لآلئ أميرة ويلز... ما رمزيتها ودلالاتها؟

حجر الحظ والحماية

الكل كان يترقب ظهور الأميرة بعد طول غياب ولم تخيب آمالهم (إ.ب.أ)
الكل كان يترقب ظهور الأميرة بعد طول غياب ولم تخيب آمالهم (إ.ب.أ)
TT

لآلئ أميرة ويلز... ما رمزيتها ودلالاتها؟

الكل كان يترقب ظهور الأميرة بعد طول غياب ولم تخيب آمالهم (إ.ب.أ)
الكل كان يترقب ظهور الأميرة بعد طول غياب ولم تخيب آمالهم (إ.ب.أ)

بعد غياب طويل بسبب مرضها، ظهرت أخيراً أميرة ويلز، كيت ميدلتون في العرض العسكري الذي يقام سنوياً. هذه المرة بمناسبة عيد ميلاد الملك تشارلز الثالث. منذ أن تناهى لوسائل الإعلام خبر حضورها المناسبة، والكل يترقب وصولها؛ إما من باب الفضول وإما من باب الرغبة في الاطمئنان عليها. غيابها لأشهر، أثار الكثير من التكهنات والإشاعات ولا يزال، الأمر الذي اضطرها منذ فترة للخروج في بث تلفزيوني لتشرح بعض تفاصيل مرضها وتُطمئن محبيها، طالبة منهم بلباقة دبلوماسية منحها وقتها للتداوي والتعافي بسلام.

ظهرت الأميرة أكثر نحافة لكن بنفس الابتسامة والأناقة المحسوبة بدقة (أ.ف.ب)

عادت أكثر نحافة من ذي قبل، لكن بنفس الابتسامة التي لا تفارق وجهها في المناسبات الرسمية. تألقت في فستان أبيض بحواشٍ باللون الأزرق الغامق من المصممة جيني باكام، وحذاء أيضاً أبيض مع قبعة متناسقة مع الفستان من تصميم فيليب ترايسي. كان كل شيء في مكانه الصحيح. فهي تعرف مسبقاً أن الكل ينتظر عودتها، وبالتالي لا مجال لأي هفوة أو خطأ.

ضمن الصورة الأنيقة التي رسمتها بدقة أثارت أقراطها اللؤلؤية النظر لما يتميز به هذا الحجر من دلالات ورموز (إ.ب.أ)

ضمن هذه الصورة المشرقة والأنيقة لفتت أقراط الأذن المرصعة باللؤلؤ النظر. من يعرف سيدات أفراد العائلة في المناسبات الرسمية، يعرف أن اختيارهن لمجوهراتهن لا يأتي من فراغ، وبالتالي فإن اختيار أميرة ويلز لهذا الحجر تحديداً، لا بد أنه خضع لنفس المعايير الدقيقة والمحسوبة التي تتبعها في أزيائها، وتحرص فيها على أن يكون لكل جزئية معنى أو رسالة. أول ما يتبادر إلى الذهن أن هذا الاختيار طبيعي؛ لأن اللؤلؤ يتماشى مع اللون الأبيض. وهذا صحيح، لكن الألماس أيضاً له نفس التأثير في هذه الحالة، فلماذا اختارت اللؤلؤ تحديداً؟

والجواب بكل بساطة أنه يرمز للصفاء والسلام، كما أنه يجذب الحظ السعيد. في ثقافات عديدة يرمز للحكمة، خصوصاً الحكمة التي تكتسب من تجارب الحياة وتقلباتها. وفي أخرى، هو الحجر الذي يُوفر الحماية والأمان. كل هذه الرموز والدلالات تنطبق على أميرة ويلز في الوقت الحالي، فهي في أمسّ الحاجة إلى الحظ والحماية بالنظر إلى التجارب والضغوطات التي مرت بها في السنوات الأخيرة، ولا تزال تتعافي منها.


مقالات ذات صلة

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

لمسات الموضة ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

إطلالات أوساكا تجاوزٌ لقواعد التنس الكلاسيكية والراقية، في كل تفاصيل اللعبة، أم انعكاسٌ لثقافة العصر وروح العصرنة بوصف الرياضة ترفيهاً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الروبوتات أيضاً بدأت تبحث عن أناقتها الخاصة (إ.ب.أ)

روبوتات ترتدي أحدث صيحات الموضة في سيول

راح كلّ عارض بشريّ يطلُّ على المنصة مع رفيقه الآليّ الأقصر...

