تمارا صغبيني: مهما تقدمنا في علم الطهو تبقى لـ«النَّفَس» مكانته

تركت عالم الاقتصاد من أجل حبّها للطبخ

تعمل في المطبخ بشغف لأن الطهي فن برأيها (الشرق الأوسط)
تعمل في المطبخ بشغف لأن الطهي فن برأيها (الشرق الأوسط)
TT
20

تمارا صغبيني: مهما تقدمنا في علم الطهو تبقى لـ«النَّفَس» مكانته

تعمل في المطبخ بشغف لأن الطهي فن برأيها (الشرق الأوسط)
تعمل في المطبخ بشغف لأن الطهي فن برأيها (الشرق الأوسط)

كانت لا تزال في عمر ثماني سنوات، عندما أخذت على عاتقها تحضير سندويتشات اللبنة والجبن واللحوم الباردة لوالديها. فهما كانا يمارسان مهنة التعليم المدرسي، ويستيقظان باكراً للالتحاق بمركز عملهما. وتمارا صغبيني كانت بدورها تتحضر يومياً للذهاب إلى المدرسة. ومن باب التعاون كانت تركض إلى المطبخ صباح كل يوم، كي تمارس هوايتها المفضلة. فهي قد عشقت الطهو منذ الصغر، وكانت مهمة تحضير السندويتشات بفن لافت هي أبرز إنجازاتها في ذلك الوقت. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «كانت والدتي لا تحب أن أدخل المطبخ باستمرار؛ خوفاً من أن أصاب بالسمنة. فتطردني منه، وتدعوني للقيام بأشياء أخرى كي ألهو بها بعيداً عن الطبخ».

قالب حلوى من صنع تمارا صغبيني (الشرق الأوسط)
قالب حلوى من صنع تمارا صغبيني (الشرق الأوسط)

حين كبرت تمارا عرضت على والديها فكرة مجال العمل الذي يستهويها: «رغبتُ في أن أتخصص في الطهو وأصبح (شيف)، ولكنهما رفضا الفكرة لأنهما فضّلا أن أحمل اختصاصاً أكاديمياً. درست الاقتصاد وعملت في أحد المصارف لنحو 17 سنة. وفي هذا الوقت كنت لا أوفر فرصة للمشاركة في دورات طهي غربية وعالمية».

قصدت مطاعم ومقاهي ومحال شهيرة في أنحاء أوروبا، واطلعت على أساليب طهاة يشكّلون مدرسة بفن الطبخ الذي يجيدونه: «رحت آخذ دروساً ضمن ورشات عمل تابعة للشهير بول بوكوز الفرنسي، ومواطنه ألان دوكاس. فركزت أكثر فأكثر على هذا المجال».

صناديق المنمنمات من الطعام شكّلت انطلاقتها (الشرق الأوسط)
صناديق المنمنمات من الطعام شكّلت انطلاقتها (الشرق الأوسط)

بقيت تمارا تستعد وتتحضر للقاء فريد من نوعه، مع أطباق طعام ضمن محاولات تجريها في بيتها. وأثناء الجائحة شعرت بأن الوقت قد حان لإطلاق العنان لمشاعرها نحو الطبخ ومن دون خوف: «كنا نطبّق الحجر المنزلي، ونعيش منعزلين عن العالم، فرحت أدعو قلة من أصدقائي إلى العشاء كي يمر الوقت بصورة أسرع. ورأيت في الأكلات المنمنمة عنواناً لي. كنت أقدم لهم مفهوماً جديداً في تقديم الطعام داخل صناديق صغيرة، بذلك يبقى مبدأ التباعد مطبّقاً؛ إذ لا أحد يلمس طعام الآخر».

سَلَطات منوعة وملونة، ولقيمات فيها اللحوم الباردة والخضراوات، ألفت محتوى تلك الصناديق الصغيرة. وهكذا ذاع صيت أكلات تمارا الخارجة عن المألوف قلباً وقالباً. وانتشر اسمها بين الأصدقاء ومعارفهم، فانطلقت بمشوارها الحقيقي مع الطبخ، وقرّرت ترك العمل في مجال الاقتصاد.

وبعد أن كانت تحضّر الأطباق في منزلها لإيصالها إلى الزبائن، تدخّل زوجها وطلب منها أن تفصل ما بين المنزل والعمل: «عندها قررت أن يكون لعملي مساحة خاصة بي، تكون مطبخي وإمبراطوريتي. وصار عندي مركزي في ساحل علما، وسميته (تاميز كيتشن)».

