«جان دو باري» أخلص للحكاية وأثرى المشاهدين بواقعية

افتتح الدورة برؤية تاريخية لحياة امرأة وملك

جوني ديب يتحدّث خلال مؤتمر صحافي عن فيلم «جان دو باري» (أ.ف.ب)
جوني ديب يتحدّث خلال مؤتمر صحافي عن فيلم «جان دو باري» (أ.ف.ب)
TT

«جان دو باري» أخلص للحكاية وأثرى المشاهدين بواقعية

جوني ديب يتحدّث خلال مؤتمر صحافي عن فيلم «جان دو باري» (أ.ف.ب)
جوني ديب يتحدّث خلال مؤتمر صحافي عن فيلم «جان دو باري» (أ.ف.ب)

«رسمياً، بدأ المهرجان» قال مايكل دوغلاس المُحتفى به في هذه الدورة بعد أن ألقى كلمة تحدّث فيها عمن أثر في شخصيّته من الممثلين (كارل مالدن ووالده كيرك دوغلاس) وعن تاريخه ممثلاً ومنتجاً. وتابع أن الإعلان عن بداية المهرجان لم يكن مخططاً له في تلك اللحظة، إذ كانت لا تزال هناك بعض الفقرات التي لم تُقدّم. كذلك لم يكن مخوّلاً، حسب مصادر، إطلاق هذا الإعلان لكنه تبرّع به ناشداً تعزيز حضوره.

 

 

شاركته الوقوف على المنصّة الكبيرة الممثلة كاترين دينوف حاملة 80 سنة من العمر، وباذلة الجهد لكي تجسّد نحو 60 سنة من التمثيل. دوغلاس (79 سنة) ودينوف ظهرا كما لو كانا في زيارة من التاريخ لمهرجان يجمع دوماً بين الماضي والحاضر، كل بتجلياته.

في كل الأحوال، كان الافتتاح السابق لعرض فيلم الافتتاح جيداً ومنضبطاً ومليئاً بالمشاهدين في الصالتين الكبيرتين. تضم الأولى المدعوّين من أبناء صناعة السينما حول العالم، وتشمل الثانية النقاد والصحافيين ومن عرف للدخول سبيلاً.

 

نجاح مشهود

تبع ذلك فيلم الافتتاح «جان دو باري» (Jeanne Du Barry) إخراج مايوَن وبطولتها بالاشتراك مع جوني دَيب في دور الملك هنري الخامس عشر.

مباشرة بعد اسم شركة الإنتاج الفرنسية (Why Not) يظهر اسم «مهرجان البحر الأحمر» كأول المساهمين في إنتاج هذا الفيلم التاريخي. هذا الظهور هو، في واقعه، إعلان حضور مهم لمؤسسة سعودية جادة في مجال احتلال موقعها المُستحق بين المؤسسات الكبرى كحدث وكمهرجان وكجهة تتطلّع للتعاون على تمويل أفلام ذات قيمة.

يسرد «جان دو باري» مرحلتين من مراحل حياة آخر عشيقات الملك هنري الخامس عشر. الأولى يمر عليها سريعاً وتمثّل نشأتها صغيرة وفي مطلع شبابها. والثانية تبدأ بتسلّل جان إلى حياة النافذين من أعيان فرنسا وتلقيها دعوة من الملك هنري لزيارته. ومن هنا كيف اتخذها الملك هنري الخامس عشر عشيقة له، وهي التي تنتمي إلى بيئة اجتماعية فقيرة وغير مثقّفة. ربما كونها آتية من خارج الحلقة الملكية والمجتمع المخملي كان، يوحي الفيلم، عنصراً لوله الملك بها. شاهدها وأعجبته. لم تتعلم قوانين وإرشادات القصر المعتادة في حضرة الملك، لكنه لم يأبه بذلك.

يواصل الفيلم سرد ما حدث في البلاط الفرنسي في قصر فرساي الشهير عندما رفضت بنات الملك (من زوجات سابقات جئن من خلفية اجتماعية أعلى شأناً) وجود جان دو باري واستحواذها على اهتمام وحب الملك.