«الشرق الأوسط» (سيول)
لمسات الموضة من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

لا يبدو أن «غوتشي» تحت إدارة ديمنا تبحث عن الرومانسية والنخبوية؛ بقدر ما تبحث عن التأثير الجماهيري الواسع وتحقيق الربح الذي يراوغها منذ سنوات...

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)

هل يحلّ قميص بسعر 69 دولاراً مشكلة المقاس؟

هل يمكن الحصول على قميص مفصل على المقاس وحسب الطلب بسعر 69 دولاراً فقط؟ حتى عهد قريب، كان الأمر لا يُصدَق، لكنه في عصر الإنترنت والتكنولوجيا أصبح حقيقة تُلبِي…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تتوفر حالياً في كل المحلات بمواد وألوان وأسعار متنوعة (موقع زارا)

الأحزمة الأنيقة تتصدّر صيحات صيف 2026

رغم أن الحزام إكسسوار متجذّر في تاريخ الموضة، وارتبط طويلاً بوظيفة عملية واضحة، فإنه في عام 2026 يشهد تحولاً لافتاً في مكانته. فقد أصبح عنصراً أساسياً في…

نادية عبد الحليم (القاهرة)

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء
TT

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

منذ ظهورها الأول في المباراة الافتتاحية لـ«بطولة رولان غاروس 2026»، رسمت اليابانية ناومي أوساكا صوراً لافتة. رغم أنها عوّدتنا إياها، فإنها تفاجئ وتثير الجدل في كل مرة. حديثاً، دخلت ملعب «سوزان لينغلن» في فستان أقرب إلى ما نراه على منصات عروض الأزياء أو في مناسبات السجاد الأحمر. تتقدّم بخطوات واثقة وتنورة من التول تتطاير من خلفها. قالت إن السويسري كيفن جيرمانييه صممها خصيصاً لها. ثم تصل إلى مقعدها، تنزعها لتكشف عن الزي الذي ستخوض به المباراة، وتُحقق لاحقاً الفوز على منافستها الألمانية لورا سيغموند.

أوساكا لدى وصولها لمواجهة لورا سيغموند (أ.ف.ب)

لم يكن أقل إبهاراً أو غرابة من التنورة. فهو مطرز بالترتر والخرز بتوقيع شركة «نايكي». حتى هي كانت تعرف مسبقاً أنه دخيل على لعبة التنس بسبب لمعانه الشديد، إلا إن حب الموضة ولفت الأنظار كان أقوى من العملية.

خالفْ تتميز

مشهد دخول أوساكا ومشيتها يستحضر للبعض مقولة «خالفْ تُعرف»، لكن في حالة ناومي أوساكا، ربما يكون الأدق أن نقول «خالفْ تتميّز». فالبطلة اليابانية ليست بحاجة إلى لفت الأنظار؛ إذ حققت ما يكفي من الإنجازات لتضع اسمها بين أبرز لاعبات التنس في العالم. لكن هذا لا يمنع أن حضورها الرياضي باتت تُحدده خياراتها الشخصية المتعلقة بإطلالاتها. أمر برّرته في مقابلات سابقة بأنه طبيعي بالنسبة إليها؛ لأنها تُعبّر به عن جانب آخر من شخصيتها. ثم إنها، في نهاية المطاف، تعشق الموضة وتستمتع بها، شأنها شأن ملايين النساء؛ مما يجعلها لا تفصل بين اللاعبة التي تتحدث إنجازاتها عن موهبتها وإصرارها، والإنسانة التي تسعى إلى التميز في عالم تتشابه فيه القمصان والتنورات الرياضية إلى حد بعيد. يذكر أن شغفها بعالم الموضة بلغ حدّ أنها في عام 2021، بين مشاركتَيها في بطولتَي «مدريد» و«إيطاليا» المفتوحتين، لم تقاوم رحلة خاطفة عبر الأطلسي لحضور حفل «ميت غالا» في نيويورك.