ذاع صيت تمارا صغبيني حتى وصل الإمارات العربية. وتخبر تمارا «الشرق الأوسط»: «هذا التعاون جرى بيني وبين شركة (طيران الإمارات العربية) ومركزها في لبنان. اتصل بي أحد منظمي حفل الشراكة الذي يقام بينها وبين فريق كرة السلة اللبناني، ووكَّلوني بتحضير أطباق الطعام الخاصة بالاحتفال بهذه الشراكة في بيروت. فأبدوا إعجابهم الكبير بأكلاتي وبكيفية تحضيرها، وهذا ربما يفتح بيننا أبواب تعاون مستقبلية».

ترفض صاحبة مطبخ «Tamy’s kitchen» أن تسمي نفسها «الشيف تمارا» لماذا؟ ترد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أدعى بهذا الاسم، ولكنني لا أسمح لنفسي بذلك؛ لأني لم أدرس هذه المهنة في معاهد وجامعات لأحصل على شهادة رسمية تخولني حمل هذا اللقب. لدي فريقي المساعد في مطبخي، ولكنني أقوم بالطهو وأشرف على كل شاردة وواردة».

تمارا صغبيني تعدّ الطهي قطعة من الروح (الشرق الأوسط)
تمارا صغبيني تعدّ الطهي قطعة من الروح (الشرق الأوسط)

كثير من المقربين يطالبون تمارا بتوسيع أعمالها وتكبير ورشة العمل التي استحدثتها: «ولكنني رفضت الأمر؛ لأنني أدرك أنني إذا أقدمت على هذه الخطوة فسأخسر الخصوصية التي أتميز بها. فأنا أتابع عملي حتى أصغر تفاصيله، وأرافق وصول أطباقي إلى الحفل أو المناسبة التي أؤمّن لها الأكل. الطبخ فن وهو بمثابة حبيب أعشقه ويشكل قطعة مني. كما أنه بالنسبة لي شغف وهيام أتنفسه، وقطعة من روحي».

لا يلفتها طهاة كثيرون في لبنان، ولكنها تبدي إعجابها الكبير بالشيف يوسف عقيقي: «يتميز بأسلوبه في الطهو، فلا يشبه غيره؛ إذ يملك تقنيته الخاصة، وأتوقع له مستقبلاً عالمياً».

تتألف أطباق تمارا من مزيج لأكلات غربية وشرقية، وكذلك مجموعة حلوى، بعضها ابتكرتها بنفسها. وتعلق: «في مجال الطهو لا مجال للاختراع، هناك بعض الطهاة الذين استطاعوا ابتكار تقنيات جديدة. ولكنني عرفت بالـ(بايتز)، أي اللقيمات الصغيرة المنوعة والغنية بمكونات شهية. نقلت أسلوب الـ(كانابيه) إلى أخرى ذكية بطعمها وطريقة تقديمها».

وقصة حب مع الطبخ (الشرق الأوسط)
وقصة حب مع الطبخ (الشرق الأوسط)

وعلى الرغم من كل التطور الذي تتسم به أطباق تمارا صغبيني وبحثها الدائم عن أحدث صرعات تلون بها مطبخها، فإنها تؤكد: «حياتي كلها محورها الطعام؛ لذلك بيني وبينه قصة حب وطيدة وصلبة. ومع كل التطور الذي أدخلته على المطبخين اللبناني والغربي، من حيث خلطات المكونات وطريقة تقديمها، فإني أؤمن بأن للنَّفَس دوره ومكانته عندي. فنحن تربينا على أن الطعام يشكّل مزيجاً من الروح والقلب، نعبر من خلاله عن حبنا للآخر. اليوم صار الطبخ فناً وعلماً ودراسة، ولكن ومن دون أدنى شك فإن نَفَس من يحضّره يلعب دوراً أساسياً فيه. فعندما تحضّر أمي أو عمتي أو أي أحد آخر طبقاً ما، ولو بالمكونات وطريقة التحضير ذاتها، فلا بد من أن نلمس الاختلاف بالطعم والنكهة. وفي الطبخ لا يمكننا أن نمارس التقليد أو الغش؛ لأنه ينبع من القلب».


مقالات ذات صلة

ثلث مطاعم لندن تعاني من ظاهرة «كل واهرب»

مذاقات تكثر السرقات في الجلسات الخارجية بالمطاعم (الشرق الاوسط)

ثلث مطاعم لندن تعاني من ظاهرة «كل واهرب»

ظاهرة «Dine and Dash» أو الخروج من المطعم دون دفع الفاتورة تعدّ مشكلة متزايدة في كثير من المطاعم في بريطانيا، وبالأخص في لندن.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات بيتزا مميزة في مطاعم في منطقة "كور جوليان" (نيويورك تايمز)

مرسيليا ملكة البيتزا الحلال... والأرمينية

في إحدى الليالي المعتدلة في مرسيليا، ثاني أكبر مدينة في فرنسا، تتحرك الحشود في شوارع حي «كور جوليان» المركزي الذي تتناثر فيه رسومات الغرافيتي.

