هل هناك طريقة أفضل من تغليف الخضار بالبلاستيك؟

تبحث الحكومات عن بدائل صديقة للبيئة

الإفراط في استخدام البلاستيك في تغليف الخضار يدعو الحكومات لإيجاد الحلول (شاترستوك)
الإفراط في استخدام البلاستيك في تغليف الخضار يدعو الحكومات لإيجاد الحلول (شاترستوك)
TT

هل هناك طريقة أفضل من تغليف الخضار بالبلاستيك؟

الإفراط في استخدام البلاستيك في تغليف الخضار يدعو الحكومات لإيجاد الحلول (شاترستوك)
الإفراط في استخدام البلاستيك في تغليف الخضار يدعو الحكومات لإيجاد الحلول (شاترستوك)

في ظل فرض حكومات قيوداً على تعبئة الأطعمة والأغذية في عبوات أو أغلفة بلاستيكية، يتم البحث عن بدائل صديقة للبيئة بدرجة أكبر. فيما يلي بعض منها ربما تجدها في متجر البقالة القريب منك. تم استخدام البلاستيك في تغليف الأطعمة للمرة الأولى خلال حقبة الثلاثينات، ووصل الأمر الآن إلى كل شيء.

إذا كان يبدو الأمر وكأن البلاستيك يحيط تقريباً بكل ثمار الخيار والتفاح والفلفل في ممر المنتجات الزراعية داخل المتاجر، فهذا حقيقي. ما بدأ بورق السلوفان خلال فترة الثلاثينات تسارع مع ظهور الأغلفة البلاستيكية خلال فترة الثمانينات، والسلاطة المعبأة داخل أكياس خلال فترة التسعينات. وزاد تسوق سلع البقالة عبر الإنترنت من وتيرة الأمر.

مع ذلك يستهدف السباق ما يطلق عليه الأشخاص، الذين يزرعون ويبيعون الفواكه والخضراوات، أملاً منشوداً، وهو تقويض وإنهاء هيمنة البلاستيك على المنتجات الزراعية. في استطلاع رأي تم إجراؤه خلال شهر مارس (آذار) بين المتخصصين والعاملين في مجال المنتجات الزراعية على موقع «لينكد إن»، تم تأييد التحول نحو استخدام مادة متحللة حيوياً. وقال سورين بيورن، الرئيس التنفيذي لـ«دريسكولز»، أكبر مؤسسة لزراعة التوت في العالم واتجهت نحو استخدام الأغلفة الورقية في الكثير من الأسواق الأوروبية، إن «الأمر كبير ومهم». وأنتجت «دريسكولز» أغلفة شفافة في التسعينات، وهي الآن تصمم أغلفة ورقية.

تفرض إسبانيا ضريبة على استخدام البلاستيك، وتضع فرنسا قيوداً صارمة على المنتجات الزراعية المعبأة داخل أغلفة بلاستيكية، ويوشك الاتحاد الأوروبي على وضع قيود خاصة به أيضاً. وتحاول كندا وضع خطة تتيح التخلص من التعبئة البلاستيكية للمنتجات الزراعية بنسبة 95 في المائة بحلول عام 2028. وفي الولايات المتحدة الأميركية، حظرت 11 ولاية تعبئة المنتجات داخل أغلفة بلاستيكية. في إطار خطة شاملة مناهضة للإهدار، تدعو إدارة بايدن إلى طرق جديدة لتعبئة الأغذية تستخدم مواد صديقة للبيئة ومضادة للميكروبات تستهدف الحد من الاعتماد على البلاستيك.