...وإطلالة أخرى لأوساكا قبل مباراتها مع الأميركية إيفا جوفيك (أ.ف.ب)

بين الكلاسيكية والترفيه

في مؤتمر صحافي حديث، علّقت على الموضوع قائلة: «أشعر أن الموضة وسيلتي للتعبير، فأنا لا أتحدث كثيراً؛ لذلك أترك لملابسي هذه المهمة، لا سيما أنها تسمح لي بأن أكون جريئة وحرة في ما أختار». وأضافت: «أعتقد أن هذا هو الجانب الممتع الذي أشعر أننا فقدنا شيئاً من روحه في التنس». في المؤتمر نفسه، تشير إلى أن الفضل في هذه الروح «خفيفة الظل» التي بتنا نراها حالياً يعود إلى كل من سيرينا وفينوس. فقد سبقتاها في اعتماد الأزياء المثيرة للجدل ضمن إطلالاتهما من دون أن يتأثر أداؤهما الرياضي.

وعلى الرغم من أنها ليست من بدأت ثقافة «الاستعراض» في ملاعب التنس، فإنها في كل ظهور لها تثير جدلاً واسعاً، بين من يرى فيه تجاوزاً لقواعد التنس الكلاسيكية، التي تقدر الرقي والمظهر الرصين في كل تفاصيل اللعبة، وبين معجبين بجرأتها، عادّين أن أسلوبها يعكس ثقافة العصر وروح العصرنة. أما هي، فوصفته بالترفيه وبمفهوم المتعة التي ترتبط بالرياضة عموماً.

في لقاء مع «بي بي سي»، أشادت اللاعبة البريطانية السابقة أنابيل كروفت بناومي أوساكا، ووصفتها بالشجاعة، مشيرة إلى أن اختيار الظهور بإطلالة غريبة ولافتة يفرض قدراً من الضغوط والتوقعات؛ «إذ لا يكفي أن تثير الانتباه، بل ينبغي أيضاً أن تثبت حضورها داخل الملعب».

في المقابل، كانت للاعبة لورا سيغموند، التي خسرت أمام أوساكا في المباراة الافتتاحية، وجهة نظر مختلفة تماماً. لم تُخفِ استياءها وتحفّظها على تداخل الموضة مع الرياضة، قائلة إنها تأتي إلى الملعب «للعب التنس؛ لا لتقديم عرض أزياء».

بين مدرستين

حتى قبل انطلاق المباراة بينهما، بدا المشهد كأنه صراع بين توجّهين أو مدرستين مختلفتين للتنس: واحدة تميل إلى استثمار البعد البصري بالاستعراض والمبالغة، ورؤية أخرى تتمسك بالطابع التقليدي للتنس بصفته رياضة قائمة على الأداء أولاً وأخيراً.

إطلالة ناومي أوساكا في «بطولة أستراليا المفتوحة» بداية العام قالت إنها مستوحاة من قنديل البحر (إ.ب.أ)

في نهاية هذه المباراة، خرجت أوساكا فائزة، مؤكدة قدرتها على الانتقال ذهنياً من حالة الاستعراض إلى عقلية المنافسة، بقولها: «لقد اعتدت الأمر وأصبح طبيعياً بالنسبة إلي». وهذا ما انعكس على أدائها داخل الملعب، الذي غلبت عليه الثقة والهدوء. وأضافت: «لا أعتقد أن الأمر معقد بالنسبة إليّ؛ عكس ما يراه البعض. لحظات دخولي ملاعب البطولات الكبيرة أشعر فيها بأنني أقرب إلى الفنانة الاستعراضية، أو على الأقل بأنني جزء من عالم الترفيه. أليس الرياضيون، في نهاية المطاف، جزءاً من صناعة الترفيه؟ أنا فقط أعبّر عن ذلك بطريقتي».

وإذا كانت إطلالات «رولان غاروس» الأخيرة قد أثارت الاهتمام، فإنها ليست الأولى من نوعها في مسيرة أوساكا. فقد اعتاد متابعوها انتظار المفاجآت التي تُتحفهم بها كل مرة تدخل الملاعب. ففي «بطولة أستراليا المفتوحة» هذا العام، دخلت إلى الملعب مرتدية قبعة عريضة الحواف مع طرحة طويلة. وكأن هذه التفاصيل وحدها لا تكفي، فحملت مظلة بيضاء زادت من جرعة الدراما. وقبل ذلك، خلال «بطولة الولايات المتحدة المفتوحة» العام الماضي، ظهرت بتسريحة ذيل الحصان مزينة بورود حمراء براقة تتناغم مع زيها الأحمر.

