أين يعمل الطهاة العالميون بعد إقفال مطاعمهم الشهيرة؟

يحملون خبرتهم ويذهبون بها إلى أماكن أخرى... تعرف إليها

مطعم إنيغما (أفضل 50 مطعم)
مطعم إنيغما (أفضل 50 مطعم)
TT

أين يعمل الطهاة العالميون بعد إقفال مطاعمهم الشهيرة؟

مطعم إنيغما (أفضل 50 مطعم)
مطعم إنيغما (أفضل 50 مطعم)

عندما دخل فيران أدريا مطبخ مطعم «إل بولي» للمرة الأولى في عام 1984، بدأ فصلاً جديداً في فنون الطهي العالمية. وبعد انضمام شقيقه الأصغر، ألبرت، كطاهٍ للحلويات بعد عام واحد، شرع الثنائي في حملة استمرت 20 عاماً لكسر قواعد وتوقعات فن الطعام الفاخر. من خلال تطبيق رائد للعلوم، وسرد القصص، وحسن الضيافة، حصد «إل بولي» لقب «أفضل مطعم في العالم» خمس مرات، وحجز مكانا في قاعة مشاهير «الأفضل على الإطلاق»، وكان لديه قائمة انتظار للحجوزات تمتد لعامين.

ثم أقفلت هذه المؤسسة ذلك الفصل بقوة عندما أعلنت عن إغلاقها المفاجئ في عام 2011، مما أثار استياء رواد المطاعم المحتملين في جميع أنحاء العالم. لكن النموذج التحويلي الذي أنشأه لا يزال من الممكن العثور عليه في المطاعم حول العالم اليوم، وذلك بفضل جحافل الطهاة الذين اكتسبوا الخبرة داخل مطابخه.

من أطباق ديسفروتار المستوحاة من "إل بولي" (أفضل 50 مطعم)

سواء كنت على قائمة الانتظار الشهيرة للغاية، أو كنت محظوظاً بما يكفي للحصول على مقعد وتتوق إلى شيء مماثل، أو فاتك الموعد، إليك المطاعم التي يقودها خريجو «إل بولي» والتي ستقربك من تجربة هذا المطعم.

1 - ديسفروتار، برشلونة

@disfrutarbcn

يُعتبر مطعم «ديسفروتار» - الواقع في برشلونة على مسافة ساعتين بالسيارة على طول ساحل كاتالونيا من «إل بولي» - الوريث الروحي له من قبل الكثيرين، حيث حصد مكانته الخاصة ضمن مجموعة «الأفضل على الإطلاق» بصفته «أفضل مطعم في العالم لعام 2024». تأسس المطعم على يد ثلاثة طهاة التقوا أثناء عملهم كطهاة صغار في مطعم «روسيس» التاريخي، وكل عنصر في «ديسفروتار» يبدو متوافقاً مع إرث الأخوين أدريا. يلتزم الطهاة أوريول كاسترو وإدوارد شاتروتش وماتيو كاسانياس بصرامة بالرؤية المطبخية لمعلميهم، ويوجهون إبداعاً غير محدود من خلال تجربة طعام آسرة ومحفزة للتفكير تمتد عبر 30 طبقاً مذهلاً للعقل.

من أطباق "إل بولي" (أفضل 50 مطعم)

2 - غاغان، بانكوك

@gaggan_anand

العقل المدبر وراء جائزة «أفضل مطعم في آسيا لعام 2025» هو أول شيف هندي على الإطلاق يتدرب في «إل بولي». وعلى الرغم من أن فترة عمله في المطعم كانت محدودة، يقول أناند إن تأثيرها كان طويل الأمد. يمكن الشعور بتأثير الأخوين أدريا في جميع أنحاء مطعم بانكوك، حيث تتزاوج روح كسر القواعد مع فن الطهي الجزيئي. الإصدار الأخير من المطعم أقرب إلى حفل منزلي، مليء بالموسيقى والألوان والفكاهة، بدلاً من تجربة الطعام الفاخر التقليدية. سيُجبر أولئك المحظوظون بما يكفي لحجز أحد المقاعد الـ14 على منضدة الشيف على التعامل بشكل مباشر مع أطباق مثل «انفجار الزبادي» القوي أو طبق «البصل له دماغ» الذي يشبه شكل الدماغ؛ وهي إبداعات محبوبة لدرجة أن ضيوفه يلعقون الطبق - وهي ممارسة يشجعها أناند بشدة، لدرجة أن هناك طبقاً يحمل اسم «اِلعقها!» (Lick it Up).

