المخللات جزء لا يتجزأ من الثقافة والتاريخ الهندي

حفظ الطعام بالتجفيف والتخمير عادة جرت ممارستها قروناً عدة

تجفيف وتخمير الطعام يساعدان على إطالة مدة استهلاكه (شاترستوك)
تجفيف وتخمير الطعام يساعدان على إطالة مدة استهلاكه (شاترستوك)
TT

المخللات جزء لا يتجزأ من الثقافة والتاريخ الهندي

تجفيف وتخمير الطعام يساعدان على إطالة مدة استهلاكه (شاترستوك)
تجفيف وتخمير الطعام يساعدان على إطالة مدة استهلاكه (شاترستوك)

تحظى الهند بتاريخ طهي ثري بمأكولات متنوعة تأثرت بمناطق وثقافات وأديان مختلفة. وتعد مسألة حفظ الطعام عنصراً أساسياً من المطبخ الهندي، وجرت ممارستها قروناً عدة لضمان إمكانية تخزين الطعام واستهلاكه على امتداد فترة أطول. وفيما يلي بعض السبل القديمة التي لا يزال الهنود يستخدمونها لحفظ الطعام:

يجفف ويخلل الهنود كل أنواع الطعام بما فيها الفاكهة والخضراوات (شاترستوك)

التخليل

لطالما كانت المخللات جزءاً من الثقافة والتاريخ الهندي منذ 400 عام، بل يذهب البعض إلى أن يَعُدَّ هذه العملية قديمة قدم الحضارة الهندية نفسها. بدأت القصة بتمليح ومعالجة الطعام في محلول ملحي لحفظه خلال الرحلات الطويلة.

المعروف أن الملح والوقت يكسران الخضراوات والفواكه بشكل طبيعي ويحفظونهما. وتتولى البكتيريا الجيدة تفكيك السكريات وتكوين حمض اللاكتيك، ما يحافظ على الخضراوات والفواكه المستخدمة في التخليل. وتوفر أشعة الشمس المباشرة والإضاءة المحيطة الدفء اللازم للبكتيريا للقيام بعملية التخمير التي تستغرق ما بين 15 يوماً إلى شهر.

ويمكن تحضير المخللات باستخدام مجموعة واسعة من المكونات، بما في ذلك المانجو والليمون والجزر والبصل.

ومن جهتها، شرحت شوبهرا تشاترجي، مؤسسة موقع «@tonsvalleyshop» كيف أن عمليات تخليل بكميات ضخمة تجري داخل ولاية البنجاب الهندية. ومع ذلك، داخل البنغال، هناك كثير من الصلصات التي تُنْتَج هناك، لكن توجد طرق حفظ أخرى تعتقد شوبهرا أنها أهم، وأكثر شيوعاً كانت تستخدمها جدتها (ناني) وكذلك والدتها، أبرزها طريقة شائعة جداً بالمناطق الجبلية وهي: التجفيف بالشمس.

تجفيف وتخمير الطعام يساعدان على إطالة مدة استهلاكه (شاترستوك)

التجفيف بالشمس

يعد تقليداً طويل الأمد لحفظ الطعام، ويعمل على تقليل نشاط الماء، ما يمنع نمو البكتيريا. كما يتيح هذا الأسلوب في الحفظ نقل الأطعمة بسهولة من مكان إلى آخر؛ لأن التجفيف يقلل الوزن.

عادة ما يلجأ لهذا الأسلوب سكان التلال، ويستخدمونه مع الخضراوات، مثل الطماطم والكرنب واللفت (السيقان والأوراق) وأوراق الخردل، إلى جانب الخضراوات البرية الأخرى من أجل تناولها في الشتاء. في إطار هذا الأسلوب، يجري غلي بعض الخضراوات في الماء أولاً، ثم تجفيفها بالشمس.

وأشار باحثون إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في ظروف قاسية في هذه المناطق يتولون تجفيف لحوم الحيوانات عن طريق تعليقها. وتُدهن شرائح اللحم بالكركم والملح وزيت الخردل، وتُربط بخيوط في جميع أنحاء الغرفة.

في هذا الصدد، شرحت بهافنا كاركي، الباحثة لدى مركز «دي إم إم سي» أن «هذا الأسلوب في الحفظ يُعرف باسم آرجي. وفي إطاره، يجري تحضير النقانق من اللحوم الحيوانية، باستخدام أجزاء لا يجري تناولها بشكل عام».