المجوهرات تدخل المنافسة

اللاعبة البيلاروسية أرينا سابالينكا ومجوهرات فاخرة (أ.ف.ب)

أوساكا لم تكن وحدها من أشعلت الجدل بشأن العلاقة المتنامية بين الرياضة والموضة. فاللاعبة البيلاروسية أرينا سابالينكا خطفت بدورها جانباً من الأضواء بإطلالة مؤلفة من طبقات متعددة جمعت بين زي أحمر وشبكة سوداء خفيفة، مع لمسات حمراء امتدت حتى طلاء أظافرها. لكن ربما تكون المجوهرات التي ظهرت بها خلال المباراة أكبر ما فتح نيران النقاشات، إذ تزيّنت بقلائد متراصة، إضافة إلى أقراط فاخرة تضم أكثر من «200 قيراط من حجر الغارنيت، و23 قيراطاً من الألماس».

اللاعبة البيلاروسية أرينا سابالينكا وطلاء أظافر أحمر ومجوهرات فاخرة (إ.ب.أ)

بعد أن طُرحت تساؤلات بشأن مدى عملية هذه المجوهرات في الملعب، ردّت قائلة: «لم أشعر بثقلها على الإطلاق، لكنني أتفهّم كيف قد تبدو كذلك لمن يشاهدها من بعيد». أما تبريرها اختيار هذه الإطلالة، فكان بسيطاً ومباشراً: «يهمني أن أبدو بمظهر جميل. فهذا يمنحني الثقة، وهو ما ينعكس على أدائي الذي يكون أفضل».

وبالفعل كانت النتيجة أنها افتتحت مشوارها في البطولة بفوز مريح على الإسبانية جيسيكا بوزاس مانيرو بمجموعتين دون رد.

ويعكس الجدل المتصاعد بشأن أوساكا ومثيلاتها كيف أصبحت البطولات الكبرى في التنس مساحة تتداخل فيها المنافسة الرياضية مع الصورة الإعلامية والهوية البصرية، في وقت باتت فيه بعض النجمات يُنظر إليهن بوصفهن رموزاً ثقافية وعلامات تسويقية بقدر ما هن لاعبات داخل الملعب.

جاكيت «بومبر» غطي فستانها المطرز بالترتر (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى المتابع، فإن نسخة هذا العام من «بطولة رولان غاروس النسائية» تحديداً، لم تعد محصورة في تبادل الكرات، بل امتدت إلى الأزياء والمجوهرات، بحيث تبدو أوساكا خصوصاً كأنها تلتقط التحول في طبيعة الرياضة الحديثة، ودور اللاعب الذي لم يعد مجرد رياضي يقتصر حضوره على الأداء داخل الملعب، بل شخصية عامة، وربما حالة قادرة على توفير محتوى إعلامي دسم، وفي الوقت ذاته إرسال إشارات نحو عوالم الموضة والأزياء ودور المجوهرات، قد تعود عليها بعقود مجزية.


عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
TT

عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

انتهت عروض «الكروز» لعام 2027 منذ أكثر من أسبوع، ولا تزال أصداؤها تتردد في أوساط الموضة. السبب؟ تزامنها مع نقاشات وأخبار تفيد بتعافي بعض بيوت الأزياء الكبيرة، مثل «شانيل»، من الأزمة التي عصفت بصناعة الموضة والرفاهية عموماً، واستمرار معاناة بعضها الآخر، مثل «غوتشي»، وسط محاولات لاستعادة التوازن.

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

يذكر أن عروض «الكروز» ذات أهمية كبيرة لهذه الدور؛ لأنها الأطول بقاء في المتاجر، والأكثر قدرة على مخاطبة مختلف المواسم والفصول، مما يجعلها الأعلى ربحية. من هذا المنطلق، من الطبيعي ألا تبخل بيوت الأزياء الكبيرة عليها بأي جهد أو تكلفة؛ إذ حوّلتها فرصةً لا تُفوّت لـ«تدليل» زبوناتها عبر اصطحابهن إلى وجهات بعيدة ومثيرة تتيح لهن فرصة الانغماس في عالم كل دار، ومن ثم توطيد علاقتها بهن.

