ياسمين منصور الفائزة بجائزة «فاشن ترست أرابيا»... كيف حوَلت معاناتها إلى إبداع؟

عسر قراءة وفرط النشاط الحركي فجَّرا طاقاتها الإبداعية وفتحا لها أبواب الموضة

تؤمن ياسمين بأن الأزياء الراقية يجب أن تكون متميزة بفنيتها وتفردها مهما كلف الثمن (خاص)
تؤمن ياسمين بأن الأزياء الراقية يجب أن تكون متميزة بفنيتها وتفردها مهما كلف الثمن (خاص)
TT

ياسمين منصور الفائزة بجائزة «فاشن ترست أرابيا»... كيف حوَلت معاناتها إلى إبداع؟

تؤمن ياسمين بأن الأزياء الراقية يجب أن تكون متميزة بفنيتها وتفردها مهما كلف الثمن (خاص)
تؤمن ياسمين بأن الأزياء الراقية يجب أن تكون متميزة بفنيتها وتفردها مهما كلف الثمن (خاص)

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، احتضنت مدينة مراكش، النسخة السادسة من فعالية «فاشن تراست أرابيا»، التي تعد إحدى أهم المبادرات التي ترعى وتدعم المصممين الناشئين العرب حالياً. كانت هذه المرة الأولى التي تخرج فيها من الدوحة، مسقط رأسها. في مراكش تم الكشف عن أسماء الفائزين بجوائزها القيمة. ومنذ أسابيع قليلة استقبلت «هارودز» اللندنية الفائزين بحفاوة، تمهيداً لعرض تصاميمهم هذا الصيف في أروقة متجرها العريق.

الأميرة المغربية للا حسناء تتوسط الشيخة المياسة وتانيا فارس والفائزين بجوائز النسخة السادسة من «فاشن ترست أرابيا» (خاص)

كانوا سبعة فائزين. عن فئة المجوهرات فازت كل من سارة نايف آل سعود ونورا عبد العزيز آل سعود ومشاعل خالد آل سعود، مؤسِّسات علامة «APOA) ،«A Piece of Art). وعلى جائزة فرانكا سوزاني، الموهبة الصاعدة سيلويا نزال، وهي فلسطينية - أردنية. بينما حصلت بتول الرشدان من الأردن على جائزة Fashion Tech. وكل من زافي غارسيا وفرانكس دي كريستال على جائزة البلد الضيف: إسبانيا. أما الجوائز الثلاث الأخرى فكانت من نصيب ثلاث مصريات: نادين مسلم عن فئة الأزياء الجاهزة، وياسمين منصور عن فئة أزياء المساء والسهرة، بينما كانت جائزة الإكسسوارات من نصيب ريم حامد.

في لقاء جانبي مع ياسمين منصور وتحت أشعة شمس ألقت بدفئها على لندن، تصف مشاعرها وهي تتسلم جائزتها من الأميرة المغربية للا حسناء: «إنها تجربة ستبقى محفورة في ذاكرتي مدى الحياة، لأنها من المحطات المفصلية في حياتي».

المصممة ياسمين منصور (خاص)

ما بدأ كدردشة عابرة، تحوَّل سريعاً إلى لقاء نابض بالإيجابية. أثار حماسها فضولي لاكتشاف المزيد عنها كمصممة وكإنسانة، ووجدت هي في الحوار مساحة للبوح بهويتها المزدوجة، وشغفها العميق، والتحديات التي واجهتها في طفولتها ومراهقتها نتيجة معاناتها من فرط الحركة وعسر القراءة وافتقار المنطقة العربية إلى بنية تحتية تدعم المصممين الناشئين.

يستوقفك أسلوب ياسمين لاختلافه وتميزه، إذ يجمع تقاليد قديمة بصياغة حديثة لا تعترف بزمان أو مكان. هذا ما أقنع لجنة تحكيم «فاشن تراست أرابيا» المكونة من أسماء عالمية ورشحها للفوز. هذا أيضاً ما تتأكد منه من النظرة الأولى. تفاصيل معقدة لكن مصوغة بحرفية عالية ولغة أنثوية تُخفي تحتها تفصيلاً رجالياً لا يُعلا عليه اكتسبته منذ صباها من تعاملاتها المباشرة مع الخياطين.

