«المزود»... موسيقى تونسية على إيقاع «الهيب هوب»

ظهرت في مطلع القرن العشرين وترتبط بأغنيات راقصة

آلة «المِزْوٍدْ» الموسيقية التقليدية (أ.ف.ب)
آلة «المِزْوٍدْ» الموسيقية التقليدية (أ.ف.ب)
TT

«المزود»... موسيقى تونسية على إيقاع «الهيب هوب»

آلة «المِزْوٍدْ» الموسيقية التقليدية (أ.ف.ب)
آلة «المِزْوٍدْ» الموسيقية التقليدية (أ.ف.ب)

يقوم تونسي بتطويع أنغام آلة «المِزْوِد» الموسيقية التقليدية لتنسجم مع إيقاعات موسيقى «الراب» و«الجاز»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

يُذكر أن المِزْوِد آلة نفخ تًصنع من جلد الماعز وتخاط بالكامل على شاكلة قربة مغلقة تحتوي على ثقبين من الأعلى لنفخ الهواء بالفم عبر قصبتين، وتخرج من أسفلها قصبتان أخريان بخمسة ثقوب وقرنين يشكّلان المزمار الذي تُعزف منه النغمات. ويصوغ «المزاودي» (عازف الآلة) ما يريد من الألحان بأصابعه المتنقلة بين الثقوب فيما يضغط بذراعيه على الكيس المليء بالهواء وينفخ بفمه في الآلة.

ويقول خالد بن خميس، وهو حرفيّ أمضى ثلاثين عاماً في هذه الصناعة: «يجب أن تكون كل مكونات الآلة وأجزائها من قرون البقر والجلد الطبيعي لكي تكون هناك روح وتخرج النغمة حنينة وأصيلة».

الموسيقي التونسي منتصر الجبالي يختبر آلة «المزود» (أ.ف.ب)

ويشير إلى تشابه هذه الآلة إلى حد بعيد مع «المِزْوِد (القربة) الأسكوتلندي، مع بعض الفوارق في الحجم وعدد المزامير»، لكنه يشدد على أن «المِزْوِد تغيّر كثيراً مقارنةً بما كان عليه».

وظهرت هذه الآلة في تونس مطلع القرن العشرين، وترتبط بأغنيات عادةً ما تثير جوّاً ورقصاً شعبياً، وتتغنى كلماتها بمواضيع جريئة ارتبطت بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والهجرة والعنصرية في البلد، وهي من «المحرّمات»، ولا تَروق للسلطة ولا لغالبية العائلات التونسية المحافظة خصوصاً أن استهلاك الخمر يكثر خلال الحفلة. وتبعاً لذلك حظرتها السلطة في الحفلات التي تستضيفها القنوات الإعلامية الرسمية إلى حدود التسعينات.

ويُعزف على المِزْوِد غالباً في حفلات أعراس داخل الأحياء الشعبية الفقيرة والمهمشة، وتستعمل هذه الآلة في أغنيات تحتوي أحياناً على كلمات تُعد غير لائقة داخل الأسر.

ولكنّ فنانين شعبيين على غرار الهادي حبوبة ونور الدين الكحلاوي، سعوا إلى محاولة تغيير «الصورة السيئة» التي التصقت بهذه الموسيقى ونجحوا في جعلها مقبولة أكثر لدى عامة التونسيين ولدى السلطة.

ومثّل تنظيم حفلة «النوبة»، وهي عمل فني فيه مزج بين موسيقى تراثية وشعبية وصوفية، مطلع التسعينات، علامة فارقة في تاريخ هذه الموسيقى، حيث ظهر «المزود» للتونسيين في مهرجانات رسمية كانت بمثابة التمهيد للاعتراف بهذا الفن.

وتم بث الحفل الذي أُقيم في «مسرح قرطاج الروماني» في 1991 في التلفزيون الرسمي.

ويؤكد نور الدين الكحلاوي، وهو مغنّ وفنان شعبي محترف مند 37 عاماً: «تحملنا الانتقادات الشديدة للناس وعملنا بخطوات على تطوير هذا التراث الشعبي على مستوى الألحان والكلمات والعروض حتى أصبحنا نسافر بها إلى الخارج لتقديم الحفلات» بعد أن تغيرت مواضيع الأغنيات لتحتفي بقصص الغرام والحب والروابط الأسرية أساساً.

ويوضح أن من بين أسباب النّفور من هذا النمط الموسيقي وازدرائه في بدايات بروزه هو أن «السلطات كانت عندما تبحث عن المجرمين الفارين من العدالة فتجدهم في حفلات المِزْوِد الشعبية».