ليلي رادزييمسكي (مرسيليا)
مذاقات «محشي ماما»... فكرة وليدة شغف 3 أمهات بالطبخ

«محشي ماما»... فكرة وليدة شغف 3 أمهات بالطبخ

في قلب القاهرة، وفي منطقة شبرا، انطلقت قبل 3 أشهر فكرة فريدة من نوعها بتدشين مطعم «محشي ماما»، الذي يتخصص في تقديم أصناف المحشي الشهية

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات «الكوكيز»... حلوى من صنع منصات التواصل الاجتماعي

«الكوكيز»... حلوى من صنع منصات التواصل الاجتماعي

برقائق الشوكولاتة المتناثرة على سطحها، اكتسبت «الكوكيز» الأميركية شعبية كبيرة خلال السنوات الأخيرة في العديد من الدول العربية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك 4 حقائق صحية تدعوك إلى تناول الفطر

4 حقائق صحية تدعوك إلى تناول الفطر

لا يحتاج الفطر «عيش الغراب» (Mushrooms) إلى ضوء الشمس لينمو، ويتضاعف حجم الفطر كل 24 ساعة، ويُزرع ويُحصد على مدار العام.

د. عبير مبارك (الرياض)

مرسيليا ملكة البيتزا الحلال... والأرمينية

بيتزا مميزة في مطاعم في منطقة "كور جوليان" (نيويورك تايمز)
بيتزا مميزة في مطاعم في منطقة "كور جوليان" (نيويورك تايمز)
TT
20

مرسيليا ملكة البيتزا الحلال... والأرمينية

بيتزا مميزة في مطاعم في منطقة "كور جوليان" (نيويورك تايمز)
بيتزا مميزة في مطاعم في منطقة "كور جوليان" (نيويورك تايمز)

في إحدى الليالي المعتدلة في مرسيليا، ثاني أكبر مدينة في فرنسا، تتحرك الحشود في شوارع حي «كور جوليان» المركزي الذي تتناثر فيه رسومات الغرافيتي. تتوزع المباني الملونة كما لو أن مياه البحر الأبيض المتوسط القريبة قد غمرتها ثم انحسرت عنها وخلفت وراءها أصباغ قوس قزح متناثرة.

إنه منتصف الليل تقريباً. لا تزال الساحة تعج بالناس. أغلب المطاعم مغلقة، لكن الوهج الدافئ يلوح من طاولات أخرى مفتوحة، حيث تفوح رائحة صلصة الطماطم والجبن والعجين في الهواء.

قال لي صديقي سيمون، المولود في مرسيليا، عندما انتقلت إلى المدينة منذ أكثر من عام بقليل: «هنا، الطعام في وقت متأخر من الليل، ليس الكباب أو الكريب إنها البيتزا».

تتميز بيتزا مرسيليا بقشرة أقسى من بيتزا نابولي اللينة. وعادة ما تُصنع بجبن الإيمنتال بدلاً من جبن الموزاريلا. ويقول البعض إن السبب في ذلك هو أن جبن الإيمنتال كان متاحاً أكثر؛ بينما يؤكد آخرون أنه أكثر ملوحة وغنى. وكثيراً ما يستبدل صانعو البيتزا البردقوش البروفنسالي بالأوريغانو؛ وأحياناً ينثرون الثوم النيء فوقها.

أما شريحة بيتزا مرسيليا الكلاسيكية، فهي فطيرة الـ«مواتييه مواتييه» (النصف نصف)، وهي فطيرة من الطماطم محشوة بالأنشوجة على جانب واحد والجبن على الجانب الآخر. أما البيتزا الأرمينية، فإنها تحتوي على لحم البقر المفروم والبصل والفلفل. وتوجد نقانق فيغاتيلي الحلوة مع الجبن الذي يشبه الريكوتا فوق الفطيرة الكورسيكية. تتوفر البيتزا الحلال في حي «نواي» القريب من الميناء.

ويعكس هذا التنوع طابع المدينة نفسها. جلب الإيطاليون البيتزا للمرة الأولى إلى مرسيليا في أواخر القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك الحين، احتضنت المدينة موجات من المهاجرين، من أماكن مثل أرمينيا وكورسيكا والجزائر، وجميعهم احتضنوا الطبق الإيطالي الأصل وجعلوه طبقاً خاصاً بهم.

