زاهي حواس يُفند مزاعم «نتفليكس» بشأن «بشرة كليوباترا»

قال لـ«الشرق الأوسط»: لو كان المسلسل خيالياً لما اعترض

زاهي حواس (حسابه على فيسبوك)
زاهي حواس (حسابه على فيسبوك)
TT

زاهي حواس يُفند مزاعم «نتفليكس» بشأن «بشرة كليوباترا»

زاهي حواس (حسابه على فيسبوك)
زاهي حواس (حسابه على فيسبوك)

أكد عالم المصريات الدكتور زاهي حواس، أن مرجع اعتراضه ورفض مصر فيلم «كليوباترا»، الذي أذاعته «نتفليكس»، الأربعاء الماضي، هو تصنيفه فيلماً «وثائقياً»، وقال حواس لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لو كان الفيلم خيالياً ودرامياً لما واجه هذه الاعتراضات».

وأثار إطلاق منصة «نتفليكس» إعلانها الترويجي لمسلسل وثائقي عن الملكة «كليوباترا»، موجة من الانتقادات الشعبية والرسمية في مصر، لا سيما مع ظهور «كليوباترا» في الفيلم، التي جسدت دورها أديل جيمس، ببشرة سمراء، ورغم دعوات أطلقت على منصات التواصل الاجتماعي لوقف عرض الفيلم، إلا أن المنصة بدأت عرضه كما أعلنت يوم 10 مايو (أيار) الحالي. والفيلم من إخراج جادا نينكيت سميث، زوجة النجم الأميركي ويل سميث.

وفند حواس مزاعم «نتفليكس» بشأن لون بشرة كليوباترا، وقال إن «الفيلم يسعى لإثبات أن الملكة البطلمية كانت سوداء البشرة، وأن أصول الحضارة المصرية سوداء، في إطار مخططات (حركة الأفروسنتريك) التي تسعى لتزييف التاريخ».

وأضاف حواس أن «كليوباترا لم تكن سوداء، فالملكة التي حكمت مصر في عصر البطالمة من أصول مقدونية، وبالنظر إلى المشاهد التي تمثل ملوك تلك الفترة، وإلى تماثيل الملكة كليوباترا وملامحها المطبوعة على عملات معدنية يتضح أنها تتعارض مع الصورة التي يحاول فيلم (نتفليكس) ترويجها للملكة البطلمية».

الملكة كليوباترا السابعة تنحدر من أسرة مقدونية حكمت مصر نحو 300 عام، أسسها الملك بطليموس الأول، وهو أحد القادة المقدونيين بجيش الإسكندر الأكبر، الذي آلت إليه ولاية مصر بعد وفاة الإسكندر، وأسس الأسرة البطلمية.

وتزوج بطليموس الأول من الملكة برنيكي الأولى: «ذات الأصول المقدونية أيضاً، وأنجبا الملك بطليموس الثاني، واستمر من بعده أبناؤه وأحفاده الملوك في التزاوج من أخواتهم الإناث طبقاً لعادات ذلك العصر، وصولاً للملكة كليوباترا السابعة وأخيها بطليموس الـ14 محافظين على نقاء عرقهم المقدوني خلال هذه الفترة الزمنية».

وأوضح حواس أن «الفيلم يحاول أن يروج للحضارة المصرية باعتبارها حضارة سوداء، وهذا غير صحيح».

والمشاهد على المعابد المصرية تؤكد ذلك، موضحاً أن «عدداً من الأميركيين الأفارقة يعتقدون أن أصولهم ترجع إلى مصر القديمة، وهذا أمر لا يوجد ما يثبته علمياً وأثرياً». وأشار إلى أن «المصري القديم رسم مشاهد على المعابد تظهره وهو يتعامل مع شعوب من دول أخرى، وتوضح الفرق في الملامح بينه وبين سكان هذه المناطق ومنها أفريقيا وآسيا».

وبالنسبة لمملكة «كوش» التي يتبنونها دليلاً على مزاعمهم، قال حواس إن «مملكة (كوش) حكمت مصر في الأسرة 25، ولم تضف شيئاً لمصر ولا لحضارتها». وأشار إلى أن «عدداً من علماء الآثار الذين شاركوا في فيلم (نتفليكس) تواصلوا معه بعد اكتشافهم الهدف منه واعتذروا عن مشاركتهم فيه».

وفي سياق الرد على الفيلم، شارك حواس في فيلم وثائقي عن الملكة البطلمية تم عرضه في اليوم نفسه الذي عرضت فيه منصة «نتفليكس» فيلمها، كما يقدم حواس حالياً عدة محاضرات في الولايات المتحدة الأميركية للرد على ما وصفه بـ«محاولات تزييف التاريخ المصري». وقال حواس إنه «كتب عدة مقالات باللغة الإنجليزية لتفنيد مزاعم (فيلم نتفليكس)». وأشار إلى أن «عدداً من مؤيدي حركة (الأفروسنتريك) يأتون إلى محاضراته في الولايات المتحدة الأميركية ويهاجمونه ويزعمون أن مصر سرقت حضارتهم».

وأوضح أنه «في إحدى المحاضرات الأخيرة قام شخص وعرض 12 نقطة تتضمن أخطاء تاريخية بشأن الحضارة المصرية، على رأسها أن صناع هذه الحضارة كانوا سود البشرة، وأن الأفارقة هم بناة الحضارة المصرية»، وقال إنه «يسعى خلال محاضراته إلى الرد على هذه المزاعم بالحقائق والشواهد التاريخية الموجودة على جدران المعابد المصرية القديمة»، مؤكداً أنه «ليس ضد السود، والأمر لا علاقة له بالتعصب لجنس على حساب آخر، بل بمحاولات تزييف الحقائق التاريخية».

وفيما يتعلق بأصل المصريين، قال حواس إن «هناك 3 آراء في هذا الشأن سبق أن تم عرضهم في محاضراته؛ الأول يقول إنهم أبناء حام وسام، بمعنى أنهم من آسيا وأفريقيا. والثاني ما عرضه السنغالي أنتا ديوب، الذي يرى أن المصري القديم من أصول أفريقية، لكن مؤتمراً عقد في اليونسكو قبل سنوات وجد أنه لا يوجد دليل لإثبات هذه النظرية. أما الرأي الثالث فيستند إلى حفريات نقادة في صعيد مصر، التي قام بها مؤسس علم المصريات السير فليندرز بيتري، ويقول هذا الرأي إن (الأشخاص الذين دفنوا في هذه المنطقة هم صناع الحضارة المصرية القديمة)». وأضاف حواس أنه «من الواضح أن الحضارة الفرعونية لم تقم إلا على أرض مصر، ومن صنعوها جاءوا من أرض مصر، التي كان بها كل مقومات بناء هذه الحضارة».


مقالات ذات صلة

استرداد حمض نووي لامرأة عاشت قبل 20000 عام من خلال قلادتها

يوميات الشرق استرداد حمض نووي لامرأة عاشت قبل 20000 عام من خلال قلادتها

استرداد حمض نووي لامرأة عاشت قبل 20000 عام من خلال قلادتها

وجد علماء الأنثروبولوجيا التطورية بمعهد «ماكس بلانك» بألمانيا طريقة للتحقق بأمان من القطع الأثرية القديمة بحثًا عن الحمض النووي البيئي دون تدميرها، وطبقوها على قطعة عُثر عليها في كهف دينيسوفا الشهير بروسيا عام 2019. وبخلاف شظايا كروموسوماتها، لم يتم الكشف عن أي أثر للمرأة نفسها، على الرغم من أن الجينات التي امتصتها القلادة مع عرقها وخلايا جلدها أدت بالخبراء إلى الاعتقاد بأنها تنتمي إلى مجموعة قديمة من أفراد شمال أوراسيا من العصر الحجري القديم. ويفتح هذا الاكتشاف المذهل فكرة أن القطع الأثرية الأخرى التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ المصنوعة من الأسنان والعظام هي مصادر غير مستغلة للمواد الوراثية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق علماء: ارتفاع مستوى سطح البحر دفع الفايكنغ للخروج من غرينلاند

علماء: ارتفاع مستوى سطح البحر دفع الفايكنغ للخروج من غرينلاند

يُذكر الفايكنغ كمقاتلين شرسين. لكن حتى هؤلاء المحاربين الأقوياء لم يكونوا ليصمدوا أمام تغير المناخ. فقد اكتشف العلماء أخيرًا أن نمو الصفيحة الجليدية وارتفاع مستوى سطح البحر أدى إلى فيضانات ساحلية هائلة أغرقت مزارع الشمال ودفعت بالفايكنغ في النهاية إلى الخروج من غرينلاند في القرن الخامس عشر الميلادي. أسس الفايكنغ لأول مرة موطئ قدم جنوب غرينلاند حوالى عام 985 بعد الميلاد مع وصول إريك ثورفالدسون، المعروف أيضًا باسم «إريك الأحمر»؛ وهو مستكشف نرويجي المولد أبحر إلى غرينلاند بعد نفيه من آيسلندا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مروي أرض «الكنداكات»... في قلب صراع السودان

مروي أرض «الكنداكات»... في قلب صراع السودان

لا تزال مدينة مروي الأثرية، شمال السودان، تحتل واجهة الأحداث وشاشات التلفزة وأجهزة البث المرئي والمسموع والمكتوب، منذ قرابة الأسبوع، بسبب استيلاء قوات «الدعم السريع» على مطارها والقاعد الجوية الموجودة هناك، وبسبب ما شهدته المنطقة الوادعة من عمليات قتالية مستمرة، يتصدر مشهدها اليوم طرف، ليستعيده الطرف الثاني في اليوم الذي يليه. وتُعد مروي التي يجري فيها الصراع، إحدى أهم المناطق الأثرية في البلاد، ويرجع تاريخها إلى «مملكة كوش» وعاصمتها الجنوبية، وتقع على الضفة الشرقية لنهر النيل، وتبعد نحو 350 كيلومتراً عن الخرطوم، وتقع فيها أهم المواقع الأثرية للحضارة المروية، مثل البجراوية، والنقعة والمصورات،

أحمد يونس (الخرطوم)
يوميات الشرق علماء آثار مصريون يتهمون صناع وثائقي «كليوباترا» بـ«تزييف التاريخ»

علماء آثار مصريون يتهمون صناع وثائقي «كليوباترا» بـ«تزييف التاريخ»

اتهم علماء آثار مصريون صناع الفيلم الوثائقي «الملكة كليوباترا» الذي من المقرر عرضه على شبكة «نتفليكس» في شهر مايو (أيار) المقبل، بـ«تزييف التاريخ»، «وإهانة الحضارة المصرية القديمة»، واستنكروا الإصرار على إظهار بطلة المسلسل التي تجسد قصة حياة كليوباترا، بملامح أفريقية، بينما تنحدر الملكة من جذور بطلمية ذات ملامح شقراء وبشرة بيضاء. وقال عالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس لـ«الشرق الأوسط»، إن «محاولة تصوير ملامح كليوباترا على أنها ملكة من أفريقيا، تزييف لتاريخ مصر القديمة، لأنها بطلمية»، واتهم حركة «أفروسنتريك» أو «المركزية الأفريقية» بالوقوف وراء العمل. وطالب باتخاذ إجراءات مصرية للرد على هذا

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
افتتاح «سبيل أحمد أفندي» وقبة الخلفاء العباسيين في القاهرة

افتتاح «سبيل أحمد أفندي» وقبة الخلفاء العباسيين في القاهرة

أعادت مصر افتتاح سبيل أحمد أفندي، بحي السيدة زينب، وقبة الخلفاء العباسيين بحي الخليفة، بالقاهرة، بعد ترميمهما وتطويرهما.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.


السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
TT

السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)

من أروقة «بينالي الدرعية» الذي يستنطق التاريخ، إلى منشآت «ديزرت إكس العلا» التي تحاور الطبيعة، ومن صالات العرض في جدة والرياض إلى كبرى المتاحف العالمية؛ يشهد الحراك الفني السعودي قفزات نوعية وضعت الفنان المحلي على خريطة الاهتمام الدولي.

وبينما يحتفي العالم بـ«اليوم العالمي للفن»، في 15 أبريل (نيسان) من كل عام، لتعزيز الوعي بالإبداع والتنوع الثقافي، تشهد السعودية تحولات نوعية في القطاع، تنقلها من موقع المشاركة المحدودة إلى التأثير في مشهد الفن عالمياً، والظهور كواجهة ثقافية صاعدة تعيد صياغة مفاهيم الجمال والابتكار في المنطقة.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون، وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية، وترسيخ مكانة السعودية منصةً فاعلةً ضمن المشهد الثقافي العالمي.

وقالت دينا أمين في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «اليوم العالمي للفن منصة للاحتفاء بالفنون ودورها الحيوي في إثراء المشهد الثقافي، وتعزيز حضور الإبداع في الحياة اليومية».

وأضافت: «يشكِّل هذا اليوم مناسبة للتأمل في أبعاد الفن، بوصفه مساحة للتعبير والتجربة، وعنصراً يسهم في بناء جسور الحوار الثقافي، ويعكس تنوُّع الرؤى والممارسات الفنية».

تقدِّم مؤسسات سعودية مختلفة معارض نوعية من حيث الأعمال والمشاركات البارزة والوصول العالمي (هيئة الفنون)

آفاق ووعود التجربة السعودية

لم يقتصر تطور المشهد الفني السعودي على مجرد الحضور في المحافل الوطنية والدولية؛ بل بدأ من الجذور، وبوعود تطوير البنية التحتية الثقافية، ومن بينها المجمع الملكي للفنون في مدينة الرياض، وهو الصرح الثقافي المرتقب، ضمن مشروع حديقة الملك سلمان، إضافة إلى دار الأوبرا الملكية في الدرعية، وهي مشروع ثقافي ضخم سيكون مركزاً عالمياً للفنون المسرحية، بتصميم نجدي تقليدي يتسع لـ3500 شخص، مع قاعة رئيسية بألفَي مقعد، ومن المقرر افتتاحها عام 2028.

ومثَّل الحضور الدولي للفن السعودي في أهم وأبرز المنصات العالمية، واحداً من مظاهر التحولات الإبداعية للفن في السعودية، ومن ذلك المشاركة في «بينالي فينيسيا» والمعارض المشتركة مع «مركز بومبيدو».

وشهدت السعودية تطوراً في أسواق الفن لديها، ونمو المزادات العالمية (مثل «سوذبيز» و«كريستيز») التي تركز على الفن السعودي الحديث والمعاصر.

التجربة السعودية بدأت من الجذور بوعود تطوير البنية التحتية الثقافية (واس)

وعلى صعيد الفنون التقليدية والتراثية، احتفت السعودية بها قيمةً وفنّاً على حد سواء، وسمَّت عاماً مستقلاً بعام الخط العربي، وآخر بعام الحِرَف اليدوية، وعكست طوال كل عام منها الاعتزاز بهما تراثاً حياً وقيمة فنية عالية.

وكذلك الحال مع الاحتفاء بالفنون الأدائية، التي تضم الموسيقى، والفنون الشعبية، اللذين اختصت هيئتان مستقلتان بتطويرهما وصونهما، وتوسيع دائرة حضورهما عالمياً، إضافة إلى فنون العمارة والتصميم، التي تُوِّجت بميثاق الملك سلمان العمراني، وهو بمثابة أساس استراتيجي للعمران والمستقبل، ومنهجية تصميم تُبرز تاريخ السعودية وثقافتها.

على جانب التمكين والتعليم تسعى السعودية إلى دعم صناعة حقبة جديدة في قطاع الفن السعودي (واس)

وعلى جانب التمكين والتعليم، يلعب المعهد الملكي للفنون التقليدية و«مسك للفنون» دوراً في صقل المواهب الشابة، قبل أن يُتوَّج هذا المسار بالإعلان عن جامعة الرياض للفنون، التي ستتيح في سبتمبر (أيلول) المقبل التسجيل في تخصصاتها المتعددة التي تدعم صناعة حقبة جديدة في قطاع الفن السعودي.

ويقود كل من: هيئة الفنون البصرية، وهيئة فنون العمارة والتصميم، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وعدد آخر من الهيئات والمؤسسات الثقافية والتراثية، قاطرة تطور المشهد الفني في السعودية.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن الهيئة تواصل من خلال برامجها ومبادراتها دعم وتمكين الممارسات الإبداعية، وتعزيز حضور الفنون في المشهد الثقافي المحلي، بما يسهم في تنمية القطاع الثقافي، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» نحو قطاع ثقافي مزدهر ومؤثر.

وبالتزامن مع هذه المناسبة، تُطلق هيئة الفنون البصرية حملة «ما هو الفن؟» التي تستكشف مفهوم الفن من زوايا متعددة، وتسلِّط الضوء على حضوره في تفاصيل الحياة اليومية، وتدعو إلى توسيع إدراكه، بوصفه تجربة متجددة تتجاوز التعريفات التقليدية.

جاء التطور في قطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)

سنوات القفزة النوعية

جاء التطور في قطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي؛ حيث شهدت السعودية دعماً مؤسسياً غير مسبوق للثقافة، بوصفها ركيزة للهوية الوطنية، وقطاعاً إنتاجياً فاعلاً في التنمية الشاملة.

وتقدم مؤسسات سعودية مختلفة معارض نوعية، من حيث الأعمال والمشاركات البارزة والوصول العالمي، وعلى رأسها مؤسسة «بينالي الدرعية» التي نظمت نسخاً متعددة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، الذي ضمَّ مئات من الفنانين والفنانات من مختلف دول العالم، وقدَّم طيفاً واسعاً من الوسائط المعاصرة، من الأعمال التركيبية إلى الفيديو والفن المفاهيمي؛ إضافة إلى الأنشطة الفنية والفعاليات النوعية التي تنظمها الهيئة الملكية لمحافظة العلا، لإحياء تاريخ الفن المعاصر، ويشارك فيها نخبة من الفنانين المعاصرين من مختلف مناطق السعودية، وتناولت أعمالهم المفاهيم الشعرية لموضوعاتٍ متنوعة، تشمل الوطن والهوية والانتماء وغيرها، من خلال وسائط متعددة شملت اللوحات والمنحوتات والفيديوهات والتركيبات الفنية.

وبرزت كذلك الفنون المرتبطة بالتقنيات الحديثة، مع تزامن انطلاق مركز الدرعية لفنون المستقبل، الذي تم افتتاح معرضه الأول بعنوان «ينبغي للفن أن يكون اصطناعياً: آفاق الذكاء الاصطناعي في الفنون البصرية».

مثَّل الحضور الدولي للفن السعودي في المنصات العالمية واحداً من مظاهر التحولات الإبداعية في السعودية (هيئة الفنون)

وفي مجال الفنون الضوئية، تُنظِّم مؤسسة «الرياض آرت» فعالية «نور الرياض» التي بلغت نسختها الخامسة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وهي أكبر احتفال للفنون الضوئية في العالم، وشارك في نُسَخها المتعددة فنانون وفنانات محليون ودوليون متخصصون في الفنون الضوئية.

وفي مجال معارض النحت، نظَّمت مؤسسة «الرياض آرت» نُسَخاً متعددة من ملتقى طويق للنحت، وهو تجربة توفر للجميع فرصة عيش رحلة فنية من النحت الحي، من خلال مشاهدة منحوتات مختلفة باستخدام أحجار الغرانيت المحلي من أرض السعودية، وذلك في تأكيد على ارتباط الفن بالبيئة المحلية، ويبدع في نحتها الفنانات والفنانون من دول العالم، مع أبرز فناني النحت من السعودية.

شهدت السعودية دعماً مؤسسياً غير مسبوق للثقافة بوصفها ركيزة للهوية الوطنية (واس)

وحافظت معارض الفنون متعددة الوسائط (تشمل الوسائط الفنية السمعية والبصرية والرقمية المختلطة) على حضورها، مثل معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون في نسخه المتتالية، الذي ينظمه «معهد مسك للفنون» خلال فصل الصيف، ويضم أعمالاً استخدمت وسائط وأساليب تقليدية وحديثة.

كما شهدت السنوات الماضية إدماج الأعمال الفنية في الفضاءات العامة، وذلك في استمرار لتطوير المشهد الحضري والثقافي في الرياض، من خلال برنامج «الرياض آرت» من الهيئة الملكية للرياض، لتصبح هذه الأعمال جزءاً من السرد الثقافي في مدينة الرياض. وتجسد هذه القطع الفنية المعاصرة رحلة لتحويل العاصمة إلى معرض فني مفتوح.