موغاريتز على خطى "إل بولي" (أفضل 50 مطعم)

3 - إنيغما، برشلونة

@enigma_albertadria

بينما قد يكون فيران أدريا قد اعتزل الطهي، لا يزال يمكن العثور على الشقيق الأصغر بين الاثنين في المطبخ اليوم. افتتح مطعم «إنيغما» في عام 2017، وكما هو متوقع من اسمه، تحيط به لمسة من غموض «إل بولي». لدخول المطعم، يجب على الضيوف استخدام رمز سري، وطُلب منهم سابقاً عدم نشر أي صور من تجاربهم على وسائل التواصل الاجتماعي - وهي قاعدة جرى تخفيفها منذ ذلك الحين. داخل تصميمه الداخلي الفضي المذهل، يعدّ ألبرت أدريا أكثر من 25 طبقاً إبداعياً تبدو وكأنها مأخوذة مباشرة من قائمة طعام «إل بولي».

من أطباق غاغن المستوحاة من "إل بولي" (أفضل 50 مطعم)

4 - ألتا، لندن

@alta.london

قضى الشيف روب روي كاميرون، المولود في بوتسوانا، ما يقرب من عقد من الزمان في إسبانيا يتدرب تحت إشراف الأخوين أدريا في «إل بولي»، ليصبح في النهاية الذراع الأيمن لألبرت لافتتاح مطعمه «41 درجة» في برشلونة. وفي لندن في سبتمبر (أيلول) 2025، من المقرر أن يفتتح مطعم «ألتا»: وهو تكريمه لمنطقة ألتا نافارا في شمال إسبانيا وشغفها بالطهي على النار. سيمتد المطعم على طابقين ويسع لأكثر من 100 زبون، وسيقوم كاميرون بمزج الوصفات الباسكية التقليدية مع المنتجات البريطانية صغيرة النطاق عبر مجموعة مختارة من الأطباق الصغيرة والمتوسطة الحجم. توقع طبق «إسكابيتش» مصنوعاً بالزيوت والخل البريطاني، ولحم بقري من أبقار حلوب سابقة مرباة في منطقة «ليك ديستريكت» ومُحمّر ببراعة على النار، ونقانق «تشيستورا» منزلية الصنع (نقانق من شمال إسبانيا)، ويختتمها بالطبع بكعكة الجبن الباسكية.

5 - ألينيا، شيكاغو

@alinearestaurant

كان غرانت أتشاتز يبلغ من العمر 25 عاماً ويعمل مساعد طاهٍ عندما قضى بضعة أسابيع فقط متدرباً في «إل بولي» ليتعمق في عملهم الرائد في مجال الطهي الجزيئي. بعد أن فُتحت عيناه على إمكاناته اللامحدودة، عاد إلى الولايات المتحدة برؤية واضحة لأسلوبه المطبخي الخاص، وافتتح مطعم «ألينيا» بعد خمس سنوات في عام 2005. أكسبت قيادة أتشاتز للمطعم سمعته كحصن للطهي الأميركي الفاخر في السنوات اللاحقة، وترفع مستوى أجواء المرح المستوحاة من «إل بولي» إلى آفاق جديدة من خلال إبداعات مثل البالونات الصالحة للأكل و«انفجارات» الكمأة السوداء. أما الحلوى؟ فيتم «رسمها» على الطاولة بواسطة الطهاة تحت الأضواء الخافتة على إيقاع موسيقى صاخبة ووسط ضباب من الدخان برائحة الشوكولاته.