استعمال الحاويات الورقية من بين الحلول المطروحة (شاترستوك)

هل نتفق إذاً على أن التخلص من البلاستيك هو الحل؟

إن الحد من استخدام البلاستيك طريقة واضحة لمواجهة التغير المناخي. يتم إنتاج البلاستيك من الوقود الحفري، الذي يعد أكبر مساهم في غازات الدفيئة. إنه يخنق المحيطات، ويتسرب إلى السلسلة الغذائية. تتنوع التقديرات، لكن التعبئة مسؤولة عن نحو 40 في المائة من الفضلات البلاستيكية. مع ذلك يعدّ البلاستيك أكثر المواد والأدوات فاعلية في مكافحة خطر بيئي آخر هو إهدار الطعام. إن بيع المنتجات الزراعية مثل الإمساك بمكعب ثلج آخذ في الذوبان والسؤال عن الثمن الذي سوف يدفعه شخص مقابل الحصول عليه. إن الزمن أمر ضروري، والبلاستيك خيار جيد لإبطاء عطب وتحلل الخضراوات والفواكه. ويعني هذا إهدار كمية أقل من المنتجات الزراعية، تتسبب في نحو 60 في المائة من انبعاثات غاز الميثان في مكبّات النفايات حسب تقرير صادر عن وكالة حماية البيئة لعام 2023.

أوضحت دراسة سويسرية تم إجراؤها عام 2021 أن كل ثمرة خيار متعفنة فاسدة يتم التخلص منها تعادل أثراً بيئياً لـ93 غلافاً بلاستيكياً لثمار الخيار. اخترع علماء في جامعة كاليفورنيا بمدينة دافيس بديلاً من الجليد يبدو مثل حلوى جلاتينية، يمكن إعادة استخدامه عشرات المرات، ثم يتحلل حيوياً سريعاً. إن الطعام هو المادة الأكثر شيوعاً في مكبّات النفايات؛ حيث تنفق الأسرة الأميركية المتوسطة المكونة من أربعة أفراد 1500 دولار سنوياً على طعام يكون مصيره سلة القمامة. وتمثل الفواكه والخضراوات نحو نصف إجمالي الطعام المهدر من جانب الأسر، حسب بحث أجرته جامعة ولاية ميشيغان. ليس الطعام المهدر فقط هو الذي يزيد التغير المناخي؛ حيث تؤثر الجهود التي تم بذلها في عملية الزراعة والنقل وإهدارها في إنتاج الطعام الذي تم التخلص منه على المناخ أيضاً.

لا يمثل كل من منع إهدار الطعام والحد من استخدام البلاستيك هدفين منفصلين لا يجتمعان، فللاثنين أولوية على جدول أعمال إدارة بايدن، التي أصدرت خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) مسوّدة لاستراتيجية وطنية للحد من إهدار الطعام على المستوى القومي بمقدار النصف بحلول عام 2030. يزداد عدد المستهلكين الذين يؤكدون أن استخدام كميات أقل من البلاستيك ومواد التعبئة أمر ذو أهمية بالنسبة إليهم، لكن توضح عادات التسوق الخاصة بهم أمراً مختلفاً. اشترى متسوقون أميركيون سلاطة معبئة تقدر قيمتها بـ4.3 مليار دولار خلال العام الماضي، حسب الاتحاد الدولي للمنتجات الزراعية الطازجة. كذلك توضح تجارب التسويق وأبحاث مستقلة أن السعر والجودة يحددان الاختيارات الغذائية أكثر مما تحدده المخاوف البيئية.

على متاجر البقالة اتخاذ قرارات صعبة أيضاً؛ حيث اشتكى المتسوقون من الاضطرار إلى شراء منتجات زراعية تمت تعبئتها بالفعل داخل أغلفة بلاستيكية، ووضع بطاقة السعر عليها. يعدّ عدم بيع المنتجات حسب الوزن أسهل بالنسبة إلى المتجر؛ حيث لا يحتاج العاملون به إلى وزن كل سلعة. مع ذلك يضطر ذلك في كثير من الأحوال المتسوقين إلى شراء أكثر مما يحتاجون.

ما بدائل البلاستيك التي تلوح في الأفق؟

فيما يلي بعض الأفكار المتجهة إلى ممر المنتجات الزراعية داخل المتاجر.

حقائب مصنعة من الأشجار. تستخدم شركة نمساوية أشجار الزان لتصنيع حقائب على شكل شبكة من السليلوز القابل للتحلل الحيوي لتغليف المنتجات الزراعية. وتعرض شركات أخرى حقائب لها شكل مماثل تتحلل في غضون أسابيع قليلة.

