سارة بيرتون تودّع دار «ألكسندر ماكوين» بتشكيلة صبَّت فيها «جام إبداعها»

بتصاميم تستحضر صراع الراحل لي ماكوين بين السوداوية والرومانسية

مصممة كايت ميدلتون المفضلة توُدّع دار «ألكسندر ماكوين» وتشير التوقعات إلى استمرار التعاون بينهما (أ.ب)
مصممة كايت ميدلتون المفضلة توُدّع دار «ألكسندر ماكوين» وتشير التوقعات إلى استمرار التعاون بينهما (أ.ب)
TT

سارة بيرتون تودّع دار «ألكسندر ماكوين» بتشكيلة صبَّت فيها «جام إبداعها»

مصممة كايت ميدلتون المفضلة توُدّع دار «ألكسندر ماكوين» وتشير التوقعات إلى استمرار التعاون بينهما (أ.ب)
مصممة كايت ميدلتون المفضلة توُدّع دار «ألكسندر ماكوين» وتشير التوقعات إلى استمرار التعاون بينهما (أ.ب)

في آخر يوم من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي وخلال أسبوع باريس لربيع وصيف 2024، ودّعت أوساط الموضة المديرة الإبداعية لدار «ألكسندر ماكوين» بعد أكثر من عقدين من الزمن دخلت فيهما الدار مساعدةً لماكوين قبل أن تتولى قيادتها الإبداعية بعد انتحاره في عام 2010. بعد انتهاء عرضها خرجت وسط تصفيق حار لتودّع محبيها وأصدقاءها ممن وقفوا احتراماً لها لدقائق عدة. كما دخلت الدار بهدوء خرجت سارة بيرتون منها أيضاً بهدوء. بعد أن ألقت بالتحية على الحضور، لم تعُد إلى الكواليس لتقابل الصحفيين وتجيب عن أسئلتهم كما جرت العادة بعد كل عرض. غادرت المكان مع أطفالها في سيارة كانت تنتظرها بالخارج من دون أن تلتفت للوراء.

المصممة سارة بيرتون بعد عرضها (ألكسندر ماكوين)

لم تُدل لأحد عن أسباب خروجها من دار أصبحت جزءاً منها، كما لم تعطِ أي تبريرات. فقط قدمت تشكيلة للتاريخ وضعت فيها نقطة النهاية على فصل مهم في مسيرة الدار ومسيرتها الشخصية على حد سواء. فهي ستبقى في ذاكرة الموضة المصممة التي لم تضمن بقاء إرث مؤسسها واسمه فحسب، بل ضمنت استمراره ووهجه أيضاً. وهذا ما اعترفت به مجموعة «كرينغ» المالكة للدار عندما أعطتها الفرصة لتقديم تشكيلة تضع فيها ختم النهاية على علاقة مثمرة، في وقت أصبح فيه الاستغناء عن المصممين أمراً سهلاً وعادياً لا يستدعي أي احتفال. سارة بيرتون لم تكن عادية كما أثبتت السنون.

كانت الأشكال والأحجام الدرامية تخفي مهارة عالية على التفصيل (ألكسندر ماكوين)

عندما اختارتها المجموعة خليفة للي ألكسندر ماكوين بعد انتحاره، لم يكن أحد يتوقع أن تستطيع أن تحمل على كتفيها إرثاً مُثقلاً بالدراما وميالاً لإحداث الصدمات. عدد لا يستهان به ممن صفَّقوا لها بحرارة وتأثر في الـ30 من شهر سبتمبر الماضي، كانوا من بين المشككين في اختيار «كيرينغ». صرّحوا في مناسبات كثيرة بأن لا أحد يمكن أن يأخذ محل لي ألكسندر ماكوين أو يضاهي عبقريته ومهارته في قص بدلة وتفصيلها بتقنيات تجمع الدقة بالخيال.

كان العرض تحية لذكرى لي ماكوين ونظرته للمرأة (ألكسندر ماكوين)

من أول عرض قدّمته أسكتت كل المنتقدين والمشككين. كانت خير خلف لخير سلف. لم تحاول أن تأخذ محله، بل عملت على الحفاظ على اسمه وأسلوبه. ضاهته في مهارته ولم تحاول أن تسرق الأضواء منه بتغيير الاتجاه الذي أرساه. فعملها إلى جانبه لـ12 عاماً علّمها الكثير وأثّر في أسلوبها إلى حد كبير. تبنَّت الدراما وإيحاءات سوداوية ورثتها من ماكوين، لكن لم تصل إلى المستوى الذي أودى به في الأخير. روَّضت غرابته وميله لإحداث الصدمة، بل وأدخلته القصور والبلاطات الملكية. اتخذت التفصيل سلاحاً مع لمسة أنوثة، ربما لم تكن مقصودة بقدر ما كانت عفوية، جعلت نجمات مثل كايت بلانشيت وكايت ميدلتون، أميرة ويلز حالياً، يُقبلن على تصاميمها ويُعززن مكانتها بين مصممي جيلها.

وربما تكون النقلة المهمة في مسيرتها عندما اختارتها كايت ميدلتون لتصميم فستان زفافها على وريث العرش البريطاني، الأمير ويليام، رغم أنها لم يكن قد مرَّ على تعيينها أكثر من عام. كانت هي أيضاً من صمم فستان أختها بيبا، الذي كاد أن يخطف الأضواء من فستان العروس.

الوردة تكررت في الكثير من الإطلالات بأشكال مختلفة (ألكسندر ماكوين)

عرضها الأخير ضمن أسبوع باريس لربيع وصيف 2024 كان «ماكوينيا» روحاً وتفصيلاً. فقد كان كما قالت «يحترم المرأة ويسعى لتمكينها» من خلال أزياء تُبرز تفرّدها وقوتها. وهذا ما ركّزت عليه هي الأخرى في هذه التشكيلة. شرّحت جسد المرأة وأبرزت قوته الكامنة في تضاريسه الأنثوية، التي زوّدتها بدروع على شكل كورسيهات من الجلد تحميها من أي عوامل خارجية تهدد كينونتها.

قدمت المصممة كورسيهات وأحزمة تبدو وكأنها دروع (ألكسندر ماكوين)

هل كانت بيرتون تعرف مسبقاً أن من سيخلفها رجل وليس امرأة؟ جرأة التصاميم وسوداوية الألوان تقول إنها كانت تعرف ولا ترضى. فحتى الأزهار التي تعدّ أحد رموز الدار جاءت في بعض القطع تسيل دماً. بعد يومين فقط على العرض، أعلنت مجموعة «كرينيغ» تعيينها الآيرلندي شون ماكغير خلفاً لها. في بيان أصدرته الدار، قال الرئيس التنفيذي للمجموعة، فرنسوا هنري بينو: «نحن متحمسون لفتح هذا الفصل الجديد في تاريخ هذه العلامة التجارية الفريدة»، بينما صرّح رئيسها التنفيذي بأنه يتوقع أن يساهم ماكغير «بفضل خبرته وشخصيته وطاقته الإبداعية» في «إضافة لغة إبداعية قوية» إلى الدار «استناداً إلى عراقتها».

وبينما لا يستطيع أحد انتقاد المصمم الشاب أو الانتقاص من قدراته، فإن فقدان ساحة الموضة مصممتين في أسبوع واحد، هما سارة بيرتون وغابرييلا هيرتس التي قدمت آخر تشكيلة لها لدار «كلوي» بعد ثلاث سنوات فقط، فتح نقاشات جديدة عن دور المرأة ومكانتها في عالم الموضة. ليس غريباً أن تتعاون بيرتون مع الفنانة البولندية ماغدالينا أبكانوفيتش باستعمال مجموعة من أعمالها التي تُخضع فيها جسد المرأة للتشريح بطريقة عنيفة كديكور.

افتتحت العرض كايا غيربر البالغة من العمر 22 عاماً بفستان أسود قصير مبالَغ في صرامة أكتافه وضمور خصره واستدارة تنورته القصيرة، واختتمته العارضة ناعومي كامبل البالغة من العمر 53 عاماً بفستان فضي بشراشيب تتراقص مع كل خطوة تقوم بها.

اختيارها جيلين له دلالاته، وهو أن هذه التصاميم للمرأة أياً كان شكلها أو لونها أو عمرها. لا يختلف اثنان على أن التصاميم كانت درساً في التفصيل والحرفية. حتى القطع المحاكة بالصوف طرّزتها أيادٍ ماهرة لتأتي بأشكال مبتكرة تتباين بين ورود تزين صدرها وسحاب على شكل عمود فقري يزين ظهرها، في حين بدت خيوط كثيرة تتدلى من على الأكتاف والأذرع وكأنها قطرات من الدم. لكن وراء الدراما والأكتاف الضخمة، كانت هناك قطع مفصلة تفصيلاً لا يُعلى عليه، سواء كانت بنطلونات تم تنسيقها مع جاكيت توكسيدو، أو كورسيه منحوت يغطي الصدر ومنطقة الخصر كحزام. كانت هناك أيضاً تنورات منسدلة ومطرّزة وفساتين ناعمة طُبعت على بعضها وردة حمراء يسيل الدم من بتلاتها في بعض الإطلالات، ومعطف من الصوف الدمشقي بطيات كثيرة تبدو وكأنها مقصوصة باليد.

الأشكال المتنوعة تخللتها تفاصيل غريبة (ألكسندر ماكوين)

لا يختلف اثنان على أن هذه التشكيلة كانت الأكثر جُرأة على مدى الـ13 سنة تولت فيها سارة بيرتون قيادة الدار الإبداعية بعد مصرع ماكوين. من قبل، احترمت أسلوبه، وإن روّضت جنوحه نحو الغريب والسريالي واستبدلته بغرابة بريطانية أكسبها ولاء الطبقات المالكة، أما هنا، فتعمّدت أن تكون النهاية مثل البداية: قوية وجريئة تحيي ذكرى الراحل لي ماكوين بكل عُنفه وعنفوانه.

علاقة سارة بيرتون وكايت ميدلتون أميرة ويلز

بعد عام واحد على تسلمها منصب المديرة الإبداعية لـ«ألكسندر ماكوين»، ابتسم لها الحظ وفُتحت لها أبواب العالمية على مصراعيها، عندما طلبت منها كايت ميدلتون في عام 2011 تصميم فستان زفافها على الأمير ويليام.

ترسّخت مكانتها العالمية بعد أن صمّمت فستان زفاف كايت ميدلتون على الأمير ويليام في عام 2010 (أ.ب)

فستان انتظره أكثر من 26.3 مليون مشاهد في بريطانيا و72 مليون مشاهد على «يوتيوب». تم الأمر في سرية تامة، ورسّخ مكانة بيرتون بتصميمه الكلاسيكي والرومانسي. جاء يعكس شخصية صاحبته المتحفظة بعض الشيء وأسلوبها الذي فهمته المصممة جيداً.

كانت وراء تلميع صورة كايت ميدلتون وإضفاء العصرية على إطلالاتها (أ.ف.ب)

منذ ذلك الحين وهي المصممة المفضلة لها بالنظر إلى عدد المرات التي ارتدت أميرة ويلز تصاميمها. ويقال أيضاً أن صداقة شخصية مبنية إلى الثقة باتت تربط بينهما، وهو ما أكده الأمير هاري في كتابه «spare» حين تطرق إلى الحادثة الشهيرة حول فستان الأميرة الصغيرة شارلوت والتي تحولت مشكلة كبيرة بين كايت وزوجته ميغان ماركل، حيث لا تزال الصحف والمجلات تعود إليها بين الفينة والأخرى. قال الأمير هاري في كتابه: إن كايت لجأت إلى سارة بيرتون تأخذ رأيها في الأمر. كانت سارة بيرتون أيضاً من تولت تنظيم جلسة التصوير الخاصة بكايت بمناسبة ميلادها الـ40، التي قام بها مصورها المفضل باولو روفيرسي.