إطلالة من عرض «ديور» بمتحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز)

الأماكن ودلالاتها

في العقود الأخيرة تحوّلت عروض هذا الخط إلى ما يشبه استعراضات متنقلة، تُختار لها أعلى الوجهات إبهاراً ورمزية. فالأماكن هنا لا تقل أهمية عن الأزياء نفسها، بوصفها وسيلة لإيصال الرسائل الإبداعية وتحقيق أهدافها التجارية على حد سواء. لذلك؛ لا يكون اختيارها عشوائياً أو لمجرد البحث عن أشعة الشمس ودفئها، بل تحمل كل مدينة دلالاتها الخاصة المرتبطة بهوية الدار ورؤيتها في تلك المرحلة.

وتكتسب المرحلة حالياً أهمية استثنائية في ظل ما تشهده صناعة الموضة العالمية من تحوّلات، وتصاعد الضغوط على العلامات الكبرى لإيجاد توازن بين الإبداع والربحية. من هنا، تتحول كل وجهة إلى أداة سرد بصري متكاملة، وهو ما أكدته العروض الأخيرة، بكشفها عن الخيط المشترك بينها جميعاً، الذي يتمثل في توظيف المكان مرآةً لهوية الدار؛ سواء أكانت راسخة أم في طور التشكل.

فستان مبتكر من مجموعة «شانيل» (إ.ب.أ)

في حين اختارت «شانيل» بلدة بياريتز المرتبطة تاريخياً بغابرييل شانيل نفسها؛ لتأكيد صورة الرفاهية في المنتجعات الفرنسية والعودة إلى الجذور تحت قيادة ماثيو بلازي، فقد اتجهت «ديور» إلى لوس أنجليس؛ المدينة التي تختصر ثقافة الشهرة وصناعة الصورة والحلم الأميركي، في عرض عكس العلاقة المتنامية بين الموضة وثقافة المشاهير في «هوليوود»، إلى جانب الأسلوب التجريبي الذي يسعى جوناثان سوندز لترسيخه داخل الدار.

من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز)

أقيم هذا العرض في متحف «لاكما» ضمن مشهد سينمائي متكامل ضم سيارات «كاديلاك» وسينوغرافيا مستوحاة من عالم السيارات الأميركية في خمسينات القرن الماضي. كانت فيه لمسة من دراما «هوليوود» الكلاسيكية، وإشارة إلى العلاقة التاريخية الطويلة بين «ديور» وصناعة السينما.

«غوتشي» وثقافة الاستهلاك

أما «غوتشي» فبدلاً من اختيار موقع شاعري أو تاريخي، فقد ذهبت مباشرة إلى ميدان «تايمز سكوير» في نيويورك. لا قصور ولا مناظر حالمة... فقط شاشات عملاقة وإعلانات تجارية وفوضى حضرية تجسد ثقافة الاستهلاك الحديثة في أوضح صورها. والمفارقة أن المدينة شهدت في الفترة نفسها تقريباً، افتتاح متجر ضخم لـ«برايمارك»؛ إحدى أبرز العلامات الشعبية المتهمة بتكريس مفهوم الموضة السريعة.

فهم ديمنا ثقافة الاستهلاك وترجمها بالاستعانة بالمؤثرات والنجوم وفتيات المجتمع مثل باريس هيلتون (أ.ف.ب)

تحت هذا المفهوم، يبدو ديمنا، المديرُ الإبداعي الجديد للدار، كأنه يبعث برسالة مفادها بأن «غوتشي» تحت إدارته لا تبحث عن الرومانسية والنخبوية بقدر ما تبحث عن التأثير الجماهيري الواسع وتحقيق الربح الذي يراوغها منذ سنوات.

فاختيار نيويورك، وتحديداً «تايمز سكوير»، لم يكن مجرد بحث عن موقع صاخب يلفت الانتباه، بل جاء محمّلاً بدلالات رمزية وتجارية تنسجم مع رؤية ديمنا، المعروف بإثارته الجدل من خلال تناوله ثقافة الاستهلاك بأسلوب شبه فلسفي، يجمع بين التهكم والسخرية.