وتعد هذه إحدى الطرق التقليدية التي لا تزال مستخدمة في الهند. ومن خلال التخلص من الرطوبة، يحول تجفيف المنتجات الغذائية دون ظهور الجراثيم والخمائر والعفن. وقد جرى استخدام هذه الطريقة قروناً عدة، وما زالت تُستخدم حتى اليوم، ليس بسبب الحاجة إلى الحفاظ على الطعام، وإنما لأن العادات استمرت، وسمحت بإعادة إنتاج هذه الأطعمة الشهية.

وأضافت كاركي: «غالباً ما يجري تعليق اللحم كذلك داخل المطبخ، ويضفي الدخان المنبعث من الموقد عليه نكهة دخانية مميزة، ما يجعل الناس تستمتع به بشدة. وفي الوقت نفسه، فإنه يطيل أمد العمر الافتراضي للحوم».

ومن ناحية أخرى، يجري اعتماد طرق فريدة أخرى لتخزين الخضراوات النيئة. على سبيل المثال، يجري رش البطاطس والزنجبيل والكركم بعصير الليمون وحفظها في حفر تحت الأرض مغطاة بالقش في بداية فصل الشتاء. كما يجري تجفيف زهور الرودودندرون بالشمس واستخدامها في وقت لاحق لتحضير المخللات أو الصلصة.

فاكهة وخضراوات مخللة بالبهارات الهندية (شاترستوك)

ولننظر على سبيل المثال إلى البابادوم والوادي (فطائر العدس المتبلة المجففة بالشمس)، والتي تعد من المكونات المهمة في الطعام الهندي. اليوم، تعد رقائق البطاطا والفلفل الأحمر والفواكه الجافة والتوابل والخضراوات... وما إلى ذلك من المنتجات المجففة بالشمس الأكثر استخداماً.

وكثيراً ما يجري تجفيف الخضراوات مثل الفجل والقرع على أسطح المنازل في شمال شرقي الهند.

ومن ناحيتها، قالت نيلزا وانغمو، الشيف ومؤسسة مطعم «ألشي كيتشين»، والحائزة جائزة «ناري شاكتي بوراسكار» (جائزة تمكين المرأة)، تكريماً لإحيائها أساليب إعداد الطعام التقليدية السائدة، إنه داخل مسقط رأسها في لاداخ، بصحراء الهيمالايا الباردة، يسود أسلوب التجفيف بالشمس الخضراوات والأعشاب بالشمس، الذي ظل معمولاً به منذ العصور القديمة، وأضافت أنه لدى اعتماد هذا الأسلوب، تحمل الخضراوات والأعشاب نكهة شديدة. ولا تقتصر ممارسة التجفيف على الفواكه والخضراوات فحسب، وإنما تمتد كذلك إلى اللحوم ومنتجات الألبان. وغالباً ما تجري التضحية بالحيوان (الياك الأكثر شيوعاً) ويجري الاحتفاظ به كما هو بضعة أيام حتى يتجمد. بعد ذلك، يجري تقطيعه شرائح رفيعة وتعليقها في غرفة مظلمة (ممارسة شائعة في كل منزل) حتى تجف. ويلجأ بعض الناس إلى رش الملح عليه.

التخمير

كان التخمير هو الآخر من الطرق القديمة والاقتصادية لحفظ الطعام، بالإضافة إلى تحسين مذاقه وصفاته الغذائية في الهند.

ومن الناحية العلمية، يعزز التخمير نمو البكتيريا المفيدة المعروفة باسم البروبيوتيك. وكشفت دراسات أن مكملات البروبيوتيك في الغذاء توفر عدداً من الفوائد الصحية، مثل تحسين عملية الهضم، وتعزيز جهاز المناعة... وما إلى ذلك.

وتتميز الأطعمة المخمرة في الهند بنكهات وقوام ومظاهر ووظائف فريدة تعتمد على الركائز والعناصر الخام المكونة لها. ويمكن تصنيفها إلى كثير من الفئات المختلفة، مثل الخضراوات المخمرة والأسماك واللحوم وفول الصويا وبراعم الخيزران ومنتجات الألبان... وما إلى ذلك.

من جهته، كشف الشيف راهول أكيركار عن سبب ولعه المفاجئ بالأطعمة المخمرة التي كثيراً ما كانت جزءاً من المطبخ الهندي فترة طويلة. وأضاف: «كنا نستكشف المظهر الحلو والحامض للأطعمة الزراعية، وانتهى بنا الأمر إلى إنشاء قائمة تحتوي على عنصر مخمر واحد في كل طبق».