هي المفضلة للأميرة في المناسبات الرسمية (رويترز)

بينما ساهمت كايت ميدلتون في شهرة بيرتون على المستوى العالمي وترسيخ مكانتها في مجموعة «كيرينغ»، ساهمت هذه الأخيرة بدورها في تشكيل أسلوب الأميرة وصورتها الأنيقة. فكايت لم تكن معروفة بأسلوب يعكس فهمها للموضة، بل وتعرّضت لانتقادات كثيرة في البداية على أساس أنها تعتمد أسلوباً مضموناً وعادياً. اختيارها مصممة من دار تشتهر بأسلوب درامي وحداثي جريء لم يكن صُدفة. فقد أرادت أن تختصر الطريق وتدخل عالم الموضة من أوسع الأبواب. سارة بيرتون فهمت الإشارة، لكنها راعت أيضاً شخصية كايت. فالموضة لا تبرُز وتعطي تأثيرها الجميل إذا لم تمنح المرأة الراحة والثقة؛ لهذا لم يكن وارداً أن تقدم لكايت ميدلتون آنذاك تصاميم حداثية صادمة. بهدوء، شكّلت أسلوبها العصري كما نعرفه الآن: أنيقاً وكلاسيكياً عصرياً. هذه العلاقة التي تحوّلت صداقة، تجعل أوساط الموضة يتساءلون عما إذا كانت المصممة البالغة من العمر 49 عاماً ستبقى المفضلة لدى أميرة ويلز بحيث تتعامل معها بشكل شخصي مثلما تعاملت أنجيلا كيلي مع الملكة الراحلة إليزابيث الثانية.


مقالات ذات صلة

ماريا غراتزيا تشيوري تقدم درساً في كيفية «المسك بالعصا من المنتصف»

لمسات الموضة لقطة جماعية في آخر العرض (تصوير: أدريان ديران)

ماريا غراتزيا تشيوري تقدم درساً في كيفية «المسك بالعصا من المنتصف»

تقول القصة إن السيد كريستيان ديور كان متعلقاً بأخته كاترين، ومن أشد المعجبين بشخصيتها القوية. كانت كاترين مستقلة في أفكارها متمسكة بقناعاتها. شاركت في المقاومة…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بالنسبة للدار فإن المغنية تمثل جيلاً بأكمله كما عكست ثقافة العصر والدار على حد سواء (تصوير: إيلودي داغان)

دوا ليبا... سفيرة جمال

في عام 2019 عينت دار «إيف سان لوران» المغنية دوا ليبا سفيرةً لعطر «ليبر»، وهذا الشهر رُقيت سفيرةً عالمية لمستحضرات تجميل الدار ككل. أكدت خلال سنوات تعاونها مع…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق عارضة أزياء خلال عرض مجموعة جورجيو أرماني في ميلانو (أ.ف.ب)

الزهور تتفتح في تصميمات جورجيو أرماني بأسبوع الموضة في ميلانو

قدم مصمم الأزياء الإيطالي جورجيو أرماني مجموعة من الملابس الشتوية والحلي زيّنتها الزهور اليوم (الأحد)، وهي أحدث تصميماته في أسبوع الموضة في ميلانو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة  كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)

جون غاليانو يعود من الانكسار ليُحقق الانتصار

كانت الإطلالات تحتاج إلى ترويضها للتخفيف من جموحها الفانتازي وجُرأتها، لكنها حتى بلعبها على التضاريس الأنثوية بشكل مبالغ فيه تضمنت معاني فلسفية وفنية.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد 20 عاماً على إصدارها الأول كان لا بد من مراعاة التغيرات التي شهدها العالم من دون التنازل عن تقاليد الدار (ديور)

مجموعة «شيفر روج» من ديور تولد من جديد بعد 20 عاماً

بعد مرور 20 عاماً على إطلاقها للمرة الأولى، وُلدت مجموعة «شيفر روج (Chiffre Rouge)» من جديد هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ماريا غراتزيا تشيوري تقدم درساً في كيفية «المسك بالعصا من المنتصف»

لقطة جماعية في آخر العرض (تصوير: أدريان ديران)
لقطة جماعية في آخر العرض (تصوير: أدريان ديران)
TT

ماريا غراتزيا تشيوري تقدم درساً في كيفية «المسك بالعصا من المنتصف»

لقطة جماعية في آخر العرض (تصوير: أدريان ديران)
لقطة جماعية في آخر العرض (تصوير: أدريان ديران)

تقول القصة إن السيد كريستيان ديور كان متعلقاً بأخته كاترين، ومن أشد المعجبين بشخصيتها القوية. كانت كاترين مستقلة في أفكارها متمسكة بقناعاتها. شاركت في المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية باسم «كارو» الرمزي. مثل أخيها كانت تعشق الورود وزرعها. لهذا عندما قدم ديور مجموعته الثورية «ذي نيولوك» في عام 1947، أرفق عرضه بعطر «ميس ديور»، الذي ابتكره ليحمل اسمها. كان يريدها أن ترافقه في كل خطواته ونجاحاته، وهذا ما جعل تأثيرها عليه، أو بالأحرى حبه لها، واضحاً في الكثير من عروضه. بعد وفاته بأكثر من عقد، احترمت دار «ديور» هذه العلاقة، و في عام 1967 أطلقت على أول محل للأزياء الجاهزة اسم «ميس ديور».

كان الأول من نوعه وجاء في فترة بدأ فيها خط الأزياء الجاهزة ينتعش مع ظهور جيل من الشابات في الستينات طالبن بموضة ديمقراطية يمكنهن الحصول عليها مباشرة عوض تفصيلها على المقاس وانتظارها ستة أشهر كما هو الحال بالنسبة للـ«هوت كوتور». مصمم الدار آنذاك، مارك بوهان، أوكل مهمة تصميم هذا الخط لمساعده فيليب غبورجيه. كان يريد التفرغ للأزياء الراقية التي كانت تستنزف كل جهده ووقته.

صورة كاثرين ديور وهي عضو في المقاومة الفرنسية ظهرت في العرض بشكل مباشر وغير مباشر (ديور)

هذا التاريخ والعلاقة بين كريستيان وكاترين ديور، هما اللذان استندت عليهما مصممة الدار الإيطالية ماريا غراتزيا تشيوري في تشكيلتها الأخيرة لخريف وشتاء 2024-2025. طبعاً بأسلوبها الذي لا يتغير. لم تقدم تشكيلة ثورية ولم تتقيد بحقبة الستينات بطرح تنورات قصيرة أو تمرد على المتعارف عليه وما شابه. ظلت وفية لوصفتها المضمونة واكتفت بأخذ رموز محددة من هذه الحقبة سلطت الضوء عليها.

تقول الدار إنها استلهمت من الحقبة الانتقالية في أواخر الستينات، الفترة التي أبصرت «ميس ديور» Miss Dior فيها النور، التحدي الذي واجهته صناعة الموضة والأزياء في ذلك الوقت، ويتطلب التكيف مع الواقع الجديد بإنتاج الأزياء والإكسسوارات بكميّات كبيرة، وبتصاميم تلائم، قبل كلّ شيء، ظروف المرأة وإيقاع الحياة المتسارع في كل أنحاء العالم.

كان التايور المكون من سترة وبنطلون جديداً وثورياً نوعاً ما في الستينات وهذا ما حاولت ماريا غراتزيا تذكيرنا به (ديور)

افتتحت تشيوري العرض بتايور مكون من جاكيت وبنطلون. قطعة كانت ثورية في أواخر الستينات، وأثارت حينها الكثير من الجدل في أوساط النساء والرجال على حد سواء. أتبعته بمجموعة من الإطلالات المكونة من تنورات وجاكيتات بتصاميم تتراوح بين المفصل على الصدر والمستوحى من البليزر الرجالي، إلى جانب فساتين سهرة هي أيضاً منسدلة. كان ضرورياً في تلك الحقبة مراعاة أسلوب جديد لشابة متحررة وواثقة بدأت تقتحم أماكن عمل لم تكن تتخيل امرأة الجيل الذي سبقها دخولها إليها. هذه التركيبة الديناميكية الجديدة لمجتمع مُتغيّر يُسمع فيه صوت المرأة، جعل المصممين يخضعون لطلباتها. تجاوزوا التركيز على الجسد ويتبنون لغة خطاب عالمية وفنية في الوقت ذاته. وهكذا، شهدت الثقافة البصرية الجمع بين الفن، والموضة، والهندسة، والموسيقى وغيرها من الفنون. أمر لم يغب على ماريا غراتزيا.

إلى جانب البنطلون سيكون للتنورة حضور قوي في الموسمين المقبلين (ديور)

بيد أنها بحسها التجاري، لم تُتعب نفسها بتطبيقه على أسلوب اختبرت فعاليته وتأثيره الإيجابي على زبوناتها كما على المبيعات. أدركت منذ البداية أن قوته تكمن في أنه مضمون ومطمئن في كل الخطوط التي تشرف عليها، من الـ«هوت كوتور» إلى الأزياء الجاهزة والـ«كروز» وغيرها. اكتفت بتوظيف الفنون في الديكورات بتعاونها في كل موسم مع فنانة عالمية جديدة. أما التصاميم فتبقى باريسية تتراقص على الكلاسيكي والمعاصر. لمنح وصفتها عنصر الإبهار تستند على حرفية ورشات الدار التي لا يعلى عليها، وعلى هؤلاء الفنانات لإضفاء اللمسة الفنية، والأهم من كل هذا، تلك اللمسة «النسوية» التي ترفع شعارها منذ أن دخلت الدار.

فساتين السهرة والمساء جاءت مفعمة بأنوثة بعيدة كل البعد عن الإثارة الحسية (ديور)

المثير في هذه التشكيلة أيضاً ألوانها التي تميل إلى القتامة باستثناء الأبيض. تقول الدار إن هذه الألوان القاتمة والترابية لها ما يبررها. كانت المفضلة للمصمم مارك بوهان الذي مسك مقاليد الدار الإبداعية في الستينات والسبعينات، من الأبيض، والبرتقالي، والزهريّ إلى الأخضر النيونيّ إلى جانب الدرجات التي تتكيّف مع مستحضرات الماكياج التي تطرحها «ديور». وهو ما ظهر هنا في المعاطف المصنوعة من الكشمير الناعم أو الغاباردين أو الدينم، وكذلك الفساتين المفعمة بالأنوثة رغم ابتعادها كلياً عن الإثارة الحسية.

تظهر العارضات وخلفهن أعمال الفنانة الهندية شاكونتالا كولكارني بأجساد ذات تضاريس ضخمة (ديور)

واستكمالاً للتقليد الذي بدأته تشيوري منذ عام 2016 تقريباً، دعت المصممة الفنانة الهندية «شاكونتالا كولكارني» لتصميم مكان العرض. تركت لها مهمة استكشاف جسد المرأة بتضاريسه وعلاقته بالمساحات المختلفة، وركزت هي على ضخ 72 إطلالة بأنوثة يغلب فيها التجاري على الفني بشكل مثير وجذاب.