غشاء من القشور. يتم تحويل قشور البرتقال والقريدس وغيرها من الفضلات الطبيعية الأخرى إلى غشاء يمكن استخدامه مثل ورق السلوفان، أو يتم تصنيع حقائب منه. ويتم رش طبقة قابلة للأكل مصنوعة من أحماض دهنية مستخرجة من نباتات على ثمار الخيار والأفوكادو وغير ذلك من المنتجات الزراعية التي يتم بيعها في الكثير من متاجر البقالة. إنها تعمل بطريقة مشابهة للطبقة الشمعية التي عادة ما يتم استخدامها على الحمضيات والتفاح.

أغلفة من الورق المقوى. تمثل الأغلفة البلاستيكية تجارة تقدر قيمتها بـ9.1 مليار دولار في الولايات المتحدة الأميركية، وعدد المزارعين الذين يستخدمونها هائل. سوف يمثل استبدال تلك الأغلفة تحدياً هائلاً، خصوصاً في حالة الفواكه والخضراوات سريعة العطب. يحاول الكثير من المصممين تحقيق ذلك. تعمل مؤسسة «دريسكولز» على تصنيع أغلفة ورقية يتم استخدامها في الولايات المتحدة الأميركية وكندا. وفي الوقت نفسه، تستخدم الشركة كمية أكبر من البلاستيك، الذي يمكن إعادة تدويره في تصنيع مواد التعبئة التي تُستخدم في الولايات المتحدة الأميركية.

الجليد الذي يبدو مثل الجيلاتين. اخترع لوكسين وانغ، وعلماء آخرون في جامعة كاليفورنيا بمدينة دافيس، جليد الهلام الذي يمكن إعادة استخدامه. إنه أخف وزناً من الجليد ولا يذوب. ويمكن أن ينهي ذلك الحاجة إلى عبوات الثلج البلاستيكية التي لا يمكن إعادة تدويرها. بعد نحو عشرات المرات من الاستخدام، يمكن الإلقاء بجليد الهلام في حديقة أو سلة مهملات حيث يتحلل.

صناديق حفظ. عادة ما يتم شحن البروكلي داخل صناديق مغطاة بالشمع، بداخلها ثلج. لا يمكن إعادة تدوير العلب الرطبة، وتستخدم حاويات شحن البروكلي، التي لا تستخدم الثلج، خليطاً من الغازات تساعد في الحفاظ على سلامة الخضراوات بدلاً من تبريدها باستخدام الثلج الذي يصعب شحنه لثقل وزنه، والذي يمكن أن ينقل مسببات أمراض حين يذوب.

كذلك يتم تصميم صناديق شحن أخرى مستدامة وأخف وزناً لإزالة الإثيلين وهو هرمون نباتي يحفز النضج.

كما يتم تحويل قش الأرز غير المقشور الذي يتخلف عن عملية الحصاد والعشب وسيقان قصب السكر، وحتى الطعام المهدر، إلى صوانٍ وصناديق قابلة للتحلل الحيوي أو قابلة للاستخدام بوصفها سماداً عضوياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن...

رامين غانشرام (نيويورك)
مذاقات وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»،

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات الزبادي اليوناني بأشكال وألوان مختلفة (إنستغرام)

الزبادي اليوناني موضة تجذب الجيل الصاعد

يدخل الزبادي اليوناني حالياً إلى قائمة طعام الشباب اللبناني بشكل لافت. ففي الفترة الأخيرة، بات هذا المكوّن ينافس الزبادي العادي بطعمه ونكهاته المتنوعة،

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

«الحمام المحشي» أحد أهم رموز المطبخ المصري التقليدي، فهو وجبة تستهوي مختلف فئات المصريين وضيوفهم من العرب والسائحين.

محمد عجم (القاهرة)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.


مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
TT

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن الخبز والفطائر لزبائنه، الذين يصطفون خارج محله بمجرد أن يفتح أبوابه. غير أن ما يميز شيري عن منافسيه، أن مخبزه عبارة عن خيمة من الطراز المستخدم عادة في التخييم، تضم فرناً طينياً يماثل تلك الأفران، التي استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية.

وفي المواقع التاريخية الممتدة من ماساتشوستس إلى فلوريدا، يعكف شيري على صنع أرغفة خبز تشبه تلك التي أمر الجنرال جورج واشنطن بتوفيرها لرجاله. ونظراً لأنه يقيم في «ماونت فيرنون» بولاية فرجينيا، شهد شيري ضغط عمل مكثفاً هذا العام، تزامناً مع احتفال البلاد بمرور 250 عاماً على التأسيس، احتفالية تمهد لخمس سنوات قادمة من فعاليات إحياء الذكرى في مواقع رئيسة شهدت معارك حرب الاستقلال. وقد حُجزت خدماته بالفعل في موقع «واشنطن كروسينغ» ببنسلفانيا، وموقع معركة «مونموث» في نيوجيرسي، حيث يستعيد الممثلون الهواة هناك ذكرى إحدى أطول معارك الحرب بإطلاق نيران البنادق والمدافع.

معجنات طازجة (نيويورك تايمز)

وقال شيري في تصريحات أدلى بها مطلع هذا الشهر في «ماونت فيرنون»: «يشتكي الناس اليوم من أن خبز الأكل في المنزل يستغرق وقتاً طويلاً، لذا فإن مشاهدتي في أثناء العمل تفتح عيونهم على واقع آخر».

ومن خيمته المنصوبة في الحقل الممتد على مساحة اثني عشر فداناً أمام قصر واشنطن، يشارك شيري زبائنه تفاصيل عمليته التي تستغرق عشر ساعات كاملة. وعلى غرار نظرائه في القرون الماضية، يتعين على شيري التعامل مع تقلبات الطقس؛ إذ سبق له الخبز في درجات حرارة حارقة، وكذلك في برد قارس، فضلاً عن الرياح والأمطار والعواصف الثلجية، وكافح لتثبيت خيمته في وجه الرياح العاتية.

وفي أوقات ذروة العمل، يشارك والدا شيري وزوجته وابنته ذات الـ11 عاماً في عمليات البيع، بينما يرتدون جميعاً ملابس تاريخية تعود لتلك الحقبة، ويتبادلون أطراف الحديث مع الزبائن حول تاريخ الخبز في القرن الثامن عشر، في الوقت الذي ينهمك شيري في إدخال المخبوزات وإخراجها من الفرن بـسرعة.

وإلى جانب بيع أرغفة الخبز، التي تزن رطلاً واحداً وتماثل الحصص التموينية التي كان يتلقاها جنود «الجيش القاري» خلال الحرب، يقدم شيري منتجات موسمية، تماماً كما كان يفعل نظراؤه في الماضي. وتتضمن هذه المنتجات أجباناً مصنوعة محلياً والزبدة والأسماك المملحة. أما خبز الزنجبيل الذي يصنعه، فيُشكل باستخدام قوالب مستنسخة يدوياً من القرن الثامن عشر، ويستغرق إعداده ثلاثة أيام.

وقد سُمي مخبزه بهذا الاسم؛ لأن رطل الخبز كان يكلف نصف كراون أو اثني عشر بنساً ونصف البنس في منتصف القرن الثامن عشر، ما يعادل ثلاثة دولارات ونصف الدولار، اليوم. وتباع أرغفته الحالية بنحو خمسة عشر دولاراً، وعادة ما تنفد بضاعته في أقل من ساعة، مع انجذاب الحشود إلى خيمته بفضل رائحة الخبز الذكية.