الفيلم مشغول إنتاجياً على نحو جاذب يحتوي على استعراض شامل لكل تفاصيل الفترة وتصاميم المكان والملابس وكل ما ينتمي إلى الصورة زمنياً. يسجّل له كذلك حقيقة أن تصويره تم في أماكن الأحداث نفسها بنسبة كبيرة. هذا يعني استخدام قصر فرساي من الخارج بمساحاته الشاسعة والداخل بقاعاته الكبيرة وغرفه الوثيرة. تعرف المخرجة مايوَن شغلها حين يأتي الأمر لإخراج المشاهد كل على حدة، وتدرك كيف تحقق فيلماً جاذباً للانتباه يلعب على الشاشة بوصفه عملاً تاريخياً وكسيرة حياة على نحو متوازن.

على ذلك، هذا النجاح مشهود على صعيد الصنعة الفنية والإنتاجية تثير الإعجاب لدقتها وثراء بصرياتها أكثر مما هو ناضج على صعيد الدراما، التي تعرضها تبدو كما لو أنها فقدت هدفها متأرجحة بين سرد قصة حياة وسرد قصّة عامّة.

هناك، على سبيل المثال، مشاهد طويلة تدور حول مسألة رفض بنات الملك هيامه بامرأة من العموم، ومن دون مستوى ثقافي أو اجتماعي وما آل إليه هذا الرفض من ألم في صدر جان دو باري إلى أن (وبعد مشاهد عدّة تكرر صور هذا الرفض) يقبلن بها فجأة. وتحيد الحكاية عن الدرب قليلاً عندما يُقدّم صبي أفريقي صغير تهتم به دو باري على الرغم من سخرية وعنصرية بنات الملك حياله. هذا أيضاً يبدو نتوءاً في جسد الحكاية ولو إلى حين. يمر عارضاً ليترك تعليقاً ثم يمضي.

 

لقطة من «جان دو باري» (واي نَت برودكشنز)

 

مسائل محورية

تخصيص مشاهد مطوّلة لبنات الملك وموقفهن من دو باري أساساً، يكشف عن سيناريو يبحث لنفسه عن نقطة ارتكاز درامية. الفيلم مشغول فنياً بقوانين الفيلم التاريخي، ومصنوع مع دراية كاملة بالتفاصيل الفنية والديكوراتية والتصاميم الدقيقة كافة. تلمع موهبة المخرجة مايوَن في العديد من المشاهد التي تتطلّب حنكة ومهارة في استخدام المشاهد للتعبير عن الفترات الزمنية المختلفة. البداية وحدها واعدة قبل أن ينفض العمل عن الرغبة في سرد حكاية لا تخلو من نزاع على هويّتها بين أن تكون قصّة حياة وقصّة تاريخ.

رغبة مايوَن أن يسود حضورها الفيلم ترك القليل مما يستطيع جوني دَيب فعله، على الرغم من أهمية دوره ووجود لحظات عاطفية تعزز حضوره. لكن ما لا وجود له هو تمكين الممثل من بلورة، ولو محدودة، لشخصيته ودوره يرتفع لمستوى ذاك الذي لدى مايوَن. حضوره بدني أكثر مما هو درامي. هناك انعكاس لدواخل شخصية مساندة هي شخصية مدير شؤون الملك لا بورد (بنجامين لافيرني) أكثر مما منحته المخرجة لشخصية الملك، التي كان عليها أن تؤدي دوراً موازياً لكي تتعمّق الحكاية عوض أن تبقى سرداً قصصياً.

بالنسبة لمايوَن ممثلة، تشير المصادر التاريخية إلى أن جمال جان دو باري كان باهراً، مما منحها القدرة على جذب الرجال إليها والانتقال من الدعة والفقر إلى مخالطة النبلاء وصولاً إلى هنري الخامس عشر نفسه. إذا كان هذا صحيحاً، ولا مانع أن يكون كذلك، فإن جمال الممثلة مايوَن ليس من النوع نفسه. المشكلة هي أن مايوَن ممثلة موهوبة وقادرة على حمل فيلم كبير كهذا من دون عناء كتشخيص وحضور، لكن يبقى هناك ذلك الشك حين المقارنة بين جمالها وجمال الشخصية التي تؤديها في الأصل، مما يترك فاصلاً غير محبب.

ثلاثة ممثلات لعبن هذا الدور نفسه في السابق، وكل منهن كانت أجمل كملامح من مايوَن: بولا نغري في «عاطفة» للألماني إرنست لوبيتش (1919)، ودولوريس دل ريو في «مدام دو باري» لويليام ديتيرل (1934)، وآسيا أرجنتو في فيلم صوفيا كوبولا «ماري أنطوانيت» (2006). هذا الأخير صوّر الصراع بين الملكة ماري أنطوانيت (لعبت دورها كيرستن دنست) وبين دو باري.