هذا الحس التجاري للمصممة لم يقتصر على العملي والمضمون، بل أيضاً على طريقة استعمالها اسم «ميس ديور». جعلته يظهر بشكل غير مباشر من خلال قبعة الـ«بيريه» مثلاً، لتذكرنا بكاترين ديور المقاومة، أو بشكل مباشر بكتابة اسم Miss Dior على سترات وجاكيتات وتنورات بالبنط العريض.

اسم «ميس ديور» ظهر في العديد من الإطلالات (ديور)

لا يختلف اثنان أنها لفتة تُكرِم كاترين، إلا أنها أيضاً حركة ذكية من قبل مصممة تُتقن قراءة نبض السوق. تعرف تماماً أن الموضة الراقية والهادئة تعيش عصراً ذهبياً جديداً في هذه الفترة وهو ما تقدمه من خلال تصاميم راقية. تعرف أيضا أن «اللوغو» بكل صخبه وإيحاءاته السلبية لم يفقد وهجه بعد، ولا يزال له زبائنه من الطبقات المتوسطة أو المتطلعة لدخول نادي الأناقة العالمية. والنتيجة كانت تشكيلة تعطي لباقي المصممين درساً في كيف تُمسك العصا من المنتصف.


كيف وطّدت المجوهرات الرفيعة علاقتها بالأزياء الراقية؟

تقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض وأزرار وعُقد وإبر... بعض من الأشكال التي صاغتها المصممة كلير شوازن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)
تقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض وأزرار وعُقد وإبر... بعض من الأشكال التي صاغتها المصممة كلير شوازن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)
TT

كيف وطّدت المجوهرات الرفيعة علاقتها بالأزياء الراقية؟

تقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض وأزرار وعُقد وإبر... بعض من الأشكال التي صاغتها المصممة كلير شوازن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)
تقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض وأزرار وعُقد وإبر... بعض من الأشكال التي صاغتها المصممة كلير شوازن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)

منذ نحو عقد من الزمن أو أكثر بقليل، بدأت بيوت المجوهرات الرفيعة تتسلل إلى «أسبوع باريس» للـ«هوت كوتور»، حاملة معها نفائس تحاكي في تفردها وأسعارها ما يعرض في هذا الموسم من أزياء. لم يُرحب بها الجميع. بالنسبة إلى بعض المصممين، كان هذا الحضور اقتحاماً لمساحتهم الخاصة، وبالنسبة إلى وسائل الإعلام، أضاف عملاً يستنزف وقتهم... يتذمرون منه لكن لا يستطيعون مواجهته أو تجاهل أهميته.

بيد أن ما لا يعرفه كثير منا عن عملية التسلل هاته؛ أنها كانت في الحقيقة عملية إنقاذ لأسبوع بدأ يفقد ثقله ومن تم توازنه. بعد أزمة 2008، تعرض موسم الـ«هوت كوتور» إلى وعكة اقتصادية، أصابت برنامجه الرسمي بالهزال. لم يعد بإمكان كل المصممين صرف مبالغ باهظة لإقامة عروض ضخمة تُضاهي تلك التي تنظمها بيوت الأزياء الكبيرة، مثل «شانيل» و«ديور» فانسحبوا واكتفوا بمعارض صغيرة. ذهب البعض حينها إلى حد نعي هذا الخط والقول إنه يحتضر، في ظل تقلص عدد زبونات الولايات المتحدة الأميركية. لحسن الحظ أن دخول صناع المجوهرات على الخط، وظهور أسواق جديدة، فتحا الأبواب على مصاريعها أما زبونات من جيل شاب ساهمن في إنعاشه. الآن تُعد الأزياء والمجوهرات عنصران يكمل كل منهما الآخر؛ لا يمكن للأول إنكار جميل الثاني والعكس صحيح إذا أخذنا في الحسبان أن عالم المجوهرات هو الآخر استفاد... وجد الأرضية مُعبدة وجاهزة لاستعراض إبداعاته.

عقد على شكل ياقة مستوحاة من تاج صنعته دار «بوشرون» في العقد الأول من القرن العشرين... ويُعاد تقديمه من خلال عقد يُشبه الدانتيل مكوّن من الألماس والكريستال الصخري (بوشرون)

لم تستغرق العملية سوى بضعة مواسم، بدأت بعدها سوق الأزياء الراقية تنتعش، بل تحقق الأرباح بشكل غير مسبوق. في الموسم الأخير الذي شهدته باريس لربيع وصيف 2024، ضم البرنامج الرسمي ما لا يقل عن 29 دار أزياء. غير أن اللافت هذه المرة أن كثيراً من بيوت المجوهرات تخلفت عن الموعد. الأسباب مختلفة؛ منها ما هو استراحة، ومنها ما هو إعادة ترتيب أوراق وتحضير للموسم المقبل. من بين بيوت المجوهرات التي غابت، نذكر «فان كليف آند آربلز» و«شانيل» و«بولغاري»، بينما حرصت كل من «بوشرون» و«ديور» و«لويس فويتون» على المشاركة كالمعتاد، إلى جانب «كارتييه» و«شوميه» و«دي بيرز» و«ديفيد موريس»، التي اكتفت بعروض صغيرة على الهامش.

حرفي في مشغل «بوشرون» يُرصع قطعة ستستعمل لتزيين الأكتاف (بوشرون)

هناك أيضاً من يجعل السبب تحضيرهم لـ«أسبوع الساعات» الذي يقام سنوياً في جنيف تحت اسم «ووتشرز آند وونردز»؛ أي «ساعات وعجائب»، في شهر أبريل (نيسان) المقبل. أما باريس فسيوجدون فيها خلال موسم الصيف. فهذا هو الفصل المفضل لزبونات الأزياء الراقية... من ناحية، لوجودهن إما في سان تروبيه وبورتوفينو، وإما في موناكو وغيرها من منتجعات البحر المتوسط القريبة من باريس؛ ومن ناحية أخرى لأن دفء الصيف يُحفز على الشراء أكثر.

وبما أن تحركات صناع الموضة تُحددها تحركات السوق في الغالب، فإنهم انتبهوا إلى أن زبائنهم أدمنوا الانغماس في تجربة يستمتع بكل تفاصيلها على غرار ما تقدمه بيوت الأزياء الكبيرة في خط الـ«كروز» الذي يتوجه بهم إلى أماكن بعيدة. من هذا المنظور، لم يعد وجود صناع المجوهرات يقتصر على باريس، وبدل التقيد ببرنامج الأسبوع الرسمي للـ«هوت كوتور»، أصبحوا يأخذون زبائنهم المهمين إلى وجهات مختلفة. هدفهم أن تشمل المتعة جمال الأمكنة وفرادة التصاميم ونفائس الأحجار. دار «لويس فويتون» مثلاً أخذتهم إلى اليونان، و«كارتييه» إلى فلورنسا الإيطالية، و«فان كليف آند آبلز» إلى بحيرة كومو الإيطالية، و«ديور» إلى شنغهاي. تتغير الوجهات والهدف واحد؛ يتمثل في خلق تجارب تبقى محفورة في الذاكرة؛ لأنها تربط إبداعاتهم بقصص أو جذور تضفي عليها بُعداً لا يُقدر بثمن.

لكن المثير في أغلب المجموعات التي طُرحت في هذا الموسم، أنها لم تُدر ظهرها تماماً إلى «أسبوع باريس للأزياء». تركت خط الود مفتوحاً بأن جعلت الموضة مصدر إلهام، وهو ما ظهر في تقنيات تحاكي التطريز وجدل الضفائر والدانتيل، وأخرى تأخذ أشكالها من الأزرار والدبابيس وغيرها.

مجموعة «ديور ديليكا (Dior Délicat)»

في كل قطعة عبَرت فيكتوار دو كاستيلان عن الأنوثة مُتعدّدة الأوجه بالاعتماد على فنون التطريز والتخريم (ديور)

الربط بين الأزياء والمجوهرات ليس جديداً على دار تخصصت في الـ«هوت كوتور» وتعدّ مؤسسة ثقافية بالنسبة إلى الفرنسيين. تظهر خيوطها المتشابكة في كثير من المجموعات التي أبدعتها مصممتها الفنية فيكتوار دو كاستيلان. لم تختلف الصورة هذه المرة عما سبق. كان التطريز بكل أشكاله هو المحور الذي تدور عليه مجموعة «ديور ديليكا». تتماهى هنا رقّة النسيج المُخرّم مع الترصيع، فيكشف عن تركيبات هندسية معقدة يُعززها توهج الياقوت والزمرّد، والصفير الأزرق، والترمالين، والتنزانيت، إلى جانب الأوبال؛ الحجر المفضل لدى المصممة. لم تسافر «ديور» بمجموعتها خارج باريس. اختارت في المقابل قصراً يقع على الضفة الغربية من نهر السين مسرحاً لاحتضان 79 قطعة؛ 5 منها فريدة، تتضمن عقداً مرناً مصنوعاً من خيوط متعددة من الألماس تشبه تقاطعات مأخوذة من صور زخرفية.

بفضل رقّة وخفّة النسيج المُخرّم يبدو الترصيع كأنّه يتلاشى في الخلفية... ممّا يسمح للأحجار الكريمة بالكشف عن ألوانها الجريئة في تركيبات معقدة تعكس البراعة الحرفية التي تعتز بها الدار (ديور)

تقول فيكتوار دي كاستيلان إن «ديور ديليكا» تشكل نهجاً مختلفاً لعبت فيه «على عدم التماثل، لخلق نوع من التوازن». كل خيط أُبدع بحرص بحيث يبدو كما لو كان منعكساً على مرآة، وفي الوقت ذاته؛ فإنه لا يشبه أياً من الخطوط المجاورة له من اليمين أو اليسار.

مجموعة «بوشرون» Power Of Couture

كانت كلير شوازن؛ المصممة الفنية لدار «بوشرون»، أكثر من غاص في عالم الأزياء والخياطة هذا الموسم. كانت لها مُبرراتها... فما لا يعرفه كثير منا هو أن مؤسس الدار فريديريك بوشرون، كان نجل تاجر منسوجات مختص في الحرير والدانتيل، وهو ما كان له تأثير كبير على نهجه في تصميم المجوهرات. عمل طوال القرن التاسع عشر على صياغة الذهب والأحجار بإلهام من الأزياء الراقية ورقة الأقمشة.

عقد مصوغ بتقنية التريكو وكتافيات مصنوعة من الذهب الأبيض المرصّع بالألماس يمكن تحويلهما إلى زوج من الأساور (بوشرون)

عن ذلك، تُعلّق كلير شوازن: «عندما نظرت إلى الأرشيف، رأيت كثيراً من مفردات الخياطة والأزياء الراقية لم يجر التعامل معها على الإطلاق بشكل مباشر، لذلك أردت ربط كل ذلك معاً». أطلقت على المجموعة اسم «Power Of Couture»؛ أي «قوة الخياطة»، الأمر الذي يفسر معادن رُوّضت لتأخذ شكل ياقات عالية أو ضفائر وأشرطة أو أربطة وأوسمة مثل تلك التي يتزين بها الملوك في المناسبات الاحتفالية.

من بين القطع التي صممتها في هذه المجموعة واحدة بعنوان «تريكو»؛ وهي قلادة مرنة من 5 صفوف تبدو كأنها خيوط محبوكة. ومثلما الحال مع باقي عناصر المجموعة المكونة من 24 قطعة، صُنعت هذه القلادة والسوار المطابق لها بالكامل من الكريستال الصخري والألماس والمعادن الثمينة.