6 - سومني، لوس أنجليس

@somnirestaurant

يُسلط «سومني» الضوء على جذور زابالا الكاتالونية والباسكية بينما يحتضن محيطه في كاليفورنيا.

افتتح مطعم «سومني»، الذي يعني «الحلم» باللغة الكاتالونية، في الأصل عام 2018 كتعاون بين الشيف آيتور زابالا الذي تدرب في «إل بولي» من عام 2006 إلى 2009 قبل أن ينتقل إلى دور أوسع ضمن فريق أدريا الإبداعي، وزميله الخريج خوسيه أندريس. بعد إغلاقه خلال جائحة «كوفيد - 19»، عاد «سومني» كمشروع فردي لـ«زابالا» في عام 2024 في موقع جديد، وسرعان ما صنع التاريخ كأول مطعم يحصل على ثلاثة نجوم ميشلان في لوس أنجليس بعد ستة أشهر فقط من إعادة افتتاحه. يرتكز طعام «سومني» على الطهي الإسباني، ولكنه يستمد من مجموعة من التأثيرات الدولية المستوحاة من تركيبة المدينة. من ريش البارميزان إلى تيمبورا تارتار الشيزو، كل شيء متوقع أن يكون معقداً ومتقناً.

7 - نوما، كوبنهاغن

@nomapch

بدأ الفصل الأول لرينيه ريدزيبي مع «إل بولي» كضيف، حيث تناول وجبة مذهلة في عام 1998. وجاء الفصل التالي بعد عام واحد فقط، حيث عمل في مطبخه لمدة موسم لتوسيع آفاقه. ريدزيبي، المعروف الآن في جميع أنحاء العالم بأنه العقل المدبر وراء عملاق فن الطهي الإسكندنافي «نوما» (وهو مطعم آخر حائز سابقاً على لقب «أفضل مطعم في العالم» وعضو في قاعة مشاهير «الأفضل على الإطلاق»)، يبقى وفياً للنماذج الجوهرية لمطعم «إل بولي» من خلال توفير رحلات طعام محفزة للتفكير، مع تركيز مطعم كوبنهاغن على المنتجات التي يتم جمعها من البرية. صُممت الأطباق لتكون تحدياً بقدر ما هي لإشباع الرغبة: حيث يُقدم «كاسترد الدماغ» من جمجمة غزال الرنة، بينما قد تتخذ حلويات الشوكولاته شكل نجم بحر واقعي جداً. وبينما أعلن «نوما» عن الإغلاق المخطط للمطعم بشكله الحالي في عام 2025، فقد فتح مؤخراً حجوزات الطعام لموسم 2026، بالإضافة إلى إقامته لمدة 10 أسابيع في كيوتو باليابان، وموسمه الذي يستمر لخمسة أشهر في لوس أنجليس بالولايات المتحدة.

8 - موغاريتز، سان سيباستيان

@mugaritz

يقول أندوني لويس أدوريز، الشيف وراء مطعم «موغاريتز» المغامر: «عندما قمت بالتدريب في (إل بولي) عام 1993، مررت بأزمة مصغرة». في مؤسسة سان سيباستيان، يتبنى أدوريز أجندة الطهي الإبداعي المفرط ويمضي بها قدماً، طامساً بشكل لا لبس فيه الحدود الفاصلة بين الفن الأدائي وفن الطهي - وقد وصل الأمر إلى إزالة لافتة «مطعم» من واجهته قبل عدة سنوات. تتراوح إبداعاته من صفائح الكومبو الشفافة اللامعة علمياً، والتي تم إنشاؤها من خلال تطبيق ذكي للإنزيمات، إلى طبق «سرة العالم» المذهل، الذي يشبه شكل السرة، حيث يظهر منه مصل غائم من زيت الجوز المحمص والكفير ليحاكي كيفية تغذية البشر لأول مرة في الرحم.


مقالات ذات صلة

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

مذاقات «ساوردو»...  من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات «سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص

براكريتي غوبتا (نيودلهي)

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».