في شمال شرقي الهند، يجري استهلاك السينكي، وهو شكل من أشكال جذر الفجل المخمر. ويتوافر بكثرة في فصل الشتاء، ومن ثم يجري تحضير السينكي في الغالب في جو أقل رطوبة. وبعد عملية التخمير، يخرج الطعام كتلة، ثم يجري تقطيعها إلى قطع صغيرة وتجفيفها بالشمس لمدة 3 - 5 أيام. ويمكن تخزينه مدة سنتين أو أكثر في درجة حرارة الغرفة، ما يتيح له التعرض لأشعة الشمس بشكل دوري.

ومن ناحية أخرى، تؤدي أسماك نغاري (الأسماك المخمرة) دوراً مهماً في مطبخ مانيبوري. ويُستعان بهذا النوع من السمك المحلي في إعداد النغاري المغطى بالملح والمجفف بالشمس. تُوضَع طبقة من زيت الخردل على الجدار الداخلي لوعاء فخاري يُمْلأ بعد ذلك بالسمك، بعد ذلك، ويُضْغَط بإحكام ويُغْلَق، ثم يُخَزن في درجة حرارة الغرفة مدة تتراوح بين و6 أشهر. وتبلغ مدة صلاحيته نحو عام، ويُتناوَل طبقاً جانبياً مع الأرز.

الدفن

يمكن للدفن الحفاظ على الطعام لأسباب كثيرة، منها غياب الضوء أو الأكسجين أو درجات الحرارة الباردة أو مستوى الرقم الهيدروجيني أو المجففات في التربة. ويمكن استخدام الدفن إلى جانب أساليب أخرى مثل التخمير أو التمليح. ويمكن الاحتفاظ بمعظم الأطعمة طازجة فترة طويلة في التربة المجمدة أو شديدة الجفاف والمالحة.

المعروف أن كثيراً من الخضراوات الجذرية مقاومة تماماً للتعفن، وتحتاج فقط إلى تخزينها في بيئات باردة ومظلمة عن طريق دفنها في الأرض.

ويكثر دفن الأرز تحت الأرض في ولاية أوريسا الهندية لتخزينه، مدة 3 إلى 6 أشهر خلال موسم الجفاف، وساعدت هذه الاستراتيجية في التخزين في حفظ الفواكه خلال العصر المغولي.

جدير بالذكر أن الحفاظ على الفاكهة في العصر المغولي شكَّل أمراً أساسياً لتمكين الحكام من الاستمتاع بالفواكه الهندية الموسمية التي يقدرونها على مدار العام، وقد ابتكروا طرقاً بارعة يمكنهم من خلالها الاستمتاع بها في غير مواسمها.

ذكر جيهان نزار، مدون الطعام الذي يكتب في كثير من المنشورات العالمية: «في مدينة عين أكبري في القرن السادس عشر، يروي مؤرخ البلاط أبو الفضل يوميات إدارة إمبراطورية المغول في عهد الإمبراطور أكبر، وذكر أن عشق أكبر للمانجو (الموسمية) كان الدافع نحو ابتكار حفظ الفاكهة في العسل».

ويذكرنا الكاتب المَعنيّ بشؤون الطعام، فيكرام دكتور، بكيفية استخدام الجاجري (أحد أنواع قصب السكر) لحفظ الأغذية في الهند، خصوصاً في ظل وفرة زراعة قصب السكر في الهند منذ العصور القديمة.


مقالات ذات صلة

«مافرو»... رسالة حب إلى جمال المناظر الطبيعية البركانية في سانتوريني

مذاقات مطعم "مافرو" المطل على البحر والبقايا البركانية (الشرق الاوسط)

«مافرو»... رسالة حب إلى جمال المناظر الطبيعية البركانية في سانتوريني

توجد في جزيرة سانتوريني اليونانية عناوين لا تُحصى ولا تُعدّ من المطاعم اليونانية، ولكن هناك مطعم لا يشبه غيره

جوسلين إيليا (سانتوريني- اليونان)
مذاقات حليب جوز الهند بلآلئ التابيوكا من شيف ميدو برسوم (الشرق الأوسط)

نصائح الطهاة لاستخدام مشتقات جوز الهند في الطهي

حين تقرّر استخدام جوز الهند في الطهي، فإنك ستجده في أشكال مختلفة؛ إما طازجاً، مجفّفاً، أو حليباً، أو كريمة، وثمرة كاملة أو مبشورة.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
مذاقات صورة لطاجين اللحم بالبرقوق المشهور في المغرب من بكسباي

المطبخ المغربي... يتوج بلقب أفضل مطبخ في العالم

فاز المطبخ المغربي على المطبخ المكسيكي في نهائي مسابقة للطبخ، بعد جمع ما يقارب 2.5 مليون صوت طوال المنافسة.