قُطِعت كل بلورة وصُقلت بطريقة تستهدف ألا تكون الصورة النهائية لامعة، فيما تخللتها وصلات «شيفرون»، وهي النقشة الشهيرة في عالم الأقمشة المحبوكة، مرصعة بالألماس على أحبال من الننتول، وهي سبيكة خفيفة الوزن من التيتانيوم والنيكل اكتشفتها البحرية الأميركية. أما السمة الرئيسية للقلادة، فماسة بوزن قيراطين تتوسط دوائر من الكريستال الصخري وماسات مستديرة. استغرق صنع هذه القلادة 1070 ساعة، ويقدر ثمنها بـ1.6 مليون يورو؛ أي ما يعادل 1.7 مليون دولار.

عند تفكيك قطعة «نو» يمكن ارتداؤها على هيئة بروش أو سوار... ويمكن تركيب الألماسة المتدلية على حلقة (بوشرون)

هناك أيضاً طقم «نو»، الذي يأتي على شكل شريط معقود، وهو رمز من رموز الأزياء الراقية. ترجمته كلير بأسلوب هندسي متناغم بين نسيج الكريستال الصخري غير اللامع وبريق الألماس، حيث تحيط بقطع الكريستال وعددها 435 قطعة، أكثر من 4 قراريط من الألماس. عند تفكيكها، يمكن ارتداء الشريط مع القلادة على هيئة بروش أو سوار، ويمكن تركيب الألماسة المتدلية على حلقة. هذه التفاصيل تُبرر سعرها البالغ 1.9 مليون يورو.

«كارتييه» - «لو فوياج روكومانسيه»

قلادة «ميراجيو» تتمحور حول خط من الياقوت السريلانكي تُزين جوانبه زخارف من الياقوت والزمرّد والعقيق (كارتييه)

كانت تيمة دار «كارتييه» هي السفر والطبيعة، لكن لم تخل من التفاتات إلى فنون الأزياء، بألوانها المتوهجة والتي تتضارب في تناغم، بما فيها القطع ذات الأشكال غير المتناظرة. لم يكن سلاح «كارتييه» الأحجار الكريمة في أصفى حالاتها فقط؛ بل أيضاً الألوان المتوهجة مزجتها في القطعة الواحدة لتخلق لوحة فنية، الأمر الذي جعل الفرق بين هذه المجموعة وغيرها أنها لا تحتاج إلى أن تساير الموضة، فهي تضج بأناقة يمكن أن ترتقي، في ثانية، بأي قطعة أزياء مهما كانت بساطتها ورتابة لونها. قلادة «ميراجيو»، مثلاً، تتمحور حول خط من الياقوت السريلانكي تدور في فلكه جميع المكونات الأخرى، مثل زخارف من الياقوت والزمرّد تبدو كأنها شبكة متناظرة تستحضر نمط ريش الطاووس الملوّن.

وفي سياق متصل بعالم الأزياء والأناقة، كشفت «كارتييه» أيضاً عن عقد «سبينا»، المؤلف من نسيج شبكي من الياقوت والألماس. يضم ياقوتة «سيلان» تزن أكثر عن 29 قيراطاً. ويعدّ هذا العقد إضافة إلى مجموعة «لو فوياج روكومانسيه» التي طرحته في مايو (أيار)، ويمكن وضعه أيضاً على هيئة تاج بوضع الياقوتة لأعلى.

مجموعة «شانيل» Lion Solaire

قلادة مرصعة بالماس يتوسطها رأس أسد بكل قوته ومهابته (شانيل)

لكن ربما تبقى «شانيل» أكثر المُتعلقين بعالم الأزياء وفنونه. في أغلب مجموعاتها الخاصة بالمجوهرات الرفيعة يعود حرفيوها إلى المنبع، وتحديداً إلى الـ«هوت كوتور» يستقون منهم أشكالاً تحاكي الأزياء، أقمشة وحياكة وحبكة. في العام الماضي أتحفتنا الدار بمجموعة مستوحاة من التويد، القماش الذي يرتبط بها، وهذا العام، أتحفتنا بمجموعة أطلقت عليها Lion Solaire de CHANEL. قالت إنه برج الآنسة شانيل، مما يجعله رمزاً قوياً من مفردات الدار. دخل أول مرة قسم المجوهرات في عام 2012 من خلال قلادة Constellation du Lion، التي أصبحت اليوم واحدة من أهم قطع المجوهرات الراقية المحفوظة ضمن تراث شانيل وفي عامي 2013 و2018، تم تخصيص مجموعات المجوهرات الراقية Sous le Signe du Lion وL’esprit du Lion بالكامل له. وفي عام 2024، يظهر مرة أخرى في مجموعة Lion Solaire de CHANEL، من خلال خمس قطع جديدة؛ قلادة وخاتمين وزوجين من الأقراط.


«إيف سان لوران» تُرقّي المغنية دوا ليبا سفيرةَ جمال وتجميل

بالنسبة للدار فإن المغنية تمثل جيلاً بأكمله كما عكست ثقافة العصر والدار على حد سواء (تصوير: إيلودي داغان)
بالنسبة للدار فإن المغنية تمثل جيلاً بأكمله كما عكست ثقافة العصر والدار على حد سواء (تصوير: إيلودي داغان)
TT

«إيف سان لوران» تُرقّي المغنية دوا ليبا سفيرةَ جمال وتجميل

بالنسبة للدار فإن المغنية تمثل جيلاً بأكمله كما عكست ثقافة العصر والدار على حد سواء (تصوير: إيلودي داغان)
بالنسبة للدار فإن المغنية تمثل جيلاً بأكمله كما عكست ثقافة العصر والدار على حد سواء (تصوير: إيلودي داغان)

في عام 2019 عينت دار «إيف سان لوران» المغنية دوا ليبا سفيرةً لعطر «ليبر»، وهذا الشهر رُقيت سفيرةً عالمية لمستحضرات تجميل الدار ككل. أكدت خلال سنوات تعاونها مع الدار الفرنسية أنها تمثل الصورة التي رسمها الراحل إيف سان لوران منذ عقود ولا تزال راسخة في الأذهان على أحسن وجه. هذه الصورة تعكس بنات جيلها لامرأة واثقة تعرف ما تريد ومتحررة فكرياً، وهو ما يعنيه اسم عطر «ليبر» بالفرنسية.

لم تجد «إيف سان لوران» أفضل من دوا ليبا لتمثلها فهي أيقونة شابة حققت الكثير من النجاح بفضل موهبتها واجتهادها على حد سواء (تصوير: إيلودي داغان)

بموجب هذه الترقية، ستعمل الفنانة مع قسم العطور ومستحضرات التجميل لكي تخاطب جيلاً بأكمله، يريد التعبير عن صورته بطريقته. تقول دوا: «بالنسبة لي فإن العطور والماكياج أدوات مهمة للتعبير عن الذات، وكذلك لاستكشاف جوانب خفية من شخصية كل واحد منّا. في حالتي فإنها تُخرج للسطح جانبَي المرح، الشقي والمُبدع».

أول الغيث كانت حملة ترويجية صُورت مؤخراً تظهر فيها المغنية بكامل أناقتها وجمالها. ظهرت بأزياء باللون الأسود عن قصد، حيث شكَّل الأسود خلفية رائعة لمجموعة من ألوان أحمر شفاه بعنوان «لوفشاين YSL LOVESHINE».

تتميز مجموعة «لوفشاين YSL LOVESHINE» الجديدة بلمعة خاصة تضفي على الوجه إشراقاً وأنوثة (إيف سان لوران)

تشمل المجموعة حتى الآن ثلاثة ألوان من أحمر شفاه بلمعة قوية، وهو أمر تتميز به مستحضرات «إيف سان لوران» عموماً لقناعتها بأن هذه اللمعة تُضفي على الوجه الضوء والإشراق، إضافةً إلى أنوثة راقية. غنيٌّ عن القول إن هذه اللمعة أضفت على المغنية الشابة حيوية وتميزاً. لكنّ الدار تعود وتقول إن هذه الشراكة لا تقتصر على الجمال والثقة والتفرد فحسب، بل تمتد إلى تمثيل ثقافي تعد دوا ليبا جزءاً منه. إضافةً إلى كونها شابة تتميز بجمال خاص، فإنها أيضاً «أيقونة وشخصية مثالية أكدت موهبتها وقدراتها على المسرح والحياة في الوقت ذاته» وفق ما صرحت به الدار.

كان من الطبيعي أن تُصوَّر الحملة التي أخرجتها ناتالي كانغيلهام، في المغرب، البلد الذي اكتشف فيه الراحل إيف سان لوران دفء الألوان وقوة الإضاءة ومدى تأثيرهما على الحواس عندما يجتمعان. لكن ما يُحسب لقسم الجمال والتجميل حالياً أنه ذهب إلى أبعد من هذا لتكريم مؤسس الدار. لم يكتفِ بعلاقته الحميمة بالمنطقة مجازياً، وتعاون في أرض الواقع مع مزارعين محليين للحصول على مكونات عضوية ومستدامة قدر الإمكان.


جون غاليانو يعود من الانكسار ليُحقق الانتصار

 كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)
كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)
TT

جون غاليانو يعود من الانكسار ليُحقق الانتصار

 كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)
كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)

في الـ8 من شهر مارس (آذار) المقبل، سيصدر وثائقي عن المصمم جون غاليانو بعنوان High & Low—John Galliano، (جون غاليانو... الانتصار والانكسار) للمخرج كيفن ماكدونالد. الفيلم يتطرق لحياته ومسيرته الفنية بكل حلوها ومرها. كيف كانت البدايات، وكيف تحول بين ليلة وضحاها من مُدلل عالم الموضة إلى منبوذ يبحث عن بيت يحتضنه ليمارس فيه شغف الإبداع.

وبينما يشير الفيلم إلى عبقرية فرضت نفسها على ساحة الموضة وتجاوزت ثقافة الإلغاء بعد عملية إنقاذ تكاثفت فيها عدة جهات مؤمنة به، فإن أسبوع الأزياء الراقية «الهوت كوتور» الأخير شهد أخيراً تسلطنه على الساحة مرة أخرى منذ خروجه «مطروداً» من دار «ديور» في الواحد من شهر مارس 2011.

كان إلى عام 2011 مدلل الموضة. عرضه لـ«ديور» الأكثر إثارة وتشويقاً (صورة أرشيفية)

كان حديث أوساط الموضة وعشاقها ليس لغرابة العرض وفانتازيته فحسب، بل لأنه ذكَر الجميع بالأساسيات التي بُني عليها هذا الموسم. بالنسبة لزبوناته فهو موسم الأحلام، وتصاميمه الفريدة هي التي تُضفي على الأفراح والليالي الملاح جمالاً وتميزاً. أما بالنسبة للمصممين فهو مختبر الأفكار، الذي يمنحهم مساحة يشطحون فيها بخيالهم وأفكارهم من دون رقيب أو قيود. حتى من الناحية التسويقية، كان إلى نهاية القرن الماضي «بريستيجا» ما دام خط الأزياء الجاهزة يُترجم فنيته بأسلوب واقعي يحقق الربح إلى جانب الإكسسوارات والعطور ومستحضرات التجميل.

في العقدين الأخيرين، تغير هذا المفهوم. أصبحت المجموعات المالكة لبيوت الأزياء الكبيرة تتوقع أن يحقق لها الربح، وتتعامل معه بوصفه استثماراً يجب أن تحصد ثماره في آخر السنة. لم يكن أمام المصممين سوى الإذعان. متنفسهم الوحيد كان أن يُحققوا المعادلة الصعبة بين رؤيتهم الفنية وإرضاء متطلبات السوق. معادلة أكدت صعوبتها، وربما هذا ما جعل عرض جون غاليانو بمثابة «فلتة» أيقظت الحلم والأمل من جديد.

