«فيلم العُلا» تُوسّع الإنتاج المرئي في المنطقة

مدينة عملاقة مزودة بأحدث التقنيات

يعد فيلم «قندهار» أول فيلم هوليوودي ضخم في المنطقة (فيلم العلا)
يعد فيلم «قندهار» أول فيلم هوليوودي ضخم في المنطقة (فيلم العلا)
TT

«فيلم العُلا» تُوسّع الإنتاج المرئي في المنطقة

يعد فيلم «قندهار» أول فيلم هوليوودي ضخم في المنطقة (فيلم العلا)
يعد فيلم «قندهار» أول فيلم هوليوودي ضخم في المنطقة (فيلم العلا)

تتّجه الهيئة الملكية لمحافظة العلا إلى استقطاب كبرى شركات الإنتاج العالمية للتصوير في أراضيها، وذلك عبر وكالة «فيلم العلا» التي أُسّست عام 2020، وأُسندت إليها مهمّة الترويج للإنتاجات السينمائية والتلفزيونية المحلية والإقليمية والدولية في المنطقة، ودعمها.

وفي هذا السياق، أكّدت المديرة التنفيذية للوكالة شارلين جونز، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على أنّ «الهدف هو إنشاء بوابة ووجهة مهمّة في العلا للموهوبين والمنتجين الطموحين في قطاعَي السينما والتلفزيون، إضافة إلى الاستعداد قريباً لافتتاح منشأة إنتاج عالمية تقدّم خدمات متكاملة، وتشمل موقع تصوير تبلغ مساحته 30 ألف قدم».

شارلين جونز المديرة التنفيذية لوكالة «فيلم العلا»

أفلام من العالم بين جبال العلا

وأشارت جونز إلى أنّ الوكالة استضافت حتى الآن 694 يوم إنتاج لعدد من الأفلام، من بينها فيلم الحركة «قندهار» من بطولة جيرارد بتلر، وفيلم الدراما «كرز» للأخوين روسو، من بطولة توم هولاند، إلى «نورا» للمخرج السعودي توفيق الزيدي، وهو أول فيلم روائي سعودي يُصوَّر في المحافظة بفريق من الممثلين السعوديين، وأكثر من 40 في المائة من طاقم العمل من أهل المملكة.

أما الإنتاجات التلفزيونية التي صُوِّرت في العلا، فتشمل المسلسل البريطاني «إكسبيديشن» مع ستيف باكشال، وأفلام «ناشيونال جيوغرافيك» الوثائقية، إلى الإعلانات التجارية والعروض الترويجية وجلسات التصوير والأفلام القصيرة.

وأضافت جونز أنّ العمل جارٍ على المزيد من الإنتاجات العالمية، من بينها أفلام مهمّة من هوليوود وبوليوود وكوريا الجنوبية، يُعلن عنها خلال الشهرين المقبلين.

وعن استراتيجية الوكالة لجذب صنّاع الأفلام إلى المنطقة، أكدت جونز «استمرار العمل على تطوير بيئة جاذبة ومعزّزة لإنتاج الأفلام تدعمها بنية تحتية قوية وخدمات عالية الجودة وعوامل مشجّعة أخرى»، مضيفة: «صناعة الأفلام استثمار والتزام؛ لذا نحرص على منح جميع القصص والروايات المتنوّعة فرصة عادلة لتكتمل في العلا».

وكشفت أنّ الوكالة توفر خصماً نقدياً بنسبة 40 في المائة من باب تحفيز جميع أنواع الإنتاج في العلا، وتقديم الحاجات اللوجستية كاملة.

تبني وكالة «فيلم العلا» استوديوهات مزودة بأحدث تقنيات الإنتاج الفني (فيلم العلا)

وذكرت أنّ الأعمال الإنتاجية توظف المواهب وطاقم العمل من السعوديين، وتعرض ثقافة العلا وتاريخها وجمال طبيعتها، ويمكنها أيضاً الإفادة من الحوافز العينية، إلى الدعم المالي عبر تأمين تكاليف السفر والإقامة.