كوثر وكيل (لندن)
مذاقات أحلامها كثيرة وبينها تأليف كتاب طبخ تتوجّه فيه لأبناء جيلها (الشرق الأوسط)

دانا الحلاني لـ«الشرق الأوسط»: «لمّة العائلة الحلانية ألهمتني لأصبح شيفاً»

هي الوحيدة بين أفراد عائلتها التي لم تدخل مجال الغناء. دانا ابنة الفنان عاصي الحلاني، عكس شقيقيها الوليد وماريتا، دخلت الفن من باب آخر.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات أيدي الأرمنيات تجبل الإرث الغذائي بشغف السعي إلى صونه (صور أربي منكاساريان)

«Badguèr» يُرفق الأطباق بأنشطة ثقافية تُحيي التقاليد

تُكثِر المهندسة المعمارية، أربي منكاساريان، سرد حكايات الماضي لسبب قد لا يفهمه مَن يظنّ أنه يقصد مطعمها «Badguèr» في منطقة برج حمّود.

فاطمة عبد الله (بيروت )

«مافرو»... رسالة حب إلى جمال المناظر الطبيعية البركانية في سانتوريني

مطعم "مافرو" المطل على البحر والبقايا البركانية (الشرق الاوسط)
مطعم "مافرو" المطل على البحر والبقايا البركانية (الشرق الاوسط)
TT

«مافرو»... رسالة حب إلى جمال المناظر الطبيعية البركانية في سانتوريني

مطعم "مافرو" المطل على البحر والبقايا البركانية (الشرق الاوسط)
مطعم "مافرو" المطل على البحر والبقايا البركانية (الشرق الاوسط)

توجد في جزيرة سانتوريني اليونانية عناوين لا تُحصى ولا تُعدّ من المطاعم اليونانية، التي تقدّم الأطباق التقليدية، مثل السلطة بالفيتا، والأخطبوط المشوي، والأسماك، ولكن هناك مطعم لا يشبه غيره، سواءً من ناحية الاسم، أو الطعام، أو حتى الموقع.

«مافرو» (Mavro)، ويعني «أسود» باليونانية، يستمد تسميته من لون أرضيته، فهو يقع على شرفة فندق «كيفوتوس» المَطليّة بهذا اللون الداكن واللافت، والمختلف عن باقي محيطه الأبيض المعتاد، في جزيرة معروفة بأبنيتها البيضاء، وقُبَبها الزرقاء، هذا المطعم كسر القاعدة من عدة نواحٍ؛ لأنه تحدّى المألوف، فاختار اللون الأسود، واختار أعلى نقطة في سانتوريني ليطل على أجمل المناظر الطبيعية، كما أن لقبه: «رسالة حب إلى جمال المناظر الطبيعية البركانية في سانتوريني»، والطاهي الرئيس فيه الشيف ديميتريس كاتريفيسيس، استطاع بأطباقه، التي تمزج ما بين الأصالة والحداثة، خَلْقَ مهرجان حقيقي للطعام على شكل 3 لوائح طعام ونكهات لا تعرف نهاية.

«ذا فول مون» (The fool moon) لائحة من 8 أطباق، «ذا دارك سايد أو ذا مون» (The dark side of the moon) مؤلّف من 6 أطباق تناسب النباتيين والفيغن، أما لائحة «ذا هاف مون» (The half moon) فهي تضم 6 أطباق، تشمل الأسماك واللحوم والحلوى. والصفة المشتركة في لوائح الطعام الثلاث هي الحب الذي يضعه الشيف كاتريفيسيس في الطهي، والمنتجات المحلية، والأسماك الطازجة التي يستخدمها في أطباقه.