وراء الدراما المسرحية كانت هناك حرفية لن تلمسها سوى زبونة من زبونات الـ«هوت كوتور» (ميزون مارجيلا)

لا يختلف اثنان على أنه من الصعب أن يرى الإنسان العادي نفسه في أغلب الإطلالات التي اقترحها لربيع وصيف 2024. فهي تحتاج إلى الكثير من الترويض للتخفيف من جموحها الفانتازي وجُرأتها، حيث ظهرت العارضات وكأنهن دمى متحركة بأشكال تلعب على تضاريسهن الأنثوية بالكثير من المبالغة. يشرح المصمم أن المصور الفوتوغرافي براساي كان مُلهمه. تجدر الإشارة إلى أن هذا الأخير مصور هنغاري تخصَص في التقاط صور لرواد المقاهي الفرنسية نهاراً وبائعات الهوى ليلاً، وهي صور تم تجميعها في كتاب بعنوان «الحياة الخفية في باريس الثلاثينات».

طبعاً لم يُكذِب غاليانو خبراً. فالحياة الخفية والتابوهات المسكوت عنها ملعبه، وهو ما جسَده بسريالية ورومانسية مثيرة. لكن من أهم شروط اللعبة، هو تجاوز أحجامها الكاريكاتورية، واستقبال كم المشاعر والعواطف التي تضمَنتها، لأنها ببساطة كانت بمثابة مسرحية تغوص في السيكولوجية الإنسانية وما يعتمل بداخلها ويُحركها من أفكار وغرائز. أقمشة أعاد تدويرها باحترافية وأشكال مبتكرة كانت لُغتها. مثلاً ظهر فستان من الموسلين تم تطريز حواشيه بالأحجار. عوض أن تتلألأ هذه الأحجار وتبرق إلى الخارج، دمجها مع خيوط لتخفي أي أثر للحياكة فيه، وكأن لسان حاله يقول إن ما خفي أعظم. هناك أيضاً معطف يبدو مصنوعاً من الصوف، يتبين أنه نتيجة طبقات متعددة من التول والأورغنزا تم مزجهما بطريقة أضفت عليه خشونة قبل أن يغلفه بالموسلين. فليس كل ما يُرى يُصدَق حتى نتأكد.

ميل المصمم إلى التاريخ كان واضحاً في الكثير من الإطلالات... أحياناً من خلال الماكياج وتسريحات الشعر (ميزون مارجيلا)

هذه التقنيات والتفاصيل التي لا تراها العين للوهلة الأولى تؤكد ما وراء الدراما المسرحية من حرفية لن تحظى بها أو تلمسها سوى قلة من النساء هن زبونات الـ«هوت كوتور».

أما بالنسبة للمتابع العادي، فقد عاد به غاليانو إلى التاريخ. إلى التسعينات وبداية الألفية، عندما كانت عروض «ديور» الأكثر إبهاراً في هذا الموسم. يخرج المرء منها وشريط من الصور والأفكار يمر ويتضارب بدرجة يحتاج فيها إلى أيام، إن لم نقل شهوراً، لكي يفك طلاسمها، ويتخفف من قوتها الآسرة.

كان واضحاً هنا أن غاليانو حصل على بطاقة بيضاء من «أونلي دي برايف» Only The Brave، المجموعة المالكة لـ«ميزون مارجيلا». ربما لأنها تريد أن تحتفل معه بمرور 10 سنوات على توليه قيادتها، أو ربما لأنها شجاعة كما يوحي اسمها.

ردود الفعل التي استقبلت بها التشكيلة حققت للمجموعة ما لم تكن تتوقعه. قد لن تُترجمها أرقام المبيعات وهي على شكلها الحالي، لكنها حتماً سلّطت الأضواء مرة أخرى على الدار التي أسسها مصمم رفض تماماً أن يكشف عن نفسه ووجهه طوال فترته فيها، ويتولاها الآن مصمم يحترم المؤسس، ولا يظهر حتى لتحية الضيوف في آخر العرض، وهو الذي كان يعشق الاستعراض وحب الظهور.

كان ينهي عرضه بتقمصه شخصيات متنوعة، فهو نابليون تارة أو قرصان أو رائد فضاء مرة أخرى (من الأرشيف)

كان يُتحفنا بتقمصه شخصيات غريبة أو بطولية خلال عهده في «ديور». لم يكن أي من الحضور يُفكر ولو لثانية في مغادرة القاعة بعد انتهاء العرض بسرعة لتجنب الازدحام. كانوا ينتظرون بصبر وترقب الجُزء الثاني من العرض، وهو خروجه لتحية ضيوفه. لم يخذلهم أبداً. كان يطل عليهم تارة في صورة نابليون، وتارة في صورة رائد فضاء أو مصارع ثيران أو قرصان. يختال على المسرح لدقائق مثل الطاووس، مقارنة بغيره من المصممين الذين يظهرون لثوانٍ ويختفون.

مصور هنغاري تخصَص في التقاط صور لرواد المقاهي الفرنسية نهاراً وبائعات الهوى ليلاً حيث كان ملهم هذه التشكيلة الجريئة (ميزون مارجيلا)

لكن يبدو جون غاليانو «ديور» وجون غاليانو «ميزون مارجيلا»، وكأنهما من عالمين متوازيين. على الأقل لحد شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. صحيح أنه لم ولن يظهر بحكم الثقافة التي أرساها المؤسس مارجيلا بأن الأزياء واختبار الأفكار هما النجم الأول والأخير، إلا أننا رأينا بوادر عودة روحه الجانحة لاستعراض أفكاره بأي ثمن. لعشاقه على الأقل، كان الفارس الذي سيعيد لخط الـ«هوت كوتور» عُنصر الحلم، الذي قام عليه هذا الخط وذوَبته ثقافة العصر والعولمة بالتدريج.

في أحد لقاءاته الصحافية، صرح المصمم بيير باولو بكيولي، مصمم دار «فالنتينو»، بحسرة، بأن «المال فاز وفرض نفسه»، مضيفاً أنه «بغض النظر عن شكل التعبير الفني، أصبح المنتجون أقوى من الموسيقيين، والمعارض أقوى من الرسامين، والمجموعات الكبيرة أقوى من المصممين».

بيير باولو بكيولي وقبله المصمم راف سيمونز والراحل ألبير إلبيز كلهم صرحوا بقلقهم من ترجيح كفة الجانب التجاري، وكيف سيُفقد الموضة شيئاً أساسياً يصعب استعادته. قبلهم عبَر الراحل إيف سان لوران عن غضبه من سطوة المجموعات الكبيرة، عندما أعلن تقاعده، قائلاً إن الزمن تغير، وبأنه مُحبط لأن الـ«هوت كوتور» باتت تعتمد على العطور للبقاء.

في خضم كل هذا التضارب، كان جون غاليانو أكثر شجاعة ورغبة في إيقاظ الأحلام وفتح جدالات فكرية فلسفية وفنية، وهو ما تابعناه من خلال تشكيلة تغلَب فيها الفكر الفني على الفكر التجاري.

ترجم غاليانو الرومانسية ومفهوم الأنوثة بأسلوبه الخاص وبجمالية علينا تجاوز أحجامها الكاريكاتورية (ميزون مارجيلا)

ثم لا ننسى عامل التوقيت. صحيح أن احتفالية الدار بـ10 سنوات على توليه منصب مديرها الإبداعي هي السبب الظاهر، لكن هناك سبباً آخر وقوياً يُمثله وهو الزمن. كان كفيلاً بأن يُضمد جراح الماضي ويُنسيه آلام الإلغاء التي تعرَض لها لسنوات بسبب تفوهه بعبارات مضادة للسامية في فبراير (شباط) من عام 2011. كانت لحظة «شيطان» أدت إلى سقوطه وطرده من دار «ديور» في شهر مارس، تلاها إغلاق الدار التي كانت تحمل اسمه. فقد كانت هي الأخرى تابعة للمجموعة نفسها «إل في إم إش» التي تنضوي تحتها «ديور». تمت محاكمته ومعاقبته وإلغاؤه، واضطر للاعتذار والخضوع لدروس تأهيلية مع حاخام وغاب عن الساحة لسنوات. كان يمكن ألا يعود. لكنه عاد بفضل حب وسائل الإعلام والعاملين في مجال الموضة وإيمانهم بعبقريته، كان لها الدور الأكبر في عدم إلغائه تماماً.

كان أوسكار دي لارونتا أول من منحه طوق النجاة، ورانزو روسو من سلمه مقاليد «ميزون مارجيلا» في عام 2014. وهكذا تغلبت عبقريته على ثقافة الإلغاء. حتى سيدني توليدانو، الرئيس التنفيذي لـ«ديور» آنذاك، الذي كان واحداً من بين الأشخاص الذين اضطروا لاتخاذ قرار الطرد في حقه، اعترف بأنه عندما خرج غاليانو منها في شهر مارس من 2011، انطفأ شيء ما.


مجموعة «شيفر روج» من ديور تولد من جديد بعد 20 عاماً

بعد 20 عاماً على إصدارها الأول كان لا بد من مراعاة التغيرات التي شهدها العالم من دون التنازل عن تقاليد الدار (ديور)
بعد 20 عاماً على إصدارها الأول كان لا بد من مراعاة التغيرات التي شهدها العالم من دون التنازل عن تقاليد الدار (ديور)
TT

مجموعة «شيفر روج» من ديور تولد من جديد بعد 20 عاماً

بعد 20 عاماً على إصدارها الأول كان لا بد من مراعاة التغيرات التي شهدها العالم من دون التنازل عن تقاليد الدار (ديور)
بعد 20 عاماً على إصدارها الأول كان لا بد من مراعاة التغيرات التي شهدها العالم من دون التنازل عن تقاليد الدار (ديور)

بعد مرور 20 عاماً على إطلاقها للمرة الأولى، وُلدت مجموعة «شيفر روج (Chiffre Rouge)» من جديد هذا الشهر. وجاءت أكثر أناقة ونحافة وبلون أسود مع خط أحمر كأنه يذكرنا بلوحة «جي إم دبليو تيرنر» الشهيرة، التي فاز بها على غريمه الرسام جون كونستابل في القرن الثامن عشر. كانت نقطة حمراء وضعها تيرنر وسط لوحة «Helvoetsluys» على أرضية نيلية كافية لتغيير كل الموازين. كانت نقطة فاصلة سرقت الفوز من لوحة كونستابل الغنية بالألوان.

بالنسبة لمؤسس الدار، كريستيان ديور، فإن الأحمر هو «لون الحياة». يعبِّر عن شخصية قوية تُقدِر الفن والجمال.

قليل من الأحمر مع الأسود الغالب كان كافياً لتغيير الصورة تماماً (ديور)

وهذا ما ترجمته الدار، في قسم الساعات في عام 2004 عندما طرحت لأول مرة هذه الساعة. كانت مثيرة على جميع الأصعدة، بحيث تميزت بأسلوب بسيط بلونها الأسود غير اللامع، وبحداثة غير معهودة شكلاً ومضموناً.