مخبز تاريخي يحيي خمسينيات القرن الثامن عشر (نيويورك تايمز)

من جهتها، تتابع باربرا أونوراتو وزوجها توني مسيرة شيري المهنية، منذ أن قرآ عنه للمرة الأولى عام 2018. ويعيش الزوجان أونوراتو، اللذان يمتلكان مزرعة تاريخية في ولاية بنسلفانيا، في منطقة مونتكلير القريبة بولاية فرجينيا، ويعتبران من زبائنه الدائمين في «ماونت فيرنون» ومواقع أخرى. وفي هذا الصدد، قالت باربرا أونوراتو: «خبزه ومنتجاته الأخرى رائعة للغاية، وأنا معجبة جداً بمشاركة عائلته بأكملها في هذا العمل».

جدير بالذكر أن شيري نشأ في غرب ولاية بنسلفانيا، وسط عائلة من الشغوفين بمحاكاة التاريخ وتفسيره، وكثيراً ما يحرص على ارتداء الملابس التاريخية والسفر إلى مواقع إعادة تمثيل معارك حرب الاستقلال مع والديه وشقيقه، منذ أن كان في الثامنة من عمره. وفي أثناء فترة عمله مع الطاهي شون بروك في مطعم «هاسك» بمدينة تشارلستون، أدرك شيري أنه بمقدوره صنع الخبز على الموقد المستخدم لطهي اللحوم بعد خمود النيران.

وقال شيري: «نظراً لانغماسي الشديد في تجارب إعادة التمثيل التاريخي، والتي تتضمن الطهي على نيران المخيمات طوال حياتي، كانت الخطوة المنطقية التالية بالنسبة لي صنع فرني الخاص». وبعد استشارة مؤرخ الثقافة الغذائية ديفيد شيلدز، عثر شيري في أرشيف محلي على مواصفات بناء فرن طيني كتبها الـ«سالزبورغرز» ـ جالية من خبازي ولاية جورجيا، كانوا يعملون بالقرب من نهر سافانا، في أربعينات القرن الثامن عشر.

في خبزه، يعتمد شيري على حبوب تُطحن خصيصاً بناءً على طلبه، بما في ذلك طاحونة «ماونت فيرنون». كما يستخدم رغوة الخميرة، تماماً كما كان يفعل الخبازون، قبل الإنتاج الضخم لمواد التخمير.

وأضاف: «أحاول استخدام مكونات كانت شائعة في المناطق التي أعمل بها؛ لأن هذا ما كان يتعين على خبازي واشنطن فعله في ذلك الوقت». ويتضمن عمل شيري كذلك جمع وصفات طعام وأدوات خبز ومعدات ومخطوطات وكتب، تعود إلى القرن الثامن عشر. ويركز بشكل خاص على كريستوفر لودويك، مهاجر ألماني افتتح مخبزاً ومتجراً ناجحاً للحلويات في فيلادلفيا في خمسينات القرن الثامن عشر، وشغل منصب مدير الخبازين لدى واشنطن خلال الحرب.

وأوضح شيري أنه: «تولى لودويك إدارة عشرات الخبازين المحليين في مستودعات الإمداد والمواقع الرئيسة الأخرى القريبة نسبياً من القوات لتسهيل عمليات النقل. وكانوا ينتجون مئات، إن لم يكن آلاف، الأرغفة للجيش».

ووفقاً لحسابات واشنطن، كان الأمر يتطلب مائة ألف رطل من الدقيق لإطعام 15 ألف رجل عن كل عام تستمر فيه الحرب، وكان واشنطن يدفع أجور الخبازين من جيبه الخاص. وكثيراً ما كان يراسل لودويك مباشرة بطلبات دقيقة لتسليم الخبز.

وأشار شيري إلى أنه «في حين جرى تجنيد العديد من هؤلاء الخبازين في خدمة قسم الخبز، فإن بعضهم كانوا محترفين يعملون بموجب عقود وواصلوا تجارتهم بعد الحرب».

وكان سايروس بوستيل من بين هؤلاء؛ والذي كان خبازاً مستعبداً سابقاً في بنسلفانيا، وأدار مخبزاً تعاقدياً في نيوجيرسي عام 1782، وذلك في أثناء استمرار المناوشات بعد معركة يوركتاون. وافتتح مخبزاً ومصنعاً ناجحاً للبيرة في فيلادلفيا بعد الحرب، وأصبح عضواً مؤسساً في «الجمعية الأفريقية الحرة» بفيلادلفيا، والتي دعمت المدارس المستقلة لذوي البشرة السمراء. ويُعد مغني الأوبرا والناشط في مجال الحقوق المدنية بول روبسون أحد أحفاده.