الشيف ديميتريس كاتريفيسيس (الى اليسار) (الشرق الاوسط)

في مقابلة قامت بها «الشرق الأوسط» مع الطاهي اليوناني ديميتريس كاتريفيسيس، وصف أطباقه التي ابتكرها لمطعم «مافرو»، وكأنها لوحة بيضاء تحتفي بنقاء وأصالة المطبخ اليوناني، من خلال منظور عصري، جاء بمثابة قصيدة للمكونات المتنوعة الموجودة على شواطئ الجزيرة، كل تفصيلة لتجربة تناول الطعام في مطعم «مافرو» يحافظ عليها؛ تكريماً للجزيرة التي يسمّيها الوطن.

وأضاف: «لقد أنشأنا 3 قوائم فريدة من نوعها لتذوّق مختارات العشاء، وكلها تحتفي بالتكوين البركاني للجزيرة، ويهيمن استخدام الطهي بالنار المفتوحة على قائمة طعامنا، التي تتكون من أطباق مختلفة صُمّمت لمشاركتها مع الضيوف، كما أن قوائم الطعام لدينا هي أيضاً موسمية، وتسلّط الضوء على الأعشاب والمنتجات المحلية الطازجة، ما يجلب النكهات الحقيقية لسانتوريني إلى كل طبق كاحتفال بنقاء وأصالة المطبخ اليوناني من منظور حديث».

تتيميز الاطباق بنكهتها وطريقة تقديمها (الشرق الاوسط)

ويقول الشيف عن المنتجات التي يستخدمها في أطباقه، إنه يستلهم أطباقه من النكهات المتنوعة، الموجودة على شواطئ البحر المتوسط، والمُعَدّة من منتجات محلية المصدر تُزرع في التربة البركانية في سانتوريني، وهي مليئة بالنكهات والانفعالات الجريئة. مضيفاً: «في (مافرو) نختار أفضل المكونات بكل عناية، مستعمِلين إياها بمنتهى الحرص والاحترام العميق، فيما نسعى إلى فهم شيء بعيد المنال كالسعادة».

أطلق الشيف وفريقه هذا الموسم سلسلة «عشاء الطهاة»، حيث يشارك مع طهاة عالميين، من الحائزين على نجمة ميشلان، في إعداد قائمة طعام مخصّصة لليلة واحدة فقط كل شهر. الهدف الرئيسي من هذه التجربة هو توسيع وتحسين مشهد فنون الطهي في سانتوريني على مستوى العالم، من خلال تكريم تراثها في فن الطهي، مع إعادة تعريفه في الوقت نفسه بتركيبات النكهات المبتكرة.

تفاصيل ودقة (الشرق الاوسط)

وعن عمله مع الشيف العالمي فيران أدريا، يقول الشيف كاتريفيسيس، إن الطاهي الإسباني فيران أدريا عبقري في فن الطهي، وقد عرّضه لثقافة الإبداع والابتكار، وشجّعه على التفكير خارج التقاليد، وتطوير أسلوبه الفريد في الطهي.

ويرى أن تفاني أدريا وشغفه بهذه الحرفة أمر أسطوري؛ إذ تدور فلسفته حول التعلم المستمر، والتجريب، ودفع المرء بذاته إلى أقصى الحدود. مشاهدته والعمل معه أثبتا أهمية أخلاقيات العمل القوية، والتحسين المستمر للذات، والسعي الدؤوب إلى التميز.

ويضيف: «لكن فوق كل العطايا التي منحَنا إياها لنتقاسم معرفته، تعلّمنا أهمية خلق ديناميكية عائلية بين فريق العمل لديك؛ عائلة مطعم الـ(بوللي) الكبيرة».

إطلالة رائعة على البحر (الشرق الاوسط)

وقال الشيف أيضاً: «إن فلسفتنا في مطعم (مافرو) هي خلق تجربة طهي مثيرة، نستحضرها في انسجام مع تراث الطهي في سانتوريني، الأطباق التقليدية للجزيرة تهيمن عليها النكهات والروائح الجريئة، التي تتطابق مع حدة الجزيرة وقوة جاذبيتها، فهي تشكّلت كلها من بركان، وهي واحدة من أكثر الجزر اليونانية رومانسية».

وعن الأساليب التي يستخدمها في مطبخه، يقول الشيف كاتريفيسيس إنه يتبع أساليب تقليدية مثل «الروباتا»، التي تُطهى على نار مفتوحة، مع التخمير الطبيعي واستخدام «الكوجي». ويضيف: «إن فلسفتنا تضرب بجذورها في اعتناق أسلوب (مويراسما) اليوناني، حيث تعمل أطباق المشاركة الصغيرة على جمع الناس سوياً... الأمر كله يتعلق بخلق مساحة للمحادثة والتواصل الدافئ، تماماً مثل طاولة عشاء خاصة بعائلتك».

