يقف أسامة على شرفة المنزل في أنطلياس، ويجيب عمّا إذا فكّر بالرحيل عن الوطن: «يكفي أن أنظر من هنا إلى مدفنهما القريب، حتى أدرك أنه لا يمكنني أن أتركهما ولا أن أترك الجيرة والتاريخ وكل ما زرعاه».

منصور الرحباني وزوجته تيريز مع أبنائهما مروان وغدي وأسامة

لم يفرض الأخوان الفنّ على أولادهما خوفاً عليهم من متاعبه والقلق الذي يسببه. لكنّ الموسيقى والقصيدة والمسرحية كانت كالقدَر في البيت الرحبانيّ، وكالخبز اليوميّ الذي تناوله الأولاد والأحفاد بِنَهَم، موزَّعين بين الإخراج، والتأليف والتوزيع الموسيقي، والكتابة الشعرية والمسرحية.

أسامة الرحباني (على البيانو) مع ابنَي عمه غسان وجاد سنة 1979

يقول غسان صليبا الذي واكب الجيلَين، إنّ الجيل الثاني «لا يختلف حرصاً ومستوىً عن الأهل.» ويضيف: «يدرك الشباب أنّ الترِكة كبيرة ومن هنا يكبر حرصهم. لا أحسدهم على ذلك والمقارنة ظالمة بين الجيلين».

شكّل أسامة وشقيقاه مروان وغدي اليد اليمنى لوالدهم منصور، فأسسوا معاً لمسرحٍ رحبانيٍ جديد أطلق فيه منصور العنان لعشقه التاريخ والشعر والفلسفة، وأطلق فيه الأولاد مخيّلتهم للتحديث من خلال الكوريغرافيا والأوركسترالية والديكور. صار مسرحاً بأبطالٍ كثُر، «وبفنانين يوصِلون الأفكار بطريقة جديدة ومختلفة عن السابق»؛ يقول أسامة الرحباني.

في 13 يناير 2009 عاد منصور إلى عاصي... سكنا معاً الظلال والريح تاركَين خلفهما رياحاً تهبّ بالعائلة

يأسف أسامة الرحباني للخلاف العائلي الحاصل حول الإرث الرحبانيّ وما يتعرّض له من «سوء إدارة»، خصوصاً أنّ «عاصي ومنصور لم يختلفا يوماً»، وفق أسامة. لكنه رغم ذلك ليس قلقاً على هذا الإرث.

يقول كريم غدي الرحباني لـ«الشرق الأوسط»، وهو ابن الجيل الرحبانيّ الثالث، إنه تعلّم من جدّه منصور أنّ «الفصل ممنوع بين الأخوين». ويستشهد بما رآه طفلاً من «نوتات وكلمات أغان تبدأ بخط عاصي وتنتهي بخط منصور أو العكس. أشكّ في أنهما مطمئنّين إلى إرثهما»؛ يقول.

يُدرك أنّ هذا الإرث سيفٌ ذو حدّين: «جميل وصعب في الوقت عينه أن أحمل هذا الاسم، فمعه أحمل القلق على صناعة فن ذات مستوى، والقلق سِمة مشتركة بين الرحابنة». كريم الذي دخل مجال الإخراج السينمائي ونجح فيه، يقول إنه «ورث من الجميع وليس من رحبانيٍ واحد». تختلف أفلامه عن أعمالهم بأنها «أكثر واقعيةً؛ بل تشاؤماً، لكن العنصر المشترك هو أولوية الإنسان».

للإنسان، لغذاء روحه، ولارتقاء خياله، ترك الأخوان رحباني إرثاً موسيقياً ذهّبَه صوت فيروز. لهذا الثلاثيّ في كل بيتٍ صورة وفي كل قلبٍ دقّة. فروايتهم والقصص التي تركوها، كبيرة ولا تشرّدها الريح.