أما على الصعيد اللوجستي، فأكدت جونز أنّ لديهم فريقاً من الخبراء على الأرض، ويمكن التواصل معهم في أي وقت لدعم عمليات الإنتاج. ويقدّم الفريق المساعدة عبر اكتشاف الأخطاء وإصلاحها، بدءاً من مرحلة إعداد العمل إلى تسليمه، وأيضاً المساعدة في الحصول على الخصم النقدي، والمهمّات الإدارية الأخرى مثل لوائح الإنتاج، والتخليص الجمركي، وطلبات التأشيرات، وتصاريح التصوير، إلى المساعدة في اختيار المواقع وتوظيف المواهب.

 

مدينة إنتاج عملاقة في العلا

وتطرّقت جونز إلى البنية التحتية، فكشفت أنهم على مشارف الانتهاء من المرحلة الأولى من بناء منشأة إنتاج عالمية تقدّم خدمات متكاملة، تشمل مساحة تصوير تبلغ 30 ألف قدم مربعة، مدعومة بالأجهزة الصوتية المتطوّرة، وموقع تصوير خارجياً، ومباني دعم الإنتاج، وورش عمل، ومستودعات، واستوديو تسجيل، وأماكن للتدريب والبروفات، وكافيتريا، ومساحة للفعاليات، ومبنى إدارياً.

أجزاء كبيرة من الفيلم تم تصويرها في العلا شمال غربي السعودية (فيلم العلا)

وستكون مساحة التصوير على بعد 14 دقيقة فقط من مباني الإقامة لـ«فيلم العلا»، وطاقم العمل المُخصص لهذا الغرض، من خلال 300 وحدة إقامة عالية الجودة، ووحدات سكنية مفروشة بالكامل، بمساحة مكتبية خاصة بالإقامات القصيرة والطويلة من أجل أعمال الأفلام، ومجموعة من الفنادق الراقية، وخيارات الإقامة متوسطة المدى.

وتناولت في حديثها، دعم المواهب، فقالت إنّ «الوكالة تهدف إلى بناء قاعدة راسخة من المواهب المتنوّعة لتعزيز نمو إنتاج الأفلام في العلا، ودعم تطوّر قطاع الأفلام في السعودية وتسريعه»، مؤكدة: «نبذل كل الجهود لتضمين برامج التدريب المهني في الأعمال التي تُصوَّر في المحافظة».

كما منحت الوكالة ضوءاً أخضر لبرامج تهدف إلى رفع مستوى المواهب السعودية، بما فيها المعسكر التدريبي الذي أُقيم لمدة 10 أيام في وقت سابق من هذا العام، بمشاركة 100 طالب، وبالتعاون مع معهد «Creative Media Skills» من «Pinewood Studios» في لندن، فتلقّى المتدربون كل ما يتعلّق بالبرمجة النصية والمكياج وتصميم المواقع.

 

العلا تبتكر

إلى ذلك، أطلقت الوكالة مشروع «العلا تبتكر»، وهي منصة تهدف إلى تعزيز الموهبة والإبداع ودعم الأجيال المقبلة في مجالات السينما والفنون والأزياء.

وتعاونت المنصة في مرحلتها الأولى مع مجلس الأزياء البريطاني، والممثلة السعودية ميلا الزهراني، ومؤسس شركة «كلوس فيلمز» أليك ماكسويل، إلى رمزَي الأزياء هيلينا كريستنسن وإيفا هيرزيغوفا، واختارتهما سفيرتين لدعم مسيرة المشروع في تحقيق رؤيته.

ومن الإنجازات، ارتداء هيرزيغوفا وكريستنسن تصميمات من علامة الأزياء السعودية «أتيليه حكايات»، التي أسّستها مصممتا الأزياء السعوديتان علياء وعبير عريف، و«آرآم» لمستشارة تطوير قطاع الأزياء أروى العماري، وذلك خلال حفل توزيع جوائز الـ«أوسكار فانيتي فير» في لوس أنجليس. أما بالنسبة إلى المرحلة الثانية، فستحدّد المخرجة والمنتجة والممثلة كيتي هولمز ثلاث صانعات أفلام سعوديات ناشئات لتدريبهن وتوجيههن طوال العام.