دقة في التفاصيل (الشرق الاوسط)

ويرى أن «مافرو» هو الموضع المثالي لتقديم شيء جديد إلى مشهد الطهي السيكلادي. وإذ يُنظر إليها كمثال لما تقدّمه البيئة المحيطة من حولنا، تسيطر على قائمة الطعام الموسمية الأسماك الطازجة التي يجلبها يومياً الصيادون المحلّيون من القرى الساحلية المجاورة، تتكون قائمة الطعام، التي يُطهى معظمها على نار مفتوحة، من أطباق مختلفة، تم تصميمها لمشاركتها بين مختلف الضيوف، وهي طريقة لتناول الطعام تتداخل مع الثقافة اليونانية.

والهدف الرئيسي يتلخّص في الاحتفاء بنقاء وأصالة المطبخ اليوناني، من خلال منظور حديث، يسترشد فيه بحبه للنظام الغذائي المتوسطي، ليس فقط باعتباره مطبخاً، وإنما أيضاً كأسلوب للحياة. وفي مطعم «مافرو» تُحترَم النكهات المحلية بقدر ما يحترم المرء الهواء والشمس والبحر وطقوس الجزيرة.

أطباق مصنوعه بحب (الشرق الاوسط)

المعروف عن أطباق الشيف ديميتريس أنها تمزج ما بين الأصالة والحداثة، ولكن كيف يستطيع ذلك في جزيرة ترتكز على الأطباق التقليدية؟ يجيب الشيف على هذا السؤال بالقول: «نودّ أن نطلق على هذا اسم (التقليد التجديدي)، أو الصلة الطهوية بين التقاليد والإبداع».

من المأكولات التي يقدمها الشيف ديميتريس كاترفيسيس في "مافرو" (الشرق الاوسط)

إننا نُولِي أهمية كبيرة للتوازن بين التقليد والحداثة في الأطباق، ويعتمد ذلك على الرؤية والإبداع، وفهم تراث الطهي الثقافي فهماً جيداً، ونحب الجمع بين المكونات المحلية والوصفات التقليدية، وتقنيات الطهي القديمة، التي تعود إلى قرون، مع النكهات الحديثة والتقنيات المبتكرة واحترام الاستدامة، شعارنا هو «المصدر المحلّي بأفكار عالمية... والنتيجة هي قائمة منسّقة بأطباق أصلية، تحتفل بجرأة بتراث الطهي في جزيرة سيكلادس من منظور عصري».

ابداع في تحضير الطعام في "مافرو" سانتوريني (الشرق الاوسط)

السفر يساعد الطاهي على التعلّم والابتكار، وعندما طرحت «الشرق الأوسط» سؤالاً عن كيف ساعد السفر في عمل الشيف ديميتريس، المعروف بحبه للسفر قال: «السفر حول العالم فتح لي نافذة تسمح لي بجلب منظور عالمي لقوائم مأكولاتي، فهو يُمكّنني من دمج المكونات والتقنيات والمفاهيم المتنوعة في أطباقي... خلال رحلاتي حول العالم تعرّفت على مجموعة متنوعة من تقنيات الطهي، والأساليب المستخدمة في المطبخ العالمي، وقد استفدت من هذه التجارب والخبرات، ومن وقتي في التعلّم العملي من الطهاة المحليين، حيث راقبت ممارساتهم في الطهي، وقمت بتكييف هذه الدروس لتعزيز مهاراتي في الطهي، هذا التبادل الثقافي المعرفي يسمح لي بتجربة أنماط طهي مختلفة في (مافرو)، ويسمح لي هذا العرض أيضاً بدمج عناصر متنوعة في قائمتي، وخلق تجربة فريدة ومثيرة لتناول الطعام لضيوفي تحكي قصة الطعام».

أفضل وقت للأكل في «مافرو» عند المغيب؛ لأنه يوفر أجمل لوحة طبيعية للشمس وهي تختفي خلف الأفق، ومن الممكن اختيار ما تفضّله من قائمة الطعام الثابتة على طريقة الـ«A la carte»، أو واحدة من اللوائح الثلاث المخصّصة لمهرجان الأكل.