لكن الرفض لم يضعف ويتلاشى بشكل كامل، إذ لا تزال مؤسسات رسمية ترفض إقامة حفلات مزود، على غرار منع حفلة في «المسرح البلدي» بوسط العاصمة التونسية عام 2022 بداعي أن «المسرح لم يحتضن منذ 120 عاماً حفلاً للمزود ولا يمكن خرق هذا التقليد»، وفقاً للمسؤولين.

«هيب هوب وجاز ومزود»

لكن ذلك يبقى استثناء، فمسار تطوير هذه الآلة وصل إلى حد قبولها في حفلات الأعراس والمهرجانات الفنية وتجاوزه أيضاً.

وظهر خلال السنوات الأخيرة جيل جديد من الموسيقيين الشبان الذي جهدوا في تطويع النغمات الحادّة للآلة لتظهر في شكل جديد وترافق إيقاعات عصرية مثل «الراب» و«الجاز» وتواكب تطور العصر الرقمي.

ونال منتصر الجبالي، 32 عاماً، دبلوماً في الموسيقى العربية في اختصاص آلة الناي من المعهد العالي للموسيقى في تونس، لكنه يعزف حالياً على المِزْوِد ضمن فرق موسيقية شابة متخصصة في «الهيب هوب».

ويقول الموسيقي الشاب: «هذه الآلة لا تدرس في معاهد الموسيقى، لكني وظّفت معارفي في فهم المزود... وبذلك تمكنّا من مزجه مع أنواع موسيقية أخرى لأننا أدركنا جيّداً مَواطن القوة والضعف في الآلة».

ويتابع: «نريد أن نذهب إلى العالم بموسيقانا من خلال دمج هذا النغم مع أنواع موسيقية من أنحاء العالم لكي نغيّر الأفكار... ونثبت موقعه بين بقية الآلات الموسيقية».

يتلقى منتصر اتصالات من منتجين وعازفين من الخارج لتقديم عروض بالمزود، ويؤكد: «نذهب بخطى ثابتة نحو العالمية».

تلقى الحفلات التي يقدمها منتصر وغيره من الفنانين إقبالاً لافتاً من الشباب الباحث عن التجديد وعن إيقاعات تواكب العصر ويتابعها وينشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول الكحلاوي، العصامي التكوين: «أنا من المناضلين والمؤسسين لموسيقى المِزْوِد منذ زمن بعيد، وعندما أرى محاولات الجيل الجديد الباحث عن التطوير أتمنى لهم كل النجاح لكي تكون بطاقة هوية تونسية في الخارج».

بدوره، يرى أستاذ الموسيقى بالجامعة التونسية والباحث الأكاديمي رشيد الشريف، أن «الخطاب الموسيقي الأصيل يعزّز فكرة الانتماء إلى وطن أو عرق أو ثقافة».

ويضيف أن «تمازج مختلف الأجناس الموسيقية ومنها المِزْوِد وألحان الأنواع الموسيقية العالمية» يمثّل «عاملاً مهماً في أن تصل إلى جمهور أوسع»، معتبراً أن المِزْوِد أدى عبر المضامين التي تطرق إليها «دوراً أساسياً» في «تشكيل ذاكرة موسيقية جماعية» للتونسيين.


مقالات ذات صلة

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

يوميات الشرق الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق دار الكتب والوثائق القومية تعرض أسطوانات نادرة للموسيقى العسكرية (فيسبوك)

الكشف عن «كنوز نادرة» من أسطوانات الموسيقى العسكرية المصرية

كشفت دار الكتب والوثائق المصرية عن «كنوز نادرة» من الأسطوانات الموسيقية الخاصة بالمارشات أو الموسيقى العسكرية منذ ما يزيد على مائة عام.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

قبل عقود على تسونامي الموسيقى الكورية الذي اجتاح العالم، ثلاث فتيات جلبن رياحاً كوريّة إلى لاس فيغاس. من هنّ «الشقيقات كيم»؟

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس ميساء جلّاد: الأغنية المرتكزة على نص تتغذى من البحث

ميساء جلّاد: الأغنية المرتكزة على نص تتغذى من البحث

خيارها في تأدية الأغاني الملتزمة، المستندة إلى نص، دفع بالمغنية ميساء جلّاد لشق طريق غنائي مختلف.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس سفيان باريغو لـ«الشرق الأوسط»: أسعى إلى الوصول بموسيقى «سطايفي» للعالمية

سفيان باريغو لـ«الشرق الأوسط»: أسعى إلى الوصول بموسيقى «سطايفي» للعالمية

قال المطرب الجزائري - الفرنسي سفيان باريغو إن عودته إلى الجزائر بعد سنوات طويلة عاشها في فرنسا جاءت بسبب رغبته الجامحة في العودة إلى وطنه الأم.