غير أن مقاربته في هذا العرض بدت مختلفة... فهو يُدرك تماماً ما تعانيه «غوتشي» من تراجع في المبيعات، كما يعرف أن مهمته الأساسية تتلخّص في إعادتها إلى الواجهة بوصفها أهم جوهرة في تاج مجموعة «كيرينغ». والنتيجة أن العرض كان أشبه بإعلان عن هذه الرغبة في استعادة موقعها ظاهرةً شعبية عالمية.

سيندي كروفورد وفستان يجمع الكلاسيكية بالمعاصرة في عرض «غوتشي» (رويترز)

كانت نيويورك، بثقافتها الصاخبة وإيقاعها السريع وهوسها بالنجاح والمال، الوجهة المثالية لرؤية ديمنا، الذي لا يبدو معنياً فيها بترسيخ مفهوم الفخامة الهادئة. فهو يتوجه هنا إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة التي تضم أثرياء جدداً لا يرفضون الشعارات البارزة والقطع اللافتة، من دون أن ينحرف تماماً عن إرث «غوتشي» القائم على الحرفية الإيطالية والذوق الأرستقراطي.

عاد ديمنا إلى إرث توم فورد في كثير من الإطلالات (رويترز)

ما فعله أنه أخذ هذا الإرث وأغرقه في فوضى بصرية صاخبة؛ ألواناً ونقوشات. ففي يوم العرض، أضاءت الشاشات الرقمية العملاقة «تايمز سكوير»، لتكرس ذلك التقاطع الذي يجسد هوس أميركا بالاستهلاك والتسويق. امتلأت هذه الشاشات بمنتجات بتوقيع «غوتشي»؛ من الشوكولاته والمياه إلى الحيوانات الأليفة، ومن السيارات حتى أدوية لإطالة العمر... في مشهد بدا كأنه تجسيد لحلم تجاري مكتمل الأركان، تدعمه شعارات جذابة وصور آسرة مهدت لعرض لم يكتف فيه المصمم بعارضات الأزياء الشهيرات، بل استعان أيضاً بمشاهير الـ«سوشيال ميديا» وفتيات المجتمع المخملي، مثل باريس هيلتون، ونجوم السينما والرياضة مثل توم برايدي.

لاعب الكرة السابق توم برايدي في عرض «غوتشي» (رويترز)

فالصورة الثقافية الراهنة بالنسبة إلى ديمنا تشمل كل هؤلاء، إلى جانب شريحة الأثرياء الجدد المهووسين بالموضة والسلع الفاخرة.

من هذا المنطلق، أطلقت الدار على العرض عنوان «غوتشي كور» في إشارة، وفق شرحها، إلى جوهرها الإيطالي، وإلى «تنوع مدينة نيويورك». أما كيف ترجم ديمنا هذا القول فنياً، فكان عبر خزانة ترتكز على قطع أساسية تحمل هوية الدار الإيطالية بالخط العريض، لكن بنكهة تجارية بحتة.

فمثل معظم بيوت الأزياء العالمية، تعيش «غوتشي» مرحلة من القلق والتذبذب الاقتصادي نتيجة تراجع المبيعات وخفوت الزخم الذي رافق طفرة ما بعد الجائحة. هذا إلى جانب فتور حماس المتسوقين بعد الارتفاعات الحادة في الأسعار من دون ابتكارات فنية موازية تبررها.

من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (أ.ف.ب)

لذلك راهنت «غوتشي»، مثل «شانيل» و«ديور»، على مصممين شباب لتحفيز مبيعاتها واستعادة بريقها، وهو ما يُفسِر ميل هؤلاء المصممين؛ من ماثيو بلازي في «شانيل»، إلى جوناثان آندرسون في «ديور»، وديمنا في «غوتشي»، إلى الماضي، أو بالأحرى إلى الفترات التي شهدت فيها البيوت التي تسلموا زمامها، عصراً ذهبياً. هذا العصر بالنسبة إلى جوناثان يرتبط بجون غاليانو، وبالنسبة إلى ديمنا بإرث توم فورد... لذلك؛ فقد افتُتح العرض ببدلات مفصلة بإحكام وفساتين مفعمة بالأنوثة، في إشارة واضحة إلى ما قدمه فورد في منتصف التسعينات من القرن الماضي.