مقالات ذات صلة

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

يوميات الشرق هاتف أرضي في غرفة نوم عبد حليم (الشرق الأوسط)

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

تخيّم على شقة «العندليب» حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
الوتر السادس شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

أطلقت المطربة المصرية شذى أخيراً مجموعة أغانٍ منفردة أحدثها أغنية «أوكي» التي صدرت في بداية عام 2026 وأغنية «زمانك دلوقتي»، بالإضافة إلى عدة أغنيات مثل «ناجح»..

مصطفى ياسين (القاهرة)
الوتر السادس الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

يزخر مشوار الملحن رواد رعد بأعمال غنائية ناجحة لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. فهو ينتمي إلى الجيل الذهبي من الملحنين اللبنانيين الذين تركوا بصمتهم على الساحة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

تبدو تجربة أحمد قعبور متداخلة مع سياقها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الصوت والمرحلة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.


منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
TT

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)

في زاوية متسعة من شارع بهاء الدين قراقوش، كانت نسمات الصباح المُنعشة تضفي على أجواء حي الزمالك الشهير جمالاً استثنائياً، وأمام عمارة «زهراء الجزيرة»، التي غادرها الفنان الكبير الراحل عبد الحليم حافظ منذ نحو 5 عقود، وقفت 3 فتيات جزائريات مقيمات في فرنسا، في انتظار «موعد غرام»، بعدما غلبهن الشوق لزيارة بيت «العندليب».

لافتة توثق إقامة عبد الحليم بعمارة زهراء الجزيرة (الشرق الأوسط)

وفيما كانت إحداهن تُدندن: «لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية»، كانت الفتاتان الأخريان تُلحِّان على الحارس، أملاً في السماح لهن بتحقيق حلمهن بزيارة منزل «أعز الناس».

يؤكد حارس العقار أنه يجد نفسه يومياً في مثل هذا الموقف، إذ يقصده محبو «حليم» من مختلف الجنسيات العربية، طلباً لزيارة منزله.

ورغم مرور الوقت، فإن الفتيات الجزائريات تحلَّين بصبرٍ لافت، حتى تحقق حلمهن أخيراً بالصعود إلى «مركب الأحلام» في الطابق السابع، حيث شقة «العندليب الأسمر». وما إن فُتح باب المصعد، حتى انكشف الستار عن «حكاية حب» الناس لحليم، رغم رحيله عن دنيانا منذ 49 عاماً، في مثل هذا التوقيت.

تطغى كلمات الحب والغرام على جدران مدخل الشقة، حتى تكاد تُخفي لونها الأصلي. وقد منحت عفوية الزائرين المصريين والعرب، وتباين أقلامهم وخطوطهم وتعبيراتهم، هذه الجدران مَلمحاً تشكيلياً مميزاً.

وأُتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارة شقة «العندليب»، قبيل إغلاقها مؤقتاً من قبل الأسرة أمام الزوار.

ردهة الاستقبال بشقة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

«ومين ينسى، ومين يقدر في يوم ينسى حليم، حبيبنا أعز الناس»، «فعلاً جبار يا حبيب الملايين»، «يا حليم يا عبقري يا أسطورة»، «تلميذك تامر حسني... 2008»، «حبيبي الغالي، ستظل في وجداني إلى الأبد»، «إنسان بسيط من الصعيد يدعو لك بالرحمة»... هذه الكلمات غيضٌ من فيض، تُعبِّر عن مدى الحب الجارف لـ«العندليب الأسمر» من أجيال لم تتح لها فرصة الاقتراب منه أو رؤيته خلال حياته، فجاءت إلى هنا لتستعيد صورته الأسطورية.

وما إن يُفتح باب شقة «مدَّاح القمر»، حتى ينكشف الستار عن «ليالي الحب» وأيام حليم «الحلوة» وأخرى «حزينة». وتتصدر صورة كبيرة لحليم ردهة الاستقبال، التي تقود إلى صالة المنزل الفسيحة. ويكسر اللون الداخلي للشقة، المائل إلى الزرقة، ديكورٌ أبيض منمَّق، ولوحات قرآنية، ونجف حائط، ولوحات زيتية تُجسِّد «العندليب»، إلى جانب ركن مضيء يضم مزهريات وتحفاً فنية مميزة.