انتصار دردير (القاهرة)

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
TT

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)

يتهيّأ متحف «كنيسة سانسيفيرو» في مدينة نابولي الإيطالية لتقديم تجربة فنّية فريدة لعشرات الزائرين من ضعاف البصر والمكفوفين، عبر إتاحة فرصة نادرة لهم لملامسة أعمال فنّية شهيرة، من بينها تمثال «المسيح المحجَّب» الذي يعدُّه كثيرون أحد أهم روائع النحت في التاريخ.

وذكرت «الغارديان» أنه في 17 مارس (آذار) الحالي، يستضيف المتحف مبادرة بعنوان «الدهشة في متناول اليدّ»، نُظِّمت بالتعاون مع الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر في نابولي، وتتيح لنحو 80 زائراً من المكفوفين وضعاف البصر فرصة التعرُّف من قرب إلى روائع الأعمال الفنية الرخامية المعروضة في الكنيسة.

وسيُرشد الزائرين خلال الجولة مرشدون من ضعاف البصر أيضاً، ضمن برنامج يهدف إلى وضع مفهوم الإتاحة في صميم التجربة المتحفية.

تحفة رخامية يأسر فيها الكفن المنحوت الجسد بواقعية مدهشة (إ.ب.أ)

وخلال الفعالية، ستُزال الحواجز الواقية المحيطة بالتماثيل، بما يسمح للمشاركين، بعد ارتداء قفازات من اللاتكس، باستكشاف السطح الرخامي الدقيق للمنحوتات عبر اللمس، ومن بين تلك الأعمال تمثال «المسيح المحجَّب» الذي نحته جوزيبي سانمارتينو، ويُجسّد السيد المسيح مغطّى بكفن شفاف نُحت من الكتلة الحجرية نفسها. كذلك يشمل المسار اللمسي النقوش البارزة عند قدمَي تمثالَي «العفّة» (لا بوديتشيزيا) و«التحرّر من الوهم» (إل ديزينغانو).

وقالت المرشدة كيارا لوكوفاردي لوكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»: «إن الرداء الذي يغطّي المسيح استثنائي حقاً. من الصعب تصوُّر كيف تمكّن سانمارتينو من نحته. إنه لغز عصيّ على التفسير، سواء لمَن يبصرون أو لمَن لا يبصرون. وعندما تلمسه تشعر كأنَّ العروق تنبض تحته».

وانتهى العمل على تمثال «المسيح المحجَّب» عام 1753، ويُعد من أكثر الإنجازات إثارة للدهشة في فنّ الرخام؛ إذ تبدو شفافية الكفن الذي يغطي جسد المسيح واقعية إلى حد أنّ كثيرين لا يزالون يعتقدون أنه نتاج سرّ كيميائي مفقود قادر على تحويل القماش إلى حجر.

وقالت رئيسة متحف كنيسة «سانسيفيرو» ماريا أليساندرا ماسوتشي: «تأتي هذه المبادرة ضمن برنامج أوسع يهدف إلى إنشاء فضاء ثقافي شامل ومتاح للجميع، عبر مسارات وأدوات مُصمَّمة لتلبية الحاجات المختلفة لزائري المتحف».

تجربة حسّية تسمح للمكفوفين باكتشاف فنّ النحت عبر لمس أدق تفاصيل الحجر (إ.ب.أ)

من جهته، قال جوزيبي أمبروسينو من الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر إنّ المشروع يجسّد مبدأ أوسع مفاده أنّ الاستمتاع بالجمال ينبغي أن يكون حقاً إنسانياً عاماً وعالمياً.

وأضاف: «لا ينبغي أن يكون الفنّ امتيازاً مقتصراً على البصر، فمشروعات الإتاحة مثل هذه تُحوّل المتحف إلى فضاء حقيقي للاحتواء والإدماج، وتؤكد أنّ الفن ملك للجميع. وفي هذه الحالة لن يُسمح للزائرين بلمس التمثال الرخامي فحسب، بل سيصبح الجمال نفسه قادراً على التدفُّق عبر الأيدي ليصل مباشرة إلى القلب».


هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».