تؤمن ياسمين بأن الأزياء الراقية يجب أن تكون متميزة بفنيتها وتفردها مهما كلف الثمن (خاص)

يتطور الحديث، وتكتشف أن خلف حسها الإبداعي يكمن أيضاً وعي تجاري لا سيما بعد أن تشير إلى حقيبة يد صغيرة بألوان متوهجة تحقق رواجاً لافتاً رغم أنها مصنوعة من قصاصات أقمشة عوض الجلد الطبيعي. تقول المصممة إنها ولدت من رحم الركود الذي فرضته جائحة كورونا. كانت هذه الفترة عصيبة عليها. بصفتها مصممة، كانت ولا تزال تؤمن بأن التواصل المباشر مع الزبونات هو أساس عملها، ولم يكن يُغريها عرض تصاميمها على مواقع التسوق الإلكتروني والاعتماد على الإنترنت. لكنَّ العزلة التي فرضتها الجائحة أفقدتها كثيراً من زبوناتها، لهذا كان لا بد من إعادة التفكير في كل شيء وفق قولها: «وأنا أفكر في ضرورة إعادة ترتيب أوراقي، بدأت أرتّب المكان من قصاصات القماش المتناثرة على الأرض. جمعتها واحدة واحدة كما لو كنت ألملم أفكاري. هكذا بدأت فكرة هذه الحقيبة وهكذا وُلدت».

حقيبة يد صنعتها من قصاصات الأقمشة المتناثرة على أرض معملها في فترة كورونا (خاص)

البداية كانت مبكرة

عندما تتحدث ياسمين عن مسيرتها تعطي الانطباع أنها أكبر من سنها بكثير. أسألها عن عمرها، فترد ضاحكة أنها في الـ34 من العمر، مستطردةً بسرعة كأنها تريد أن تؤكد أنها بخبرتها أكبر من سنها: «لا تنسي أنني دخلت هذا المجال في سن مبكرة. لما كنت في الثانية عشرة من عمري شعرت أن التصميم سيكون قدري، ثم دخلته عملياً وأنا في السابعة عشرة». بسبب معاناتها من عسر القراء وفرط النشاط، كانت تشعر أنها مختلفة. هذا الاختلاف أيقظ جانبها الفني. كانت تفضل البقاء في غرفتها ترسم وتُلوِّن. زاد اهتمامها بالموضة ومظهرها في سن المراهقة، إلا أنها لم تكن تجد ما يروق لها أو يعكس أسلوبها وشخصيتها.

تجمع المصممة التفصيل الرجالي بالتفاصيل الأنثوية والفنية (خاص)

كان الحل الوحيد أمامها الاستعانة بخياطين. تشرح: «يمكنك القول إن علاقتي بالخياطة بدأت من الحاجة، قبل أن تتحوّل إلى مسار حياة. فقد بدأت أتردد على الخياطين منذ أن كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة. كنت أعرف ما أريد منهم ربما لتأثري بوالدتي، التي كانت عاشقة للفن والموضة، وتمتلك خزانة غنية بالملابس والإكسسوارات الكلاسيكية. كان أسلوبها مستلهماً من نجمات مصر من مثيلات سعاد حسني وفاتن حمامة وشادية وغيرهن، الأمر الذي يفسر ذلك المزيج بين الكلاسيكي والحداثي في تصاميمي».

في المقابل كان والدها يعمل في مجال المال والاستثمار. لم يقتنع في البداية بتوجهها إلى عالم الموضة. مثل أي أب عربي كان يريدها أن تدرس الطب أو الهندسة أو أي مجال يضمن مستقبلها. تجد له ياسمين العُذر بأن «صناعة الموضة في قطر آنذاك لم تكن كما هي عليه اليوم».

ياسمين منصور في بدلة رجالية مستوحاة من خزانة والدها (خاص)

تتذكر أنه في عام 2013 لم تكن هناك صناعة موضة حقيقية مثلما كان الحال عليه في لبنان مثلاً. «كانت الساحة تفتقر إلى أي بنية تحتية، أو سوق بالمعنى المتعارف عليه. كان المصمم يعني خياطاً في عيون الغالبية. كنا أربعة مصممين فقط ولم يكن الطريق مفروشاً بالورود بالنسبة إلينا». ثم كانت النقلة مع إطلاق مبادرة «فاشن ترست أرابيا» على يد كل من الشيخة المياسة، ودعم من الشيخة موزا، واللبنانية تانيا فارس. تغير المشهد تماماً في قطر، وأصبحت الدوحة من أكثر الداعمين للموضة؛ صناعةً وفناً.