تهدف الهيئة الملكية للعلا إلى استقطاب كبرى شركات الإنتاج للتصوير في المنطقة (فيلم العلا)

يُذكر أنّ تطوير العلا وجهةً لتصوير الأفلام يأتي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الشاملة للهيئة الملكية للمحافظة القائمة على تنويع الاقتصاد، ما ينعكس إيجابياً على التعريف بالعلا وجهةً سياحية وثقافية عالمية، تُحقق الأثر الاقتصادي لسكانها في قطاع الخدمات.

 

العلا تستضيف "قندهار" أحدث إنتاجات هوليوود

استضاف منتجع بانيان تري العُلا، عرضاً حصرياً من تقديم فوكس سينما، لفيلم قندهار الجديد؛ أول فيلم أمريكي بإنتاج ضخم يتم تصويره في السعودية وتحديدا في محافظة العلا؛ بحضور الممثل البوليوودي علي فضل، أحد النجوم الرئيسيين في الفيلم، إلى جانب ممثلين عن هيئة الأفلام السعودية والهيئة الملكية لمحافظة العُلا.

ويشكل قندهار أحد أكثر أفلام التشويق والإثارة المنتظرة في عام 2023 بإنتاجٍ مشترك بين إيغل فيلمز، وجي-بايس وثندر رود، إلى جانب استوديوهات كابستون واستديوهات إم بي سي.

ويأتي الفلم من إخراج ريك رومان ووه وبطولة الممثل جيرارد بتلر الذي يلعب دور توم هاريس، العميل السري لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية والمحاصر في الأراضي الأفغانية. وتدور قصته حول رحلة هاريس المحفوفة بالمخاطر برفقة مُترجمهِ الأفغاني للوصول إلى نقطة الإخلاء الموجودة في مدينة قندهار.

وشكلت العُلا، - أول موقع للتراث العالمي لليونسكو في السعودية -، مكاناً مثالياً لتصوير الفيلم بفضل محيطها الطبيعي المذهل وكثبانها الرميلة وواحاتها الصحراوية وآثارها التي تعود للعصر الحجري.

كما مثلت المدينة من خلال موقعها المميز عنصراً رئيسياً في استراتيجية السعودية لتحقيق الاستدامة والتميز في مجال صناعة الأفلام حيث ستستضيف العديد من الافلام العالمية في الفترة المقبلة ضمن خطة واسعة لتطوير القطاع الذي بدأ بالازدهار محليا.

وقال الفنان علي فضل لـ"الشرق الأوسط" انه من المبهر مشاهدة ما يحدث في السعودية بالسنوات الاخيرة، ويعتقد ان صناعة الافلام تزدهر فيها و من "الذكاء" ان يتجه صناع الافلام اليها لاستكشافها اكثر و المساهمة في نقل القصص الموجودة بها.

وعن المناظر الطبيعية التي شاهدها في العلا وصفها فضل انها "تخطف الأنفاس" و وقد نجح المخرج في إبرازها بشكل مثالي، مما ساهم في تكوين مشاهد خلابة في لقطات الفلم ساعدت في زيادة جمالياته.

«الهدف هو إنشاء بوابة ووجهة مهمّة في العلا للموهوبين والمنتجين الطموحين في قطاعَي السينما والتلفزيون، إضافة إلى الاستعداد قريباً لافتتاح منشأة إنتاج عالمية تقدّم خدمات متكاملة، وتشمل موقع تصوير تبلغ مساحته 30 ألف قدم».

شارلين جونز المديرة التنفيذية لوكالة «فيلم العلا»


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق جيسي باكلي تحمل جائزتها (رويترز)

«وان باتل أفتر أناذر» يهيمن على «الأوسكار» بـ6 جوائز

فاز مايكل ​بي. جوردان، المرشح لأول مرة، بجائزة أوسكار أفضل ممثل، ‌اليوم الاثنين، عن ‌تجسيد ​دور ‌توأمين في ​فيلم «سينرز»، الذي يمزج بين عدة أنواع فنية.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق الممثل إريك داين (يسار) وبراد فالتشوك في إحدى حلقات سلسلة «الكلمات الأخيرة الشهيرة» (أ.ب)

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

خاطب الممثل الأميركي إريك داين ابنتيه بكلمات مؤثرة في مقابلة ضمن سلسلة وثائقية على منصة «نتفليكس» للترفيه، والبث المباشر، وذلك قبل وفاته بأشهر قليلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended