بريطانيا على موعد مع تتويج الملك تشارلز الثالث اليوم

حفل ضخم مع مراعاة الظروف الاقتصادية الحالية

TT

بريطانيا على موعد مع تتويج الملك تشارلز الثالث اليوم

بريطانيا على موعد مع تتويج الملك تشارلز الثالث اليوم

عاش الملك تشارلز الثالث في ظل والدته الملكة إليزابيث الثانية لفترة طويلة جداً، جعلته وريث العرش الأكثر صبراً وانتظاراً في تاريخ اعتلاء عرش بريطانيا والمؤسسة الملكية التي يزيد عمرها على 900 سنة.

واليوم يتحقق حلم الملك في حفل تتويجه الرسمي الذي يقام في كاتدرائية ويستمنستر التي تشهد حفل التتويج الأربعين منذ عام 1066، إلى جانب زوجته كاميلا التي ستتوج هي أيضاً لتصبح ملكة بريطانيا.

حشود مرابطة بالقرب من قصر باكنغهام لمتابعة الحدث التاريخي (ماركو برتوريللو)

الثامن من سبتمبر (أيلول) العام الماضي، تاريخ غيّر حياة الأمير تشارلز (كما كان لقبه وقتها) يوم توفيت والدته الملكة إليزابيث الثانية، واليوم وبعد طول انتظار يشهد العالم تتويج الملك تشارلز في حفل ضخم لم تشهد بريطانيا مثيلاً له منذ عام 1953.

مراسم التتويج حافلة بالتاريخ والرسميات والتقاليد البريطانية مع لمسة عصرية، حيث أراد الملك إضافتها للتقرب أكثر من الشعب، فقام بخطوة غير مسبوقة من خلال تسجيل صوته وصوت زوجته كاميلا في محطات قطارات مترو الأنفاق في لندن ليستمتع الركاب بالرسالة الخاصة التي وجهها الملك بالعبارة التنبيهية الشهيرة في وسيلة النقل هذه: «احذروا الفجوة» أو Mind the Gap التي تحذر الركاب من السقوط ما بين الرصيف وعربات القطار. كما أعلن قصر باكنغهام عن إطلاق رسم كرتوني «إيموجي» بالمناسبة على شكل تاج سانت إدوارد المرصع بالجواهر.

وتوجه الملك أمس إلى محيط قصر باكنغهام برفقة ولي العهد الأمير ويليام وزوجته كيت لإلقاء التحية على المرابطين في خيام منذ عدة أيام لمتابعة هذا الحديث التاريخي اليوم.

أول الحاضرين إلى الكاتدرائية صباح اليوم نحو 200 شخص من بينهم أعضاء يعملون في الخدمات الصحية الوطنية، ومن المتوقع أن يكون عدد الحاضرين أقل كثيراً من الذين حضروا حفل تتويج الملكة عام 1953 لأسباب لها علاقة بالوضع الاقتصادي الحالي في البلاد.

مجسم التاج الذي سيتوج به الملك تشارلز (إ.ب.أ)

ويكسر الملك تشارلز التقاليد من خلال استقلاله العربة التي استُخدمت في احتفال اليوبيل الماسي وهي أسترالية الصنع، تصميمها الخارجي قديم، ولكنها تتمتع بالكثير من المزايا العصرية مثل المكيف والزجاج الكهربائي، بدلاً من عربة «غولد ستيت» المتعارف على استخدامها في مثل هذه المناسبات.

وفي تمام الساعة 11 صباحاً يصل الموكب الملكي إلى الكاتدرائية، ومن المنتظر أن يختار الملك لباساً عسكرياً بدلاً من رداء الحرير الذي ارتداه الملوك قبله.

وعلى خلفية موسيقية اختارها الملك بنفسه تضم 12 مقطوعة موسيقية جديدة لأندرو لويد ويبير، بالإضافة إلى موسيقى أرثوذكسية لتخليد ذكرى والده الراحل الأمير فيليب، وسيلعب الأمير جورج حفيد الملك الأكبر دوراً مهماً في حفل التتويج إلى جانب أحفاد كاميلا، وسيتولون حمل الشعارات التي تستخدم في الحفل.

مجسم التاج الذي سيتوج به الملك تشارلز (إ.ب.إ)

وتبدأ المراسم بتقليد يعود إلى الحقبة الأنغلوسكسونية، حيث يقف الملك بالقرب من كرسي التتويج الذي يبلغ عمره 700 عام، ويلقي نظرة على زوايا الكاتدرائية الأربع ليجري بعدها إعلانه ملكاً على عرش بريطانيا، ويتولى رئيس الأساقفة مهمة الإعلان الرسمي لتنصيب الملك على العرش.

ومن اللافت أن رئيس أساقفة كانتبري طلب من الشعب إلقاء قَسم الولاء للملك من بيوتهم، أو أي مكان يوجدون فيه خلال حفل التتويج، وهناك معلومات تفيد بأن الملك لم يكن ممتناً لهذه الفكرة؛ لأنه يحاول تبسيط هذا الحفل على قدر المستطاع، والتقرب من الشعب أكثر، وهذا ما قام به منذ أن اعتلى العرش في سبتمبر الماضي، وهذا ما يميز شخصيته عن شخصية والدته الراحلة، فهو يسعى إلى مصافحة الناس باليد بدلاً من التلويح لهم من بعيد، ويعتمد أسلوباً عفوياً في التحدث إليهم.

وفي استطلاع رسمي للرأي تبين أن الملك يتمتع بشعبية نسبتها 63 في المائة، بالمقارنة مع شعبية والدته التي كانت تقدر بـ81 في المائة، في حين أن شعبية الأمير ويليام تقدر بـ72 في المائة، ويرى المحللون المتخصصون بالشأن الملكي أن نسبة شعبية الملك تشارلز ليست سيئة، خصوصاً أن فترة توليه العرش رافقتها بعض المطبات على رأسها المشكلات العائلية مع ابنه الأصغر الأمير هاري وزوجته ميغان، ونشر كتاب المذكرات المدوية بعنوان Spare الذي اتهم العائلة المالكة بالعنصرية. وسلسلة عرضت على منصة «نيتفليكس» جاء فيها الكثير من الاتهامات المسيئة لسمعة الملك وبقية أفراد العائلة.

زينة الزهور في كاتدرائية ويستمنستر (أ.ف.ب)

الملك تشارلز الثالث يترأس رسمياً 56 دولة في الكومنولث، تضم نحو ربع سكان الكرة الأرضية، ولكن هناك أنباء تفيد بأن 7 من بين تلك الدول تسعى إلى الاستقلال التام.

زينة الكاتدرائية

المعروف عن الملك تشارلز شغفه بالزراعة؛ لذا جرى اختيار الورود والزهور لزينة الكاتدرائية بعناية فائقة، فتولى هذه المهمة منسق الزهور شين كونولي الذي قام باختيار زهور وبراعم تتناسب مع شخصية تشارلز وكاميلا، ونُقلا جميع هذه الزهور من مزارع محلية في شتى أنحاء البلاد.

المراسم الدينية

يُبارك «البابا» الملك تشارلز الثالث بمسحه بزيت الزيتون الفلسطيني الذي جرى تقديسه في كنيسة القيامة في القدس المحتلة.

عدد من البريطانيين المرابطين على طول الطريق المؤدية إلى الكاتدرائية (أ.ف.ب)

وقد جرى تقديس الزيت بمشاركة لفيف من رجال الدين في فلسطين، ومنهم غبطة بطريرك القدس الأرثوذكسي ثيوفيلوس الثالث، والمطران الفلسطيني حسام نعوم رئيس الأساقفة الأنغليكاني (سانت جورج) في القدس، والذي سيشارك في حفل التتويج؛ إذ سيسلم الزيت الذي جرى حمله من القدس لرئيس أساقفة كانتربري نيافة المطران جاستين وويلبي (وهو في مكانة بابا الكنيسة الأنغليكانية في العالم).

وتعد مسحة الزيت المباركة هذه أولى خطوات تتويج ملك بريطانيا. وقد جرى إنتاج الزيت الخاص الذي سيُستخدم في حفل تتويج ملك وملكة بريطانيا باستخدام زيت الزيتون من كروم الزيتون الفلسطينية المقدسة الواقعة في جبل الزيتون بالقدس، وبالتحديد من كرم دير مريم المجدلية وكرم «دير الصعود». وما يربط تشارلز بالقدس وفلسطين شخصياً هو أن دير مريم المجدلية هو أيضاً مكان دفن جدة الملك تشارلز من طرف والده (الأميرة أليس اليونانية).

الملك تشارلز الثالث يصافح الشعب أمس (أ.ب)

وقد جرى إنتاج زيت التتويج الملكي عندما جرى عصر الزيتون بالقرب من مكان مولد السيد المسيح في مدينة بيت لحم (كنيسة المهد). وقد جرى تعطير هذا الزيت بالمواد الأساسية من زيوت السمسم والورد والياسمين والقرفة وزهر البرتقال والعنبر.

ويعود أصل وتاريخ «زيت الميرون» إلى استعماله لأول مرة لتعطير كفن السيد المسيح في القبر المقدس في كنيسة القيامة في القدس.

ويشار إلى أن هذا القسم من مراسم التتويج سيكون خاصاً وليس أمام الكاميرات.

التاج

يضع الملك تشارلز هذا التاج على رأسه لمدة 30 دقيقة فقط، وهذه اللحظة تعني حرفياً لحظة التتويج. يحمل التاج اسم تاج آخر أقدم بكثير كان قد صُنع للملك والقديس الأنغلوسكسوني إدوارد المعترف، ويقال إنه استُخدم في مراسم تتويج الملوك بعد عام 1220، إلى أن أمر كرومويل بصهره.

وقد صُنع التاج الجديد للملك تشارلز الثاني، الذي أراد تاجاً مشابهاً للتاج الذي ارتداه إدوارد، بل وأكثر فخامة منه.

سوف يكون الملك تشارلز الثالث سابع ملك يرتدي ذلك التاج، بعد تشارلز الثاني، وجيمس الثاني، وويليام الثالث، وجورج الخامس، وجورج السادس، وإليزابيث الثانية التي كانت آخر من ارتداه خلال مراسم تتويجها في عام 1953.

فستان كاميلا

في يوم التتويج، سترتدي كاميلا نسخة معدلة من التاج المصنوع للملكة ماري الذي ارتدته عندما تُوجت هي وزوجها جورج الخامس في عام 1911.

من المفهوم أن الملك سيختار زياً أكثر حداثة للحفل. فبدلا من الجوارب الحريرية التقليدية والبنطال القصير الذي ارتداه في حفلات التتويج السابقة، فقد أفادت التقارير بأن الملك سيتوج بزيه العسكري. لذلك، من المتوقع أن يكون فستان تتويج كاميلا أيضاً أكثر حداثة مقارنة بالفساتين السابقة، والتي مالت إلى تضمين تصميمات مزخرفة ومواد فخمة.

كانت آخر مرة شاهدت فيها بريطانيا فستان تتويج خلال حفل تتويج الملكة إليزابيث الثانية في عام 1953؛ حيث كانت الملكة ترتدي ثوباً من الساتان الحريري بأكمام قصيرة وتنورة كاملة تتميز بتطريز متقن وخطوط متناوبة من خرز البوق الذهبي، والألماس واللؤلؤ من تصميم نورمان هارتنس، الذي دمج اثنين من ثمانية تصاميم قدمها للملكة لتصميم فستانها.

من سيصمم الفستان؟

في فبراير (شباط)، جرى الإعلان عن أن كاميلا اختارت صديقتها بروس أولدفيلد لتصميم فستان التتويج.

ما هو التاج الذي سترتديه كاميلا؟

أعلن في فبراير أن زوجة الملك سترتدي تاج الملكة ماري للتتويج، لكنه لن يحمل جوهرة «كوه أي نوار» الشهيرة المثيرة للجدل ولا نسخة منها.

وقال قصر باكنغهام إن كاميلا ستكون أول قرينة ملك تعيد استخدام تاج في حفل التتويج بدلاً من التكليف بصنع تاج جديد، وذلك للمرة الأولى منذ القرن الثامن عشر. وآخر زوجة فعلت الشيء نفسه كانت الملكة كارولين، قرينة الملك جورج الثاني. ومن المقرر أن يضع تشارلز خاتماً خاصاً حول إصبعه الرابع للدلالة على الحدث.

يحظى الملك تشارلز الثالث بشعبية لا بأس بها على الرغم من المشكلات العائلية التي واجهها (ماركو برتوريللو)

 

يعود تاريخ صنع خاتم زوجة الملك إلى عام 1831، حيث ارتدته الملكة أديلايد، زوجة الملك ويليام الرابع. المرة الأخيرة التي استخدم فيها الخاتم كانت خلال حفل تتويج الملكة الأم مع زوجها الملك جورج السادس في عام 1937.

قائمة الضيوف

لن يوجد جو بايدن، لكن أكثر من 100 رئيس دولة آخر قبلوا دعوة حضور تتويج الملك، وسط قائمة الضيوف البالغ عددها 2300 شخص بمن في ذلك البرلمانيون، ومشاهير المملكة المتحدة، وعدد كبير من ممثلي المجتمع والجمعيات الخيرية.

وستمثل السيدة الأولى جيل بايدن الرئيس الأميركي، الذي لن يتمكن من الحضور، وسينضم إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسا ألمانيا وإيطاليا.

وعلى الرغم من عدم إصدار قائمة ضيوف رسمية، فمن المتوقع دعوة رؤساء وزراء دول الكومنولث الخمس عشرة، بمن في ذلك رئيس وزراء أستراليا، ورئيس وزراء كندا غاستن ترودو.

ولم تحضر كل من إيران على الرغم من حضورها جنازة الملكة الراحلة العام الماضي، واستبعدت كل من روسيا، وبيلاروسيا، وميانمار، وأفغانستان، وسوريا، وفنزويلا. وتمت دعوة أفراد العائلات الأجنبية المالكة العائلة الهولندية، والملك فيليب والملكة ماتيلد ملكة بلجيكا، وملك السويد وزوجته، والملكة جيتسون بيما وأنجتشوك، زوجة ملك بوتان. كذلك أكد الأمير ألبرت والأميرة شارلين من موناكو حضورهما. وقد قبل رئيس الوزراء الأسكوتلندي، حمزة يوسف، وزعيمة حزب «شين فين» الآيرلندي الشمالي، ميشيل أونيل، الدعوات.

التذكارات

شهدت مبيعات تذكارات التتويج لتشارلز الثالث، طلباً غير مسبوق؛ حيث يسعى المشترون للحصول على تذكار دائم لهذه المناسبة. وذكرت الشركة المصنعة للسيراميك الفاخر «هالكين ديز» أنها توقعت مبيعات تقدر بأكثر من مليون جنيه إسترليني (1.26 مليون دولار)، لمجموعاتها التي جرى تصنيعها للاحتفال بتلك المناسبة، وزادت قوتها العاملة بواقع 20 في المائة، منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، لتوفير 150 ألف منتج إضافي، حسب وكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا». وقالت مديرة الشركة، باميلا هاربر: «شهدنا طلباً غير مسبوق على مجموعتنا التي جرى إنتاجها بمناسبة التتويج».


مقالات ذات صلة

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

يوميات الشرق تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

أشاد الملك البريطاني ‌تشارلز بوالدته الراحلة الملكة إليزابيث، قائلاً إنّ «أمي الحبيبة» ستظلّ «إلى الأبد في قلوبنا وصلواتنا»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سيكون الملك تشارلز راعياً للجمعية الخيرية الجديدة (غيتي)

مؤسسة خيرية لإحياء ذكرى الملكة إليزابيث في مئوية ميلادها

يجري العمل على إنشاء مؤسسة خيرية جديدة لتخليد سيرة الملكة إليزابيث الثانية، بالتزامن مع أسبوع يُصادف الذكرى المئوية لميلادها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل مع جدته الراحلة الملكة إليزابيث (رويترز) p-circle

خبير ملكي: الملكة إليزابيث رأت أن هاري وميغان أضاعا كل شيء

كشف كاتب وخبير ملكي شهير أن الملكة الراحلة إليزابيث كانت مستاءة للغاية من «الطريقة التي أضاع بها الأمير هاري وميغان كل شيء»، بعد انسحابهما من الحياة الملكية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أرشيفية للملكة إليزابيث الثانية خلال زيارتها الأكاديمية الملكية للفنون في وسط لندن بتاريخ 20 مارس 2018 (إ.ب.أ)

العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة الراحلة إليزابيث

أعلنت العائلة الملكية البريطانية، اليوم (الأحد)، أن المؤرخة آنا كاي، ستتولى كتابة السيرة الذاتية الرسمية للملكة إليزابيث الثانية، التي توفيت عام 2022.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل (رويترز)

ميغان ماركل: كنت أكثر شخص تعرض للتنمر الإلكتروني في العالم

صرَّحت ميغان ماركل زوجة الأمير البريطاني هاري، بأنَّها كانت «الأكثر تعرضاً للتنمر الإلكتروني في العالم».

«الشرق الأوسط» (سيدني)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.