كان من البديهي عندما أعيد ابتكار المجموعة، التي تضم 8 طرازات جديدة، أن تحضر رموز الدار الأكثر شهرة، مثل الكاناج، وتنسيق الألوان والأحمر طبعاً على أرضية سوداء. فهذه تفاصيل يجري اختيارها دائماً لأناقتها، ولتميّزها بجمالية الأزياء الراقية اللصيقة بالدار، من دون أن ننسى أن الرقم 8 كان المفضّل لدى السيد «ديور» إلى حد أنه كان تعويذته التي يتفاءل بها في كل عروضه. في المجموعة الجديدة، هو الرقم الوحيد في منطقة عرض التاريخ الذي يجري إبرازه من خلال الدرجة اللونية النابضة بالحياة.

حضرت رموز الدار الأكثر شهرة في هذا الإصدار الجديد مثل الكاناج وتنسيق الألوان والأحمر ورقم 8 طبعاً (ديور)

مراعاة تقاليد الدار وإرثها وفي الوقت نفسه التحوّلات الجذرية التي شهدها العالم على مدى 20 عاما أخذت بعين الاعتبار. لهذا بقي التميّز الفرديّ الجريء هو الغالب. تجسد حيناً في اللعب على التناسق المعماري، أو بالأحرى عدمه، حيث تكشف العلبة عن جانب موسَّع ومدبَّب بأسلوبٍ مرهف، وتاج أحمر وعقارب متطابقة، وأحياناً على عنصر الأناقة والرشاقة الذي تتميز به كل ساعة، خصوصاً أنها تزيَّنت بخطوط نمط «كاناج» المضرّب، الرمز الأيقوني لـ «ديور»، إلى جانب رسومات نُقِشت بدقّة وبحركة تؤدّي إلى تكبير القرص والوزن المتأرجح.

من الناحية التقنية كل الساعات مجهّزة بنظام حركة أوتوماتيكي ظاهر من الجهة الخلفية (ديور)

من الناحية التقنية، كل الساعات مجهّزة بنظام حركة أوتوماتيكي ظاهر من الجهة الخلفية من خلال استخدام آسر للشفافية، ومزوّدة بمجموعة متنوّعة من العيارات، بدءاً من الكرونوغراف إلى التوربيون، ما يقدّم لنا تشكيلة متنوّعة لتناسب جميع الأذواق. وكونها تأتي مع أساور قابلة للتبديل حسب الرغبة أو الحاجة يعزز من هذه الفكرة. وهي أساور مصنوعة إما من المطاط المعزَّز بنمط «كاناج» المضرّب الكبير والصغير أو من الجلد الثمين. تأتي الساعات بعدّة لمسات نهائية، ويمكن تزيينها بالأحجار الكريمة أو باللون الأسود غير اللمّاع. كما أنها متوافرة بحجمين، 38 ملم و41 ملم، الأمر الذي يجعلها مناسبة للرجال والنساء على حدّ سواء.

أعيد ابتكار المجموعة الجديدة بعد 20 عاماً من ولادتها أول مرة أكثر أناقة ورشاقة وقوة (ديور)

*سيجري إنتاجها وطرحها على دفعات. 5 من هذه الابتكارات طُرحت في المتاجر بداية من هذا الشهر، فبراير (شباط) 2024، وواحدة ستُطرح ابتداءً من يوليو (تموز) 2024 وآخر ساعتين ابتداءً من أكتوبر (تشرين الأول) 2024.


«فندي فيلو»... حذاء باليرينا مشبوك بالأساور

يتميز حذاء «فندي فيلو» بتصميم دائري حول أصابع القدم وما يشبه السوار المعدني حول الكاحل (فندي)
يتميز حذاء «فندي فيلو» بتصميم دائري حول أصابع القدم وما يشبه السوار المعدني حول الكاحل (فندي)
TT

«فندي فيلو»... حذاء باليرينا مشبوك بالأساور

يتميز حذاء «فندي فيلو» بتصميم دائري حول أصابع القدم وما يشبه السوار المعدني حول الكاحل (فندي)
يتميز حذاء «فندي فيلو» بتصميم دائري حول أصابع القدم وما يشبه السوار المعدني حول الكاحل (فندي)

في عرض دار «فندي» للأزياء الجاهزة لربيع وصيف 2024 المقبلين، لم تتخايل العارضات على منصة العرض أو تتمايلن. بل كانت مشيتهن واثقة وكأنهن يسارعن الهواء. الفضل يعود إلى أن الدار أضافت إلى الكعب العالي حذاءً بتصميم الباليرينا أطلقت عليه اسم «فندي فيلو». جمعت فيه الراحة والأناقة، خصوصاً بعد إضافة خلخالٍ ذهبي معدني تجريدي عليه. في ثانية يمكن أن يرتقي بإطلالة بسيطة إلى إطلالة تليق بمناسبات السهرة والمساء، إذا اقتضى الحال.

ظهرت عارضات «فندي» في أحذية باليرينا عزّزت عنصر الراحة من دون تنازل عن الأناقة (فندي)

وتشرح الدار أنها هنا تعود إلى بدايات تاريخها، من خلال درزة Selleria، التي جاءت هنا لتربط بين الأزياء والسلع الجلدية ككل. الدرزة ابتكرها سراجون بروما، وتجسّدت هنا في فساتين راقية وحقائب مبتكرة ومجوهرات، وأيضاً في أسلاك معدنية تعلو حذاء الباليرينا الجديد. أكثر ما يلفت فيه أنه بتصميم دائري حول أصابع القدم وبخطوط أساسية تتحدّد من خلال الجزء العلوي المثني بنعومة. تقول الدار إن تنفيذه تم يدوياً بربط كل قطعة مطاط وضبط كلّ ثنية.

يتميز حذاء «فندي فيلو» بتصميم دائري حول أصابع القدم وما يشبه السوار المعدني حول الكاحل (فندي)

تجدر الإشارة إلى أن الشكل ليس وحده الذي يثير الانتباه، فحتى التقنيات التي استعملت لإنجازه تتميز ببعض الغرابة، حيث تمت بحقن المطاط بالآلية نفسها التي تستعمل في الأحذية الرياضية والموكاسان. الهدف هو منحها الراحة. حتى نعله الذي يبدو رقيقاً وناعماً، فإنه متماسك صُنع على قاعدة مرنة من الجلد المدبوغ.


سارة شرايبي لـ«الشرق الأوسط»: أنا شرقية ولست مستشرقة

لقطة من مشاركتها في أسبوع دبي للموضة (خاص)
لقطة من مشاركتها في أسبوع دبي للموضة (خاص)
TT

سارة شرايبي لـ«الشرق الأوسط»: أنا شرقية ولست مستشرقة

لقطة من مشاركتها في أسبوع دبي للموضة (خاص)
لقطة من مشاركتها في أسبوع دبي للموضة (خاص)

سارة شرايبي من بين قلة من المصممين العرب تستضيفهم الفيدرالية الفرنسية للأزياء الراقية في ناديها النخبوي، وأول مصممة مغربية تدخله حاملة شعار «الأصالة والمعاصرة». قدمت خلال أسبوع باريس الأخير لربيع وصيف 2024 ثالث تشكيلة لها بصفتها ضيفة «بعد أن أقنعت كل الأطراف المسؤولة برؤيتها الفنية وأسلوبها»، حسب قولها.

سارة شرايبي تحيي ضيوفها بعد انتهاء عرضها الأخير في باريس (أ.ف.ب)

يبدأ الحديث معها لتؤكد أن اعتزازها بشرقيتها وأصالتها المغربية لا يتعارضان مع انفتاحها على العالم. إتقانها لأربع لغات: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية وطبعاً العربية، ساعدها على مخاطبة كل الأذواق والجنسيات بسلاسة لكن دائماً بـ«لكنة» عربية قوية. بيد أنها تشير في حديثها مع «الشرق الأوسط» إلى أن التوقيت كان في صالحها وبأنها محظوظة مقارنة بغيرها من المصممين الذين سبقوها. انطلاقتها تزامنت مع انتشار ثقافة تقبل الآخر والانفتاح عليه بدرجة تصل أحياناً إلى الفضول. لم تحتج كونها مصممة عربية إلى التخفي بأسلوب غربي. بالعكس كانت هويتها مكمن قوتها. اعتمدتها بأناقة وبساطة، ففتحت لها أبواب العالمية.

أسألها كيف أقنعت الفيدرالية الفرنسية للـ«هوت كوتور»، وهي التي تعمل بهدوء وصمت في مدينة الرباط؟ فيأتيني صوتها عبر الهاتف، إن ما أسعدها أكثر عندما قدمت طلبها أنه لم يعترض أحد على مشاركتها. كانت متخوفة أن تكون العلاقة الحميمة التي تربطها بجذورها المتمثلة في تقاليد الصنعة المغربية عائقاً، لكن العكس حصل. تقول: «باريس ساحة فنية لها خصوصيتها وتاريخها، ولا أخفيك أني كنت متخوفة من نظرة صناع الموضة فيها لأسلوبي، كونه مختلفاً عما تعودوا عليه. المفاجأة أن كل الأطراف المعنية تحمَست لمشاركتي، والأسباب التي كنت متخوفة منها كانت هي نفسها الدافع لسرعة قبولي».

التزمت المصممة بموضوع العرض بإدخال ألوان الأخضر والأزرق المائي تعبيراً عن جوهر الحياة على الأرض (أ.ف.ب)

يوم 5 فبراير (شباط) الحالي وفي الساعة 8.30 قدمت تشكيلتها في دبي. كانت المناسبة أسبوع دبي للموضة في نسخته الثالثة. كانت هذه أول مرة تقابل فيها جمهوراً عربياً. لم تكتف بالتصاميم التي قدمتها خلال أسبوع الأزياء الراقية (هوت كوتور) بباريس لربيع وصيف 2024. أضافت خمس قطع جديدة. تعترض بشدة عندما أسألها عن السبب الذي يجعل المصممين يفكرون في تصميم أزياء خاصة بالمنطقة العربية، وتُذكرني بأنه من شيم العرب أن يقدموا هدايا لمستضيفيهم «وهذا أقل ما يمكن أن أقوم به». تتابع: «أريد أن أنوِه هنا بأني شرقية ولست مستشرقة. تصاميمي محتشمة بالأساس لا تحتاج إلى إضافة أي تغييرات عليها لكي تناسب المرأة العربية. لهذا كان هدفي الأول والأخير من هذه الإضافة أن أُكرِم المنطقة وأهديها تصاميم أعبر من خلالها عن اعتزازي وامتناني لها».

تستمد التشكيلة إلهامها من تفاصيل الأرض الدقيقة مثل الشقوق الأرضية والرواسب الملونة والعروق البارزة والمنحنيات (أ.ف.ب)

تُكرر سارة شرايبي كثيراً أنها مصممة تحتضن عُروبتها بفخر، وبأنها تعشق الشرق عموماً والثقافة المغربية خصوصاً. «هناك عدة نقاط التقاء واختلاف بينهما» حسب قولها «على رأسها الانتماء والارتباط بالأرض». هذا التشبُث جعلها تطلق على التشكيلة التي قدمتها خلال أسبوع باريس للـ«هوت كوتور» وبعده أسبوع دبي الذي ينظمه حي دبي للتصميم ومجلس الأزياء العربي، «الأرض» عنواناً. قالت إنها تأثرت فيها بالزلزال الذي تعرضت له منطقة الحوز بالمغرب في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. عاشته بكل تفاصيله. «المصمم ابن بيئته ولا يمكن أن يعيش بمنأى عنها»، وفق قولها: «كنت في المغرب عندما حصل الزلزال... عشناه جميعاً بكل قصصه المأساوية والمُلهمة إنسانياً. لا أنسى أبداً تشبث المتضررين بأرضهم. فقدوا بيوتهم وكل ما يملكون، ومع ذلك رفضوا تركها، وأصروا على البقاء فيها، ولو في العراء. كانوا عفويين وإيجابيين في الوقت ذاته، وهو ما حاولت ترجمته بأسلوب بسيط يعكس رُقي نفسياتهم».