تقول سيلين رينيارد، المؤرخة المحلية: «لا يختلف الأمر كثيراً في مرسيليا عن المدن الساحلية الصناعية الكبرى الأخرى، لكن ما يميز مرسيليا، ربما مثل نيويورك بعض الشيء، هو أن هناك طابعاً كوزموبوليتانياً عالمياً. إذ تعدُّ المدينة نفسها بوتقة انصهار للجميع».

مرسيليا هي فسيفساء من الناس والثقافة والتاريخ. والبيتزا هي مجرد وسيلة لاستكشاف ذلك المزيج.

وصل المهاجرون الإيطاليون إلى مرسيليا بأعداد كبيرة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث استقر الكثير منهم في «لو بانييه»، أقدم أحياء المدينة، حيث افتتحوا مطاعم مثل «لا بيلا بيتزا»، أول مطعم بيتزا مسجل في المدينة.

بيتزا "مواتييه مواتييه" في مرسيليا (نيويورك تايمز)
بيتزا "مواتييه مواتييه" في مرسيليا (نيويورك تايمز)

كانت جوزفين روكارو وزوجها يديران مزرعة في صقلية قبل أن ينتقلا إلى مرسيليا في وقت ما من عشرينات القرن الماضي - وعائلتهما غير متأكدة من السنة التي هاجرا فيها على وجه التحديد. في البداية كانت روكارو تبيع البيتزا في الشارع من صندوق خشبي. ثم افتتحت مطعم «لا بيلا بيتزا» في عام 1924.

لم يعد المطعم الأصلي موجوداً. لكن بالقرب من «كور جوليان»، ينفتح باب أسود خفي على صوت أزيز مسموع من غرفة مزدحمة ذات إضاءة خافتة. تلف صانعة البيتزا العجين وتديره على خلفية فرن ناري مشتعل. المكان ضيق، لكن عندما يكون الطقس لطيفاً - وهو ما يحدث أغلب الوقت في مرسيليا - يتدفق رواد المطعم إلى الشرفة. هذا هو مطعم «لا بيلا بيتزا» اليوم، ويديره رومان سابينزا، وهو حفيد حفيد روكارو.

خلال إحدى زياراتنا الأخيرة، خرج سابينزا من خلف المنضدة بابتسامة عريضة. افتتح المطعم في عام 2021 بعد أن قضى سنوات في وظيفة مكتبية. وقال إنه كان متحمساً للعمل بيديه، حيث كان يقوم بحركة عجن عجينة البيتزا.

عندما نشأ في بلدة قريبة، كان منزل والديه وأجداده - الذي كان يبعد أقل من نصف ميل عن بعضهما بعضاً - مجهزاً بأفران البيتزا في الفناء الخلفي، كما قال وهو يقلب في بعض الصور القديمة الممسوحة ضوئياً على هاتفه.

في إحدى الصور، تجتمع العائلة حول طاولة بلاستيكية بيضاء مغطاة بقماش مزين بالزهور بينما كانت جدته تقطع البيتزا. قال سابينزا إن أجداده كانوا يملكون مطعمهم الخاص في مرسيليا، الذي كان يحمل اسماً مختلفاً في الستينات. وقال إن تجار المخدرات والقوادين كانوا يتناولون الطعام هناك بجانب رئيس الشرطة والسياح.

تُصنع البيتزا في مطعم «لا بيلا بيتزا» على طريقة مرسيليا مغطاة بالثوم الطازج؛ ويقول سابينزا إن شريحة البيتزا يجب أن تكون مقرمشة بما يكفي للإمساك بها بثلاثة أصابع - الإبهام والسبابة والوسطى - ويجب أن تكون صلبة من الأسفل ولينة من الداخل.

وقال أيضاً: «بيتزا مرسيليا هي بيتزا لها قصة. فنحن نشعر بالتاريخ والإنسانية والثقافة من خلال الطعام وكيفية تناوله».

طلبات البيتزا الجاهزة كبيرة ورائجة في مرسيليا؛ حيث تجوب المدينة أكثر من 50 شاحنة حول المدينة وتقف في مواقع مختلفة حسب اليوم. يأخذ الناس البيتزا لتناولها على الشاطئ، ويعرضون أحياناً مشاركتها مع أي شخص قريب. عندما يلعب فريق كرة القدم المحلي «أولمبيك مارسيليا» مباراة ما، يبدو الأمر كما لو أن كل شخص في المدينة لديه شريحة بيتزا في يده. حتى أن الكثيرين يتناولونها أثناء التنقل، وهو أمر نادر في فرنسا، حيث يعدُّ الجلوس لتناول الوجبات أمراً مقدساً.