الفيلمان يتعادلان في بعض الجوانب، لكن إذا ما أخذنا العملين على نحو كامل، فإن «جان دو باري» أفضل عملاً، خصوصاً لناحية الفترة التاريخية وشخصيات الفيلم المتعددة كما الفيلم نفسه الإخلاص والنوعية الجمالية للعمل ككل.

 

الممثلون سوزان دي بيك وإنديا هير وبنجامين لافيرني وبيير ريتشارد والمخرجة مايوَن وجوني ديب، وباسكال غريغوري (إ.ب.أ)

استقبال جوني دَيب

ما تستعيض به الممثلة مايوَن إخلاصها لمشروع سعت إليه بكل جوارحها ومن ثَمّ مثّلته بتواضع يُلائم مصادر الشخصية. ربما هدفت للاستثئار بالبطولة وربما ليست بجمال دو باري ذاتها، لكن الفيلم، في نهاية مطافه عن امرأة أحبّت «ملكها» (كما نعته) وأخلصت له، وفي سبيل ذلك لم تحاول أن تبدو أي شيء آخر سوى ما تطرحه. ليس هناك من مشاهد مفعمة بالرغبة في احتلال الأهمية ولا تلك اللقطات التي تخصّها وحدها، إلا في تلك المواضع الضرورية. إلى ذلك، اختصار مراحل حياة دو باري إلى مرحلتين، قصيرة وسريعة، وأخرى تحتل معظم الفيلم، هو فعل جيد من مخرجة تدرك أن أفضل سبيل هو التركيز على الفترة الأهم وهي تلك التي أمضتها مع الملك لست سنوات حتى وفاته.

إلى ذلك، أحسنت مايوَن الابتعاد عن الفانتازيا في معالجتها للحكاية. كان بإمكانها تحقيق فيلم يتلاعب بالمشاهد بصرياً ويخرج عن الواقع درامياً، لكنها أبت أن تفعل ذلك وانحازت لفعل جاد رغم ما سبق ذكره من عثرات. إلى ذلك، فإن المشاهد العاطفية تأتي صادقة ومحافظة. فيلم آخر، بين يدي مخرج آخر، كان سيستغل ما يمكن استغلاله لمشاهد جنسية لتأجيج تأثير سهل.

وأحسنت مايوَن، مخرجة، الابتعاد عن الفانتازيا في معالجتها للحكاية. كان بإمكانها تحقيق فيلم يتلاعب بالمَشاهد بصرياً ويخرج عن الواقع درامياً لكنها أبت أن تفعل ذلك وانحازت لفعل جاد رغم ما سبق ذكره من عثرات.

في حين لم يتسنَ لجوني دَيب لعب الدور المطلوب في الحكاية، إلا أن استقباله من قِبل الجمهور قبل دخوله صالة العرض كان حافلاً. صاحبته الكاميرا وهو يوقع صفحات ويمنح الجميع فرصة التقاط «سيلفي» معهم مبتسماً وهادئاً.

قبل وصوله بأيام قليلة جرت محاولة لانتزاع ذلك الجمهور منه وانتقاد حضوره واستقباله بسبب المحكمة التي شغلت الرأي العام والإعلام قبل أشهر تبعاً لقضية رفعتها زوجته السابقة الممثلة أمبر هيرد ضدّه.

التقط الإعلام الفرنسي الراية ووسع دائرة الانتقاد ضد دَيب. زكّى كل ذلك رسائل احتجاج تنتقد استقبال إدارة المهرجان للممثل.

في طبيعة الحال لم يكن جوني دَيب على دراية بأي من الطرفين سيؤثر أكثر على حضوره. المنتقدون والمحتجون أو الجمهور الذي احتشد للترحيب به. لكنه وظّف المناسبة جيداً لصالحه قبل دخول قاعة العرض الكبرى وجلس في مقعده المخصص مع فريق الفيلم متابعاً باهتمام.

حين انتهى الفيلم هب الحاضرون في القاعة الكبرى مصفّقين له. وقفوا للتحية ووقف بدوره متوجهاً إليهم بابتسامة وعينين مغرورقتين بالدموع. فبعد تلك المحنة التي كادت أن تعصف به يشهد تجدد الثقة به وهو موقف لا يمكن أن يُمحى من ذاكرته.

 


مقالات ذات صلة

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

سينما فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.