تدرجات الألوان الترابية تماوجت مع الأرغواني الداكن والأزرق والذهبي والبرونزي والنحاسي (أ.ف.ب)

كل تصميم في هذه التشكيلة أكد أنه من رحم الفوضى والألم يمكن أن يولد الجمال. أكدت فيها شرايبي أنها ليست ابنة بيئتها فحسب، بل أيضاً ابنة عصرها «لأن التشبُت بالأرض معركة اليوم» حسب رأيها. جاءت بعض التصاميم منسدلة بألوان دافئة أو ذهبية، فيما جاء بعضها الآخر مطعماً بتفاصيل هندسية. لكن أغلبها حمل بصمات أيادي حرفيين تشرَبوا الصنعة المغربية أباً عن جد. ظهرت في «عُقد» زينت فستاناً، وخيوط من ذهب غزلتها يد «معلم» أو صبيه بدقة. بيد أنها وبالرغم من هذه الخيوط التي تربطها بالحرف التقليدية، لم تقع في مطب الفولكلور «فأنا أدرك أهمية الفصل بين الفولكلور بمعنى التراث والتصاميم العصرية. أرفض تماماً أن أستند على الماضي وحده، لأني أعتبره تواكلاً غير مشرف بحقي كمصممة عليها التجديد والإبداع». وتتابع: «الاعتزاز بالهوية لا يعني الإغراق في الغرف منها. عندما نتكلم عن الحضارة، فإنها من فعل حضر، وهذا يعني بالنسبة لي أن توجد في الحاضر. كيف لنا أن نتقدم ولحضارتنا أن تستمر من دون اختراعات وابتكارات؟».

التجديد لا يجب أيضاً أن يأتي على حساب الماضي، بإلغائه تماماً، والمعادلة تتحقق حسب رأيها «عندما نصوب الأنظار نحو المستقبل ونحترم الماضي وما خلَفه الأجداد من دون تقديس». فما يبدو قديماً اليوم كان تجديداً يعكس عصرهم. تستدل على هذا بالقفطان المغربي «إنه قطعة ثقافية لها معانٍ كثيرة في الوجدان المغربي خصوصاً والعربي عموماً. لا يمكن المساس بأساسياته وما يتضمنه من جمال وأناقة ملتزمة، لكن امرأة عام 2024 ليست هي امرأة القرن الرابع عشر مثلاً. الظروف تغيَرت وكذلك إيقاع الحياة».

امرأة اليوم تحتاج إلى قفاطين بخطوط وتفاصيل عصرية، وهذا يعني منحها خفة وتفاصيل تُسهل الحركة فيها. تستطرد: «لا يجب تغيير ملامحه تماماً بحجة التجديد، كأن نقدمه بتنورة قصيرة أو مكشوفاً يخدش المشاعر، فهذا ينبع عادة من تصور خاطئ لمعنى التجديد والمعاصر».

بينما كانت التفاصيل تعبِر عن انتمائها الشخصي ظلت الخطوط عالمية تخاطب كل الأذواق (أ.ف.ب)

سارة شرايبي مثل غيرها من المصممين المغاربة، لها خط خاص بالقفطان. قطعة لا يمكن تجاهلها بالنسبة لأي مصمم مغربي. فهو متجذر في الثقافة والحياة اليومية. لا تستغني عنه المرأة المغربية في الأعراس والحفلات والمناسبات الدينية وغيرها. لكنها تحرص أن تُطعِمه بلمسات تحاكي الـ«هوت كوتور». فالمسألة هنا بالنسبة لها «لا تتعلق بالاعتزاز بقطعة أيقونية ولا هي معركة هوية بقدر ما هي معركة أناقة... لا يفرق لدي أن أصمم قفطاناً أو فستاناً، المهم أن يكون مبتكراً وراقياً يتكلم لغة مغربية وشرقية سليمة وأنيقة».


«بيرلوتي» تتوجه إلى منطقة الشرق الأوسط «بلعربي»

نادين قانصوه تتصور لمساتها الشرقية على الورق قبل أن تُنفذها دار «بيرلوتي» (بيرلوتي)
نادين قانصوه تتصور لمساتها الشرقية على الورق قبل أن تُنفذها دار «بيرلوتي» (بيرلوتي)
TT

«بيرلوتي» تتوجه إلى منطقة الشرق الأوسط «بلعربي»

نادين قانصوه تتصور لمساتها الشرقية على الورق قبل أن تُنفذها دار «بيرلوتي» (بيرلوتي)
نادين قانصوه تتصور لمساتها الشرقية على الورق قبل أن تُنفذها دار «بيرلوتي» (بيرلوتي)

بمناسبة إعادة افتتاح متجرَيها في «مول الإمارات» و«دبي مول»، قررت علامة «بيرلوتي» أن تخاطب زبائنها في المنطقة «بلعربي». تعاونت لأول مرة في تاريخها مع فنانة ومصممة عربية هي نادين قانصوه. لبنانية استهوتها الحروف العربية فجعلتها ماركتها المسجلة.

تشتهر علامة «بلعربي» بمجوهرات رفيعة ومبتكرة مصنوعة من المعادن الثمينة والأحجار الملوّنة وأيضاً باستخدام تقنيات تقليدية (بيرلوتي)

إلى جانب كونها فنانة ومصورة، نادين هي مؤسسة «بلعربي». علامة مجوهرات تشتهر بمعادنها الثمينة، وأحجارها الملوّنة، وطبعاً الحروف العربية التي تستعملها في كل قطعة لتمنحها خصوصية شرقية معتمدة على التقنيات التقليدية على المينا لكي تمنح كل خاتم أو عقد أو أقراط الأذن مفهوماً مختلفاً للأناقة الكلاسيكية. الطريف أن ما أثار دار «بيرلوتي» إليها أيضاً، أسلوبها الخاص وطريقة تقديمها لنفسها. تثير الانتباه في أي مكان تتوجه إليه. تعتمد دائماً نفس تسريحة الشعر المسرح نحو الخلف. أما أزياؤها فقوية لا تعترف بجنس معين. قد تُنسق «تي-شيرت» عادياً مع بنطلون واسع، ومع ذلك تحصل على إطلالة مميزة. قالت دار «بيرلوتي»: «إن هذه الصفات تتطابق تماماً مع السمات الجمالية التي تتميّز بها».

اختارت نادين الكلمة العربية «كُنْ» التي تعني «Be» باللغة الإنجليزية للتلاعب بالألفاظ على شعار «B» الذي تشتهر به «بيرلوتي» (بيرلوتي)

هدفها من التعاون مع الفنّانة ومصمّمة المجوهرات نادين قانصوه إعادة إحياء شعارها. أرادت الجمع ما بين الخط العربي وحرف «B»؛ أول حرف من «بيرلوتي»، لتُميّزه أكثر. وكان اختيار نادين قانصوه هو عز الطلب نظراً للمكانة التي تحظى بها في الساحة الفنية العربية. والأهم من هذا اعتزازها بالخط العربي وكيف توظفه بأسلوب فني. حسب قولها، فإنه وسيلتها «لابتكار تصاميم تستكشف نقاط الالتقاء بين اللغات والثقافات والأفكار». أسست نادين، وهي لبنانية المولد، علامة «بلعربي» في عام 2006. أرادتها منذ البداية أن تكون ديناميكية تجمع جمال التصميم وعمق المعاني. كتبت عليها رسائل حب أو هوية حفرتها على كل قطعة ورصعتها بالأحجار الكريمة. ورغم أن «بلعربي» تأسست في الشرق الأوسط، فإنها سرعان ما اكتسبت شهرةً عالميةً، ليأتي تعاونها مع دار أزياء عالمية مثل «بيرلوتي» ليرسخ مكانتها، علماً أن هذا التعاون لم يكن محض الصدفة أو ضربة حظ. فلقاؤهما كان عبارة عن حوار فني وحرفي بين طرفين لكل منهما جذوره وهويته، لكن يلتقيان في حرصهما على الحرفية والانفتاح على الآخر.

كان اللقاء بينهما بمثابة حوار فني وحرفي (بيرلوتي)

الجميل في هذا التعاون أيضاً أن نادين حرصت على ألا تقع في مطب التقليدي، بمعنى الترويجي الواضح. وبما أن الحروف والكلمات لعبتها، كان من الطبيعي أن تُبدع وتخرج عن المتعارف عليه في مثل هذه التعاونات التي يتم فيها احترام بعض الأساسيات إلى حد التقديس. في المقابل، اختارت كلمة «كُنْ» التي تعني «Be» في اللغة الإنجليزية للتلاعب على شعار «B» الذي تشتهر به «بيرلوتي». أرادت أن ينصهر الرمزان معاً؛ «لوغو» الدار ولمستها الخاصة، داخل دائرة تجسّد روح الوحدة والتفرّد.

اختارت نادين أن تستعمل فعل «كُنْ» وهو «Be» باللغة الإنجليزية للتلاعب بالألفاظ على شعار «B» الذي تشتهر به «بيرلوتي» (بيرلوتي)

وبالنتيجة، تخلّلت بصمتها المجموعة بشكل عربي وكأنه تطريز، مثل «تي-شيرت» أبيض زينته عند الأكتاف أشكال عربية، فضلاً عن عدد من الأكسسوارات الجلدية بتقنية رسم الوشوم التي تشتهر بها «بيرلوتي». هنا مثلاً تصطبغ التشكيلة بطلاء الزنجار بلون «Cacao Intenso» العصيّ على الزمن، وتحتضن حافظة بطاقات وحقيبة الوثائق «Un Jour» وحقيبة الظهر «Time Off». هذا بالإضافة إلى حقيبة سفر مزوّدة بعجلات، وهلم جرا من القطع التي تشكل جزءاً من حياة الرفاهية.


«لورو بيانا» تحطم الرقم القياسي بإنتاج صوف المارينو بقطر 10.2 ميكرون

كومة الصوف الفائز لهذا العام بجائزة Record Bale (لورو بيانا)
كومة الصوف الفائز لهذا العام بجائزة Record Bale (لورو بيانا)
TT

«لورو بيانا» تحطم الرقم القياسي بإنتاج صوف المارينو بقطر 10.2 ميكرون

كومة الصوف الفائز لهذا العام بجائزة Record Bale (لورو بيانا)
كومة الصوف الفائز لهذا العام بجائزة Record Bale (لورو بيانا)

في بيت الفنان البريطاني دايمان هيرست الواقع بالقرب من «ريجنت بارك»، تناثرت أعمال فنية متنوعة في أرجاء المكان، تُشعرك كما لو كنت في متحف مفتوح.

كانت هذه القطع التي جمَعها الفنان على مدى سنوات تتنافس مع قطعة واحدة سرقت الأضواء. كانت عبارة عن كومة صوف توسطت قاعة في الطابق الأول.

يتعالى صوت دايمان برتراند الرئيس التنفيذي لدار «لورو بيانا» ضاحكاً: «إنها القطعة الوحيدة التي يمكنكم لمسها هنا رجاءً». ثم يضيف: «لكن أنصحكم قبل ذلك أن تغلقوا عيونكم وتكتفوا بحاسة اللمس حتى تفهموا ما تعنيه هذه الكومة من الصوف لنا، وما تختزله من سنوات وجهود للحصول على هذا الكنز».