في أيام الخميس، بدءاً من نحو الساعة الرابعة عصراً تقريباً، عادة ما تركن شاحنة بيضاء تابعة لـ»برونو لافوري» (48 عاماً)، أمين صندوق اتحاد شاحنات البيتزا المحلي، مقابل كنيسة «نوتردام دو مونت»، على بعد خطوات قليلة من مطعم «لا بيلا بيتزا».

وفي ظهيرة أحد أيام الأسبوع، كان أحد زملاء لافوري يقف خلف منضدة المطبخ. كان يتحرك في إيقاع ثابت، جاعلاً تعدد المهام يبدو وكأنه رقصة لا شعورية من دون عناء. كان يسجل طلباً، ويدور ويدخل الفطيرة في الفرن قبل أن يدور عائداً إلى المنضدة ويمد يده إلى الأعلى ليحضر المناديل. قدَّم الخدمة للزبائن، ثم عاد إلى الثلاجة، وأمسك بكومة من العجين ووضعها بقوة على المنضدة وعجنها ومدها، ثم نشر الصلصة ونثر الجبن ثم أدخلها إلى الفرن.

على مدار 15 عاماً، كان لافوري يدير هذه العملية اللذيذة، لكن غير الموصوفة: قال لي عندما جلست معه لتناول القهوة: «لا يوجد اسم معين لها. إنها فقط الشاحنة، هذا هو الاسم».

تحتوي «بيتزا بيانكا»، وهي شاحنة في ساحة «سيباستوبول» - وهي ساحة تضم مقاهي ومحال بقالة متخصصة وسوقاً في صباح السبت - على أكثر من 50 نوعاً من البيتزا الكاملة، بالإضافة إلى شرائح البيتزا في قائمة الطعام الخاصة بها. قشرة البيتزا الكورسيكية رقيقة وصلبة ومتماسكة، لكنها ليست مقرمشة. ويضيف الجبن نكهة كريمية خفيفة ومالحة إلى الصلصة، أما النقانق فهي ذات مذاق أشبه بالعسل.

في منتصف المسافة تقريباً بين «بيتزا بيانكا» وحي «كور جوليان»، تقع شاحنة بيتزا «جيه دي» بلونها الأصفر الكناري، حيث تقدم شاحنة بيتزا «جيه دي» الصفراء مجموعة واسعة مماثلة من العروض والخيارات (هذا هو المكان الذي صنع فيه أنتوني بوردان والشيف إريك ريبيرت البيتزا في مسلسل «أجزاء غير معروفة: مرسيليا»). القشرة سميكة وناعمة والشرائح كبيرة. تُعدُّ البيتزا الأرمينية، التي تحتوي على الفلفل الأخضر والأحمر الذي يكمل اللحم المفروم والبصل مدرجة تحت فئة «البيتزا التقليدية» في قائمة الطعام.

في جميع أنحاء مرسيليا، هناك عدد لا يحصى من المطاعم المتواضعة التي قد تحتوي على عدد من الفطائر المعروضة أكثر من عدد الطاولات. أحد هذه الأماكن هو مطعم «بيتزا شارلي» - وهو متجر تديره عائلة أسسته منذ أكثر من 60 عاماً، ولديه الآن ثلاثة فروع في جميع أنحاء المدينة - وهو من المؤسسات المحلية البارزة هنا.

يقع «بيتزا شارلي» الأصلي قبالة سوق «مارشيه دي نواي»، وقفت نبية عليوي (67 عاماً)، التي تعمل في المطعم، على طاولة خارج واجهته الحمراء، تلف الحلويات الرمضانية. جميع أنواع البيتزا التي يقدمها مطعم «شارلي» حلال؛ فهناك شرائح لحم الديك الرومي والمرقاز (السجق العربي) إلى جانب الجبن والأنشوجة. قشرة البيتزا رقيقة ومتينة، لكنها لا تتشقق عند طيها، والصلصة ذات نكهة عشبية. انتقلت السيدة عليوي من الجزائر إلى مرسيليا منذ نحو 40 عاماً إلى المبنى في الشارع المقابل للمطعم، وسرعان ما بدأت في التواجد في الطابق السفلي مع شارلي رودوسيو، ابن مؤسس المطعم، الذي كان مالكا للمطعم وقتذاك، والآن، يمتلك ابنها، شارلي رودوسيو جونيور المطعم.

* خدمة «نيويورك تايمز»