لغة البيع الجديدة

غير أن ديمنا لا يستطيع البقاء طويلاً داخل حدود المضمون. كما لا يستطيع كبح جماح نزعاته الفنية، والتالي كان من المتوقع أن يعيد تفكيك هذه الرموز بأسلوبه الساخر معبراً عن موقفه من البورجوازية، من خلال عودته إلى الأشكال المستوحاة من الحياة اليومية والواقع الاستهلاكي المعاصر.

ويبقى السؤال المطروح حالياً: هل سيتمكن من بيع فكرة «غوتشي» بوصفها علامة ديمقراطية للجميع لا للنخبة فقط؟ هذا ما يأمله ويسعى لتحقيقه، وعبّر عنه بوضوح في هذه التشكيلة.

في المقابل، بدا جوناثان آندرسون أكثر انشغالاً بالتجريب والبحث؛ إذ حملت مجموعته كل بصماته المألوفة، من التفصيل الدقيق والأحجام النحتية والخطوط الانسيابية غير المكتملة، إلى الإشارات الثقافية والفنية المتعددة. والنتيجة أن العرض جاء مشبعاً بالأفكار والصور، لكن من دون حسم واضح في الرؤية؛ وهذا مما يجعل تجربته مختلفة كأنه لا يزال في رحلة بحث عن موقعه في الدار.

إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت معملاً خاصاً بالـ«هوت كوتور» في بياريتز الفرنسية عام 1915 (إ.ب.أ)

وبين ديمنا وآندرسون، يقف ماثيو بلازي أعلى توازناً وثقة؛ إذ نجح منذ وصوله إلى الدار في تحديث صورتها من دون إحداث قطيعة مع ماضيها، أو إشعار زبوناتها الوفيات بأن هويتها تتعرض للتفكيك. هذه الرؤية المتوازنة انعكست إيجابا على مبيعاتها، بدليل أنها الأفضل حظاً من حيث الأداء والنتائج، وفق مؤشر «ليست» الذي صنّفها «أوسعَ العلامات رواجاً وشعبية». فمنذ التحاقه بها، ارتفعت إيراداتها بنسبة اثنين في المائة العام الماضي لتصل إلى 19.3 مليار دولار، في وقت سجل فيه قسم الأزياء والمنتجات الجلدية لدى مجموعة «إل في آم آش» المالكة «لوي فويتون» و«ديور» تراجعاً بنسبة اثنين في المائة، فيما انخفضت مبيعات مجموعة «كرينغ» المالكة «غوتشي» بنسبة 10 في المائة.

إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت معملاً خاصاً بالـ«هوت كوتور» في بياريتز الفرنسية عام 1915 (إ.ب.أ)

ووفق مذكرة حديثة صادرة عن «مورغان ستانلي»، فقد نجحت «شانيل» في تحقيق نمو لافت هذا العام، وإذا استمرت على هذه الوتيرة، فإنها يمكن أن تكون من كبرى دور الأزياء حظاً. عرضها الأخير في بياريتز أكد أن لمسة ماثيو بلازي من ذهب؛ إذ التقط فيه خيوطاً قديمة صاغها بأسلوب معاصر تصعب مقاومة سحره.

وهكذا تبدو عروض «الكروز» اليوم أكثر من مجرد أزياء موسمية أو عروض في أماكن بعيدة... ولعام 2027، كانت مساحة تختبر فيها كل دار هويتها، وقدرتها على إقناع عالم متغير بأن الفخامة لا تزال حلماً للمتلقي وفناً بالنسبة إلى صناعها.


هل يحلّ قميص بسعر 69 دولاراً مشكلة المقاس؟

بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)
بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)
TT

هل يحلّ قميص بسعر 69 دولاراً مشكلة المقاس؟

بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)
بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)

هل يمكن الحصول على قميص مفصل على المقاس وحسب الطلب بسعر 69 دولاراً فقط؟ حتى عهد قريب، كان الأمر لا يُصدَق، لكنه في عصر الإنترنت والتكنولوجيا أصبح حقيقة تُلبِي متطلبات امرأة ربما لا تكون مقاساتها تقليدية، وفي الوقت ذاته أخرى ترى أن الأناقة تكمن في النسبة والتناسب.