في بيت الفنان البريطاني دايمان هيرست تم عرض الصوف الفائز لهذا العام (لورو بيانا)

كانت المناسبة تقديم الدار الإيطالية المعروفة بصوفها وكشميرها الفاخر جائزة (World Record Bale) لمزارعين من نيوزيلندا وأستراليا حطموا الرقم القياسي بإنتاج خيط من صوف المارينو يصل قطره إلى 10.2 ميكرون فقط، بعد محاولات دامت 10 سنوات لم يستطع أي منهم تخطيها.

ولنا فقط تصور مدى رقة هذه النسبة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن وحدة لقياس دقة الألياف تعادل جزءاً من الألف من المليمتر، ويبلغ قطر شعرة الإنسان 80 ميكروناً.

تتلقى الخرفان التي يتم جز صوفها الفائز من مجموعة منتقاة بعناية تم تدليلها بكل الأساليب (لورو بيانا)

ثم يعود دايمان برتراند ليقول إن قصة خروف المارينو ليست وليدة الساعة. فهي تعود إلى القرن الثامن مع وصول المغاربة إلى الأندلس. حملوا معهم من ضمن ما حملوا هذا النسل من الخرفان. بعد سقوط الأندلس استولى عليه ملوك إسبانيا، وخصصوا له مزارع ملاصقة للقصر الملكي في مدريد. أصدروا أيضاً قانوناً يمنع خروجه من إسبانيا.

في القرن الـ18 فقط اكتسب لقب «هدية الملوك»، حين بدأ استعماله كهدايا لربط ولاءات سياسية بين الدول. ثم إهداؤه مثلاً إلى إلكتور أوف ساكسوني وإلي ملك فرنسا. هذا الأخير خصص له هو الآخر مزرعة ملكية لكي يتوالد. بعد الثورة وما رافقها من تخفيف لكثير من القيود والقوانين، بدأت مرحلة تنقله في أوروبا وباقي القارات.

أخذه معه الكابتن كوك في رحلته الثانية إلى نيوزيلندا في عام 1773، وفي عام 1797 وصل إلى أستراليا. كانت التربة والعوامل الطبيعية ملائمتين جداً. زادت جودة صوفه وخف وزنه في كل منهما.

دايمان برتراند الرئيس التنفيذي ولويجي لورو بيانا يتوسطان الفائزين بالجائزة من نيوزيلندا وأستراليا (لورو بيانا)

بعد 200 عام، دخلت دار «لورو بيانا» على الخط. في أواخر التسعينات، التقى بيير لويجي لورو بيانا، نائب رئيس الدار الحالي، أحد أقدم مربي الأغنام في نيوزيلندا، واسمه دونالد بورنيت. أعجبه سعيه المستمر لتحسين أليافه وكيف يربي أغنامه بشغف. أدرك بيير لويجي على الفور الإمكانات العالية لرؤيته الرائدة، فقرر تأسيس جائزة World Record Bale عام 1997.

ظلت الجائزة بين مزرعتين (إحداهما في أستراليا والأخرى في نيوزيلندا). تتلقيان كل أنواع الدعم لتحفيزهما على إنتاج أدق خيط من صوف المارينو. وهذا ما جعل دايمان برتراند يؤكد أن «هذا الصوف ليس فقط هدية من الطبيعة، بل هو نتيجة العمل الجاد الذي قام به أشخاص استثنائيون يمتلكون شغفاً وإيماناً حقيقياً بالابتكار والقدرة على التغيير والتحسين يوماً بعد يوم».

تم إنتاج خيط من صوف المارينو يصل قطره إلى 10.2 ميكرون فقط (لورو بيانا)

ورغم أن الدار تنتج كَماً هائلاً من الكشمير والصوف ذي النوعيات الجيدة، توفرهما لبيوت الأزياء العالمية المرموقة، فإنها تحتفظ بهذا النوع لاستعمالها الخاص، أو بالأحرى لزبائنها، من الملوك والطبقات الأرستقراطية والأثرياء.

بوصوله إلى هذه الدرجة من الرقة، أصبح يتفوق حتى على صوف الفيكونا الذي يوصف بالصوف الذهبي.

بعد تحطيم الرقم القياسي لسنة 2013 البالغ 10.3 ميكرون* «سيتم استعمال صوف عام 2013، وفق قول لويجي لورو بيانا: «حيث جرت العادة ألا نستعمل الصوف الفائز، ونحتفظ به في حاوية زجاجية في مصنع لورو بيانا الواقع في منطقة كوارونا بيدمونت، حتى يأتي ما هو أحسن منه». كان سعيداً لم يستطع أن يخفي حماسته «فقد كان من الصعب تحطيم الرقم القياسي لعام 2013، وهو 10.3 ميكرون».


«هارودز» تتوجه إلى الرياض في أول لقاء ثقافي

على مدى يومين شهدت الدرعية جلسات حوارية متنوعة تتمحور حول الفخامة ومفهوم التفرد (إيفانت إيماجري)
على مدى يومين شهدت الدرعية جلسات حوارية متنوعة تتمحور حول الفخامة ومفهوم التفرد (إيفانت إيماجري)
TT

«هارودز» تتوجه إلى الرياض في أول لقاء ثقافي

على مدى يومين شهدت الدرعية جلسات حوارية متنوعة تتمحور حول الفخامة ومفهوم التفرد (إيفانت إيماجري)
على مدى يومين شهدت الدرعية جلسات حوارية متنوعة تتمحور حول الفخامة ومفهوم التفرد (إيفانت إيماجري)

في عام 1849 بدأت حكاية «هارودز» في حي «نايتس بريدج» وسط لندن. وُلد كمعَلمة ولا يزال. مع الوقت، تطوُر من محل لبيع المنتجات الفخمة إلى أيقونة موضة، ثم إلى أسلوب حياة يضم مطاعم ومنتجعات للعناية بالجمال. لكن هذا لم يعد يكفي في ظل ثقافة العصر التي انفتحت على أسواق جديدة لها صوت وتأثير. أصبح لزاماً عليه التوجه إلى هذه الأسواق بلغة ثقافية تحترم هوية كل بلد، وفي الوقت ذاته تُشبع رغبته في الاطلاع على آخر المستجدات.

انطلاقاً من هذا الأمر، أطلق في عام 2021 مبادرة أطلق عليها اسم «هارودز هايف» تستهدف احتضان المواهب المحلية الصاعدة في كل مكان تتوجه إليه. يضع خبراؤه بين أيديهم قرنين وأكثر من الخبرات والموارد. كانت البداية في شنغهاي عام 2021 تلتها بكين ثم دبي، وفي الأسبوع الأخير من شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الرياض.

كانت هذه المرة الأولى التي تقوم بها «هارودز» بهذه المبادرة في المملكة. كان مهماً لها أن تضع فيها كل ثقلها من اختيار مكان الحدث إلى نوعية الحوارات. وهكذا شهد حضور الرياض على مدى يومين برنامجاً حافلاً من الجلسات الحوارية والنقاشات، تفاعلت فيها المواهب السعودية الصاعدة مع خبراء ومتخصصين لهم باع في مجال الترف بكل أنواعه. كانت تيمة النسخة السعودية بعنوان «الغوص في مفهوم الفخامة» مركّزاً على مفهوم النُّدرة، ومدى تَأثُّر رؤيتنا للفخامة بالحصرية والتفرّد.

أقيم الحدث في منطقة الدرعية نظراً لرمزيتها الثقافية وأحد مُنجزات «رؤية المملكة 2030» (إيفانت إيماجري)

أما المكان الذي تم اختياره، فكان بوّابة الدرعية. خيار له رمزيته وأهميته، بالنظر إلى أن الدرعية أحد مُنجزات «رؤية المملكة 2030»، ومن المرتقب أن تُصبح من أهمّ الوجهات السياحية والعاصمة الثقافية في السعودية. إضافة إلى كل هذا، فهي تُشكّل معَلماً للاستدامة، مع مبادرات تُركّز على الثقافة والتراث، والصحة والعافية، إلى جانب مجالات أخرى تُسلط الضوء على ثقافة المملكة وتاريخها العريق. التركيز على الجانب الثقافي هو ما جذب «هارودز» وفق ما صرّح به مايكل ورد، المدير العام لـ«هارودز هايف» قائلاً: «يُسعدنا التواجد في الرياض للمرة الأولى وفي الدرعية تحديداً. لم نجد من وجهة لاستضافة هذه المبادرة التي نقوم بها أفضل منها. فهي وجهة ثقافية وسكنية، كما أنّها مهد انطلاق المملكة، ورمز للوحدة والجمال والصمود».

أما بالنسبة للجلسات الحوارية التي شهدتها الفعالية على مدى يومين، فتنوَعت وأمتعت، مثل جلسة بعنوان «تسليط الضوء على المواهب النادرة» تم التطرق فيها إلى السُبل التي يعتمدها المبدعون في الشرق الأوسط للتوفيق بين الحرفية التقليدية والأساليب المبتكرة لتصميم قطع عصرية، مع الإشارة إلى مساهمة الفنّانين والحرفيين عموماً في النمو الاقتصادي لبلدهم وأهميّة صقل مهارات الجيل المقبل.

أجمع الكثير من الأصوات على أن العالم ينبذ الرتابة وتكرار الأسماء نفسها وهو ما يفتح الأبواب أمام المواهب الصاعدة لإظهار إمكاناتها (إيفانت إيماجري)

جلسة أخرى بعنوان «واحد في المليون» غاصت في مدى تأثير الفرادة والحصريّة على رؤيتنا للفخامة. شاركت في هذه الجلسة الأميرة الجوهرة بنت طلال بن عبد العزيز، سيّدة الأعمال والناشطة في الأعمال الخيرية ورئيس مجلس إدارة شركة «أطلال المجد» للخدمات التجارية؛ وري جوزيف، رائدة الأعمال والاستشارية في مجال الأزياء؛ وشهد السهيل، رائدة الأعمال ومؤسّسة علامة «أباديا» الفاخرة والمستدامة. أمّا الحلقة الثالثة والأخيرة، فركّزت على تعدّد الخلفيات الثقافية في الشرق الأوسط ودورها في إثراء الفنون الإبداعية. حملت الحلقة عنوان «السرّ وراء التألّق الإبداعي»، وتمحورت حول الهوية الثقافية، وتجسيد التراث الشخصي ودمج الطابعَين التقليدي والحديث في الفنون الإبداعية.

كان هناك حماس منقطع النظير حتى بعد انتهاء الجلسات (إيفانت إيماجري)

في هذا الإطار، علَقت الأميرة الجوهرة بنت طلال بن عبد العزيز، على أهمية الاعتزاز بالهوية والتراث مع مواكبة متطلبات العصر قائلة: «لم أُرِد يوماً أن أغيّر أي شيء في تقاليدنا؛ لأنّنا نملك الكثير من الفنون والإبداع. نحن نعدّ تقاليدنا من المسلّمات، لكن العالم توّاق لما هو جديد – وينبذ الرتابة – فقد ملّ من العلامات التجارية نفسها والتصاميم ذاتها». هذه القناعات جعلت القديم والجديد في معظم الحوارات يلتقيان برؤية حيوية يُحرّكها جيل من الشباب يعشق الموضة وآخر مستجداتها. رغم أنه تواق للتجديد لا ينسى أو يتنصّل من قديمه.