صالة منزل عبد الحليم (الشرق الأوسط)

الصالة الفسيحة، التي تتميز بأثاثها الكلاسيكي وإضاءاتها الصفراء، وأرضيتها الباركيه وسجادها الملوَّن، مقسّمة إلى 3 أقسام؛ يقود أحدها إلى ممر الغرف الداخلية للشقة، في حين يفضي القسم الآخر إلى باب الشرفة المُطلَّة على حديقة الأسماك.

وتستحضر الخضرة الكثيفة للحديقة أجواء أغنيات حليم المبهجة، ومشاهده السينمائية الرومانسية التي جمعته بنجمات الزمن الجميل، من بينهنَّ فاتن حمامة، وشادية.

تضم هذه الشرفة، التي احتفى بها صاحب «لحن الخلود» في كثير من الصور، «أباليك يدي حليم»، وهي الأثر الجسدي الوحيد له، ومن أجمل القطع الموجودة في منزله. ولشغفه بالجمال والفن، طلب من نحَّات إيطالي شهير القدوم إلى مصر، لرفع مقاسات يديه ونحتهما على هيئة أباليك إضاءة.

بيت عبد الحليم في الزمالك يتمتع بمساحته الفسيحة (الشرق الأوسط)

ووفقاً لأسرته، التي ذكرت عبر حسابها على «فيسبوك»، فإن «شقيقته عليّة شبانة كانت تواظب دائماً على لمس هذه الأباليك بمجرد خروجها إلى الشرفة، فتتذكره وتبكي في بعض الأحيان».

يتخيّل زائر الشقة «العندليب» وهو جالس في الصالون، يتحدث عبر الهاتف مع بليغ حمدي، أو الشاعر محمد حمزة، أو «موسيقار الأجيال» محمد عبد الوهاب، ولسان حاله يقول: «لو مريت في طريق مشينا مرة فيه، أو عديت بمكان كان لينا ذكرى فيه... ابقى افتكرني... حاول تفتكرني».

ولاستغلال دقائق الزيارة المعدودة، فتحت الفتيات الجزائريات، اللواتي حالفهن الحظ بزيارة المنزل قبيل إغلاقه مؤقتاً، عدسات هواتفهن الجوّالة، وطُفن في أرجائه ذهاباً وإياباً. بل إن إحداهن أجرت اتصالاً بوالدتها في فرنسا، لتُريها عبر بث مباشر جميع مقتنيات الشقة.

تقول، والفرحة تغمر وجهها: «والدتي ألحت علي لزيارة منزل العندليب خلال زيارتي القصيرة للقاهرة؛ فقد نشأت على أغنياته وتعشقه كثيراً، وجعلتني أحبه مثلها. وهذه الزيارة هي أهم (يوم في عمري)».

يلعب على العود (أسرته)

يتكوّن الجزء الداخلي من الشقة من غرف عدَّة، ودورة مياه، ومطبخ. وتحرص أسرة «العندليب» على إبقاء كل شيء في الشقة على حاله؛ لدرجة أن روب الاستحمام لا يزال معلقاً على الشماعة داخل دورة المياه كما تركه.

غرفة نوم عبد الحليم حافظ هي الجزء الأكثر إثارة للشجن في الشقة؛ إذ لا تزال آثار استلقائه على السرير لساعات طويلة أثناء تلقيه جرعات العلاج مطبوعة على سطحه، كأنه غادره بالأمس، في مشهد يبدو توثيقاً حيّاً للآلام التي عاناها قبل الوداع. وإلى جوار سريره يقبع الهاتف المنزلي المذهَّب العتيق، بالحالة نفسها التي تركه عليها، إلى جانب جهاز التلفزيون القديم، وآلات العود الخاصة به.