ما لا يختلف عليه اثنان أيضاً أن القميص قطعة أساسية في خزانة أي امرأة أنيقة، سواء كان أبيض أو بلون سماوي هادئ. يمكنه أن يرتقي بأي إطلالة إلى أقصى درجات الأناقة، بشرط أن يتم اختياره بشكل جيد. والاختيار هنا لا يتعلق بالألوان أو حتى القماش فحسب، بل بواحدة من أكثر المشكلات شيوعاً: المقاس. فما يبدو مناسباً على شماعة أو على عارضة أزياء، قد لا يناسب امرأة عادية، بحيث يفقد توازنه عند الكتفين أو يضيق أو يتسع عند منطقة الصدر أو لا يستقر دائماً كما ينبغي عند منطقة الخصر.

قميص مفصل حسب المقاس يوفر الراحة والأناقة في الوقت ذاته (سوميسورا)

السبب بسيط، وهو أن القمصان الجاهزة تُبنى عموماً على قالب واحد، يتم تصغيره أو تكبيره فقط دون مراعاة اختلافات الجسم الدقيقة. فكرة تفصيل قميص على المقاس كانت إلى عهد قريب مُستبعدة لأسباب عدة، أبرزها التكلفة. علامة «سوميسورا» Sumissura انتبهت إلى هذه الثغرة؛ فعملت على توفير قميص مفصل على المقاس بسعر يبدأ من 69 دولاراً فقط، تضع عليه المرأة لمساتها الخاصة أيضاً.

العلامة المتخصصة في الأزياء المصممة حسب الطلب عبر الإنترنت، أطلقت حديثاً مجموعة من القمصان النسائية، على شكل اقتراحات، تُصمَّم وفق قياسات كل عميلة مع إمكانية اختيار القماش واللون والتصميم الذي يروق لها ويناسبها.

قميص مفصل حسب المقاس يوفر الراحة والأناقة في الوقت ذاته (سوميسورا)

تقول الشركة إن التكنولوجيا نفسها المعتمَدة في تفصيل البدلات والسترات، تستخدم في تصميم وتنفيذ القمصان؛ ما يمنحها دقة في التفاصيل والمقاس. تشرح تيريزا ماركو، مديرة التصميم، بأن تصميم هذه القطعة جاء بعد أن تم التمكن في مجال البدلات والسترات والمعاطف «لم نُرد إطلاق القمصان بسرعة. فهو قطعة قد تبدو بسيطة، إلا أنها لا تسمح بالخطأ وبالتالي يجب أن تكون مثالية وإلا فقدت جمالها». تطرح الشركة حالياً خمسة تصاميم تتراوح بين الرسمي والكاجوال؛ إذ يتميز الرسمي بأكتاف واضحة وياقات صارمة، والكاجوال بخطوط أخف وأحياناً من دون أكمام لتناسب مناسبات المساء والسهرة. في كل الأحوال، يمكن اختيار التصميم المناسب، كذلك اللون والقماش.

تتباين التصاميم التي يمكن الاختيار منها بين الرسمي والكاجوال (سوميسورا)

وترى الشركة أن التفصيل حسب الطلب يدعم مفهوم الاستدامة؛ إذ يُنتج القميص بعد طلبه فقط، وهذا يعني أنه لا مخزون ولا فائض، وكذلك لا تخفيضات نهاية الموسم. وحسب بيانات القطاع، فإن نحو 30 في المائة من الملابس المنتجة عالمياً لا تباع، في حين تؤكد الشركة أن نسبة الهدر لديها تقترب من الصفر؛ وهذا ما يمنحها موقعاً مختلفاً في سوق مزدحمة بالعلامات العالمية والمنتجات المنخفضة السعر.

الممثلة والمغنية أريانا ديبوس لدى حضورها عرض «كارولينا هيريرا لخريف 2026 (كارولينا هيريرا)

تجدر الإشارة إلى أن القميص الأبيض لم يعد مجرد قطعة رسمية للنهار، منذ أن ارتقت به المصممة كارولينا هيريرا إلى مرتبة قطعة مسائية تظهر في كل عروضها تقريباً مع تنورة مستديرة بفخامة أو مع توكسيدو. وأكد مع الوقت أنه فعلاً قطعة تضاهي الفستان الأسود الناعم في تأثيره وسهولة تنسيقه.