ويعتبر منزل كليفدين، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، ويقع في منطقة جيرمانتاون بمدينة فيلادلفيا، إضافةً حديثةً إلى قائمة مواقع تشيري. وقالت كارولين جي والاس، المديرة التنفيذية، إنهم كانوا يسعون لإيجاد سبل للتعاون معه منذ فترة.

وأضافت والاس: «إنّ تجربة المذاقات نفسها التي كان يتذوقها شخصٌ من القرن الثامن عشر، بخاصةً جنديّ في الجيش، تُعدّ وسيلةً رائعةً لتعريف الناس بتلك الحقبة».

وكان مشهد خيمته التي تعود إلى القرن الثامن عشر، ورائحة فرن الخبز، هما ما جذب سيندي كيتشل، مُعلّمة من إنديانابوليس، إلى خيمة تشيري في صباحٍ مشرقٍ من يونيو (حزيران) في القرن الـ21.

وقالت كيتشل، خبازةٌ منزليةٌ شغوفةٌ كانت تزور ماونت فيرنون للمرة الأولى: «كنتُ في واشنطن العاصمة لحضور مؤتمر. وتذكرني رؤية هذا المكان بالهدف الحقيقي لمبادرة أميركا 250».

* خدمة «نيويورك تايمز»


وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
TT

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، يمكن أن نشاهد عشرات المقاطع لأطباق شهية ووصفات تبدو وكأنها خرجت من مطابخ أمهر الطهاة. لكن خلف بعض هذه الصور والمقاطع المثالية، تختبئ مشكلة متنامية: ليس كل ما نراه حقيقياً.

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات شديدة الواقعية، بل إنشاء شخصيات تبدو كأنها طهاة محترفون. وقد تظهر وصفة على الشاشة بصورة مثالية، بينما تكون في الواقع غير مجربة أو غير قابلة للتنفيذ بالطريقة التي عُرضت بها. ولا تقتصر المشكلة على إعداد وجبة سيئة، بل قد تعني أيضاً إهدار الطعام والوقت والمال وشراء مكونات لوصفة لم يختبرها أحد أصلاً.

وقد أدركت حجم المشكلة بعدما وقعت شخصياً ضحية لهذا النوع من المحتوى. ظهر أمامي مقطع لتحضير خبز صحي مكون من الزبادي والأفوكادو والبيض والبايكنغ باودر وقليل من الملح والبطاطس المسلوقة. شككت في الوصفة وفي الطاهي الذي بدا واثقاً من نجاحها، لكنني قررت تجربتها، وكانت النتيجة كارثية. فمن شبه المستحيل أن تحل البطاطس محل الدقيق بهذه الطريقة، وانتهت التجربة بهدر المكونات واستهلاك الغاز والكهرباء من دون فائدة.

وصفات تبدو لذيذة ولكنها في الواقع مزيفة (بيكسيلز)

المشكلة لا تتوقف عند وصفة فاشلة. فقد نشاهد طاهياً يتحدث بثقة أمام الكاميرا، بوجه طبيعي وصوت مقنع وحركات واقعية، ويقدم طبقاً نهائياً مثالياً، بينما قد لا يكون هذا الطاهي موجوداً أصلاً. يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء الوجوه والأصوات والخلفيات والحركات، كما يستطيع إنتاج صور لأطعمة تبدو حقيقية بدرجة مذهلة، ما يجعل من الصعب على المشاهد العادي اكتشاف الخدعة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: نحن غالباً نحكم على مصداقية المحتوى من مظهره. فإذا بدا الشخص طاهياً محترفاً، وتحدث بثقة، وظهر أمام طبق مثالي، فمن السهل أن نفترض أن الوصفة مجربة وناجحة. لكن جمال الفيديو ليس دليلاً على نجاح الوصفة.