مع الوقت وبفضل قوتها الداخلية، وأيضاً بسبب معاناتها من عسر القراءة، جعلت والدها يذعن لرغبتها ويشجّعها. تقول مازحةً: «صحيح أنني لم أرث قدراته على إدارة المال والأعمال، إلا أنني ورثت عنه حبه للأناقة والتفصيل اليدوي. كنت معجبة بأسلوبه إلى حد أني كنت أرتدي بدلاته في بعض الأحيان وأنسِّقها بشكل يناسبني. لا أنكر أنه أثّر عليَّ وهو من وراء شغفي بالتفصيل اليدوي، وذلك الخيط الرفيع بين الرجالي والأنثوي».

الهوية المصرية

تنحدر ياسمين من أسرة مصرية هاجرت للعيش في قطر. فيها وُلدت وشبَّت وأطلقت دارها. مصر بالنسبة إليها كانت هي الصيف وفترة الإجازات، والتجول في أسواق خان الخليلي، تشتري منه قطعاً معدنية تعيد صياغتها: «كنت أريد أن أختبر كل شيء، أن أتعلم من كل تجربة». في سن العشرين وبعد إنهاء دراستها، بدأت من قطر رحلة العمل والنجاح.

المزج بين الأصالة والحداثة

تعترف أن «فاشن ترست أرابيا» كان لها فضل كبير على المصممين الشباب من أمثالها. توفر لهم منصة يستعرضون فيها مهاراتهم وفي الوقت ذاته تفتح أمامهم فرص ذهبية للتدريب واكتساب خبرات جديدة فـ«الجوائز وحدها لا تغيّر شيئاً» وفق قولها. المهم لها هو توظيف المؤهلات العربية والإرث الثقافي والفني لإعطاء صورة إيجابية، تستلهم من التراث وتصوغه بلغة عصرية لا تخضع لإملاءات الموضة الموسمية.

تقول هذا وهي تستعرض قطعة طويلة على شكل «كاب» بطيَّات دقيقة مرصوصة كأنها بليسيهات. خطوطها مواكبة للموضة العالمية، إلا أنها في الحقيقة مستلهَمة من العباءة العربية بأكتافها وانسدالها.

حقيبة وُلدت من رحم الركود والعزلة وتحقق نجاحاً منقطع النظير (خاص)

قريباً ستحتفل ياسمين بعامها الـ35. زاد نضجها الفني والإنساني وأصبحت تعرف ما تريد. هدفها لم يكن أبداً الانتشار السريع بقدر ما كان بناء علاقة حقيقية مع زبونات يُقدرن الخياطة الراقية. اليوم وبعد أن خاضت تجربة «فاشن ترست أرابيا» وذاقت طعم النجاح، تقف بثقة في «الروف الخاص بهارودز» في الطابق الخامس، ولسان حالها يقول إن العالمية قريبة جداً، وهي أهل لها. بماذا تحلم؟ «أن أنظم عرض أزياء ضخماً في الدوحة، وأن أفتتح متجراً رئيسياً في باريس».


مقالات ذات صلة

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

سر حذاء شاكيرا الضخم في افتتاح مونديال 2026

حذاء شاكيرا الرياضي ذو المنصة المرتفعة بمونديال مكسيكو سيتي يقلب موازين أزياء الملاعب، مازجاً بين تمرد «الغرانج» وأناقة العصر بلمسة كولومبية ذكية.

كوثر وكيل (لندن)
لمسات الموضة ياسين بونو وعبد الصمد الزلزولي وأزياء بتوقيع دار «بيغناتيلي» الإيطالية (.أ.ف.ب)

كأس العالم 2026 «تلعب» باحترافية على علاقة الموضة بكرة القدم

في التسعينات كانت القوة الإعلانية للعارضات «السوبر» تبعهم النجوم وفي المرحلة الحالية يبدو أنهم سلموا المشعل لنجوم كرة القدم.

جميلة حلفيشي (لندن)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.