لا ينقص هذه الغرفة شيء منذ 30 مارس (آذار) 1977، سوى عبد الحليم، الذي رحل عن دنيانا عن عمر ناهز 47 عاماً. ومنذ ذلك الحين، بقيت الوسادة خالية؛ وكان يُعدُّها «سجناً انفرادياً»، ويرفض النوم فيها ليلاً، خوفاً من تعرضه لمضاعفات صحية خطيرة أثناء نومه بمفرده.

جهاز تلفاز قديم في غرفة نومه (الشرق الأوسط)

وكان لا يخلد إلى النوم قبل السادسة صباحاً، وفق ما ذكره مقرَّبون منه لصحف مصرية، لتنطبق عليه تماماً الكلمات التي غنَّاها: «شغلوني وشغلوا النوم على عيني ليالي... ساعة أبكي وساعة يبكي علي حالي».

وفي الغرفة المجاورة لغرفة النوم، تقع غرفة أخرى تضم أجهزة تسجيل موسيقية من بين مقتنيات حليم، وقد شهدت تسجيل صوته خلال البروفات مع رفاق دربه من الملحنين والشعراء.

وكانت الأسرة قد كشفت مؤخراً عن ورقة بخط يد «العندليب» للمرة الأولى، تُبرز كواليس جديدة من فترة مرضه؛ إذ كانت ترافقه هذه الورقة باستمرار أثناء سفره للعلاج، وكان يضعها تحت وسادته في المستشفيات والمنزل، وتتضمن آيات قرآنية وأدعية.

آثار استلقائه لمدة طويلة تظهر بوضوح على السرير خلال فترة مرضه (الشرق الأوسط)

تُخيِّم على الشقة حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم المنبعث من راديو عتيق من مقتنيات حليم، يُضبط في معظم الأوقات على محطة إذاعة القرآن الكريم. وفي ختام الزيارة، كان قارئ الإذاعة يصدح بقوله تعالى: «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».

ودشَّنت أسرة حليم مؤخراً موقعاً إلكترونياً للمنزل، يضم تراث «العندليب» وأرشيفه الثري، ويُتاح من خلاله حصراً حجز زيارات المنزل مجاناً.

ويقول المهندس عبد الحليم الشناوي، نجل السيدة زينب الشناوي، ابنة شقيقة «العندليب»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنزل أُغلق أمام الزائرين خلال شهر رمضان فقط، وكان من المقرر إعادة فتحه مجدداً في الذكرى الـ49 لرحيل حليم، بيد أن هذا القرار أُجِّل تضامناً مع الشعوب العربية الشقيقة التي تعاني في ظل الحرب. وبعد انتهائها، سيتاح الحجز عبر الموقع الإلكتروني».

صورة توثق فترة مرض عبد الحليم (أسرته)

وأكدت الأسرة، في تصريحات سابقة، أنها تواجه تحديات كبيرة في إدارة منزل عبد الحليم، لا سيما مع كثرة الزوار الذين يتوافدون يومياً لرؤيته، ما يشكّل عبئاً مالياً وإدارياً عليها. وقد اقترحت تحصيل رسوم رمزية لتغطية نفقات الصيانة وتشغيل تطبيق الحجز، الأمر الذي عرَّضها لانتقادات حادة.

لكن الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي لا يرى أي مشكلة في فرض رسوم مالية لزيارة المنزل، مشدداً على أنه «لا يمكن لأحد منع الورثة من الاستفادة من مورّثهم، لا سيما أن المنزل هو ملكية خاصة لا عامة، ولا يمكن فتحه على مدار الساعة أمام الزوار».

ويضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يُمكن بالطبع تحديد رسوم غير مبالغ فيها، مع وضع استثناءات لبعض الفئات، مثل ذوي الهمم والطلاب، على أن تُوجَّه هذه الإيرادات للإنفاق على المنزل وصيانته».


«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.