قد تكون المقادير غير دقيقة، أو أوقات الطهي ودرجات الحرارة غير منطقية، أو قد تُجمع مكونات لا تتفاعل بالطريقة المطلوبة. وقد يُقترح استبدال مكوّن بآخر من دون مراعاة تأثير ذلك في قوام الطبق أو طعمه. والمشكلة أن الفيديو يستطيع إخفاء هذه الأخطاء وإظهار نتيجة مثالية لم تحدث أصلاً. فقد تبدو الوصفة مقنعة على الشاشة، لكنها تفشل تماماً عند تنفيذها في مطبخ حقيقي.

وتزداد المشكلة مع طبيعة المحتوى الفيروسي. فالمنصات تكافئ ما يجذب المشاهدات والتعليقات والمشاركات، ولذلك قد يحظى طبق غريب أو وصفة تبدو مستحيلة أو طاهٍ مولد بالذكاء الاصطناعي بانتشار أكبر من وصفة بسيطة ومجربة. وكلما كان المقطع أكثر غرابة وإبهاراً، زادت فرص توقف المستخدم عنده ومشاركته، ما يحول الانتباه إلى مشاهدات وانتشار وربما أرباح.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع تقنيات التزييف العميق، التي يمكنها جعل أشخاص حقيقيين يبدون وكأنهم قالوا أو فعلوا أشياء لم يقوموا بها. وفي عالم الطعام، يمكن استخدام تقنيات مشابهة لإنشاء مقدمي محتوى وهميين أو تعديل مقاطع موجودة. لذلك لم يعد السؤال فقط: هل يبدو هذا الشخص طاهياً محترفاً؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل قام أحد فعلاً بإعداد هذه الوصفة؟

ومع ذلك، فالذكاء الاصطناعي ليس أصل مشكلة الوصفات المضللة؛ فقد كانت هناك وصفات غير مجربة وصور معدلة ومبالغات في النتائج قبل ظهوره. الجديد هو قدرة التقنية على إنتاج كميات ضخمة من الصور والشخصيات والأصوات ومقاطع الفيديو والنصوص بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى امتلاك الخبرة أو الوقت اللازم لاختبار كل وصفة في مطبخ حقيقي.

الوصفات الالكترونية الغير موثوقة بها كثيرة (بيكسيلز)

لذلك، لا يعني الأمر أن نتوقف عن الثقة بكل وصفة نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك طهاة حقيقيون وصناع محتوى يقدمون وصفات ممتازة ومجربة. لكن من الحكمة التحقق قبل شراء مكونات وصفة غير معتادة: هل المقادير والتعليمات واضحة ومنطقية؟ هل جربها أشخاص آخرون؟ هل توجد نتائج حقيقية في التعليقات؟ وهل لدى صاحب الحساب تاريخ في نشر وصفات يمكن الوثوق بها؟ كما يمكن البحث عن الوصفة نفسها في مصادر طبخ موثوقة أو لدى طهاة معروفين.

ولا ينبغي أن تقع المسؤولية على المشاهد وحده. فعلى صناع المحتوى أن يكونوا واضحين بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن يميزوا بين الوصفة التي أُعدت واختُبرت فعلاً والمحتوى الذي تم توليده رقمياً. كما تواجه منصات التواصل تحدياً متزايداً في وضع علامات واضحة على المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تراجع قدرة العين المجردة على اكتشافه.

في المرة المقبلة التي تظهر فيها أمامنا وصفة مذهلة، قد يكون من الأفضل أن نتوقف لحظة قبل وضع مكوناتها في عربة التسوق، ونسأل: هل أعدّها شخص فعلاً؟ وهل توجد أدلة على نجاحها؟ فالعالم الرقمي أصبح قادراً على تقديم وجبة مثالية المظهر لم تُطبخ أصلاً. وربما تكون هذه هي القاعدة الأهم: ما يبدو شهياً على الشاشة ليس بالضرورة شيئاً يمكن تحضيره في مطبخنا.